فســـخ عقـــد البيـــع الدولـــى

للبضـــائع

وفقـــاً لاتفاقيـــة فيينـــا لعـــام 1980

الدكتـور

خــالد أحمــد عبــد الحميــد

المستشـار بمحكمـة النقـض

الطبعـــة الثانيـــة

2001



 

 

 

 

 

  إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً 1  ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبِكَ
وما تأخر ويُتم نعمتهُ عليك ويهديكَ صراطاً مستقيماً 2    

 

 



تنويــــــــه

كان هذا المؤلف موضوعاً لرسالة قدمت للحصول على درجة الدكتوراه فى الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة.

وتمت مناقشتها بتاريخ 20/12/2000، وشكلت لجنة المناقشة والحكم من الدكتور محمود سمير الشرقاوى أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - مشرفاً ورئيساً، والدكتور أبو زيد رضوان أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة عين شمس - عضواً، والدكتور رضا عبيد أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - فرع بنى سويف - عضواً.

وقد حصلت الرسالة على تقدير ممتاز والتوصية بتبادلها مع الجامعات العربية والأجنبية.

 

 



M

1- بدأت علاقات التجارة الدولية تبتعد منذ وقت غير قريب عن سيطرة وسطوة القوانين الداخلية، لتحكم أو تنظم عن طريق قواعد ذات طابع مهنى وقواعد عرفية لا تنتمى بأصلها إلى قواعد مستمدة من قانون دولة ما، بقدر ما تستمد من واقع ما يمكن أن يطلق عليه "مجتمع التجار الدولى". وتعتبر هذه القواعد بمثابة قانون يعلو بالضرورة "فوق الدول" Supranational أو هو "قانون غير وطنى" A national، يجسد فى الواقع قانون التجارة الدولية القديم والمعروف باسم Lex mercatoria[1].

ويرجع سبب اللجوء إلى هذه القواعد العرفية أن القوانين الوطنية كانت تعجز فى كثير من الحالات عن متابعة تطورات التجارة الدولية[2]. حتى قيل بأن التجارة الدولية لا تجد أحسن الظروف لنموها إلا إذا أفلتت من قيود واختلاف التشريعات والقوانين الوطنية، والتى تجعل القلق وعدم الأمان ملازماً للعقود الدولية التى تخضع لها[3].

كما أن تحديد القانون الوطنى الواجب التطبيق يرجع فيه إلى قواعد القانون الدولى الخاص المتعلقة بتنازع القوانين، وهى قواعد عسيرة الفهم على رجال القانون أنفسهم، وهى تختلف من دولة إلى أخرى مما يثير الكثير من الشك
حول القانون الذى سوف يحكم النزاع[4]. فإذا لم يحدد المتعاقدان هذا القانون فى عقدهما، تعذر عليهما معرفة القانون الذى سوف يطبقه القاضى إذا ثار نزاع بينهما[5]. وأدى ذلك إلى إشاعة القلق فى التعامل التجارى الدولى، وإلى استشعار رجال التجارة الدولية الحاجة إلى قواعد قانونية جديدة تكون أكثر مناسبة لظروفهم.

2- وتجد هذه القواعد العرفية للتجارة الدولية مصدرها فى العقود النموذجية Contrats-Types أو الشروط العامة Conditions Générales، وهى شروط يتفق عليها تجار سلعة معينة فى منطقة جغرافية معينة ويلتزمون بإرادتهم الحرة باتباعها فيما يبرمونه من صفقات تتعلق بهذه السلعة. وتحرر هذه الشروط عادة من نماذج مختلفة، يراعى فى كل نموذج منها ظروف تجار السلعة فى منطقة معينة، ويختار المتعاقدان النموذج الذى يتفق وظروفهم الخاصة، وقد ذاعت هذه الشروط العامة فى الوقت الحاضر حتى صارت تشمل أنواعاً عديدة من السلع وتغطى مناطق جغرافية شاسعة، ومثالها الشروط العامة التى وضعتها جمعية لندن لتجارة الغلال The London Corn Trade Association، والشروط العامة التى وضعتها اللجنة الاقتصادية الأوروبية بشأن توريد الأدوات والآلات اللازمة لتجهيز المصانع La fourniture des matériels d'équipement.[6]

كذلك فإن القواعد الدولية لتفسير مصطلحات التجارة الدولية والمعروفة باسم Incoterms والصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس[7]، تعد أحد المصادر الأساسية لقواعد التجارة الدولية، ورغم أنها قواعد اختيارية يجب أن يتفق المتعاقدان على تطبيقها، إلا أنها تُعد تقنيناً يهتدى به للعرف الدولى فى البيوع التجارية الدولية، وتستخدمها فى الغالب الأعم العقود ذات الشكل النموذجى، بل ينظر إليها البعض باعتبارها المصدر الأساسى لقانون هذه البيوع الدولية.[8]

وقد تجد قواعد التجارة الدولية مصدرها فى الاتفاقيات الدولية التى تبرم بين عدد من الدول بقصد وضع قواعد موضوعية موحدة تسرى على المعاملات الدولية، فتلتزم الدول الموقعة عليها بتطبيق أحكامها. لكنها
لا يترتب عليها إلغاء القانون الوطنى فى شأن الموضوع الذى تتناوله الاتفاقية، وإنما ينكمش مفعول هذا القانون فى حدود الدولة فلا يسرى إلا على المعاملات الداخلية، أما المعاملات الدولية فتسرى عليها أحكام الاتفاقية[9].

3- وقد عملت بعض الهيئات الدولية على وضع قواعد موضوعية موحدة دولية تخضع لها مباشرة معاملات التجارة الدولية، منها المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص L'institut international pour L'unification de droit Privé[10]، والذى أولى اهتماماً لعدة مسائل فى القانون الخاص تتعلق بموضوعات التجارة الدولية من أهمها البيوع الدولية. وقد أسفرت جهوده فى هذا المجال عن توقيع اتفاقيتى لاهاى فى أول يوليو سنة 1964، واللتين تتضمنان قواعد موحدة للبيوع الدولية الأولى منهما تتعلق بالقانون الموحد للبيع الدولى للمنقولات المادية، والثانية تشتمل على قواعد موحدة خاصة
بتكوين هذا العقد. وقد دخلت الاتفاقيتان حيز التنفيذ منذ 18 و23 أغسطس سنة 1972 بالنسبة للدول التى صدقت عليهما[11].

ورغم الجهود التى بذلت فى إعداد اتفاقية لاهاى إلا أنها فشلت فى تحقيق الغرض المقصود منها، إذ لم يصدق عليها سوى عدد قليل من الدول[12]. ويرجع ذلك إلى أن الأعمال التحضيرية لهذه الاتفاقية شارك فيها عدد محدود من الدول غلبت عليه النزعة الأوروبية[13]، وتنتمى غالبيتها إلى النظام الرأسمالى مما أدى إلى إحجام الدول الاشتراكية فى ذلك الوقت ومنها
الاتحاد السوفيتى عن الانضمام إليها[14]. ونتيجة لذلك جاءت الاتفاقية معبرة فى بعض أحكامها عن وجهة نظر تنتمى إلى نظام قانونى واحد، فظهرت الحاجة إلى اتفاقية جديدة تتسع فيها المشاركة لتعبر عن كافة المصالح والأنظمة القانونية[15].

 4- وأنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 17 ديسمبر 1966 لجنة دائمة أسمتها "لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى"[16] United Nations Commission of International trade Law، بقصد تشجيع التنسيق والتوحيد التدريجى لقانون التجارة الدولية. وحدد قرار إنشائها نوعية الأعمال التى يتسنى للجنة القيام بها لتحقيق هذا الغرض، ومنها على وجه الخصوص إعداد مشروعات اتفاقيات دولية وقوانين نموذجية وقوانين موحدة جديدة، أو تشجيع الأخذ بهذه الأدوات، وتشجيع تدوين المصطلحات التجارية والقواعد والعادات والممارسات الخاصة بالتجارة الدولية ونشرها[17].

 وقد تصدت اللجنة لوضع اتفاقية جديدة للبيع الدولى بعد فشل اتفاقيتى لاهاى لسنة 1964، فشكلت مجموعة عمل لوضع مشروع الاتفاقية الجديدة اتخذت من اتفاقيتى لاهاى أساساً لها. وفى عام 1976 أتمت مجموعة العمل وضع مشروعى اتفاقيتين، الأولى لتكوين البيع والثانية لآثاره، وناقشت اللجنة المشروعين في دورة انعقادها عام 1978 وأقرتهما، لكنها أدمجتهما فى
مشروع اتفاقية واحدة خصصت الجزء الثانى منها لتكوين البيع والجزء الثالث لآثاره. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المشروع، وأحالته إلى مؤتمر دبلوماسى انعقد بمدينة فيينا عام 1980 والذى أقر هذا المشروع فى
11 إبريل 1980، وحملت الاتفاقية اسماً رسمياً هو "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع"[18].

ونصت الاتفاقية على أن يبدأ سريانها فى اليوم الأول من الشهر التالى لانقضاء اثنى عشر شهراً على تاريخ إيداع الوثيقة العاشرة من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام[19]، وقد اكتمل عدد التصديقات المطلوب
لنفاذ الاتفاقية بإيداع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا وثائق تصديقاتها فى 11 ديسمبر 1986[20]. وعلى ذلك بدأ نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدول التى صدقت عليها حتى 11 ديسمبر 1986 - ومنها مصر - من اليوم الأول من شهر يناير 1988[21]. وحظيت الاتفاقية بعد ذلك بقبول واسع، إذ صدق عليها حتى نهاية عام 1998 ثلاث وخمسون دولة، مما جعلها من
أكثر الاتفاقيات الدولية لتوحيد قواعد التجارة الدولية نجاحاً حتى الوقت الحاضر[22]، حتى قيل بأنها يمكن أن تُعد القانون الجديد للتجار
The new Lex mercatoria[23]. ونتناول فيما يلى تعريف عقد البيع الدولى، وتنظيم اتفاقية
فيينا له، ثم الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى، ونحدد أخيراً  موضوع دراستنا وخطة البحث.


أولاً: عقد البيع الدولى:

5- تعريف عقد البيع: يجرى النشاط التجارى الدولى - فى الأغلب -  على أساس من عقد بيع، يبرمه طرفان من دولتين مختلفين، على بضاعة سوف يجرى نقلها من البائع إلى المشترى، مقابل ثمن يتم تسديده بطرق معينة. فالبيع هو الأداة القانونية الفعلية التى يتحقق بها هذا النشاط الاقتصادى[24].

ولا تختلف التشريعات الوطنية كثيراً فى تعريفها لعقد البيع، إذ تعتمد فى تعريفها على ما يرتبه البيع من التزامات على طرفيه، وهى نقل ملكية  لبضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ثمن نقدى، وقد صار الالتزام بنقل
المكية فى القوانين الحديثة ليس من طبيعة البيع فحسب، بل من مستلزماته أيضاً، فكل عقد بيع لابد أن ينشئ التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى، ويتم تنفيذ هذا الالتزام فى بعض البيوع بمجرد العقد وبقوة القانون، بينما يقتضى البعض الآخر قيام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى تنفيذاً لالتزامه بذلك، أى قيامه بالأعمال اللازمة لذلك[25]. وترتب على ذلك اختلاف القوانين الوطنية فى شأن أثر البيع فى ملكية المبيع، فمنها ما رتب على مجرد انعقاد البيع انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشترى، ومنها ما لا يرتب على البيع إلا مجرد إنشاء التزام بنقل الملكية[26].


فنجد أن القانون المصرى يُعرف عقد البيع بأنه عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشترى ملكية شئ أو حقاً مالياً آخر فى مقابل ثمن نقدى[27]. فيركز هذا التعريف على صفة البيع كعقد ناقل للملكية، إذ يرتب التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى[28].

ويقترب تعريف القانون الإنجليزى لعقد البيع من هذا المفهوم، إذ يعرفه بأنه "عقد ينقل البائع بمقتضاه - أو يتعهد بنقل - ملكية البضاعة إلى المشترى نظير مقابل نقدى يسمى الثمن"[29]. فيجب أن يقدم كل طرف شيئاً فى مقابل
ما يحصل عليه، فيقدم البائع - أو يتعهد بتقديم - ملكية البضاعة، ويقدم المشترى أو يتعهد بتقديم نقود كثمن لها[30]. وعلى ذات النهج يُعرف القانون الأمريكى البيع بأنه "نقل ملكية البضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ما يدفعه الأخير من ثمن"[31].


أما القانون الفرنسى فقد ركز على الالتزام بالتسليم، إذ عرف عقد البيع بأنه "العقد الذى يلتزم بموجبه أحد الطرفين بتسليم شئ مقابل التزام الطرف الآخر بدفع الثمن"[32]. فتنتقل الملكية فى القانون الفرنسى بصفة أساسية بمجرد العقد، ولا تمثل التزاماً على عاتق البائع والذى لا يلتزم إلا بتسليم الشىء المبيع أى بنقل حيازته إلى المشترى[33].

وتختلف البيوع الدولية فى نظرتها لأثر البيع الناقل للملكية، إذ ينصرف نظر أصحابها إلى التسليم الموافق لشروط العقد وحده، باعتباره مركز الثقل فى هذه المعاملات، وتنتقل الملكية إلى المشترى بمجرد تمام هذا التسليم[34]. فأصبح الالتزام بالتسليم هو أساس العقد الدولى لبيع البضائع ومحور أحكامه، وأصبح يعنى فى الوقت الحاضر الالتزام بنقل الملكية، وذلك لصعوبة الفصل بين الالتزامين فى التعامل التجارى، لتعلق بيع البضائع فى الغالب بأشياء منقولة معينة بالنوع فلا تنتقل ملكيتها بمجرد التعاقد، كما هو شأن بيع المنقول المعين بالذات. ولذلك فإن الاتفاقيات الدولية التى نظمت عقد البيع الدولى لم تتعرض للالتزام بنقل الملكية، وإنما للالتزام بالتسليم وحده[35].

6- دولية عقد البيع: اختلف الرأى بصدد دولية عقد البيع، أى المعنى المقصود من "الدولية" فذهب القضاء الفرنسى إلى أن العقد يكون دولياً إذا كان يتصل بمصالح التجارة الدولية "Met en jeu les intérêts du commerce "international. إلا أن هذا التعريف لا يتسم بالوضوح، إذ لم يحدد كيف يكون اتصال العقد بالتجارة الدولية، فهو تعريف غامض لا يساعد على تحديد مدلول العقد الدولى. وهو ما دفع البعض إلى تقرير أن العنصر الحاسم في تحديد دولية البيع هو إقامة طرفى العقد فى دولتين مختلفتين[36]. بينما ذهب بعض آخر إلى الاعتداد باختلاف جنسية المتعاقدين[37].

لكن اختلاف جنسية المتعاقدين أو اختلاف محال إقامتهما قد يؤديان إلى إضفاء الصفة الدولية على عقود بيع لا تمت إلى التجارة الدولية بصلة، كالبيع الذى يبرم بين أجنبيين من جنسيتين مختلفتين يقيمان فى مصر مثلاً وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها إلى مكان آخر، أو البيع الذى يبرم فى مصر بين مصرى يقيم بمصر وفرنسى يقيم بفرنسا لكنه فى زيارة لمصر وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها وبثمن يدفع فى مصر وبالعملة المصرية، فالبيع فى الحالتين تغلب فيه الصفة الوطنية رغم اختلاف جنسية المتعاقدين ومحال إقامتهما[38].

 لذلك ذهب رأى إلى أن مجرد اختلاف جنسية أو موطن المتعاقدين لا يكفى لإضفاء صفه الدولية على عقدهما إذا لم يكن مكان إبرامه أو أعمال تنفيذه أو مكان وجود محله يهم أكثر من نظام قانونى، أى أكثر من قانون دولة واحدة. ويعرف العقد الدولى بالبناء على ذلك بأنه "العقد الذى يبرم بين مختلفى الجنسية أو متحديها إذا كان مكان إبرامه، أو أعمال تنفيذه، أو مكان وجود
محله يهم أكثر من نظام قانونى". ويقصد من هذا التعريف الإشارة إلى أن العقد لن يعتبر دولياً إلا إذا كان يتعلق بمعاملة دولية تقتضى تبادل بضائع أو أموال أو خدمات بين دول مختلفة، ولا يتوقف اعتباره دولياً على مجرد اختلاف
جنسية أو موطن أطرافه إن لم يقتض مثل هذا التبادل[39].

7- وتحدد الاتفاقيات الدولية التى تنظم البيع الدولى فى الغالب المقصود بالدولية، لأن أحكامها تتعلق بالبيع الدولى وحده فكان من اللازم بيان ضوابط الدولية التى يمكن على أساسها تحديد هذا البيع الدولى الخاضع لأحكامها.
فنجد أن اتفاقية لاهاى لسنة 1964 لم تعتد فى تحديد البيع الدولى الذى يخضع لأحكامها باختلاف جنسية المتعاقدين، إذ قد يُعد البيع دولياً ولو كان كل من البائع والمشترى من جنسية واحدة. وإنما جعلت العبرة باختلاف مراكز أعمال المتعاقدين أو محال إقامتهم العادية، واشترطت بالإضافة إلى هذا المعيار الشخصى أن يتوافر أحد معايير موضوعية ثلاثة:

الأول: هو وقوع البيع على سلع تكون عند إبرامه محلاً لنقل من دولة إلى أخرى، أو ستكون بعد إبرام البيع محلاً لمثل هذا النقل.

والثانى: هو صدور الإيجاب والقبول فى دولتين مختلفتين، ولا يشترط أن تكونا الدولتين اللتين يقع فيهما مركز أعمال المتعاقدين أو محل إقامتهما العادية، إذ المعتبر هو اختلافهما فحسب.

والثالث: هو تسليم المبيع فى دولة غير التى صدر فيها الإيجاب والقبول، ويكون البيع فى هذا الفرض دولياً ولو لم يقتض انتقال المبيع من دولة إلى أخرى[40].

ويعنى ذلك أنه يُشترط لكى يُعد البيع دولياً وفقاً لاتفاقية لاهاى أن يكون هناك عبور للحدود سواء من ناحية تكوين العقد أو من ناحية تنفيذه، بمعنى أن يتم تكوين العقد أو تنفيذه فى دول مختلفة. كما يعنى أن البيع يمكن أن يكون دولياً حتى لو كان المتعاقدان يحملان جنسية دولة واحدة ولكن يوجد مركز أعمال كل منهما فى دولة مختلفة، وأن البيع لا يكون دولياً إذا اختلفت جنسية المتعاقدين، ولكن كانت مراكز أعمالهما فى نفس الدولة[41].

 

 


ثانياً: تنظيم اتفاقية فيينا لعقد البيع الدولى:

8- ماهية عقد البيع فى اتفاقية فيينا: لم تُعرف اتفاقية فيينا لسنة 1980 عقد البيع واكتفت بتحديد الالتزامات الرئيسية لطرفيه، فنصت على أن البائع يجب عليه أن يُسلم البضائع والمستندات المتعلقة بها وأن ينقل ملكية البضائع على النحو الذى يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية[42]. كما نصت على أن المشترى يجب عليه أن يدفع ثمن البضائع وأن يستلمها[43].

لكن الاتفاقية تعرضت لنوعين من البيوع لما قد يثار من شك حول تكييفهما، الأول هو عقد البيع الذى يقترن به عملية مادية هى صنع السلعة وفقاً للمواصفات المطلوبة، فنصت على أن تعتبر بيوعاً عقود التوريد التى يكون موضوعها صنع بضائع أو إنتاجها إلا إذا تعهد الطرف الذى طلب البضائع بتوريد جزء هام من العناصر المادية اللازمة لصنعها أو إنتاجها[44].

فالأصل إذن فى البيوع المقترنة بطلب صنع السلعة أو إنتاجها أنها تعتبر بيوعاً خاضعة لأحكام الاتفاقية، إلا إذا تعهد طالب صنع السلعة أو إنتاجها بتقديم جزء جوهرى مما يلزم لصنعها أو إنتاجها، فيكون العقد فى هذه الحالة شيئاً آخر غير البيع كعقد مقاولة أو إستصناع، فلا يخضع لأحكام الاتفاقية. ويتوقف اعتبار العقد بيعاً على جوهرية العنصر الذى يتعهد طالب السلعة بتقديمه، أى على أهمية الدور الذى يقوم به فى تكوينها، ولو لم يكن أكثر العناصر عدداً أو أضخمها وزناً أو أكبرها حجماً[45].

والنوع الثانى من البيوع الذى تعرضت له الاتفاقية هو الذى يتضمن بالإضافة إلى توريد البائع للبضاعة التزامه بتقديم خدمات للمشترى، كالمساعدة فى تجميع الأجهزة وتشغيلها وتدريب عمال المشترى ومساعدتهم فى اكتساب المهارات الفنية. وقد عرفت التجارة الدولية هذه العقود منذ زمن بعيد، والغالب أن يسمى البائع فيها "المقاول" Constructeur[46]، ومن أمثلتها "عقد تسليم مفتاح" Contrat Clé en main والذى يلتزم فيه المقاول بإتمام عمليات إقامة الأبنية وتوريد الآلات والأجهزة وتركيبها وتجربتها وإعداد المصنع للتشغيل، وقد يعهد إليه بخدمات إضافية تتمثل فى تشغيل المصنع وتدريب العاملين المحليين حتى تكتمل قدراتهم على إنتاج السلعة بالمواصفات المطلوبة، ويطلق على العقد عندئذ اسم "عقد تسليم إنتاج" Contrat produit en main[47]. وقد نصت الاتفاقية على أنها لا تطبق على هذه العقود إذا كان الجزء الأساسى فيها يتضمن التزام الطرف الذى يقوم بتوريد البضائع تقديم اليد العاملة أو غير ذلك من الخدمات[48]. فشرط عدم خضوع هذه العقود  للاتفاقية أن يثبت أن الجزء الغالب من التزامات المقاول يتمثل فى تقديم عمل أو القيام بخدمة أخرى بحيث لا يعتبر توريد البضائع سوى أحد الالتزامات التابعة لالتزامات المقاول فى العقد. ويستعان فى إثبات ذلك بتقدير قيمة البضائع التى يتم توريدها مع مقارنتها بالأجر الذى سيدفع مقابل العمل أو الخدمة، فإذا كانت القيمة الأولى هى الغالبة بأن كانت أكثر من 50% من القيمة الكاملة للعقد، فإن العقد يُعد بيعاً خاضعاً لأحكام الاتفاقية وإلا فهو عقد مقاولة يستبعد من الخضوع لها[49].

9- البيوع المستبعدة: وإذا كانت اتفاقية فيينا تضع تنظيماً موحداً لعقد بيع البضائع، فإن مؤدى ذلك أن يستبعد من نطاق تطبيقها بيع العقار، لأن العقار لا يُعد من البضائع، وكذلك بيع المنقولات المعنوية كبراءات الاختراع والعلامات التجارية لأن لفظ البضائع يشير إلى المنقولات المادية بصفة خاصة. كما يرجح استبعاد المقايضة أيضاً من نطاق تطبيقها لأن
الاتفاقية أشارت صراحة إلى التزام المشترى بأداء الثمن والمقايضة هى مبادلة شىء بشىء[50].

واستبعدت الاتفاقية صراحةً أنواعاً أخرى من البيوع، فنصت على عدم سريان أحكامها على بيوع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده، ولا يفترض فيه أن يعلم، بأن البضائع أشتريت لاستعمالها فى أى وجه من الوجوه المذكورة[51]. وكان من اللازم النص صراحةً على استبعاد مثل هذه البيوع والتى تُعد بيوعاً استهلاكية، بعد أن نصت الاتفاقية صراحةً على عدم الاعتداد بالصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد، مما مؤداه أن تخضع هذه البيوع لأحكام الاتفاقية إذا لم تستبعد صراحةً من نطاقها[52].

ويرجع استبعاد هذه البيوع إلى أنها غالباً ما يتم تنظيمها فى القوانين الوطنية بقواعد آمرة تهدف إلى حماية المستهلكين، بالإضافة إلى انعدام الصلة بينها وبين التجارة الدولية. ويقع على المشترى عبء إثبات أن الشراء كان للاستعمال الشخصى، لأن الغالب أن يكون هو من يتمسك بتطبيق القانون الوطنى عليه، ويكون على البائع فى هذه الحالة إثبات أنه كان لا يعلم وقت التعاقد الغرض من الشراء ولم يكن فى إمكانه هذا العلم[53].

واستبعدت الاتفاقية من نطاق تطبيقها بيوع المزاد والبيوع التى تعقب الحجز أو غيرها من البيوع التى تتم بموجب أمر من السلطة القضائية[54]. ويرجع ذلك إلى أن بيوع المزاد لا يعرف فيها المشترى إلا لحظة رسو المزاد، فلا يمكن التعرف على دولية البيع ومدى خضوعه للاتفاقية قبل هذه اللحظة، ويكون الأولى إخضاع البيع لقانون الدولة التى يتم رسو المزاد بها. أما البيوع التى تتم بأمر من السلطة القضائية فالغالب أن يتم تنظيمها بقواعد آمرة فى القوانين الوطنية، فيتعين تركها لمثل هذا التنظيم[55].

واستبعدت الاتفاقية أيضاً من نطاق تطبيقها بيوع الأوراق المالية كالأسهم والسندات وشهادات الاستثمار، والأوراق التجارية كالكمبيالات والسندات الإذنية والشيكات، وبيع النقود أى عمليات الصرف الأجنبى[56]. وكذلك بيع السفن والمراكب والحوامات والطائرات[57]، وبيع الكهرباء[58]. ويرجع ذلك إلى أن هذه البيوع يتم تنظيمها فى الغالب فى القوانين الوطنية بأحكام خاصة تختلف عن أحكام البيع، وقد تكون آمرة. وفيما يتعلق ببيع النقود فإنه لا يستبعد من نطاق الاتفاقية إذا بيعت النقود بوصفها سلعة كبيع النقود الأثرية. أما بيع الكهرباء فيرجع استبعاده إلى الخلاف فى القوانين الوطنية حول ما إذا كانت الكهرباء منقولاً مادياً أم معنوياً، ويقتصر الاستبعاد على الكهرباء وحدها دون غيرها من مصادر الطاقة الأخرى[59].


10- ضابط الدولية فى اتفاقية فيينا: حددت اتفاقية فيينا متى يكون عقد البيع دولياً، فنصت على أن أحكامها تطبق على عقود بيع البضائع المعقودة بين أطراف توجد مراكز أعمالهم فى دول مختلفة[60]، دون اعتداد بجنسياتهم[61]. فوضعت الاتفاقية بذلك للدولية معياراً واحداً بسيطاً هو تواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دولتين مختلفتين، دون أن ينظر فى ذلك إلى مكان إبرام العقد أو تنفيذه أو جنسية المتعاقدين أو مكان وجود البضاعة موضوع عقد البيع[62].

ولم تُعرف الاتفاقية المقصود بمركز الأعمال[63]. فقد يكون المتعاقد شخصاً معنوياً أو فرداً، ويكفى فى الحالتين أن يوجد له مكان فى دولة معينة يمارس فيه عمله[64]. ويجب أن يكون هذا المكان دائماً، سواء كان مصنعاً أو محلاً تجارياً أو مكتباً أو وكالة، أما المنشآت العارضة فلا تؤخذ فى الاعتبار عند النظر فى تعيين نطاق تطبيق الاتفاقية[65].

لكن الاتفاقية اشترطت للاعتداد بتواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دول مختلفة أن يتبين ذلك من العقد أو من أى معاملات سابقة بين الأطراف، أو من المعلومات التى أدلى بها الأطراف قبل انعقاد العقد أو فى وقت انعقاده[66]. ويعنى ذلك أن يكون كل من الطرفين عالماً وقت التعاقد أن مركز أعمال الطرف الآخر يوجد فى دولة أخرى، فيدرك بذلك أن البضاعة سوف تتخطى حدود الدولة وأن ثمنها سوف يرتد فيما بعد من الخارج[67]. وقصد بهذا الحكم مواجهة الحالة التى يتم فيها التعاقد مع وكيل محلى لمنشأة أجنبية، دون أن تظهر هذه المنشأة فى العقد أو يعلم بها الطرف الآخر[68].

وإذا كان لأحد الطرفين أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانت محل نظر بينهما فى أى وقت قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده[69]. وإذا لم يكن لأحد الطرفين مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد[70]. وهو المكان الذى يقيم فيه الشخص عادة وإذا تركه مؤقتاً فإنه يعود إليه[71].

ولم تكتف الاتفاقية بتواجد مراكز أعمال المتعاقدين فى دول مختلفة إنما أضافت إلى ذلك ضرورة توافر أحد شرطين، الأول هو أن تكون هذه الدول التى توجد بها مراكز أعمال المتعاقدين دولاً متعاقدة[72]. فتطبق الاتفاقية إذا كانت مراكز أعمال المتعاقدين موجودة فى دول مختلفة متعاقدة، أى صدقت على الاتفاقية أو انضمت إليها وأصبحت جزءاً من قانونها
الوطنى، وذلك حتى لو أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة ثالثة[73].

والشرط الثانى الذى تُطبق أحكام الاتفاقية فى حالة تحققه، هو عندما تؤدى قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة[74].

ويعنى ذلك أن الاتفاقية قد وسعت من نطاق تطبيقها بصورة كبيرة،بحيث تطبق على عقود بيع لا يوجد مركز أعمال لأحد طرفيها فى دولة متعاقدة، أو حتى لا يوجد مركز أعمال لأى من طرفيها فى دولة متعاقدة، وإنما يكون تطبيقها فى هذه الحالة نتيجة تطبيق قواعد القانون الدولى الخاص[75]. فإذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص فى هذه الحالة إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة فإن الذى يطبق هو أحكام الاتفاقية وليس القانون الداخلى لهذه الدولة[76].

وقد اعترضت بعض الدول فى المؤتمر الدبلوماسى الذى ناقش مشروع اتفاقية فيينا، على هذا الحكم الأخير بحجة أن لديها تشريعات وضعت خصيصاً لمواجهة متطلبات التجارة الدولية وطلبت عدم إلزامها بتطبيق أحكام الاتفاقية إذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانونها[77]. ونتج عن ذلك أن أضيف حكم جديد إلى الاتفاقية يجيز لأى دولة متعاقدة أن تعلن وقت إيداع وثيقة تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها أنها لن تلتزم بأحكام البند  ب  من الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية[78].

11- موضوعات البيع المستبعدة: لم تنظم اتفاقية فيينا جميع موضوعات البيع فى العقود التى تخضع لأحكامها، وإنما قصرت تطبيقها على تكوين عقد البيع والحقوق والالتزامات التى ينشئها هذا العقد لكل من
البائع والمشترى[79].

ويرجع سبب قصر الاتفاقية على هاتين الناحيتين أنهما دون غيرهما من نواحى البيع الأخرى أطوع للتوحيد لخلوهما من المعوقات التى تحول دون بلوغه، كما أنهما أوثق النواحى صلة بالتجارة الدولية، إذ تدور حولهما فى أغلب الفروض المنازعات التى تنشأ عن البيع الدولى[80].

وذكرت الاتفاقية أمثلة لبعض المسائل التى لا تشملها أحكامها فنصت على أنها لا تتعلق على وجه الخصوص بصحة العقد أو شروطه أو الأعراف المتبعة فى شأنه[81]. وكذلك لا تتعلق بالآثار التى يحدثها العقد في شأن ملكية البضائع المبيعة[82]. كما نصت على أن أحكامها لا تسرى على مسئولية البائع الناتجة عن الوفاة أو الإصابات البدنية التى تحدث لأى شخص بسبب البضائع[83].


وأجازت الاتفاقية للطرفين استبعاد تطبيقها أو مخالفة نص من نصوصها أو تعديل آثاره[84]. فأحكام الاتفاقية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز استبعادها أو الاتفاق على مخالفتها[85].

فتعد الصفة التكميلية لأحكام الاتفاقية من خصائصها المميزة، فيستطيع المتعاقدان استبعاد تطبيقها سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً، لكن يجب أن يتفقا على ذلك صراحةً. ولا يكفى الاتفاق على تطبيق القانون الوطنى لإحدى الدول، لأن هذه الدولة إذا كانت متعاقدة فسوف تكون أحكام الاتفاقية هى الواجبة التطبيق، فيجب أن يذكر المتعاقدان صراحة استبعادهما
لأحكام الاتفاقية[86].


ثالثاً: الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى:

12- يُعد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين من المبادئ الأساسية المأخوذ بها فى التجارة الدولية، فيلتزم المتعاقدان بتنفيذ جميع ما اشتمل عليه العقد وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، حتى لو أصبح هذا التنفيذ مرهقاً لأحدهما، ولا يجوز لأى منهما تنفيذ العقد على نحو مختلف، أو تقديم بديل لهذا التنفيذ، أو إنهاء العقد بإرادته المنفردة. ورغم ذلك فإن تنفيذ العقد قد يتم على نحو معيب، أو لا يتم هذا التنفيذ على الإطلاق، وفى هذه الحالة يحق للطرف المضرور اللجوء إلى الجزاءات المقررة لمواجهة هذا الإخلال، ومن أهمها فسخ العقد[87].

ويمكن تعريف الفسخ "Résolution" بأنه حل الرابطة العقدية، بناء على طلب أحد طرفى العقد، إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته. فهو جزاء لإخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته، وبمقتضاه يستطيع الطرف الآخر حل الرابطة
العقدية حتى يتحرر نهائياً من الالتزامات التى يفرضها العقد عليه[88].


وقد عرفت القوانين الوضعية الفسخ، فجعله القانون المصرى جزاءً لعدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه[89]. ورتب عليه إعادة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد[90]. وعبر عنه القانون الإنجليزى باصطلاح "رفض البضاعة" Rejection of Goods، إذ أعطى المشترى الحق فى رفض البضاعة إذا أخل البائع إخلالاً جسيماً بتنفيذ العقد[91]. ورتب على هذا
الرفض أحقية المشترى فى الامتناع عن دفع الثمن، أو استرداد هذا الثمن إذا كان قد دفعه[92].

كذلك يُعد الجزاء الرئيسى الذى خوله القانون الأمريكى للمشترى هو حقه فى رفض البضاعة غير المطابقة To reject non-Conforming goods، إذا كانت لا تطابق العقد بأى صورة من الصور[93]، أو فى حالة العقود التى
يتم تسليمها على دفعات إذا كانت تحرمه بشكل أساسى من قيمة الدفعة غير المطابقة المسلمة إليه ولم يكن من الممكن إصلاحها[94].


كما عرف القانون الأمريكى اصطلاحى "الإنهاء Termination"  و "الإلغاء Cancellation" وقصد بهما أن ينهى أحد المتعاقدين العقد لإخلال الطرف الآخر بالتزاماته أو للأسباب التى يحددها القانون، وينتج عن ذلك تحلل كل منهما من التزاماته[95].

13- ولا تختلف عقود البيع الدولية عن سائر العقود من حيث الجزاءات التى تطبق فى حالة إخلال أحد طرفيها بالتزاماته، ومنها الفسخ. وقد يكون أساس تطبيق هذا الجزاء هو القانون الوطنى الواجب التطبيق على هذا العقد الدولى أو اتفاق المتعاقدين إذا اتفقا عليه فى عقدهما كجزاء للإخلال ببعض الالتزامات، كما قد يكون إعماله تطبيقاً للاتفاقيات الدولية التى تنظمه ضمن أحكامها الموضوعية الخاصة بعقد البيع الدولى، كما هو الحال فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964 واتفاقية فيينا لسنة 1980.


وقد أوردت قواعد المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص Unidroit[96]جزاء الفسخ ضمن أحكامها، فأجازت لأى طرف إنهاء العقد إذا كان إخلال الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وقد استخدمت النسخة الفرنسية للتعبير عن ذلك اصطلاح "الفسخ" Résolution، بينما استخدمت النسخة الإنجليزية اصطلاح "الإنهاء" Termination، وتابعت الترجمة العربية النسخة الإنجليزية فاستخدمت اصطلاح "الإنهاء"[97].

14- لكن الفسخ فى العقود الدولية يُعد جزاءً قاسياً تتأذى التجارة الدولية من حدوثه لكل إخلال بالعقد أو مخالفة لأحكامه، إذ تتحقق مصلحتها فى الإبقاء عليه وإكمال تنفيذه ولو مع إخلال يمكن أن يجبره بالتعويض[98]. ذلك أن  الفسخ يدمر العقد والذى لا يتم غالباً إلا بعد مفاوضات شاقة مكلفة، ويترتب على حدوثه إعادة البضائع بعد إرسالها وما يصحب ذلك من نفقات جديدة للنقل والتأمين ومن إجراءات إدارية وصحية لازمة لدخول البضائع وخروجها ولإرسال الثمن ثم استرداده، فضلاً عن تعرض البضائع لمخاطر التلف والهلاك مرة أخرى[99].

أضف إلى ذك أن عقد البيع الدولى يتصل به اتصالاً لازماً بعض العقود الدولية الأخرى، مثل عقد نقل البضائع وعقد التأمين والاعتماد المستندى الذى يتم دفع الثمن عن طريقه، فهو يكون وحدة من العقود الدولية ترتبط معاً ككل[100]. فإذا فُسخ عقد البيع فإن ذلك سوف ينتج أثره على كافة العقود الأخرى التى ترتبط به إذا كانت لم يتم تنفيذها، مما يولد مشاكل وصعاب
عديدة، وهو ما يضفى أهمية كبيرة على الفسخ فى العقود الدولية، قد لا تتوفر له فى العقود الوطنية.


رابعاً: موضوع الدراسة وخطة البحث:

15- نظمت اتفاقية فيينا الفسخ، فأجازته لأى من الطرفين إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته، لكنها أظهرت عدم تفضيلها اللجوء إليه فوضعت شروطاً  ثقيلة تحد من استعماله، ومهدت الطريق لإنقاذ العقد من الفسخ بعد وقوع المخالفة التى تبرره وذلك بإتاحة الفرصة لإصلاحها.

ونظراً لأهمية الفسخ فى نطاق عقود البيع الدولية، وما يترتب عليه من آثار خطيرة فى التجارة الدولية، فقد اخترنا تنظيم اتفاقية فيينا له موضوعاً لهذه الدراسة، والتى نحاول فيها التعرف على ما بذلته الاتفاقية من جهد للحد من نطاق الفسخ وتقليل الآثار غير المرغوب فيها التى يمكن أن تنتج عنه ومدى نجاحها فى ذلك.

ونقسم دراستنا إلى قسمين، نتناول فى القسم الأول حالات الفسخ، وهى الحالات التى أجازت فيها الاتفاقية للمتعاقد فسخ العقد، والشروط اللازم توافرها فيها حتى يمكن للمتعاقد استخدام هذا الجزاء.

ونتناول فى القسم الثانى أحكام الفسخ وآثاره، فنبين كيف يتم الفسخ وفقاً لاتفاقية فيينا، والطريق الذى اختارته الاتفاقية لذلك، ثم نوضح القيود التى وضعتها الاتفاقية على استعمال حق الفسخ. ونتناول بعد ذلك الآثار التى تترتب على فسخ العقد فى حالة وقوعه.

 

القسم الأول

 

حالات الفسخ


16- تمهيد: إذا كان الأصل أن ينفذ المتعاقدان التزاماتهما المترتبة على العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، فتنقضى هذه الالتزامات بالوفاء بها، إلا أنه قد يخل أحدهما بالتزاماته، بأن يتخلف عن تنفيذها أو عن تنفيذ أحدها أو ينفذه على نحو معيب. وقد يصل هذا الإخلال إلى درجة تجعل الإبقاء على العقد أمراً غير مقبول، فيكون اللجوء إلى الفسخ متعيناً.

وقد حرصت اتفاقية فيينا على الحفاظ على عقد البيع وتقييد استعمال حق الفسخ، لما يترتب عليه فى مجال التجارة الدولية من آثار اقتصادية غير مرغوب فيها[101]، تتمثل فى نفقات إضافية يتحملها أحد الطرفين، ومخاطر جديدة تتعرض فيها البضاعة للهلاك[102].

لذلك قصرت الاتفاقية الفسخ على حالات محدودة، تتمثل أساساً في ارتكاب مخالفة على درجة كبيرة من الخطورة، وهى ما أطلقت عليه المخالفة الجوهرية Contravention Essentielle، فجعلت ارتكاب هذه المخالفة شرطاً أساسياً لفسخ العقد.

لكن الاتفاقية مع ذلك أجازت الفسخ رغم أن المخالفة الجوهرية لم ترتكب بعد، وإنما ظهر بوضوح ما يؤكد أنها سوف ترتكب، وهى حالة الفسخ المبتسر للعقد، كما تعرضت الاتفاقية للحالة التى يكون فيها تأثير المخالفة قاصراً على جزء فقط من العقد، وهى حالة الفسخ الجزئى للعقد.

وعلى ذلك نتناول فى هذا القسم حالات الفسخ فى بابين: الأول يتعلق بالفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية، والثانى يتعلق بالفسخ المبتسر والجزئى.


الباب الأول

الفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية

17- تمهيد وتقسيم: أعطت اتفاقية فيينا لطرفى عقد البيع الدولى الحق فى فسخه إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته المتعلقة به، لكنها قيدت هذا الحق باشتراط أن يكون الإخلال المرتكب على درجة من الخطورة تبرر اللجوء إلى الفسخ، وذلك حرصاً منها على تجنب الفسخ ومحاولة الحفاظ على العقد.

وأخذت الاتفاقية، فى تحديد مدى خطورة المخالفة، بمعيار يقوم على التفرقة بين المخالفة الجوهرية للعقد Contravention Essentielle والمخالفة غير الجوهرية، وأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة المرتكبة جوهرية بينما منعته إذا كانت المخالفة غير جوهرية.

لكن ارتكاب مخالفة غير جوهرية لا يحرم الطرف المضرور من فسخ العقد فى جميع الأحوال، إذ وضعت الاتفاقية نظاماً تتحول بموجبه المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية، وهو النظام الخاص بمنح مهلة إضافية لتنفيذ الالتزام، ويطلق على المخالفة الجوهرية فى هذه الحالة المخالفة الجوهرية المكتسبة تمييزاً لها عن المخالفة الجوهرية الأصلية.

وعلى ذلك نتكلم فى فصل أول عن المخالفة الجوهرية الأصلية، وفى فصل ثان عن المخالفة الجوهرية المكتسبة.


الفصل الأول

المخالفة الجوهرية الأصلية

18- أصل فكرة المخالفة الجوهرية: تُعد فكرة المخالفة الجوهرية من الأفكار الأساسية التى استخدمتها اتفاقية فيينا في أحكامها الخاصة بالجزاءات[103]، خاصة ما تعلق منها بالفسخ. وهذه الفكرة غير معروفة في دول عديدة[104]، ومنها مصر والدول التى تأخذ بنظام القانون المدنى Civil Law. وهى تجد أصلها فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964، والتى كانت قد استلهمتها من التفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط Condition والضمان Warranty [105] . كما أن اصطلاح المخالفة الجوهرية نفسه كان قد شاع استعماله فى دول القانون المشترك Common law[106].

لكن اتفاقية فيينا مع ذلك أقامت لهذه الفكرة نظاماً جديداً ومبتكراً، يتعين التعرف عليه وحده دون تأثر بمصدره [107] . ومن ثم نعرض فى فرع أول للإخلال المبرر للفسخ فى بعض الأنظمة القانونية، وفى فرع ثان للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى، وفى فرع ثالث للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا.


الفرع الأول

الإخلال المبرر للفسخ
فى بعض الأنظمة القانونية

19- تقسيم: عرفت الأنظمة القانونية المختلفة الفسخ كجزاء لعدم تنفيذ الالتزامات المترتبة على العقد، لكنها اختلفت فى تحديدها للشروط التى يتعين توافرها لتطبيقه. فنعرض لموقف القانون الإنجليزى باعتبار أن اتفاقية فيينا قد استلهمت منه فكرة المخالفة الجوهرية. ثم نعرض لموقف القانون المصرى وشروط الإخلال المبرر للفسخ فيه.

المبحث الأول

القانون الإنجليزى

20- من المقرر فى القانون الإنجليزى أن شروط العقد ليست على درجة واحدة من الأهمية، وإنما تختلف من حيث أهميتها وبالتالى من حيث الأثر المترتب على الإخلال بها[108]. والتفرقة الأساسية فيه هى بين الشرط Condition والضمان Warranty، فلا يسمح قانون البيع الإنجليزى[109]، بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة لشرط، أما مخالفة الضمان فلا تخول للطرف المضرور إلا الحصول على التعويضات[110]. وهو نفس ما ذهبت إليه اتفاقية فيينا، ومن قبلها اتفاقية لاهاى، من عدم السماح بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة جوهرية، أما المخالفة غير الجوهرية فإن ارتكابها لا يؤدى إلى السماح بالفسخ.

21- تعريف الشرط والضمان: يمكن تعريف الشرط condition بأنه اشتراط عقدى له أهمية حيوية لاتصاله بالغرض الأساسى من العقد، ويترتب على الإخلال به حق الطرف الآخر فى فسخ العقد. أما الضمان Warranty فيعرف بأنه اشتراط عقدى مكمل ليس له فى ذاته إلا أهمية ثانوية، ولا يترتب على الإخلال به سوى حق المتعاقد الآخر فى المطالبة بالتعويضات[111].

وتعتمد التفرقة بين الشرط والضمان أساساً على تفسير بنود العقد للوصول إلى قصد المتعاقدين من كل بند فيه فى ضوء الظروف والملابسات المحيطة به[112]، دون تقيد بوصفهما لهذا البند أو ذاك[113].

وعلى سبيل المثال، يُعد الزمن دائماً، فيما يتعلق بالتزامات البائع، من الأمور الجوهرية فى العقد، أى أنه يُعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [114] . وكذلك تُعد شروطاً وفقاً لقانون بيع البضائع الإنجليزى التزامات البائع التى تتعلق بنوعية البضاعة وصلاحيتها ومطابقتها للوصف المتفق عليه، مما يعنى أن البائع يجب أن ينفذ هذه الالتزامات بدقة وأن أى إخلال بها يجيز للمشترى عدم قبول البضاعة [115] . وفيما يتعلق بالتزامات المشترى، يعد التزامه بقبول البضاعة أو استلام المستندات وفقاً للبيع سيف c.i.f. أمراً  جوهرياً فى العقد، أى أنه يعد شرطاً. أما وقت سداد الثمن فليس جوهرياً، فلا يعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [116] .

22- الشروط الجوهرية والشروط المتوسطة: وبالإضافة إلى التقسيم التقليدى للالتزامات العقدية فى القانون الإنجليزى إلى شروط وضمانات، ذهبت أحكام قضائية عديدة فى إنجلترا فى الخمسينات والستينات إلى أن هناك التزامات عقدية أخرى تفوق أهميتها الشروط تسمى الشروط الجوهرية Fundamental terms، كما أن هناك التزامات أخرى تأتى فى مرتبة وسط
بين الشروط والضمانات تسمى الشروط المتوسطة أو التى لا يمكن تصنيفها
intermediate or innominate terms [117] .

23- أثر الإخلال بشرط متوسط: والإخلال بشرط من الشروط المتوسطة لا يعطى الحق فى فسخ العقد إلا إذا وصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ، وقد استخدم لوصف هذا الإخلال الجسيم اصطلاح المخالفة الجوهرية Fundamental breach. وهذه المخالفة الجوهرية يجب أن يترتب عليها حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية من كل المنفعة
التى يقصد الطرفان حصوله عليها من تنفيذ الالتزام. لذلك نجد أن القضايا التى حكم فيها بأن المخالفة المرتكبة لشرط متوسط هى مخالفة جوهرية عددها قليل للغاية [118] .

ويمكن أن تتضح فكرة الشروط المتوسطة أو غير المصنفة بالرجوع إلى قضية: Cehave N.V.v. Bremer Handelsgesellschaft m.b.H, The Hans Nord والتى تخلص وقائعها فى أن شركة Bremer Handelsgesellschaft الألمانية باعت كمية من حبوب البرتقال الأمريكى U.S. orange pellets إلى شركة Cehave الهولندية، تسليم سيف c.i.f. ميناء روتردام Rotterdam، لاستعمالها فى صناعة طعام للماشية، وتضمن العقد شرط "تسليم البضاعة بحالة مطابقة" Shipment to be made in good condition. وتم تسليم البضاعة فعلاً مطابقة للعقد لكن جزءاً صغيراً منها تعرض للتلف، فرفضت الشركة المشترية البضاعة كلها وتم بيعها بطريق المزاد العلنى فى روتردام، وفى هذا المزاد قامت الشركة المشترية بشراء البضاعة بثمن أقل من سعر الشراء الأصلى، واستعملت البضاعة فى صناعة طعام الماشية بمصانعها. وقد قضت محكمة الاستئناف عام 1975 أن الاتفاق فى العقد على أن الشحنة لابد أن تصل فى حالة مطابقة لا يعنى أن هذا البند
يعد شرطاً
Condition وفقاً لقانون بيع البضائع، ولكنه يعد من الشروط غير المصنفة Innominate term. وقال فى ذلك Lord Denning: "إذا كان عدم المطابقة يتعلق فقط بجزء صغير من البضاعة، فإن مواجهتها تكون بإنقاص الثمن. ولا يكون للمشترين الحق فى رفض البضاعة بأكملها إلا إذا كان عدم المطابقة جوهرياً" [119] . وقضت المحكمة بالبناء على ذلك بعدم أحقية المشترين فى رفض البضاعة بأكملها [120] .

24- أثر الإخلال بشرط جوهرى: أما الإخلال بالشرط الجوهرى فيجيز فسخ العقد كالإخلال بالشرط condition، لكن الأول يتميز بأنه لا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية عنه. فشرط الإعفاء من المسئولية، مهما كانت
درجة اتساعه لا يعفى الطرف المخالف من مسئوليته عن الإخلال بشرط جوهرى فى العقد [121] . فالقصد من ابتكار هذه التفرقة هو مواجهة تزايد شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة وغير المقبولة [122] .

لكن هذه التفرقة تم هجرها الآن بعد صدور تشريعات قصد منها حماية المتعاقد من شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة [123] . وتمكن القضاء عن طريقها من مواجهة هذه الشروط دون حاجة إلى اللجوء إلى
التفرقة الأولى [124] .

25- تغير الظروف وأثره فى تنفيذ الالتزام: وإذا كان المتعاقد يعد مسئولاً عن عدم تنفيذ التزامه، فيفسخ العقد إذا كان عدم التنفيذ لشرط فى العقد أو كان عدم التنفيذ جوهرياً لشرط من الشروط المتوسطة، أو يقضى عليه بالتعويض فقط إذا كان عدم التنفيذ لضمان. فإنه يمكن أن يعفى من تنفيذ التزامه وفقاً لنظرية Frustration، إذا تغيرت الظروف التى يتم تنفيذ العقد فيها بصورة كلية وجازمة، إلى درجة تؤثر بشدة فى اقتصاديات العقد. ففى هذه الحالة لا تصبح التزامات المتعاقد واجبة التنفيذ، وتقدر المحكمة الموقف بالبناء على ذلك [125] .

والحادث الذى يترتب عليه تطبيق نظرية Frustration هو الذى يؤدى إلى استحالة تنفيذ الالتزام. وكان القضاء الإنجليزى يرتب عليه انقضاء الالتزام بخصوص الجزء منه الذى لم يتم تنفيذه، أما ما تم تنفيذه قبل ذلك فيظل صحيحاً.

فلا يؤدى هذا الحادث إلى انقضاء الالتزام كله إلا إذا وقع قبل البدء فى تنفيذه. ولكن نظراً لما كان يؤدى إليه هذا الحكم من الإخلال بتوازن العقد، حيث يعفى المدين من التزامه ولا ينظر إلى ما قد يكون الدائن قد نفذه من التزاماته أو أنفقه فى سبيل ذلك. فصدر لمعالجة هذا العيب فى عام 1943 قانون عرف باسم Frustrated contracts act، والذى منح القاضى سلطة تقديرية لتوزيع تبعة الحادث الطارئ بين طرفى العقد، بحيث يعيد التوازن بينهما [126] .

وقد تضمن قانون بيع البضائع الإنجليزى لعام 1979 حكماً واحداً بخصوص استحالة التنفيذ بسبب هلاك البضاعة، نص فيه على أن العقد إذا كان خاصاً ببيع بضائع معينة بالذات ثم هلكت، دون أى خطأ ينسب إلى
البائع أو المشترى، وكان ذلك قبل انتقال تبعتها إلى المشترى، فإن العقد يفسخ بسبب ذلك [127] .

وهذا الحكم لا يطبق إلا فى نطاق ضيق نسبياً، إذ يقصر على عقود بيع البضائع المعينة بالذات والتى لم تنتقل تبعة هلاكها إلى المشترى [128] ، لكن ما يميزه أنه لم يكتف بتقرير أن البائع هو الذى يتحمل مسئولية هلاك البضاعة إذا لم تنتقل تبعتها إلى المشترى، وإنما أضاف أن العقد يتم فسخه فى هذه الحالة، مما يعنى إعفاء كل طرف من التزاماته، فلا يكون المشترى مسئولاً
عن دفع الثمن فى مواجهة البائع، ولا يكون البائع مسئولاً عن التسليم فى مواجهة المشترى [129] .

26- الخلاصة: نخلص من ذلك إلى أن القانون الإنجليزى يفرق فى نطاق الالتزامات العقدية بين الشرط condition والضمان warranty، ويسمح بالفسخ فى حالة الإخلال بشرط بينما لا يسمح سوى بالتعويض إذا كان
الإخلال بضمان. وقد يسمح بالفسخ أيضاً إذا كان الإخلال جوهرياً بشرط من الشروط المتوسطة أو غير المصنفة
intermediate or innominate terms. ويعفى المتعاقد من تنفيذ التزاماته، فلا يتحمل أى مسئولية قبل المتعاقد الآخر، إذا توافرت شروط تطبيق نظرية Frustration، فيعيد القضاء توزيع التبعات بين الطرفين. بل قد يؤدى تطبيق هذه النظرية إلى فسخ العقد، كما فى حالة بيع بضائع معينة بالذات وهلاكها قبل انتقال التبعة إلى المشترى.


المبحث الثانى

القانون المصرى

27- أجاز القانون المصرى، فى العقود الملزمة للجانبين، للمتعاقد أن يطالب بفسخ العقد، إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزامه [130] . ولم يحدد القانون درجة الجسامة التى ينبغى أن يصل إليها عدم التنفيذ تاركاً ذلك لسلطة القاضى التقديرية. فإخلال المدين بالتزامه الناشئ من العقد هو الشرط الأساسى للفسخ، سواء كان هذا الإخلال كلياً بأن يمتنع المدين عن الوفاء بالتزامه كله، أو جزئياً بأن يوفى بجزء من الالتزام ويمتنع عن الوفاء بجزء آخر، وكل ما يشترط فى هذا الإخلال أن يكون قد وقع فعلاً [131] .

بل قد يتحقق الإخلال قبل حلول أجل الالتزام إذا أعلن المدين بصورة جازمة أنه لن ينفذ التزامه عند حلول أجله [132] .

28- الفسخ القضائى: وإذا طلب الفسخ من القضاء، فإن القاضى ليس ملزماً بإجابة هذا الطلب، فقد يحكم بالفسخ إذا اتضح له تعمد المدين عدم تنفيذ التزامه أو إهماله فى ذلك إهمالاً واضحاً رغم إعذار الدائن له، وقد يرفض الفسخ كليةً ويستبقى العقد إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته، وقد لا يحكم بالفسخ ويعطى المدين أجلاً لتنفيذ التزامه
إذا وجد له عذراً فى تأخره عن تنفيذه [133] .

ولا يكفى للحكم بالفسخ أن يكون الفسخ وارداً على عقد ملزم للجانبين، وأن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى غير السبب الأجنبى، وإنما يشترط أيضاً أن يكون طالب التنفيذ مستعداً للقيام بالتزامه الذى نشأ عن العقد والمتفق
على المبادرة إلى تنفيذه من يوم تحريره، فإذا كان قد أخل هو بالتزامه هذا فلا يحق له أن يطلب فسخ العقد لعدم قيام الطرف الآخر بتنفيذ ما فى ذمته من الالتزام [134] .

ويتعين لإجابة طلب الفسخ أن يظل الطرف الآخر متخلفاً عن الوفاء بالتزامه حتى صدور الحكم النهائى، وله أن يتوقى صدور هذا الحكم بتنفيذ التزامه إلى ما قبل صدوره، ويستوى فى ذلك أن يكون حسن النية أو سيئ  النية إذ محل ذلك لا يكون إلا عند النظر فى دعوى التعويض عن التأخير فى تنفيذ الالتزام [135] .

لكن سلطة القاضى التقديرية فى القضاء بالفسخ لا تثبت له إذا كان عدم التنفيذ كلياً، فإذا طلب الدائن الفسخ فى هذه الحالة يتعين على القاضى أن يستجيب لطلبه ما دام المدين مصراً على عدم التنفيذ [136] .

29- معيار عدم التنفيذ الموجب للفسخ: ولم يحدد القانون المعيار الذى يستند إليه القاضى لتقدير عدم التنفيذ وما إذا كان موجباً للحكم بالفسخ أم لا، وقد ظهر فى الفقه معياران: الأول هو المعيار الشخصى والذى يقوم على الاعتداد بنية الدائن بخصوص الالتزام الذى لم يتم تنفيذه، فإذا أدى عدم التنفيذ إلى ضياع المنفعة التى يبتغيها الدائن من تنفيذه التزامه أصبح الحكم
بالفسخ واجباً [137] .

والمعيار الثانى هو المعيار الموضوعى، وهو لا يبحث فى نية العاقدين، ولكن يقوم عند البعض على الاعتداد بكمية ما تم تنفيذه، فإذا كان ما تخلف المدين عن تنفيذه من ناحية الكم يصل إلى درجة من الأهمية بحيث يترتب عليه فوات المنفعة من العقد كان للقاضى أن يحكم بالفسخ [138] . بينما يقوم عند البعض الآخر على التفرقة بين الالتزامات الجوهرية والالتزامات التبعية، والالتزامات الجوهرية هى التى يكون وجودها لازماً لوجود العقد، أو التى تعتبر وسائل أساسية لتحقيق النتيجة المبتغاة من العقد، وما عدا ذلك تعد التزامات تبعية. ويؤدى الإخلال بالالتزامات الجوهرية إلى القضاء بالفسخ، بينما لا يؤدى إلى ذلك الإخلال بالتزامات تبعية [139] .

30- موقف القانون المصرى من المعيارين الشخصى والموضوعى: أخذ القانون المصرى بالمعيار الموضوعى والمتمثل فى كمية ما تم تنفيذه عندما أجاز للقاضى رفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته [140] . ولإجراء هذا التناسب ينظر إلى الالتزامات كلها التى يفرضها العقد على المدين، فإذا كان ما لم يف به المدين منها قليل الأهمية كان للقاضى أن يرفض الفسخ، كما إذا تخلف المشترى عن دفع جزء قليل من الثمن، أو سلم البائع جزءاً ضئيلاً من البضاعة غير مطابق، أو كان المتعاقد قد وفى بكل التزاماته الأساسية ولم يتخلف إلا عن الوفاء بالتزام تبعى [141] .

لكن رغم ذلك نجد أن القانون المصرى قد أورد نصوصاً أخرى يظهرمنها أخذه بالمعيار الشخصى المتمثل فى البحث عن نية المتعاقد، فالمشترى لا يجوز له أن يطلب فسخ العقد لنقص فى المبيع إذا عين فى العقد مقداره إلا
إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث لو أنه كان يعلمه لما أتم العقد [142] . ولا يستطيع المشترى أن يطلب فسخ البيع، إذا  نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه، إلا إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد
لما أتم البيع [143] . وفى حالة الاستحقاق الجزئى للمبيع لا يحق للمشترى المطالبة بالمبالغ التى حددها القانون [144] ، إلا إذا كانت خسارته من ذلك قد بلغت قدراً لو عمله لما أتم العقد [145] .

31- ووضع القانون التجارى المصرى الجديد ضابطاً للقضاء بالفسخ فى حالة عدم مطابقة البضاعة، يتمثل فى عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه. فإذا تبين بعد تسليم المبيع أن كميته أو صنفه أقل مما هو متفق عليه أو أن به عيباً أو أنه غير مطابق للشروط أو العينة التى تم العقد بمقتضاها، فلا يقضى للمشترى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضى بوجوب الفسخ [146] .

32- ونخلص إلى القول بأن القانون المصرى لم يقتصر على الأخذ بالمعيار الموضوعى وحده فى تقدير جسامة عدم التنفيذ الجزئى للالتزام، وإنما أوجب أيضاً الأخذ بالمعيار الشخصى والذى يعتد فيه بنية المتعاقدين. وفى كل الأحوال يجب على القاضى سواء أخذ بالمعيار الموضوعى أو الشخصى أن يأخذ فى الاعتبار مصلحة الدائن ومدى تأثير عدم التنفيذ على هذه المصلحة [147] .

33- استحالة تنفيذ الالتزام وأثرها: وإذا استحال على المتعاقد تنفيذ التزامه بسبب أجنبى لا يد له فيه انقضى هذا الالتزام [148] . وإذا انقضى الالتزام على هذا النحو بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة
له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه [149] .

فعقد البيع ينفسخ حتماً من تلقاء نفسه بسبب استحالة تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه بسبب أجنبى، ويترتب على الانفساخ ما يترتب على الفسخ من عودة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد، ويتحمل تبعة الاستحالة في هذه الحالة المدين بالالتزام الذى استحال تنفيذه عملاً بمبدأ تحمل التبعة في العقد الملزم للجانبين [150] .

والمقصود بالاستحالة التى ينقضى بها الالتزام هو الاستحالة المطلقة لطروء قوة قاهرة أو حادث طارئ لا قبل للملتزم بدفعه أو توقعه [151] .


وعلى ذلك يشترط لإنفساخ العقد فى هذه الحالة أن يقع حادث يترتب عليه أن يصير تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أما إذا اقتصر أثره على جعل التنفيذ مرهقاً للمدين فلا ينفسخ العقد. ويشترط ثانياً أن يكون هذا الحادث بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه، ويكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين إذا وقع بقوة قاهرة أو بفعل الغير أو بخطأ الدائن. ويجب لاعتبار الحادث قوة قاهرة اجتماع صفتين فيه: أن يكون مما لا يمكن توقعه وقت التعاقد، وأن يكون من غير الممكن دفعه. فإذا توافرت هذه الشروط ترتب على استحالة التنفيذ انقضاء الالتزام [152] .

ولا تتوافر الاستحالة إذا كان محل الالتزام شيئاً معيناً بالنوع، إذا يمكن دائماً توفير بضاعة من نفس النوع الذى هلك. لكن إذا كانت هذه البضاعة غير موجودة فى الأسواق، كما لو كان قد صدر قرار بحظر استيرادها، فإن الاستحالة تتوافر. كما تتوافر الاستحالة أيضاً إذا اشترط أن تكون البضاعة المعينة بالنوع من مصدر معين وتعذر بصورة مطلقة الحصول عليها من هذا المصدر [153] .

ولا يترتب على استحالة التنفيذ انفساخ العقد إلا إذا كانت نهائية، أما إذا كانت مؤقتة فإن العقد لا ينفسخ وإنما يقف تنفيذه حتى تزول هذه الاستحالة. ويترتب على وقف العقد عدم تنفيذه خلال فترة الاستحالة، فإذا زالت عاد تنفيذه كما كان. فالوقف هنا لا يمس العقد فى وجوده، وإنما يصيب الالتزامات الناشئة عنه فيوقف تنفيذها [154] .

34- الدفع بعدم التنفيذ: وقد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه، ولا تترتب مسئوليته عن هذا الامتناع، إذا كان بسبب عدم قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [155] . فيكون للمتعاقد فى العقود الملزمة للجانبين، إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء، الحق فى الامتناع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [156] .

ويشترط لاستعمال الدفع بعدم التنفيذ فى هذه الحالة أن يكون الالتزام الذى يدفع بعدم تنفيذه مستحق الوفاء، أى واجب التنفيذ حالاً، فإذا كان العقد يوجب على أحد العاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل المتعاقد الآخر فلا يحق للمتعاقد المكلف بالتنفيذ أولاً أن ينتفع بهذا الدفع [157] .

ولا يمنع حلول الالتزام أن يكون القاضى قد منح المدين نظرة ميسرة délai de grâce، فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المشترى حتى ولو منح القاضى المشترى أجلاً لدفع الثمن، ولا يمتنع الحبس إلا إذا كان الأجل ثابتاً باتفاق الطرفين [158] .

ويتعين للتمسك بالدفع بعدم التنفيذ فى العقود الملزمة للجانبين ألا يكون المتمسك به قد أخل بالتزامه عمداً أو قصر فى الوفاء به وجحد تعهده وأعرب فى جلاء ووضوح عن نيته فى عدم الوفاء به عيناً [159] .

ويترتب على التمسك بالدفع بعدم التنفيذ وقف تنفيذ التزام الطرف المتمسك به، لكن العقد يظل باقياً، فيمتنع المشترى عن دفع الثمن حتى ينفذ البائع التزامه بالتسليم. ويظل العقد موقوفاً حتى ينفذ المتعاقد الآخر التزامه المقابل، لكنه إذا رفض واستمر فى عدم تنفيذه لالتزامه كان من حق المتعاقد المتمسك بالدفع المطالبة بفسخ العقد [160] .

35- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن القانون المصرى لا يعرف فكرة مماثلة لفكرة المخالفة الجوهرية التى أخذت بها اتفاقية فيينا. وقد أجاز الفسخ فى حالة عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، وترك للقاضى السلطة التقديرية للحكم بالفسخ أو رفضه. ولم يحدد المعيار الذى يتبعه القاضى فى ذلك، لكنه أورد نصوصاً أخذ فى بعضها بالمعيار الموضوعى وفى بعض آخر بالمعيار الشخصى، مما يدل على ضرورة استعانة القاضى بالمعيارين معاً. وقد يكون عدم التنفيذ مؤدياً إلى انفساخ العقد بقوة القانون إذا كان بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه. كما قد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه إذا كان المتعاقد الآخر لم ينفذ الالتزام المقابل له، وإما أن يؤدى ذلك إلى تنفيذ الالتزام أو فسخ العقد.


الفرع الثانى

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيـة لاهـاى

36- ابتكرت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 فكرة المخالفة الجوهرية، ووضعت لها نظاماً قانونياً ربطت فيه بين ارتكابها وفسخ العقد. فأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة جوهرية، بينما منعته واكتفت بتعويض الطرف المضرور إذا كانت المخالفة غير جوهرية [161] .

وقد اتجه الرأى فى البداية إلى ربط الفسخ بالإخلال بالتزام جوهرى فى العقد، وهذا الالتزام هو الذى بدونه ما كان المتعاقد ليبرم العقد. لكن تم العدول عن هذا الرأى بعد أن ساد اتجاه بأن الأوفق هو النظر إلى جسامة الإخلال وليس إلى أهمية الالتزام الذى حدث الإخلال به، فقد يكون الالتزام جوهرياً  لكن لا يترتب على الإخلال به سوى ضرر يسير لا يبرر الفسخ [162] .

وأخذاً بهذا الاتجاه عرفت اتفاقية لاهاى المخالفة الجوهرية بنصها على أن "تكون مخالفة العقد جوهرية فى حكم هذا القانون إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها" [163] .

فاعتمد تعريف المخالفة الجوهرية بذلك على عناصر ثلاثة: الأول هو أن يصدر إخلال بالعقد من أحد المتعاقدين، والثانى هو أن يترتب على هذا  الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، والثالث هو العلم بهذه المخالفة وآثارها وقت إبرام العقد.

عناصر المخالفة الجوهرية:

37-  1  الإخلال بالعقد: فيجب أولاً أن يصدر عن أحد المتعاقدين إخلال بالعقد، ويتمثل هذا الإخلال فى عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه أو تنفيذه على نحو معيب يخالف ما اتفق عليه فى العقد. فلا يلزم إذن أن يصدر عن الطرف المخالف خطأ لترتيب مسئوليته عما حدث من إخلال، وإنما يكفى إثبات وجود هذا الإخلال المتمثل فى عدم تنفيذ العقد، فلا تأخذ اتفاقية لاهاى على هذا  النحو بفكرة إثبات الخطأ التى تأخذ بها بعض التشريعات الوطنية ومنها القانون الألمانى، حيث يُعد الخطأ فيه كقاعدة عامة شرطاً جوهرياً لانعقاد مسئولية البائع ما لم ينص على خلاف ذلك [164] .

لكن اتفاقية لاهاى أخذت مع ذلك بفكرة الخطأ فيما يتعلق بمسئولية البائع عن العيب بعد انتقال تبعة الهلاك، فيكون البائع مسئولاً عن آثار عدم المطابقة الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك إذا أمكن نسبة هذا العيب إلى فعل البائع أو إلى فعل الأشخاص الذين يسأل عنهم [165] . والقصد من ذلك عدم تحميل البائع المسئولية عن عيوب تظهر بعد تسليم المبيع دون أن يثبت أنها عيوب قديمة منسوبة إليه أو إلى فعل مستخدميه، إذ قد تكون عيوباً حديثة نشأت بفعل المشترى نفسه أو بفعل مستخدميه [166] . فعادت بذلك اتفاقية لاهاى إلى فكرة الخطأ والتى تقوم على ضابط شخصى يتمثل فى إثبات صدور خطأ ينسب إلى البائع أو أحد تابعيه [167] .

38-  2  الضرر: ويجب ثانياً أن يترتب على هذا الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، ويتمثل هذا الضرر فى أن يفقد الطرف المضرور كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة التى ارتكبت، بحيث أنه ما كان ليرضى بإبرام العقد لو علم بهذه المخالفة وآثارها لأنه كان يعلق على تنفيذ العقد أهمية خاصة [168] .

3 -  3  العلم بالمخالفة: ويجب ثالثاً أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها. فلم تكتف الاتفاقية هنا بالعلم الحقيقى للطرف المخالف وإنما أضافت إليه العلم المفترض والذى يستخلص من ظروف التعاقد [169] .

واستعانت الاتفاقية بالإضافة إلى هذا الضابط الشخصى المتمثل فى علم الطرف المخالف، بضابط موضوعى يتمثل فى علم الشخص العاقل Personne raisonnable الذى يكون من صفة المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ وفى نفس مركزه. فإذا كان الطرف المخالف يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم أن مثل هذا الشخص ما كان ليرضى بالتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها جاز الفسخ، وإلا
كان الفسخ غير جائز [170] .

وإذا كان التعويل على معيار الشخص العاقل فى هذا التعريف قد أكسبه قدراً من الموضوعية، إلا أنه أخذ عليه اشتراط البحث عن علم الشخص العاقل وقت إبرام العقد، دون نظر إلى المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة وتؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، مما يجعل إعمال القاضى لهذا المعيار أمراً صعباً [171] . كما أنه لا يتصور أن يقدم تاجر على إبرام عقد بيع مع آخر، سواء كان بائعاً أو مشترياً، وهو يعلم أن إخلالاً بتنفيذ العقد سوف يحدث، إذ لو توقع هذا الإخلال لما أقدم على التعاقد أصلاً [172] .

40- مثال للمخالفة الجوهرية: وتطبيقاً لتعريف المخالفة الجوهرية سالف البيان، فإنه إذا تعاقد شخص يعمل فى تجارة السلع الغذائية على شراء وحدات إضاءة كهربائية لاستعمالها فى إنارة معرض يقوم بتنظيمه خلال فترة معينة، وذكر ذلك فى العقد، ثم تأخر البائع فى توريد هذه الوحدات إلى ما بعد انتهاء فترة المعرض، فإن المخالفة التى ارتكبها البائع فى هذه الحالة تُعد مخالفة جوهرية، لأنه يعلم يقيناً أن المشترى لو كان يعلم بهذا التأخير عند التعاقد لما أبرم العقد، ولا يمكن أن يقدم على ذلك أى شخص عاقل من صفة المشترى إذا وجد فى نفس ظروفه، لأنه لن يستفيد من الوحدات المبيعة بعد انقضاء فترة المعرض، كما أنه لن يستطيع تصريفها لأن ليس بائعاً لمثل هذا الصنف [173] .

41- أثر الإخلال الجوهرى بالالتزام بمكان التسليم والمطابقة: وإذا كانت اتفاقية لاهاى قد وضعت بذلك قاعدة عامة للفسخ مفادها أن الإخلال الجوهرى بأى التزام من الالتزامات يجيز للطرف المضرور اعتبار العقد مفسوخاً، إلا أنها خرجت على هذا الأصل فى حالتين هما: الإخلال بالالتزام بتسليم المبيع فى المكان المتفق عليه، والإخلال بالالتزام بالمطابقة. فالإخلال الجوهرى بمكان التسليم لم ترتب عليه الاتفاقية الحق فى فسخ العقد إلا إذا صاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [174] . وكذلك الإخلال بالالتزام بالمطابقة لا يكفى وحده لإعمال حق الفسخ إذا كان جوهرياً وإنما يجب أن يصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [175] .

ويرجع ذلك إلى أن الإخلال بمكان التسليم يمكن دائماً تداركه بإعادة المبيع إلى المكان المتفق عليه فى العقد، أما إذا صاحب ذلك إخلال بميعاد التسليم فإن هذه الإعادة تتعذر لفوات الميعاد المتفق عليه ولما قد يترتب عليها من تأخير غير معقول ولا مقبول [176] . كما أن الإخلال بالالتزام بالمطابقة حتى لو كان جوهرياً فإنه يمكن إصلاحه، أما إذا صاحبه إخلال بميعاد التسليم فإن هذا الإصلاح لن يكون مجدياً [177] .

42- إعفاء الطرف المخالف من المسئولية: يعفى المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إذا أثبت أن عدم التنفيذ راجع إلى ظروف لم يكن من واجبه - وفقاً لمقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد - توقعها أو توقيها أو تخطيها، وإذا تعذر استظهار مقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد كانت العبرة بما يقصده عادة أشخاص عقلاء Personnes raisonnables من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف [178] .

وهذا الإعفاء هو تطبيق لمبدأ القوة القاهرة La force majeurs المعروف فى التشريعات المختلفة، لكن اتفاقية لاهاى لم تستخدم أحداً من الاصطلاحات المعروفة فى هذه التشريعات لعدم التأثر بمفهومها فيها، وتناولت هذا الموضوع تحت مسمى "الإعفاء"l'exonération.

ويشترط فى الحادث الذى يؤدى إلى الإعفاء من المسئولية أن يكون غير متوقع وقت إبرام العقد، أى لا يتصور المتعاقدان حدوثه وأنه سوف يؤثر على علاقتهم العقدية. وأن يتعذر على المتعاقدين تجنبه، فإذا أمكن لأيهما منع وقوع الحادث أو تفادى آثاره على العلاقة التعاقدية فلا يكون مؤدياً إلى الإعفاء من المسئولية. كما يشترط أخيراً أن يتعذر التغلب على الحادث أو تخطيه، أى أن يبذل المتعاقد جهده لمواجهة الحادث وتنفيذ التزاماته [179] .

ويجب لتقدير توافر حالة الإعفاء الرجوع إلى ما قصده المتعاقدان وقت إبرام العقد، فإذا تعذر معرفة قصد المتعاقدين فى ذلك الوقت يرجع إلى ما قد يقصده أشخاص عقلاء من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف، والأشخاص العقلاء هم التجار متوسطو الحرص الذين يمارسون نفس التجارة بأمانة وشرف [180] .

والأصل أن الظروف التى يترتب عليها الإعفاء من المسئولية إذا كانت مؤقتة، فإن المتعاقد لا يعفى من المسئولية نهائياً وإنما يوقف التنفيذ حتى تنتهى هذه الظروف فيعود واجباً كما كان. لكن هذه الظروف المؤقتة مع ذلك قد تؤدى إلى إعفاء المتعاقد كليةً من التنفيذ إذا كان تأجيل تنفيذ الالتزام يحدث تغييراً جوهرياً فيه بحيث يصير مختلفاً تماماً عن التنفيذ المنصوص
عليه فى العقد [181] .

ولا يترتب على توافر هذه الظروف سوى إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، لكنها لا تمنع فسخ العقد أو استعمال أى من الحقوق الأخرى التى قررتها الاتفاقية فى حالة التخلف عن التنفيذ، إلا إذا كانت الظروف التى حالت دون التنفيذ قد نتجت عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذين يسأل عنهم [182] .

43- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية لاهاى اشترطت ارتكاب مخالفة جوهرية للسماح بفسخ العقد، واعتبرت أن المخالفة تكون جوهرية إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها. وقد انتقد هذا التعريف لغلبة الطابع الشخصى عليه ولاشتراط البحث عن العلم بالمخالفة وآثارها وقت التعاقد. ورتبت اتفاقية لاهاى على ارتكاب المخالفة الجوهرية فسخ العقد فى جميع الأحوال، حتى ولو كان عدم تنفيذ الالتزام بسبب استحالة تنفيذه، إذ كل ما يترتب على استحالة التنفيذ هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، إلا إذا كانت هذه الاستحالة ناتجة عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذى يسأل عنهم.


الفرع الثالث

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيــة فيينــا

44- تمهيد وتقسيم: تعرض تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى لانتقادات شديدة، إذ اعتبر المعيار الذى اعتمدت عليه شديد الشخصية [183] . لذلك كان هذا التعريف من أكثر الموضوعات التى أثارت مناقشات طويلة على مدى عشر سنوات من الأعمال التحضيرية [184] . ووصل الأمر أخيراً إلى التعريف الذى تبنته اتفاقية فيينا والذى جاء كحل وسط للتوفيق بين الاقتراحات العديدة التى قدمت فى هذا الشأن [185] .

ووفقاً للتعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا تكون مخالفة العقد من جانب أحد الطرفين جوهرية "إذا نتج عنها ضرر للطرف الآخر يحرمه بشكل أساسى substantiellement مما كان من حقه أن يتوقع الحصول عليه من إبرام العقد، إلا إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة وما كان ليتوقعها أى شخص سوى الإدراك Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف de même qualité إذا وجد فى نفس الظروف [186] .

ونتكلم فى مبحث أول عن عناصر المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا، وفى مبحث ثان عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية، وفى مبحث ثالث نتكلم عن تقدير فكرة المخالفة الجوهرية.

المبحث الأول

عناصر المخالفة الجوهرية
فى اتفاقية فيينا

45- يستخلص من التعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا للمخالفة الجوهرية أنه يشترط للقول بارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة جوهرية للعقد توافر ثلاثة عناصر: الأول أن يرتكب هذا المتعاقد مخالفة للعقد، والثانى أن ينتج عن هذه المخالفة ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر، والثالث أن يكون هذا الضرر متوقعاً. ونتكلم عن هذه العناصر تباعاً.


المطلب الأول

الإخلال بالعقد

46- الأصل أن ينفذ كل متعاقد ما يقع على عاتقه من التزامات بموجب عقد البيع، لكن قد يخل أحدهما بالتزام من هذه الالتزامات، وفى هذه الحالة تنعقد مسئوليته عن هذا الإخلال. والإخلال بالالتزام إما أن يكون بعدم تنفيذ هذا الالتزام أصلاً كعدم قيام البائع بتسليم البضاعة المبيعة وعدم قيام المشترى بدفع الثمن المتفق عليه، وإما أن يكون بتنفيذ جزء من هذا الالتزام فقط كتسليم جزء من البضاعة المبيعة ودفع جزء من الثمن، أو أن يكون التنفيذ معيباً كتسليم بضاعة غير مطابقة لما اتفق عليه في العقد وسداد المشترى الثمن بغير النقد المتفق عليه فى العقد  [187] . كما يتحقق الإخلال فى حالة التنفيذ المتأخر، إذ أنه قد يؤدى إلى ضياع كل منفعة يقصدها المتعاقد من العقد [188] .

47- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى الأنظمة القانونية المختلفة: تختلف الأنظمة القانونية فيما يتعلق بالأساس الذى تبنى عليه مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالعقد، فبعضها يرتب مسئولية المتعاقد عن الإخلال بمجرد عدم قيامه بتنفيذ الالتزام دون أن تضع فى اعتبارها فكرة الخطأ Faute. ووفقاً لهذا الاتجاه يكون إثبات عدم التنفيذ كافياً لانعقاد مسئولية الطرف المخالف، والذى لا يجديه فى هذه الحالة أن يثبت عدم ارتكابه أى خطأ، ومن هذه القوانين القانون الإنجليزى.

أما فى أنظمة قانونية أخرى فإن المسئولية تقوم فيها على فكرة الخطأ، فلا يعد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سوى قرينة على هذا الخطأ، لكنها قرينة تقبل إثبات العكس، فيجوز للطرف المخالف إثبات أنه لم يرتكب أى خطأ، ويكفيه أن يستطيع نفى الخطأ عن نفسه حتى لا تنعقد مسئوليته. ومن هذه القوانين القانون الألمانى [189] .

48- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى اتفاقية فيينا: وقد أخذت اتفاقية فيينا بالاتجاه الأول، فلم تشترط صدور خطأ من الطرف المخالف، وإنما اكتفت بحدوث مخالفة للعقد، أى عدم تنفيذ المتعاقد لأحد التزاماته دون نظر إلى سبب هذه المخالفة [190] . فيكفى إذن إثبات عدم تنفيذ المتعاقد لالتزام من الالتزامات التى تقع على عاتقه بموجب عقد البيع على
النحو سالف البيان دون حاجة إلى إثبات صدور خطأ أو إهمال منه أدى إلى هذه المخالفة [191] .

وقد تبنت قواعد الـ Unidroit هذا المفهوم، واعتبرت أن عدم التنفيذ يعنى إخلال أحد المتعاقدين بتنفيذ أى التزام من التزاماته الواردة فى العقد، ويشمل ذلك التنفيذ المعيب أو التنفيذ المتأخر، ولم يفرق حكمها بين عدم التنفيذ بعذر أو بغير عذر [192] . وأجازت فسخ العقد ولو كان المدين معذوراً فى عدم تنفيذه لالتزامه [193] .

49- ويتفق هذا الاتجاه الذى أخذت به اتفاقية فيينا مع اتجاه القانون الإنجليزى والذى تقوم المسئولية فيه على أساس عدم تنفيذ الالتزام [194] .

فالإخلال بأحد التزامات العقد والذى يوصف بأنه شرط condition يرتب مسئولية المتعاقد المتخلف عن التنفيذ ويجيز للمتعاقد الآخر فسخ العقد، ولا يعفيه من هذه المسئولية سوى إثبات استحالة تنفيذ الالتزام وفقاً لنظرية Frustration [195] .

ويقترب هذا الحل من الحكم فى القانون المصرى، فالخطأ الذى يرتب المسئولية العقدية فى القانون المدنى المصرى هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ من العقد، يستوى فى ذلك أن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى تعمد المدين ذلك أو إهماله أو حتى دون عمد أو إهمال [196] . وقد أيدت محكمة النقض المصرية هذا الاتجاه واستقرت أحكامها على أن "عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدى يعتبر خطأ فى حد ذاته يرتب المسئولية" [197] .

50- وكانت اتفاقية لاهاى قد أخذت بذات الاتجاه فلم تستلزم صدور خطأ من المتعاقد لانعقاد مسئوليته عن الإخلال بالعقد، واعتبرت الإخلال متوافراً بمجرد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه، ولم تشترط الخطأ إلا لانعقاد مسئولية البائع عن العيب الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك [198] . فأخذت فى هذا المقام بضابط شخصى يتمثل فى الخطأ الذى يمكن نسبته إلى البائع أو أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم كعماله وموظفيه، فلا يكون البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر أثره بعد انتقال تبعة الهلاك إلا إذا أثبت المشترى أنه منسوب إلى خطأ وقع من البائع أو من أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم [199] .  وقد تفادت اتفاقية فيينا ما وجه إلى هذا الحكم من انتقاد بقصرها مسئولية البائع عن العيب فى المطابقة، الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، على الحالة التى يمكن فيها نسبة هذا العيب إلى عدم تنفيذ أى من التزاماته [200] . ولا يعد نصها على مسئولية البائع عن الإخلال "بأى ضمان يقضى ببقاء البضائع خلال مدة معينة صالحة للاستعمال العادى أو للاستعمال الخاص أو محتفظة بصفاتها أو بخصائصها" رجوعاً منها إلى ضابط الخطأ [201] ، إذ أن النص لم يتطلب لانعقاد مسئولية البائع فى هذه الحالة سوى عدم تنفيذه لالتزامه بالضمان دون اشتراط الخطأ.

فيعد البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى مادام قد ثبت أنه لم ينفذ التزامه بالضمان خلال الفترة المتفق عليها، كأن لم يرسل مهندسيه للكشف على الأجهزة المبيعة أو لإجراء الصيانة اللازمة لها، ولا يجديه فى هذه الحالة نفى الخطأ عن نفسه، وإنما يتعين لكى ينفى مسئوليته عن العيب أن يثبت أنه يرجع إلى قوة قاهرة أو إلى خطأ المشترى نفسه والذى قد يتمثل فى استعمال الأجهزة المبيعة بطريقة خاطئة أو إهمال صيانتها.

لكن اتفاقية فيينا عادت إلى ضابط الخطأ عندما قررت أن الهلاك أو التلف الذى يحدث للبضائع بعد انتقال التبعة إلى المشترى لا يجعله فى حل من التزامه بدفع الثمن ما لم يكن الهلاك أو التلف ناتجاً عن فعل البائع أو تقصيره [202] . فيتحمل المشترى الهلاك أو التلف الذى يحدث بعد انتقال التبعة إليه، فيلتزم بأداء الثمن إذا كان لم يسدده ولا يحق له استرداده
إذا كان قد أداه. ولا يستطيع أن يدفع هذه النتيجة إلا إذا أثبت خطأ غير عقدى من جانب البائع يجعله مسئولاً عن تعويضه وفقاً لأحكام المسئولية غير العقدية فى القانون الواجب التطبيق [203] .

51- مصدر التزامات المتعاقدين: يتحقق الإخلال بالعقد بعدم تنفيذ أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق المتعاقدين. وقد تجد هذه الالتزامات مصدرها فى العقد نفسه، كما قد تجد مصدرها فى الأعراف والعادات، وكذلك فى أحكام الاتفاقية [204] .

فقد يكون مصدر الالتزام هو العقد الذى أبرمه المتعاقدان، وهذا هو الأصل. إذ يلتزم المتعاقدان بتنفيذ ما اتفقا عليه فى العقد، ويعد عدم تنفيذ أى منهما لالتزامه فى هذه الحالة إخلالاً منه بالعقد.

 كما يلتزم الطرفان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [205] . فإذا اتفق المتعاقدان على تطبيق المصطلحات التجارية الدولية Incoterms والمتعلقة بالبيع سيف c.i.f أو فوب f.o.b، فإن تطبيق قواعد البيع المتعلقة بذلك تصبح التزاماً على عاتق الطرفين [206] . وإذا اعتاد الطرفان فى تعاملهما على تعبئة البضاعة بطريقة معينة، كوضعها فى أوعية خاصة على سبيل المثال، واستقرت هذه العادة بينهما، فإنها تصبح التزاماً  على عاتق البائع فلا يجوز له تسليم البضاعة إلا بعد تعبئتها على هذا النحو [207] . فيلتزم المتعاقدان بالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، إلا إذا قام الدليل على أنهما أرادا عدم تطبيق هذه العادات على العقد الذى أبرماه بينهما [208] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين الأعراف السائدة فى مجال التجارة الدولية، إذ يفترض أن الطرفين قد طبقا ضمناً على عقدهما كل عرف كانا يعلمان به أو كان ينبغى أن يعلما به متى كان معروفاً على نطاق واسع ومراعى بانتظام فى التجارة الدولية بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة، ما لم يتفقا على خلاف ذلك [209] .

فيشترط لتطبيق العرف على المتعاقدين وإلزامهما بمضمونه أن يعلما بوجوده، سواء كان هذا العلم حقيقياً أو مفترضاً إذا كان من غير المتصور أن يجهله تاجر سوى الإدراك يعمل فى ذات نوع التجارة. وأن يكون هذا العرف معروفاً على نطاق واسع فى محيط التجارة الدولية، وأن يطبق بانتظام على العقود المماثلة التى تبرم فى نفس نوع التجارة [210] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين هو أحكام الاتفاقية، إذا أحال المتعاقدين صراحة إليها فى تحديد التزاماتهما كلها أو بعضها، أو إذا كان هذا الالتزام لم ينظمه المتعاقدان فى عقدهما وكانت الاتفاقية هى الواجبة التطبيق على هذا العقد، ولم يكن هناك عرف مطبق بينهما بالمخالفة لها.

52- فإذا تحددت التزامات الطرفين على النحو سالف البيان، فإن الإخلال بأى من هذه الالتزامات يرتب مسئولية المتعاقد الذى ارتكب هذا الإخلال بصرف النظر عما إذا كان الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى [211] . إذ أن الاتفاقية لم تضع في اعتبارها سوى حجم الضرر الذى ترتب على المخالفة وليس نوع الالتزام الذى تمت مخالفته.

 ويستوى أن يصدر الإخلال من البائع أو المشترى، إذ أن تعريف المخالفة الجوهرية لم يفرق بينهما، كما أن اتفاقية فيينا قد حرصت على المساواة بينهما فى جميع أحكامها.

 53- الإعفاء من المسئولية عن عدم تنفيذ الالتزام: إذا كانت اتفاقية فيينا قد أقامت مسئولية الطرف المخالف فى عقد البيع على مجرد عدم تنفيذه لالتزامه على النحو سالف البيان، فإنها مع ذلك أعفته من المسئولية رغم عدم تنفيذه لالتزامه فى حالتين: الأولى هى حالة عدم التنفيذ بسبب استحالته لقوة قاهرة، والثانية هى حالة عدم التنفيذ بسبب فعل صدر من المتعاقد الآخر، لكنها لم تجعل الأثر المترتب على عدم التنفيذ فى الحالتين واحداً، ونتكلم عن هاتين الحالتين تباعاً.

أولاً: عدم التنفيذ بسبب قوة قاهرة:

54- قد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى قوة قاهرة Force majeure أو ما أطلقت عليه اتفاقية فيينا "عائق" Un empêchement، وهو ما يعوق تنفيذه لالتزامه ويكون خارجاً عن إرادته ولم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذه في اعتباره أو يمكن تجنبه أو التغلب عليه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليها وقت انعقاد العقد [212] .  وقد حرصت الاتفاقية على البعد عن استخدام أى من المصطلحات المستخدمة فى التشريعات الوطنية لوصف القوة القاهرة، واختارت مصطلحاً جديداً هو العائق empêchement [213] . ويرجع ذلك إلى رغبتها فى عدم التأثر بمفهوم هذه المصطلحات فى الدول التى تأخذ بها عن تفسير محاكمها للحكم الذى أخذت به الاتفاقية، وحرصاً على الطابع الدولى للاتفاقية ومحاولة منه اللاقتراب من تفسير موحد تجتمع عليه كافة الدول الأعضاء فى الاتفاقية [214] .

شروط العائق:

وفقاً للتعريف الذى أخذت به الاتفاقية، يتعين أن يتوافر فى الحادث الذى يعد عائقاً ثلاثة شروط: الأول أن يكون خارجاً عن إرادة المدين، والثانى أن يكون غير متوقع، والثالث ألا يمكن تجنبه أو التغلب عليه هو أو آثاره [215] .

55-  1  الحادث خارج عن إرادة المدين: فيجب أولاً أن يكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين، وهو ما عبرت عنه الاتفاقية باشتراطها كونه خارجاً عن إرادته indépendant de sa volonté.

ويعنى ذلك ألا يمكن نسبته إلى فعل صادر من المدين، كأن يتعذر على البائع تسليم البضاعة لعدم حصوله على التراخيص اللازمة لتصديرها، أو يتعذر على المشترى سداد الثمن لعدم استخراجه الأذن اللازم للحصول على النقد الأجنبى [216] .

ويقترب هذا الشرط من السبب الأجنبى المنصوص عليه فى القانون المصرى والذى يؤدى تحققه إلى انقضاء الالتزام إذا استحال الوفاء به بسببه [217] .

ولا يتوافر هذا الشرط إذا كان الحادث راجعاً إلى فعل تابعى المدين، كعماله وموظفيه، والذى صدر عنهم أثناء تنفيذهم العقد، كترتيب الأجهزة المبيعة بصورة خاطئة أو عدم فحص البضاعة قبل تسليمها. أما إذا كان فعل هؤلاء التابعين لا علاقة له بالعقد، كإضرابهم عن العمل أو حدوث حريق بسبب إهمال أحدهم، فإن الحادث فى هذه الحالة يكون خارجاً عن إرادة المدين [218] .

ولا يعد إفلاس المتعاقد الذى يمنعه عن التنفيذ حادثاً خارجاً عن إرادته، ولكنه قد يعد كذلك إذا كان سببه غير راجع إليه، كصدور قرارات من الدولة بمصادرة أراض يقيم عليها مصانعه [219] .

56-  2  الحادث غير متوقع: ويجب ثانياً أن يكون الحادث غير متوقع imprévisible، وعبرت عن ذلك الاتفاقية بألا يكون من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ المتعاقد العائق فى الاعتبار وقت انعقاد العقد، سواء من ناحية حدوثه أو وقت هذا الحدوث [220] . ويرجع ذلك إلى أن الحادث لو كان متوقعاً فإن المدين سوف يقبل تحمل تبعته وما يترتب على عدم تنفيذه الالتزام
من آثار [221] .

واشتراط المعقولية raisonnablement فى التوقع يؤدى بنا إلى القول بأن المعيار الذى يعول عليه فى تقدير التوقع هو معيار موضوعى يتمثل فى توقع الشخص المعتاد سوى الإدراك الذى يكون من صفة المدين إذا وجد
فى نفس ظروفه [222] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى هذا الشرط عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتطلب الرجوع إلى مقاصد المتعاقدين وقت التعاقد لتقدير التوقع، ولا يتم الرجوع إلى معيار الشخص العاقل إلا إذا تعذر الوصول إلى مقاصد المتعاقدين [223] .

والوقت الذى يتم تقدير التوقع فيه هو وقت انعقاد العقد. ويترتب على ذلك أن وقوع الحادث لابد أن يكون تالياً على هذا التاريخ، أما إذا كان سابقاً له فإنه لا يعد عائقاً يمنع التنفيذ ما دام المتعاقدان قد قبلا التعاقد مع علمهما بوجوده [224] .

57-  3  الحادث غير ممكن دفعه: ويجب ثالثاً أن يكون الحادث غير ممكن دفعه irrésistible، بأن يكون المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ غير قادر على تجنبه أو التغلب عليه، أو تجنب آثاره أو التغلب عليها. فيجب أن يحاول المدين منع وقوع الحادث بقدر إمكانه، فإذا وقع رغم ذلك تعين عليه بذل الجهد اللازم للتغلب عليه، فإن لم يستطع كان عليه محاولة تجنب آثار الحادث بمنع وصولها إليه أو التقليل منها، فإذا بذل كل ذلك الجهد ولكن الحادث منعه رغم ذلك من تنفيذ التزامه، فإن الشرط يكون متحققاً [225] .

وتقدير هذا الشرط يكون أيضاً بالرجوع إلى معيار الشخص المعتاد، فينظر إلى تصرف الشخص المعتاد - الذى يكون من صفة المدين ويمارس ذات تجارته - فى مواجهة مثل هذا الحادث، مع الوضع فى الاعتبار كافة الظروف الملابسة له، أى أن يكون تقدير تصرف الشخص المعتاد إذا وجد فى نفس ظروف المدين [226] .

58- عبء إثبات توافر شروط العائق: ويقع عبء إثبات توافر هذه الشروط على الطرف الذى تخلف عن التنفيذ [227] . ولا يكفى أن يثبت أن هذا الحادث خارج عن إرادته وأنه غير متوقع ولا يمكن دفعه، وإنما يجب أن يثبت أيضاً أن هذا الحادث هو السبب المباشر لعدم التنفيذ، فإذا ثبت أن عدم التنفيذ يرجع إلى هذا الحادث بالإضافة إلى فعل صادر عنه فإنه لا يمكن استبعاد مسئوليته عن ذلك [228] .

59- مسئولية المتعاقد عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه: وقد يعهد أحد المتعاقدين إلى الغير بتنفيذ جزء من التزامه، كتكليف مقاول من الباطن بصنع الأجهزة المبيعة أو أجزاء منها أو تكليفه بتجميعها أو تركيبها، أو تكليف ناقل بنقل البضاعة إلى المكان المتفق عليه، أو تكليف أحد المختصين بالتخليص الجمركى على البضاعة أو بحفظها فى مخازنه حتى يتسلمها المشترى، وقد يكون الغير هو البنك الذى يتفق على دفع الثمن عن طريقه [229] .

ويستوى أن يكون هذا الغير قد اختاره المتعاقد، أو فرضه عليه المتعاقد الآخر، كما يحدث إذا حدد المشترى للبائع شركة معينة لنقل البضاعة إليه. أو كان سداد الثمن عن طريق اعتماد مستندى وحدد البائع للمشترى البنك الذى سيتم فتح الاعتماد لديه.

والأصل أن يكون المتعاقد مسئولاً عن عدم تنفيذ هذا الغير لالتزامه [230] . سواء كان هو الذى اختاره أو اختاره المتعاقد الآخر، إذ أنه قبل التعاقد وتنفيذ التزاماته على هذا الأساس، فيكون مسئولاً عن عدم تنفيذها ولو نسب ذلك إلى الغير الذى اختاره المتعاقد الآخر [231] .

لكن الاتفاقية مع ذلك أعفت المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه إذا توافر شرطان: الأول أن تتوافر شروط العائق سالفة البيان بالنسبة للمتعاقد الأصلى، بأن يكون عدم تنفيذ الغير لالتزامه خارجاً عن إرادته هو فلا يمكن نسبته إليه وأن يكون من غير الممكن توقعه أو دفعه. والشرط الثانى أن تتوافر شروط العائق بالنسبة للغير فى علاقته بالمتعاقد الأصلى، بحيث يكون هو نفسه معفياً من المسئولية عن عدم تنفيذه التزامه فى مواجهته [232] .

ولا يعد المورد Le fournisseur الذى يتعاقد معه البائع على توريد البضاعة محل عقد البيع من الغير وفقاً للمفهوم سالف البيان، لأنه لم يكلف بتنفيذ جزء من العقد إذ الغالب ألا تربطه أى علاقة بالعقد الأصلى، كما يمكن فى غالب الأحوال تدبير الحصول على البضاعة من مورد آخر [233] . لكن عدم تنفيذ المورد لالتزامه يمكن مع ذلك أن يعفى المتعاقد الأصلى من المسئولية عنه، إذا توافرت شروط العائق سالفة البيان بالنسبة لكل واحد منهما، وقد يحدث ذلك إذا كان المورد هو المحتكر للبضاعة موضوع عقد البيع [234] .

ولا يعد تابعو المتعاقد الأصلى، كعماله وموظفيه، من الغير فى هذا النطاق، لأنهم فى تنفيذهم العقد يعملون تحت إشرافه وهو المسئول عن أعمالهم. إلا إذا كان ما صدر عنهم وأدى إلى عدم تنفيذ العقد توافرت فيه شروط العائق كما سبق القول [235] .

60- أثر توافر شروط العائق: وإذا توافرت شروط العائق على النحو سالف البيان، فإن الأثر الذى رتبته الاتفاقية على ذلك هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض وحده، فيظل الالتزام قائماً لا ينقضى رغم استحالة تنفيذه، ويحق للمتعاقد الآخر استعمال جميع حقوقه التى كفلتها له الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد، بما فيها حقه فى إعلان فسخ العقد، ولكن
لا يحق له المطالبة بأى تعويضات [236] .

ويماثل هذا الحكم ما أخذت به اتفاقية لاهاى والتى أعفت المتعاقد الذى يتخلف عن التنفيذ بسبب قوة قاهرة من التعويض وحده ولم تمنع استعمال أى من الحقوق الأخرى [237] . ولكنه يخالف الحكم فى القانون المصرى والذى رتب على استحالة تنفيذ الالتزام لسبب أجنبى انقضاء هذا الالتزام، وبالتالى انقضاء الالتزامات المقابلة له وانفساخ العقد من تلقاء نفسه [238] .

ولا يعفى المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ إلا من التعويضات التى قد يقضى بها وفقاً لأحكام الاتفاقية، أما ما قد يتفق عليه فى العقد من تعويضات - كالشرط الجزائى - فيرجع فى شأنه إلى أحكام العقد والقانون الواجب التطبيق [239] . كذلك لا يدخل فى نطاق التعويضات التى يعفى منها الفوائد والتى يجوز المطالبة بها مقابل التأخير فى دفع الثمن أو أى مبالغ أخرى مستحقة [240] ، لأن الفائدة وفقاً لأحكام الاتفاقية لا تعتبر تعويضاً وإنما هى مقابل حبس النقود فقط [241] .

61- العائق المؤقت: وإذا كان العائق مؤقتاً فإن الإعفاء لا يسرى إلا خلال المدة التى يبقى فيها العائق قائماً [242] ، فيلتزم المتعاقد بالاستمرار في التنفيذ بمجرد زواله، وهو ما يتفق مع المبدأ الذى أخذت به الاتفاقية وهو تفضيل الحفاظ على العقد عن اللجوء إلى فسخه [243] .

لكن التراخى فى تنفيذ الالتزام بعد زوال العائق يرتب مسئولية المتعاقد عن ذلك ولا يعفى من تعويض المتعاقد الآخر عن الضرر الذى لحقه من هذا التأخير [244] .


وقد يعد عدم التنفيذ المؤقت للالتزام مخالفة جوهرية، كما إذا كان لتاريخ تنفيذ الالتزام أهمية خاصة للمتعاقد، وفى هذه الحالة يحق لهذا المتعاقد إعلان فسخ العقد فور تخلف المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه فى الميعاد المتفق عليه بسبب حدوث العائق [245] .

وإذا كان العائق دائماً وأدى إلى عدم التنفيذ الكلى للالتزام فإن المتعاقد الآخر لا يكون أمامه إلا إعلان فسخ العقد، ولا يحق له المطالبة بأى تعويضات [246] .

أما إذا كان عدم التنفيذ الذى أدى إليه العائق جزئياً، كان للمتعاقد المطالبة بالتنفيذ الجزئى للالتزام بعد زوال العائق وتخفيض الثمن بقدر الجزء الذى لم يتم تنفيذه، كما أن له إعلان فسخ العقد إذا شكل عدم تنفيذ هذا الجزء من العقد مخالفة جوهرية [247] .

62- الإخطار بالعائق: ويجب على المتعاقد الذى تخلف عن تنفيذ التزامه بسبب العائق، أن يوجه إلى المتعاقد الآخر إخطاراً بالعائق وأثره فى قدرته على التنفيذ [248] . وقد قصد بذلك تمكين المتعاقد الآخر من تحديد موقفه من العقد، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحه، بأن يتخذ قراراً بشأن العقد إما الإبقاء عليه والانتظار حتى زوال العائق، أو إعلان فسخه والبحث عن مصدر آخر للحصول على ما تعاقد من أجله [249] . لذلك يجب أن يتضمن الإخطار توضيحاً لهذا العائق، وما إذا كان سيؤدى إلى تأخير التنفيذ فقط أم سيصبح التنفيذ مختلفاً عما كان قد اتفق عليه فى العقد [250] .

ويجب أن يتم توجيه هذا الإخطار خلال مدة معقولة بعد أن يكون هذا الطرف الذى تخلف عن التنفيذ قد علم بالعائق أو كان من واجبه أن يعلم به. وإذا لم يصل الإخطار خلال هذه المدة المعقولة كان مسئولاً عن التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم وصول هذا الإخطار، أى أن العائق يحدث أثره فيما يتعلق بإعفاء المتعاقد من التعويض عن عدم تنفيذه التزامه، لكنه يتحمل التعويضات عن الأضرار التى لحقت المتعاقد الآخر من جراء عدم وصول الإخطار إليه فى الميعاد المناسب [251] .

ومؤدى ذلك أن المتعاقد الذى يرسل الإخطار هو الذى يتحمل تبعة عدم وصوله، وهو ما يخالف القاعدة التى وضعتها الاتفاقية من تحمل المرسل إليه تبعة ذلك [252] . ويرجع ذلك إلى أنه فى حالة وجود عائق وعدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه فإنه يكفى المتعاقد الآخر ما يتحمله من أضرار بسبب عدم تنفيذ الالتزام، فلا يتصور تحميله أيضاً تبعة عدم وصول الإخطار [253] .

ثانياً: عدم التنفيذ بسبب فعل المتعاقد الآخر:

63- وقد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى فعل أو إهمال صدر من المتعاقد الآخر جعل تنفيذه للالتزام متعذراً، وفى هذه الحالة لا يجوز مطالبته بهذا التنفيذ أو تحميله مسئولية ذلك. وقد أوردت اتفاقية فيينا هذا الحكم بنصها على أنه "لا يجوز لأحد الطرفين أن يتمسك بعدم تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته فى حدود ما يكون عدم التنفيذ بسبب فعل أو إهمال من جانب الطرف الأول" [254] .

وهذا الحكم هو تطبيق للمبدأ الذى وضعته الاتفاقية لتفسير أحكامها، وهو ضرورة أن يراعى فى هذا التفسير "ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية" [255] . ولم تكن هناك حاجة للنص عليه لأن المبادئ العامة توجبه، لذلك لم يرد بمشروع الاتفاقية المقدم للمؤتمر الدبلوماسى، وإنما أضيف أثناء مناقشته بناء على اقتراح من ألمانيا الديمقراطية [256] .

ولم تتضمن اتفاقية لاهاى حكماً مماثلاً، إذ لم يرد بها ما يفيد إعفاء المدين من التزامه إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى فعل الدائن [257] . أما القانون المصرى فقد اعتبر خطأ الدائن سبباً أجنبياً لا يد للمدين فيه يترتب عليه انقضاء الالتزام [258] .

64- شروط عدم التنفيذ: ويلزم لتطبيق هذا الحكم توافر ثلاثة شروط: الأول عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، والثانى صدور فعل أو إهمال من المتعاقد الآخر، والثالث أن تتوافر علاقة سببية بين هذا الفعل أو الإهمال وعدم التنفيذ [259] .

 1  تخلف المدين عن تنفيذ التزامه: فيجب أولاً أن يتخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزامه، على ألا يرجع ذلك إلى وجود عائق حال دون التنفيذ مما يرتب الإعفاء من التعويض [260] . ويستوى أن يصدر عدم التنفيذ من البائع أو المشترى، وبصدد أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق أى واحد منهما، وسواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، إذ لا أهمية لمدى جسامة الإخلال المرتكب [261] .

 2  صدور فعل أو إهمال من الدائن: ويجب ثانياً أن يصدر عن الطرف الدائن فى الالتزام فعل أو إهمال يترتب عليه عدم استطاعة الطرف المدين تنفيذ التزامه. ومثال ذلك عدم تنفيذ البائع التزامه بتسليم البضاعة بسبب تخلف المشترى عن إرسال المواصفات أو الرسومات الضرورية التى يلزمه العقد بتقديمها للبائع حتى يقوم بالتنفيذ على أساسها، أو تخلف المشترى عن دفع الثمن بسبب امتناع البائع عن تحديد البنك الذى سيودع الثمن فيه وفقاً لما اتفق عليه فى العقد [262] .

ولا يشترط أن يوصف ما صدر عن الدائن أنه خطأ، وإنما يكفى أن يكون فعلاً أو إهمالاً يمكن نسبته إليه أو إلى أحد تابعيه [263] . ولكن يجب أن يكون هذا الفعل مؤدياً إلى تعذر تنفيذ المدين لالتزامه، أما إذا استطاع تنفيذه رغم ذلك فإن هذا الشرط لا يعد متوفراً، ومثال ذلك إذا امتنع المشترى عن تعيين شكل البضاعة ومقاييسها والصفات الأخرى المميزة لها ولم يقدم هذه المواصفات فى الميعاد المتفق عليه، فإن البائع يستطيع رغم ذلك أن يحدد هذه المواصفات بنفسه وفقاً لحاجات المشترى التى يمكن له معرفتها [264] .

 3  علاقة السببية: ويجب ثالثاً أن توجد علاقة سببية بين ما صدر عن الدائن من فعل أو إهمال وعدم تنفيذ المدين لالتزامه. ويقع على المدين الذى تخلف عن التنفيذ عبء إثبات ذلك [265] .


65- أثر عدم التنفيذ: والنتيجة التى رتبتها الاتفاقية على صدور فعل أو إهمال من جانب الدائن أدى إلى عدم تنفيذ المدين لالتزامه، هى إعفاء المدين من تنفيذ هذا الالتزام، فلا يكون مسئولاً عن عدم التنفيذ فى هذه الحدود ولا يحق للدائن استعمال أى من الحقوق التى نصت عليها الاتفاقية ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد [266] .

وعلى ذلك فإن الإعفاء لا يقتصر على التعويض، كما هو الحال إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى عائق وفقاً للمادة 79 من اتفاقية فيينا، ولكنه يمتد ليشمل كافة الجزاءات التى قررتها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد [267] .

وتطبيقاً لذلك فإن المشترى لا يستطيع أن يتمسك بمسئولية البائع عن تسليم بضاعة غير مطابقة ويعلن فسخ العقد، إذا كانت عدم المطابقة راجعة إلى صدور تعليمات خاطئة أو غير كافية منه للبائع [268] . بل يستطيع البائع فى هذه الحالة مطالبة المشترى بالتعويض عن أى ضرر لحقه من جراء ما صدر عنه من فعل أو إهمال [269] .

66- الخلاصة: خلاصة ما تقدم، أن اتفاقية فيينا لم تستلزم لتقرير مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد سوى ثبوت عدم تنفيذه لالتزامه، دون اشتراط نسبة خطأ إليه. فيكفى أن يثبت عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، كما يتحقق فى حالة التنفيذ المعيب والتنفيذ المتأخر.

ويستوى أن يكون مصدر الالتزامات التى يحدث الإخلال بها هو العقد أو الأعراف والعادات أو أحكام الاتفاقية. كما يستوى أن يكون الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى، وسواء صدر من البائع أو المشترى.

ولم تقرر الاتفاقية إعفاء المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إلا فى حالتين، الأولى هى حالة حدوث عائق يكون خارجاً عن إرادته وغير ممكن توقعه أو دفعه، وهى ذات شروط القوة القاهرة. والثانية هى صدور فعل من المتعاقد الآخر أو إهمال يمنعه من التنفيذ. لكنها رتبت على تحقق شروط الحالة الأولى الإعفاء من التعويض وحده، بحيث يحق للمتعاقد الآخر استعمال كافة حقوقه الأخرى ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد. بينما رتبت على الحالة الثانية إعفاء المتعاقد من تنفيذ الالتزام نفسه، وعدم أحقية المتعاقد الآخر فى استعمال أى من الجزاءات التى قررتها الاتفاقية.


المطلب الثانى

الضــرر الجوهــرى

67- يعد الضرر شرطاً لازماً لقيام المسئولية، فلا يسأل المتعاقد عن إخلاله بتنفيذ الالتزام إلا إذا ترتب على هذا الإخلال ضرر [270] . وقد أخذت اتفاقية فيينا بهذا المبدأ فاشترطت لتقرير مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالتزامه والسماح للمتعاقد الآخر بفسخ العقد أن يترتب على هذا الإخلال ضرر. لكنها لم تكتف بذلك وإنما أضافت إليه اشتراطها أن يكون هذا الضرر جوهرياً، بأن يصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ. وجعلت المعيار الذى يمكن على أساسه تقرير ما إذا كان الضرر جوهرياً من عدمه هو الحرمان من منفعة العقد، بأن يترتب على الضرر حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد [271] .

68- ظهور فكرة الضرر الجوهرى: تعد فكرة الضرر الجوهرى Préjudice substantiel [272]  فكرة جديدة ابتكرتها اتفاقية فيينا، إذ ظهرت أثناء المناقشات لإعداد الاتفاقية بناء على اقتراح من الوفد المكسيكى. ورغم الانتقاد الذى وجه إلى هذه الفكرة باعتبارها غير موضوعية وشديدة الغموض، فإنه بعد جدل طويل ظهرت الصياغة التى أخذت بها الاتفاقية بعد ذلك، والتى اعتبرت أن الضرر يكون جوهرياً "إذا أدى إلى حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد" [273] .


- الضرر فى اتفاقية لاهاى: لم يرد بتعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى اشتراط أن يكون الضرر جوهرياً، بل إنها لم تتكلم عن الضرر أصلاً [274] . وإنما أقامت تعريفها للمخالفة الجوهرية على فكرة أساسية هى أن يفقد المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة، بحيث أنه ما كان ليتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها [275] . وهو مفهوم يقترب من فكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، لكنه يختلف عنها من ناحية الصياغة.

- الضرر الجوهرى فى قواعد الـ Unidroit: وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً لفكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، إذ أجازت للمتعاقد فسخ العقد إذا كان إخلال المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وأوردت عدداً من الظروف التى يمكن على أساسها تحديد ما إذا كان عدم التنفيذ يعد جوهرياً، منها أن يؤدى عدم التنفيذ إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه بموجب العقد [276] .


69- فكرة "النقصان الجوهرى" فى القانون التجارى الأمريكى الموحد: وتماثل فكرة الضرر الجوهرى إلى حد كبير فكرة "النقصان الجوهرى" substantial impairment فى القانون التجارى الأمريكى الموحد U.C.C. [277] . إذ يستطيع المشترى رغم قبوله البضاعة، أن يسحب هذا القبول، إذا استطاع أن يثبت أن عدم مطابقة البضاعة قد حرمه بصفة أساسية من منفعتها بالنسبة له [278] . بشرط أن يقيم الدليل على وجود عذر دفعه إلى قبول البضاعة، وأن يقوم بسحب القبول خلال مدة معقولة من التاريخ الذى اكتشف فيه - أو كان من واجبه أن يكتشف فيه - الأسباب التى دفعته لسحب القبول [279] .

كما يستطيع المشترى فى عقود البيع على دفعات أن يرفض أى دفعة غير مطابقة من هذه الدفعات، إذا كانت عدم المطابقة تحرمه بصفة أساسية من منفعة هذه الدفعة بالنسبة له وكان من غير الممكن إصلاحها [280] . وإذا كانت عدم المطابقة فيما يتعلق بدفعة أو أكثر من هذه الدفعات تحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد كله فإنه يكون هناك إخلال بالعقد كله [281] .

70- القانون المصرى وفكرة فقدان المنفعة من العقد: وقد أخذ القانون المصرى بفكرة فقدان المنفعة من العقد وجعلها من العناصر التى تجيز للقاضى الحكم بالفسخ فى حالات معينة، وقد عبر عن فقدان المنفعة باشتراطه أن يصل الضرر إلى درجة لو علمها المتعاقد لما أتم العقد. فيجب لفسخ العقد فى حالة نقص المبيع إذا عين فى العقد مقداره، وفى حالة نقص قيمة المبيع
قبل التسليم لتلف أصابه، أن يكون النقص من الجسامة بحيث لو أن المشترى كان يعلمه لما أتم العقد [282] .

كذلك تعد فكرة فقدان المنفعة من العقد متوافرة فى المعيار الذى أخذ به قانون التجارة الجديد للقضاء بالفسخ فى حالة نقص كمية المبيع أو وجود عيب به أو عدم مطابقته، إذ لا يقضى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه [283] .

شروط الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا:

 71-  1  حرمان الطرف المضرور من المنفعة المتوقعة من العقد: يجب لكى يعد الضرر جوهرياً وفقاً للمعيار الذى أخذت به اتفاقية فيينا أن يترتب عليه حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد. فلا ينظر إلى ما يتوقعه المتعاقد من العقد وفقاً لتقديره الشخصى، وإنما إلى ما يحق له أن يتوقعه منه. فالمعيار هنا معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة المتعاقد إذا وجد فى نفس ظروفه [284] .

- اتفاق المتعاقدين على المنفعة المقصودة من العقد: وقد يظهر ما يحق للمتعاقد أن يتوقعه من العقد فى العقد نفسه [285] ، بأن يتفق فيه على الغرض الأساسى من إبرام العقد والمنفعة التى تعود على المتعاقدين منه، فإذا لم يتحقق هذا الغرض اعتبر الضرر جوهرياً. ومثال ذلك أن يتم التعاقد على شراء زهور ويتفق فى العقد على أن القصد من شرائها هو بيعها فى أعياد الميلاد ورأس السنة، فإذا تأخر البائع فى تسليمها حتى انتهاء هذه الأعياد اعتبر الضرر جوهرياً لأنه يحرم المشترى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بتفسير ما صدر عن المتعاقدين من بيانات وتصرفات: وإذا لم يتفق المتعاقدان صراحة فى العقد على المنفعة التى يقصدها كل واحد منهما من التعاقد، فإنه يرجع فى تحديد ذلك إلى ما قد يصدر عنهما من بيانات أو تصرفات قبل إبرام البيع أو وقت انعقاده أو بعده، ويشمل ذلك المراسلات المتبادلة بينهما وما قد يقدمه المتعاقدان من إيضاحات خاصة بشروط العقد، وما يصدر عنهما من أعمال أو تصرفات بخصوصه أو ما يتخذانه من مواقف بشأن تنفيذه [286] .

 وتفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما قصده المتعاقد الذى أصدرها، متى كان المتعاقد الآخر يعلم بهذا القصد بأن كان قد أبلغ به صراحة، أو كان من الوضوح بحيث يمكن افتراض أنه لا يجهله. فإن تعذر الوصول إلى هذا القصد فإن البيانات والتصرفات تفسر وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من صفة الطرف الآخر إذا وجد فى نفس ظروفه، وفى جميع الأحوال يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع ظروف العقد بما فى ذلك المفاوضات السابقة على انعقاده والعادات التى استقر عليها التعامل بين الطرفين والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [287] .

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بالرجوع إلى طبيعة المبيع: فإذا لم يرد بالعقد ذكر للمنفعة التى تعود على المتعاقد منه وما يتوقعه كل منهما من إبرامه، وتعذر الوصول إلى ذلك عن طريق تفسير ما صدر عنهما من بيانات وتصرفات، فإنه يمكن تحديد ذلك بالرجوع إلى طبيعة المبيع، فما يتوقع الحصول عليه عادة من هذا المبيع يعد هو المنفعة المقصودة من المبيع. وإذا تحدد غرض خاص أعد المبيع له، فإن هذا الغرض الخاص هو الذى يرجع إليه لتحديد المنفعة الأساسية المقصودة من المبيع. فإذا كان المبيع خيولاً  أعدت للسباق، فإن تسليم خيول غير معدة لذلك يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة الأساسية التى قصدها من البيع [288] .

وإذا كان المبيع ماشية فإن الغرض المعتاد من شرائها هو بيعها للمستهلكين أو ذبحها وبيع لحومها، ولكن قد يتفق فى عقد البيع على غرض خاص للشراء هو استخدامها لإجراء التجارب اللازمة لإنتاج الأمصال والمستحضرات الطبية، ويتحدد بالعقد مواصفات خاصة لابد من توافرها لتحقيق هذا الغرض، فإن عدم تحقق هذه المواصفات يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة التى قصدها من العقد.

وقد بالغت محكمة ألمانية فى تحديد المقصود من فقدان المنفعة من العقد، واعتبرت أن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان المبيع لا يصلح لأى استعمال [289] . وتخلص وقائع هذه القضية فى أن عقداً قد أبرم فى يناير 1991 بين شركة إيطالية وأخرى ألمانية على أن تبيع الأولى للثانية أحذية نسائية Women's shoes، وقامت البائعة بتسليم الأحذية المبيعة للمشترية التى رفضت دفع الثمن بحجة أن الأحذية غير مطابقة للموصفات المتفق عليها. وقضت محكمة استئناف فرانكفورت الألمانية بعدم أحقية المشترية فى فسخ العقد وألزمتها بسداد ثمن البضاعة والفوائد على هذا الثمن، وأسست حكمها على أن المشترية عجزت
عن إقامة الدليل على عدم مطابقة الأحذية بصورة كبيرة، وأن المشترى وفقاً لاتفاقية فيينا يتعين عليه قبول البضاعة غير المطابقة إذا كان يمكن استعمالها بأى صورة من الصور على أن يتمسك بأى جزاءات أخرى لمواجهة هذه العيوب خلاف الفسخ كتخفيض الثمن والتعويض [290] .

72-  2  وجود الضرر فعلاً واستمراره: ويجب فى جميع الأحوال أن يتحقق وجود الضرر فعلاً، ولا يكفى احتمال تحققه، كما يجب أن يستمر وجوده حتى إعلان فسخ العقد [291] . ذلك أن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه لا ينتج عنه بالضرورة ضرر للمتعاقد الآخر، فقد يهمل البائع فى تنفيذ التزامه بتعبئة البضاعة أو التأمين عليها ولكنها تصل رغم ذلك سالمة فلا يلحق المشترى ضرر من جراء ذلك، لكن إذا ترتب على هذا الإهمال ألا يتمكن المشترى من إعادة بيعها ففى هذه الحالة يكون قد لحقه ضرر جوهرى تحقق وجوده فعلاً [292] .

ونرى أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون الضرر مستقبلاً، بشرط أن يكون محقق الوقوع فى المستقبل. فإذا اشترى تاجر بضاعة لبيعها بعد فترة زمنية لوجود مخزون لديه لم يتصرف فيه بعد، فإن البائع إذا تخلف عن تسليم البضاعة له أو سلمها غير مطابقة لن يلحقه بسبب ذلك ضرر حال، وإنما سيتحقق وقوع هذا الضرر عندما يحين موعد التصرف فى البضاعة، لكنه مع ذلك ضرر محقق الوقوع فى المستقبل [293] . فيعد ضرراً جوهرياً يعطى للمشترى الحق فى فسخ العقد.

73- تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع: ويعد تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع question de fait يرجع فيها إلى كل حالة على حده [294] . فقد يكون إخلال المتعاقد بتنفيذ التزامه فى بعض الأحوال متسامحاً فيه، فى حين قد يؤدى ذات الإخلال إلى ضرر جوهرى فى أحوال أخرى. فعلى سبيل المثال لا يعد التأخير اليسير من البائع فى تسليم البضاعة لمدة يوم أو يومين مؤدياً  إلى ضرر جوهرى للمشترى وفقاً للظروف العادية، لكن هذا التأخير يلحق بالمشترى ضرراً جوهرياً إذا كان القصد من التعاقد هو عرض البضاعة فى معرض يستمر لمدة يومين واستمر التأخير حتى انتهاء فترة المعرض [295] .

وقد يكون الضرر منذ بدايته جوهرياً، وقد يبدأ بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت أو مع استمرار المخالفة [296] . كما يحدث لو كان المبيع آلات يظهر عيب بسيط بها عند بدء تشغيلها ثم يزداد هذا العيب مع استمرار التشغيل، أو كان المبيع مواداً غذائية لا يظهر فسادها إلا بعد مرور فترة زمنية معينة بعد تسليمها. ويحدث أيضاً إذا كان الإخلال بالالتزام بالضمان، فيتقاعس البائع عن إرسال مهندسيه لإجراء الصيانة الدورية للجهاز المبيع، وبمرور الوقت يتوقف الجهاز عن العمل بسبب عدم إجراء هذه الصيانة له.

ويظهر من اشتراط الاتفاقية جوهرية الضرر وحده، أنها لم تدخل فى اعتبارها طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته، فتستوى مخالفة أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق طرفى عقد البيع [297] . كالتزام البائع بالتسليم والمطابقة والتزام المشترى بدفع الثمن وتسلم البضاعة، وكذا أى التزام تابع لهذه الالتزامات كالالتزام بإبرام عقد النقل والتأمين على البضاعة وفتح
اعتماد مستندى.

74- أثر علاج الإخلال فى تقدير جوهرية الضرر: وينبغى أن يدخل فى تقدير جوهرية الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج هذا الضرر وإزالة آثار المخالفة التى ارتكبها [298] . فقد يكون من شأن ما عرضه رفع الضرر الذى لحق بالطرف الآخر أو جزء كبير منه، بحيث لا يعد الضرر الذى يبقى بعد ذلك جوهرياً. فالمخالفة لا تكون جوهرية إذا أمكن علاجها [299] . لأنها بإتمام علاجها لن يترتب عليها ضرر جوهرى، وقد لا يترتب عليها ضرر على الإطلاق.

وقد يكون العلاج بعد تاريخ التسليم بأن يصلح البائع على نفقته كل خلل فى تنفيذ التزاماته، بشرط ألا يترتب على ذلك تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [300] . كما قد يكون العلاج فى حالة تسليم البضاعة قبل الميعاد، إذ يحتفظ البائع حتى حلول الميعاد المحدد للتسليم بحق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضاعة المسلمة أو توريد بضاعة بديلة للبضاعة غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب في مطابقة البضاعة، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [301] .

 3  اشتراط أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر: ويتعين لكى يكون الضرر جوهرياً أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر الذى لحق بالمتعاقد نتيجة المخالفة التى ارتكبها المتعاقد الآخر، أما إذا أمكن رفع هذا الضرر عن طريق آخر فإن الضرر بذلك لا يعد جوهرياً كما لو كان دفع التعويضات أو تخفيض الثمن يعد علاجاً كافياً وملائماً لهذا الضرر [302] .

75- السماح بالفسخ رغم عدم جوهرية الضرر: وقد يكون الضرر غير جوهرى ويسمح مع ذلك بالفسخ، وذلك فى حالتين: الأولى إذا اتفق المتعاقدان على ذلك صراحة فى عقدهما، والثانية إذا جرى بذلك العرف الذى اتفق عليه المتعاقدان صراحةً أو ضمناً.

76- أولاً: اتفاق المتعاقدين على الفسخ: فالقاعدة أن المتعاقدين يجوز لهما استبعاد تطبيق الاتفاقية، كما يجوز لهما مخالفة أى نص من نصوصها أو تعديل آثاره [303] . فأحكام الاتفاقية هى أحاكم مكملة لإرادة المتعاقدين لا تطبق إلا إذا لم يتفق المتعاقدان على ما يخالفها [304] . فقد جعلت الاتفاقية من إرادة المتعاقدين المصدر الأول لعقد البيع، وكل شرط يضمناه عقدهما يحددان به حقوقهما والتزاماتهما تكون له الأولوية فى التطبيق على أحكام الاتفاقية [305] .

وعلى ذلك يجوز للمتعاقدين أن يضمنا عقدهما أن أضراراً معينة تعد جوهرية إذا نتجت عن إخلال أحدهما بالتزاماته، حتى ولو كانت هذه الأضرار لا تعد كذلك وفقاً لأحكام الاتفاقية. كأن يتفق المتعاقدان على أن أى عيب مهما كانت درجته يظهر عند تشغيل الجهاز المبيع يتحمل البائع مسئوليته ويلتزم باستبدال جهاز جديد به وإلا فسخ البيع.

77- ثانياً: الفسخ إذا جرى العرف بذلك: ويلتزم المتعاقدان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [306] . فإذا تضمنت هذه الأعراف أو العادات المستقر عليها ما يحدد الأضرار التى تعد جوهرية وتجيز فسخ العقد، فإنها تكون واجبة التطبيق حتى ولو كانت هذه الأضرار غير جوهرية وفقاً لأحكام الاتفاقية، بأن كانت لا تحرم المتعاقد مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد.

وهذا الحكم لا يقدم جديداً لأن الأعراف التى اتفق عليها المتعاقدان قد أصبحت باتفاقهما جزءاً من العقد يلتزما به كالتزامهما بباقى أجزائه. أما العادات التى استقر عليها التعامل بينهما، فإنها تطبق باعتبارها قرينة على أن الطرفين قد أرادا تطبيقها، ما لم يقم الدليل على أنهما قد أرادا استبعادها من نطاق عقد معين أبرماه بينهما [307] .

وإذا كان المتعاقدان لم يتفقا على تطبيق عرف معين على عقدهما، لكن هذا العرف كانا يعلمان به - أو كان ينبغى لهما أن يعلما به - وكان معروفاً على نطاق واسع فى التجارة الدولية ويراعى بانتظام فيها بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية في نفس فرع التجارة، فإنه يفترض أن الطرفين قد طبقا هذا العرف ضمناً على عقدهما [308] . وما دام هذا العرف قد اعتبر أنه مطبق ضمناً على هذا العقد، فإنه يأتى فى مرتبة مساوية لمرتبة الاتفاق ويسبق وبالتالى فى التطبيق أحكام الاتفاقية [309] .

وعلى ذلك إذا جرى هذا العرف بالنسبة إلى بعض أنواع البيوع - كالبيع سيف c.i.f. - على امتناع المشترى عن تسلم المستندات إذا لم تكن مطابقة تماماً للعقد ولو كان عدم المطابقة طفيفاً، فإن العرف هو الذى يرجح ويتعين تطبيقه رغم مخالفته لأحكام الاتفاقية [310] .

78- الخلاصة: ونخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا رغبة منها في تقييد الحق فى الفسخ اشترطت لكى تكون المخالفة جوهرية أن يترتب عليها ضرر جوهرى للمتعاقد الآخر، وحددت الضرر الجوهرى بأنه الذى يحرم الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

ومعيار تقدير جوهرية الضرر هو معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه من العقد شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المضرور إذا وجد فى نفس ظروفه. وهذه التوقعات قد تظهر فى العقد نفسه، أو فيما يصدر عن الطرفين من بيانات وتصرفات، وإلا تعين الرجوع إلى طبيعة المبيع والغرض الخاص الذى أعد له.

والضرر يجب أن يكون موجوداً وقت الفسخ، ولا يكفى احتمال تحققه، وقد يكون مستقبلاً بشرط أن يكون محقق الوقوع في المستقبل. ويرجع فى تقدير الضرر إلى كل حالة على حده، وقد يكون الضرر جوهرياً منذ بدايته كما قد يكون بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت واستمرار المخالفة. ولا عبرة بطبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته. وينبغى أن يدخل فى تقدير الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج المخالفة ورفع آثار الضرر.

ويعتد فى تقدير جوهرية الضرر بما اتفق عليه المتعاقدان، وبما ضمناه عقدهما من أعراف وبما استقر عليه التعامل بينهما. وكذا يعتد بالأعراف التى يعلمان بها أو يجب عليهما العلم بها متى كانت معروفة على نطاق واسع فى التجارة الدولية وتراعى باستمرار بها.


المطلب الثالث

توقــــع الضــــرر

79- إذا أخل المتعاقد بتنفيذ التزاماته وترتب على هذا الإخلال ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر. فإن المخالفة رغم ذلك لا  تكون جوهرية إلا إذا كان هذا الضرر متوقعاً Prévisible، بأن يتوقع الطرف المخالف حدوثه وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه [311] .

ويعد اشتراط توقع الضرر أمراً يتسم بالعدالة، إذ ليس من العدل أن يتحمل المتعاقد نتيجة لا يمكن أن يتوقع حدوثها. فإذا كان تاريخ التسليم يمثل أهمية خاصة للمشترى، فإنه يتعين عليه أن يخطر البائع بذلك أو ينص عليه في العقد. فإذا لم يقم بذلك وتأخر البائع فى التسليم تأخراً يسيراً جرى العرف عادة على التسامح فيه، فلا يتصور محاسبته على هذا التأخير ولو ترتب عليه ضرر جوهرى للمشترى، لأن البائع لم يتوقع هذه النتيجة ولم يتجاوز تأخيره الحد المقبول عادة، فلا توصف المخالفة فى هذه الحالة بأنها جوهرية [312] .

80- توقع الضرر فى قواعد الـ Unidroit: وقد أخذت قواعد الـ Unidroit بشرط التوقع أيضاً، فاعتبرت أن عدم تنفيذ الالتزام يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد إذا أدى إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له توقع الحصول عليه بموجب العقد، إلا إذا كان الطرف الآخر لم يتوقع أو كان من غير المعقول أن يتوقع هذه النتيجة [313] . فلا يحق للدائن
فسخ العقد إذا أثبت المدين أنه لم يتوقع، ولم يكن من المعقول له أن يتوقع، أن عدم التنفيذ سيكون جوهرياً بالنسبة للدائن. وأوردت مثالاً لذلك: إذا التزام  أ  بأن يجمع المخلفات من الموقع المملوك لـ  ب  خلال عام 1992، واستأجر  ب  حفارات بتكلفة عالية لتعمل فى الموقع اعتباراً من 2 يناير لكنه لم يخطر  أ  بذلك، فلا يحق لـ  ب  فسخ العقد بسبب عدم إخلاء  أ  الموقع في 2 يناير [314] . ذلك أن  أ  لم يكن فى إمكانه توقع الأضرار التى تلحق  ب  من جراء ذلك.

- توقع الضرر فى اتفاقية لاهاى: وكانت اتفاقية لاهاى قد ضمنت تعريف المخالفة الجوهرية بها شرط توقع الضرر ولكن بعبارات مختلفة، إذ اشترطت أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها [315] . فلو كان الطرف المخالف يستطيع أن يعلم وقت التعاقد أن الإخلال الذى سيصدر عنه وما يترتب عليه من آثار، يمكن أن يؤدى إلى امتناع المتعاقد الآخر عن التعاقد لم علم به، فإن المخالفة تكون جوهرية. أو بعبارة أخرى تكون المخالفة جوهرية إذا استطاع الطرف المخالف أن يتوقع وقت التعاقد ما يترتب على هذا الإخلال من ضرر بالمتعاقد الآخر.

81- التوقع فى القانون المصرى: ولم يشترط القانون المصرى لفسخ العقد أن يكون الضرر الناتج عن الإخلال متوقعاً، وإنما ترك تقدير أسباب الفسخ للقاضى الذى له أن يحكم به أو يرفضه [316] . لكن توقع الضرر يعد شرطاً للحكم بالتعويض، فإذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلتزم المدين الذى لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً إلا بتعويض الضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد [317] .

ويبرر قصر التعويض على الضرر المتوقع، أن توقع الضرر يعد هنا شرطاً اتفاقياً مفترضاً يعدل من مقدار المسئولية، فقد افترض القانون أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى جعل المسئولية العقدية عن الضرر مقصورة على المقدار الذى يتوقعه المدين، فهذا هو المقدار الذى يمكن أن يفترض افتراضاً معقولاً أن المدين قد ارتضاه، ويكون هذا الافتراض بمثابة شرط اتفاقى يعدل من مقدار المسئولية بقصرها على مقدار معين هو مقدار الضرر المتوقع. لكن هذا الشرط يعد باطلاً فى حالتى غش المدين وخطأه الجسيم، فيلتزم فى هاتين الحالتين بالتعويض عن كل الضرر متوقعاً أو غير متوقع، لأنه رجع إلى الأصل بعد إبطال الشرط الاتفاقى الذى يعدل من مقدار المسئولية [318] .

والضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد، يقاس بمعيار موضوعى لا بمعيار شخصى، أى بالضرر الذى يتوقعه الشخص المعتاد فى مثل الظروف التى يوجد بها المدين لا الضرر الذى يتوقعه هذا المدين بالذات [319] .

82- معيار تقدير التوقع فى اتفاقية فيينا: وعلى ذلك، فإن اتفاقية فيينا قد استعبدت وصف المخالفة بالجوهرية، رغم صدور الإخلال وترتب ضرر جوهرى عليه، إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة التى سببها الإخلال الصادر عنه للمتعاقد الآخر [320] . أى أن عدم التوقع يُعد شرطاً لإعفاء الطرف المخالف من نتائج عدم تنفيذه لالتزامه [321] .

لكن تقدير التوقع يصعب التعويل فيه على المعلومات الشخصية للطرف المخالف وحدها، ذلك أن معلوماته فى هذا الشأن وتقديره لهذه المعلومات يمكن أن يتأثر بعوامل كثيرة: فقد يمتنع الطرف المضرور بقصد أو بدون قصد عن إخطاره ببعض التوقعات أو المعلومات الضرورية، وقد يهمل طرف ثالث فى توصيل هذه المعلومات إليه، وقد تصل كل المعلومات الضرورية إليه لكنه يعجز عن ترتيبها أو تفسيرها أو تقديرها على النحو الصحيح لنقص إدراكه أو خبرته. أضف إلى ذلك صعوبة إقامة الدليل على مثل هذه الأمور الشخصية، ولو أقيم الدليل على وجودها فإن تقديرها يختلف من شخص إلى آخر. الأمر الذى أصبح معه التعويل على المعيار الشخصى وحده غير متناسب مع احتياجات التجارة الدولية، وأصبح البحث عن معيار موضوعى يضاف إليه أمراً لازماً [322] .

83- وعثرت اتفاقية فيينا على هذا المعيار الموضوعى متمثلاً فى علم شخص عاقل Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه، فشرط التوقع يكون متوافراً إذا كان الطرف المخالف يتوقع فعلاً هذه النتيجة، كما يكون متوافراً أيضاً ولو لم يتوقعها إذا كان من الممكن لشخص عاقل سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه أن يتوقعها [323] . أى أن الاتفاقية قد أخذت بتوقع الطرف المخالف للنتيجة، أو بقدرته على هذا التوقع، حتى ولو لم يتوقعها فعلاً [324] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد اقتربت من هذا المعيار، إذ رغم أنها لم تعتد إلا بعلم الطرف المخالف وحده أو إمكانية علمه [325] ، إلا أنها فسرت اصطلاح "يعلم أو ينبغى له أن يعلم"، بأن العبرة تكون عندئذ "بما كان ينبغى أن يعلمه شخص عاقل من ذات الصفة إذا وجد فى نفس الظروف" [326] .

 وقد عرف القانون المصرى هذا الشخص الوهمى وأطلق عليه "الشخص العادى أو المعتاد" [327] . أما فى القانون الإنجليزى والقوانين التى أخذت عنه فقد أطلق عليه "الشخص العاقل" reasonable person، وهو تعبير شائع فى هذه القوانين [328] ، وقد أخذت الاتفاقية بهذا التعبير الأخير فى نسختها الإنجليزية وفى نسخها بجميع اللغات الأخرى، حيث أطلق عليه بالفرنسية Personne raisonnable، وتمت ترجمته فى النسخة العربية إلى "شخص سوى الإدراك"، وهى ترجمة تعبر بدقة عن المعنى الذى قصدته الاتفاقية [329] .

 84- والشخص سوى الإدراك الذى اعتمدت الاتفاقية على علمه، لتقدير توقع الطرف المخالف للنتيجة المترتبة على مخالفته، يجب أن يتوافر فيه أمران: الأول: أن يكون من نفس صفة الطرف المخالف de même qualité [330] ، أى أن يكون تاجراً يمارس التجارة الدولية فى نفس نوع التجارة التى يمارسها الطرف المخالف، وأن يكون فى نفس ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، ويشمل ذلك اللغة والدين والمستوى المهنى العام [331] , وأن يكون وسطاً فى إدراكه وخبرته فى مدى حرصه ويقظته [332] .

 والأمر الثانى: أن يكون فى نفس ظروف الطرف المخالف dans la même situation [333] . ويعتد فى ذلك بكافة الظروف المحيطة والتى ترجع إلى ظروف السوق العالمى أو المحلى والتشريعات والسياسات والمناخ، وكل ما يتعلق بالحالة موضوع البحث [334] .

 وقد أرادت الاتفاقية بأخذها بهذا المعيار تأكيد ترجيحها للضوابط الموضوعية، وكانت قد جعلته القاعدة العامة فى تفسير البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين إذا تعذر معرفة قصده منها أو كان الطرف الآخر لا يعلم بهذا القصد ولم يكن فى استطاعته هذا العلم، إذ تفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من نفس صفة الطرف الآخر إذا وضع فى نفس الظروف [335] . وفى هذه الحالة يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع الظروف المتصلة بالحالة، لاسيما المفاوضات التى تكون قد تمت بين الطرفين والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [336] .

 ويقع عبء إثبات عدم التوقع على عاتق الطرف المخالف، ويجب عليه إثبات أمرين: الأول أنه هو نفسه لم يتوقع بأى حال من الأحوال الضرر الجوهرى الذى تسبب فى إحداثه، والثانى أنه لا يوجد شخص سوى الإدراك من نفس صفته وفى نفس ظروفه يمكن أن يتوقع مثل هذا الضرر [337] .

 85- وقت التوقع: ولم تحدد الاتفاقية الوقت الذى يتعين أن يتوافر فيه توقع الطرف المخالف لنتيجة مخالفته، هل هو وقت التعاقد أم وقت ارتكاب المخالفة؟. وكان قد قدم أثناء مناقشة مشروع الاتفاقية اقتراحاً بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد"، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً فتم استبعاده [338] ، وترك هذا الأمر لكى يحسمه القضاء إذا ثار نزاع بشأنه أمامه [339] .

 86- ذهب رأى إلى أن بحث توافر هذا التوقع يجب أن يكون وقت إبرام العقد، وأنه كان منطقياً إضافة هذه العبارة إلى نص المادة لتقدير توقع الطرف المخالف [340] . إذ أن العقد الذى لا يتفق فيه على اعتبار تاريخ التسليم أمراً جوهرياً، لا يتصور أن يتحول فيه هذا التاريخ لكى يصبح من جوهر العقد إذا علم البائع بعد ذلك أن المشترى ألزم نفسه ببيع البضاعة فى هذا الوقت [341] .

 وقد يحتج أصحاب هذا الرأى بأن اتفاقية لاهاى كانت قد تطلبت توافر شرط العلم بالمخالفة وآثارها وقت إبرام العقد [342] . فيؤخذ بذات الحكم في اتفاقية فيينا مادامت لم تخالفه صراحة.

 كما يمكن لهم الاحتجاج بأن اتفاقية فيينا قد اعتدت بوقت انعقاد العقد فى حالتين: الأولى عندما أجازت للمشترى فى عقد البيع الذى يتضمن تسليم البضاعة على دفعات إذا أعلن فسخ العقد بالنسبة لإحدى الدفعات أن يعلن فى نفس الوقت فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى تم استلامها أو بالنسبة للدفعات المقبلة إذا كان لا يمكن استعمال هذه البضائع فى الأغراض التى أرادها الطرفان وقت انعقاد العقد بسبب عدم قابليتها للتبعيض [343] .

 والحالة الثانية عندما لم تسمح بأن يتجاوز التعويض قيمة الخسارة والربح الضائع التى توقعها الطرف المخالف أو التى كان ينبغى له أن يتوقعها وقت انعقاد العقد فى ضوء الوقائع التى كان يعلم بها أو التى كان من واجبه أن يعلم بها كنتائج متوقعة لمخالفة العقد [344] .

 فتقدير الأغراض التى أراد الطرفان استعمال البضاعة فيها، وتقدير توقع الطرف المخالف للخسارة اللاحقة والكسب الفائت لتحديد قيمة التعويض يرجع فيهما إلى وقت انعقاد العقد. لذلك يمكن القول بأنه يتعين دائماً الرجوع إلى وقت انعقاد العقد لتقدير توقع الضرر قياساً على هذين الحكمين [345] .

 87- لكن اتفاقية لاهاى إذا كانت قد عولت على وقت إبرام العقد لتقدير توافر العلم بالمخالفة وآثارها، فإن هذا الحكم قد انتقد لأن المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة قد تؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، وبالتالى يختلف التقدير فى هذا الوقت عن ذاك [346] . وكذلك لصعوبة تصور أن يقدم أحد على التعاقد إذا علم فى ذلك الوقت أن من سوف يتعاقد معه سوف يرتكب مخالفة للعقد ولو كانت بسيطة، إذ المنطقى أن يحجم عن التعاقد معه ليلجأ إلى آخر يلتزم بما يتم الاتفاق عليه [347] .

 أضف إلى ذلك أن اتفاقية فيينا قد خلت من حكم مماثل، ولا يعنى ذلك أنها أرادت متابعة اتفاقية لاهاى فى ذات الحكم، إذ أن الاقتراح الذى قدم بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد" قد تم رفضه صراحة.

  ولا يصح القياس على الحكمين اللذين أوردتهما الاتفاقية واعتدت فيهما بوقت إبرام العقد، لاختلاف موضوعهما عن الموضوع الماثل، إذ أنهما يتعلقان بغرض الطرفين من البضاعة وتقدير التعويض، بينما نحن هنا بصدد توقع الضرر باعتباره أحد عناصر المخالفة الجوهرية [348] . ولأنه لو أرادت الاتفاقية تعميم هذا الحكم لذكرت ذلك صراحة.

 كما أن مؤدى الأخذ بوقت إبرام العقد أن يتعذر إجراء أى تعديل لما تم الاتفاق عليه فى العقد، ولا يعتد بأى تغير يطرأ في الظروف بعد إبرامه. فإذا أخطر المشترى البائع بعد إبرام العقد بضرورة تسليم البضاعة كاملة دون نقص لاحتياجه الشديد إلى ذلك، لكن البائع سلم البضاعة وبها نقص جرى العرف على التسامح فيه، فإن المخالفة هنا لا تكون جوهرية حتى ولو لحق المشترى بسببها ضرر جوهرى، لأن البائع لا يمكن له توقع مثل هذه النتيجة وقت إبرام العقد إذا لم يخطره المشترى بها إلا بعد ذلك [349] .

 88- لذلك نرى أن تقدير توقع الطرف المخالف للضرر الجوهرى الذى لحق الطرف الآخر يكون وقت ارتكاب المخالفة التى أدت إلى هذا الضرر. إذ يصعب على المتعاقد أن يقدر وقت إبرام العقد المتغيرات التى قد تحدث بعد ذلك وتؤدى به إلى ارتكاب مخالفة للعقد [350] .

 ويؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى تغيرات تطرأ على ظروف السوق بعد إبرام العقد وتؤدى إلى تغير موقف أحد الطرفين. فلو حدثت تقلبات اقتصادية فى دولة المشترى يعلمها البائع أدت إلى وجوب الالتزام بدقة بوقت التسليم المتفق عليه وإلا تعرض المشترى لخسائر فادحة، فإن أى تأخير فى التسليم عن هذا الوقت ولو كان مما يتسامح فيه عادة يعد مخالفة جوهرية لأن البائع يجب أن يتوقع ما يترتب عليه من ضرر جوهرى للمشترى.

 كما يؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى معلومات إضافية تصل إلى علم أحد الطرفين بعد إبرام العقد، مادام لا يوجد ما يحول دون تنفيذه لما هو مطلوب منه بموجبها، ولا يمثل ذلك عبئاً جديداً عليه. فلو تعاقد طرفان على بيع سلعة اتفق على تغليفها حتى يتمكن المشترى من إعادة بيعها، وبعد وقت قصير من إبرام العقد علم البائع أنه يجب وضع بيان معين على الغلاف وأن ذلك يعد شيئاً جوهرياً لإمكان إعادة البيع فى بلد المشترى، فإن عدم قيام البائع بذلك سوف يشكل مخالفة جوهرية ولا يحق له التمسك بعدم توقعه الضرر الذى لحق المشترى من جرائها [351] .

  89- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن الاتفاقية رغبة منها فى تقييد الحق فى فسخ العقد لم تكتف باشتراط ارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة للعقد ترتب ضرراً جوهرياً للمتعاقد الآخر، ولكنها أضافت إلى ذلك اشتراط أن يكون هذا الضرر متوقعاً بأن يتوقعه الطرف المخالف وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفته وفى نفس ظروفه.

 وأظهرت الاتفاقية ترجيحها للضوابط الموضوعية بقياسها توقع الضرر بمعيار موضوعى يتمثل فى علم شخص عاقل أو وفقاً لتعبير الاتفاقية سوى الإدراك - من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه. ويقع على الطرف المخالف عبء إثبات هذا التوقع.

 ويتم تقدير التوقع وقت ارتكاب المخالفة، على خلاف ما ذهب إليه البعض من أن هذا التقدير يكون وقت إبرام العقد.

المبحث الثانى

تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية

 90- تمهيد: يجب للتحقق من عدم تنفيذ الالتزام المقارنة بين حدود الالتزام كما نشأ والكيفية التى تم التنفيذ عليها [352] . والأصل أن حدود الالتزام يوضحها ما تم الاتفاق عليه فى العقد، أى إرادة المتعاقدين، فهى المرجع الأساسى للتعرف على هذه الحدود. وكما قيل بأن المتعاقدين هما أفضل قضاة لتحديد ما فرض عليهما من التزامات [353] .

 فإذا خلا العقد من بيان لهذه الالتزامات يرجع إلى الأعراف التى اتفق عليها الطرفان والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، وكذلك إلى الأعراف المعروفة على نطاق واسع وتراعى بانتظام فى التجارة الدولية فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة مادام قد علم بها الطرفان أو كان ينبغى عليهما أن يعلما بها [354] .

 ويرجع أخيراً إلى أحكام الاتفاقية إذا اتفق المتعاقدان صراحة على ذلك، أو لتكملة ما اعترى عقدهما من نقص بخصوص موضوعات سكتا عنها ولم ينظماها، إذ أن الصفة التكميلية للاتفاقية هى أحد خصائصها الرئيسية [355] .

 91- الالتزام بتحقيق نتيجة والالتزام ببذل عناية: ولتحديد ما إذا كان المتعاقد قد قام بتنفيذ التزامه وفقاً لحدوده سالفة البيان، ينبغى التفرقة بين الالتزام بتحقيق نتيجة obligation de résultat والالتزام ببذل عناية obligation de moyens [356] . فالالتزام بتحقيق نتيجة لا يكون تنفيذه إلا بتحقيق نتيجة معينة هى محل الالتزام، فإذا لم تتحقق هذه النتيجة بقى الالتزام غير منفذ. أما الالتزام ببذل عناية فهو التزام ببذل الجهد للوصول إلى غرض معين تحقق هذا الغرض أو لم يتحقق. فيجب أن يبذل المدين مقداراً معيناً من العناية، هو ما يبذله الشخص العادى، ومتى بذل هذه العناية المطلوبة منه يكون قد نفذ التزامه حتى ولو لم يتحقق الغرض المقصود [357] .

 والغالب أن تكون التزامات المتعاقدين الأساسية فى عقد البيع هى التزامات بتحقيق نتيجة، ما لم يتفق على خلاف ذلك، إذ أن المشترى لا يتعاقد إلا بقصد الوصول إلى نتيجة معينة هى حصوله على البضاعة المبيعة، ولا يتعاقد البائع إلا للحصول على مقابل هذه البضاعة. ومن ثم لا يكون البائع قد نفذ التزاماته الرئيسية فى عقد البيع إلا إذ قام بتسليم البضاعة والمستندات مطابقة لما اتفق عليه فى العقد، ولا يجديه القول بأنه بذل جهداً لتحقيق هذه النتيجة ولم يستطع. ولا يكون المشترى قد نفذ التزاماته الرئيسية فى العقد إلا إذا قام فعلاً باستلام البضاعة المبيعة ودفع ثمنها للبائع، ولا يجديه أن يبذل جهده فى ذلك دون أن تتحقق هذه النتيجة.

 92- تحديد المخالفة الجوهرية: ويجب للقول بأن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه يشكل مخالفة جوهرية أن يوضع تعريف المخالفة الجوهرية جنباً إلى جنب مع الالتزام المدعى الإخلال به ومع أحكام الاتفاقية الخاصة بعلاج الإخلال، وذلك لمعرفة ما إذا كان قد حدث إخلال فعلاً فى تنفيذ هذا الالتزام، ومدى إمكان علاج هذا الإخلال. لأن المخالفة الجوهرية إذا أمكن علاجها لا تعد جوهرية [358] .

 ويجب أن نضع فى اعتبارنا المبدأ العام الذى وضعته الاتفاقية، وهو تقييد الحق فى الفسخ وعدم اللجوء إليه إلا فى أضيق الحالات [359] . فيستبعد الفسخ كلما كان من الممكن إصلاح ما ألم بالعقد من عيب أو قصور، وكذلك يستبعد الفسخ إذا كان هناك جزاء آخر يمكن عن طريقه مواجهة ما صدر عن المتعاقد من إخلال كتخفيض الثمن والتعويض.

 والالتزامات الأساسية التى يتحمل بها البائع فى عقد البيع الدولى، والتى نظمتها الاتفاقية فى أحكامها، هى التزامه بتسليم البضائع والمستندات، والتزامه بالمطابقة. بينما تتمثل التزامات المشترى فى التزامين رئيسيين هما التزامه باستلام البضاعة والتزامه بدفع الثمن.

 فنتكلم عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية على هذه الالتزامات، ونتناول أولاً التزامات البائع ثم التزامات المشترى.

المطلب الأول

التزامـــات البـــائع

 93- تتمثل التزامات البائع الأساسية فى عقد البيع فى التزامه بتسليم البضاعة، وتسليم المستندات المتعلقة بها، ونقل ملكيتها على النحو الذى يقتضيه العقد وأحكام الاتفاقية [360] . وإذا كانت اتفاقية فيينا لم تشر صراحة إلى الالتزام بالمطابقة كالتزام مستقل عن الالتزام بالتسليم [361] . فإنها قد أفردت له أحكاماً مستقلة مما يرجح القول باتجاه واضعى الاتفاقية إلى اعتباره التزاماً مستقلاً عن الالتزام بالتسليم [362] .

 وإذا كان البائع ملزماً بنقل ملكية البضاعة المبيعة إلى المشترى، فإن الآثار التى قد يحدثها العقد فى شأن ملكية هذه البضاعة لم تنظمها الاتفاقية بل استبعدتها صراحة من نطاق تطبيقها [363] . ويرجع ذلك إلى اختلاف التشريعات الوطنية بشأن هذه المسألة بحيث يصعب توحيد الحكم فيها فى نطاق اتفاقية دولية [364] .

 ونتكلم فيما يلى عن التزام البائع بتسليم البضاعة، والتزامه بتسليم المستندات، ثم التزامه بالمطابقة.  أولاً: الالتزام بتسليم البضاعة:

 94- التسليم الفعلى والتسليم الحكمى: لم تعرف اتفاقية فيينا الالتزام بالتسليم تاركة ذلك للفقه، نظراً للانتقادات التى تعرض لها تعريف التسليم فى اتفاقية لاهاى [365] . وقد اتجه الفقه إلى أن التسليم قد يكون فعلياً وقد يكون حكمياً.

 ويكون التسليم الفعلى بمناولة البضاعة من البائع إلى المشترى [366] . أى أن تتصل البضاعة بالمشترى اتصالاً مادياً وتدخل تحت سيطرته الفعلية هو أو من ينوب عنه [367] . فإن تعذر ذلك يكون التسليم الفعلى بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى [368] ، بحيث يتمكن من حيازتها والانتفاع بها دون عائق. ولا يشترط فى هذه الحالة أن تنتقل الحيازة المادية للبضاعة إلى المشترى إذا كان لا يوجد ما يحول بينه وبين هذه الحيازة، على أن يخطره البائع بوضع المبيع تحت تصرفه [369] .

 وقد يكون التسليم الفعلى رمزياً، بتسليم مفتاح المخزن المودعة فيه البضاعة أو تسليم المستندات التى تمثل البضاعة، ويكون ذلك إذا تعذر مناولتها مادياً للمشترى لضخامة كميتها أو حجمها مثلاً. لكن يشترط لذلك أن تنتقل إلى المشترى السيطرة على المخزن الموجود به البضاعة، فلا يكفى تسليم المشترى مفتاح مخزن البضاعة إذا كان هذا المخزن داخل مصانع البائع بحيث لا يستطيع المشترى الوصول إليه، فلابد من الترخيص للمشترى بدخول المكان الموجود به المخزن حتى يكون البائع قد نفذ التزامه بالتسليم [370] .

 أما التسليم الحكمى فيمكن تعريفه بأنه "اتفاق على تغيير صفة الحائز للشىء المبيع، دون تغيير فى الحيازة الفعلية للشىء محل التسليم"، فهو اتفاق أو تصرف قانونى وليس عملاً مادياً [371] . ويتحقق ذلك إذا كان المبيع فى حيازة المشترى قبل البيع، كمودع لديه أو مرتهن، وبعد البيع يستمر فى حيازة البضاعة ولكن بصفته مالكاً. أو إذا كان المبيع فى حيازة البائع، وبعد البيع يستمر حائزاً له ولكن ليس بصفته مالكاً وإنما بصفته مودعاً لديه أو مرتهناً مثلاً [372] . وقد يتحقق ذلك فى صورة ثالثة إذا كانت البضاعة فى حيازة شخص من الغير، كمودع لديه لحساب البائع مثلاً، وبعد البيع يستمر هذا الغير فى حيازة البضاعة ولكن لحساب المشترى، بشرط أن يخطر المشترى أنه يحوز البضاعة لحسابه [373] .

 95- الالتزام بمكان التسليم: ويلتزم البائع بتسليم البضاعة فى المكان المتفق عليه فى العقد. فإذا اتفق المتعاقدان صراحة في العقد على تحديد هذا المكان، فيجب الرجوع إلى اتفاقهما فى هذا الشأن. وقد يتركا تحديد ذلك للأعراف التجارية السارية على هذا النوع من البيوع، والغالب أن يحيل المتعاقدان فى ذلك إلى المصطلحات التجارية الدولية Incoterms [374] . فإن لم يوجد اتفاق أو عرف طبقت الأحكام التى وضعتها الاتفاقية في هذا الخصوص.

 وقد تضمنت المصطلحات التجارية الدولية Incoterms تحديداً لمكان التسليم فى أنواع البيوع المختلفة التى نظمتها [375] . فقد يكون هذا المكان هو محل عمل البائع Ex Works، إما فى المصنع Ex factory أو فى مخازن البائع Ex warehouse، أو في المزرعة Ex plantation. وقد يكون البيع بشرط التسليم على القاطرة أو الشاحنة Free on rail - Free on truck، حيث يلتزم البائع بالتسليم على ظهر عربة السكة الحديد أو الشاحنة التى ستنقل البضاعة.

 وقد يكون البيع بشرط التسليم على رصيف ميناء الشحن Free along side ship  F.A.S ، وفى هذا البيع يلتزم البائع بوضع البضاعة على رصيف الميناء الذى تقف عليه السفينة الناقلة. وقد يكون مكان التسليم هو ظهر السفينة الناقلة فى ميناء القيام، كما هو الحال فى البيع سيف c.i.f. والبيع فوب f.o.b. والبيع C.&F.، حيث يلتزم البائع فى هذه البيوع بتسليم البضاعة على ظهر السفينة المحددة لشحن البضاعة.

  وقد يكون مكان التسليم هو ميناء الوصول، كما هو الحال فى البيع تسليم السفينة Ex ship حيث يلتزم البائع بتسليم البضاعة إلى المشترى على ظهر السفينة فى ميناء الوصول المحدد فى عقد البيع. وقد يمتد التزام البائع ليكون التسليم على رصيف ميناء الوصول أى بعد أن يتم تفريغ البضاعة، وهو البيع Ex quay.

 96- تحديد مكان التسليم وفقاً لاتفاقية فيينا: وضعت الاتفاقية أحكاماً لتحديد مكان التسليم إذا لم يتفق المتعاقدان على تحديد هذا المكان، ولم يحيلا فى ذلك إلى الأعراف التجارية السارية. فإذا تضمن البيع نقل البضاعة فإن التزام البائع بالتسليم يتم تنفيذه بتسليم البضاعة إلى أول ناقل remmettre les marchandises au premier transporteur لإيصالها إلى المشترى [376] . فيجب تمكين الناقل الأول من الحيازة المادية للبضاعة، وأن يكون وضعها فى حيازته على هذا النحو بقصد توصيلها إلى المشترى تنفيذاً لعقد البيع [377] .

 وهذا الحكم يتفق مع القواعد العامة التى تقضى بأنه إذا كان من الواجب تصدير المبيع إلى المشترى فإن التسليم يكون في محطة الشحن لأنها مركز أعمال البائع الملتزم بالتسليم، فيتم التسليم وقت الشحن [378] . على خلاف الحكم فى القانون المصرى الذى يقضى بأنه إذا وجب تصدير المبيع للمشترى فلا يتم التسليم إلا إذا وصل إليه [379] .

 أما إذا كان البيع يتعلق ببضاعة معينة بذاتها أو معينة بنوعها ستفرز من مخزون معين أو ستصنع أو سيتم إنتاجها، ويعرف الطرفان وقت إبرام البيع أن البضاعة موجودة فى مكان معين أو أنها ستصنع أو سيتم إنتاجها فى مكان معين، فإن التسليم يتم بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى ذلك المكان Mettre les marchandises á la disposition de l'acheteur [380] . فيكفى هنا وضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى مكان التسليم، أى أن يقوم البائع بكل الإجراءات اللازمة لتمكين المشترى من حيازة البضاعة دون اشتراط مناولتها إليه مادياً [381] .

 وفى غير الحالات سالفة الذكر يلتزم البائع بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى فى المكان الذى يوجد فيه مكان عمل البائع وقت إبرام العقد [382] . وهذا الحكم يتفق مع البيع Vente á l'usine  Ex works  الذى يتم التسليم فيه فى منشأة البائع [383] .

 97- الالتزام بميعاد التسليم: ويلتزم البائع بتسليم البضاعة فى التاريخ المحدد فى العقد أو فى التاريخ الذى يمكن تحديده بالرجوع إلى العقد [384] . وإذا لم يشتمل العقد على مثل هذا التعيين، وجب التسليم فى التاريخ الذى يحدده العرف [385] .

 وإذا تم الاتفاق على أن يكون التسليم خلال مدة محددة، فإن البائع يستطيع التسليم فى أى وقت خلال هذه المدة، إلا إذا تبين من الظروف أنه قد ترك للمشترى اختيار موعد التسليم [386] .

 وإذا لم يعين فى العقد ميعاد للتسليم ولا يوجد عرف يعينه، كان البائع ملزماً بالتسليم خلال مدة معقولة من انعقاد العقد [387] . وهذه المدة تقدر حسب طبيعة البضاعة وحالتها وما إذا كانت موجودة فعلاً أم سيتم تصنيعها [388] .

 98- الإخلال بالالتزام بالتسليم: وإذا كان الالتزام بالتسليم يتحدد على النحو سالف البيان، فإن الإخلال به يتحقق إذا لم يقم البائع بتنفيذ هذا الالتزام أصلاً، وإذا قام بتنفيذه فى غير الميعاد المتفق عليه أو فى غير المكان المتفق عليه [389] .

 99-  1  عدم تنفيذ الالتزام بالتسليم: ولا خلاف على أن البائع إذا لم يقم بتنفيذ التزامه بالتسليم اعتبر مرتكباً مخالفة جوهرية تجيز للمشترى فسخ العقد. ذلك أن الالتزام بالتسليم هو التزام بتحقيق نتيجة [390] . فإذا لم تتحقق هذه النتيجة بتسليم البضاعة المبيعة إلى المشترى كان البائع مخلاُ بالتزامه، ولا يجديه فى هذه الحالة إثبات أنه قد بذل كل ما يستطيع من جهد لإتمام التسليم [391] .

 100- عدم التنفيذ بسبب هلاك المبيع: ويعد عدم تنفيذ البائع التزامه بالتسليم مخالفة جوهرية تجيز للمشترى فسخ العقد ولو كان عدم التنفيذ بسبب هلاك المبيع بقوة قاهرة [392] . ذلك أن اتفاقية فيينا جعلت أثر القوة القاهرة قاصراً على إعفاء المدين بالالتزام من التعويض، أما الالتزام ذاته فيظل مسئولاً عنه ويحق للدائن به استخدام كافة حقوقه الأخرى، ومنها حقه في إعلان الفسخ. فإذا تعذر على البائع تسليم البضاعة بسبب هلاكها بقوة قاهرة جاز للمشترى إعلان الفسخ واسترداد ما سبق أن عجله من الثمن، لكنه لا يحق له المطالبة بأى تعويضات [393] .

 وإذا اقتصر أثر القوة القاهرة على إعاقة تنفيذ الالتزام لفترة من الوقت فقط يتمكن البائع من التنفيذ بعدها، كأن يحدث إضراب للعمال فى مصانع البائع يتمكن من إنهائه، فإن الإعفاء من التعويض يحدث أثره خلال المدة التى يبقى فيها العائق قائماً فقط [394] . ولا يؤثر ذلك على حق المشترى فى فسخ العقد إذا كان التأخير الذى أدى إليه هذا العائق يشكل مخالفة جوهرية للعقد، بأن أدى إلى حرمان المشترى من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، كما يحدث إذا كان لتاريخ التنفيذ أهمية خاصة له [395] .

 101- عدم التنفيذ بسبب فعل أو إهمال من المشترى: ولا يعد عدم تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم مخالفة جوهرية إذا كان ذلك راجعاً إلى فعل أو إهمال صادر من المشترى [396] . كأن يتعذر على البائع التسليم بسبب تخلف المشترى عن إرسال المواصفات أو الرسومات المتفق عليها فى العقد حتى يتم التنفيذ على أساسها فيعفى البائع فى هذه الحالة من تنفيذ التزامه، ولا يحق للمشترى استعمال أى حق من الحقوق التى نصت عليها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد ومنها فسخ العقد [397] .

  102- عدم التنفيذ بسبب حبس البضاعة: ولا يعد امتناع البائع عن تنفيذ التزامه بالتسليم مخالفة جوهرية، إذا كان بسبب استخدام البائع حقه فى حبس البضاعة حتى يستوفى حقه فى الثمن [398] . كما لا يعد كذلك إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى استخدام البائع حقه فى وقف تنفيذ التزاماته [399] . إذ يحق للبائع وقف تنفيذ التزاماته إذا تبين بعد انعقاد العقد أن المشترى سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته بسبب وقوع عجز خطير فى قدرته على التنفيذ أو بسبب إعساره [400] . ويحدث ذلك على سبيل المثال إذا كان الاتفاق فى العقد على التسليم أولاً ثم يتم الدفع بعد ذلك فى ميعاد لاحق، وعندما يستعد البائع للتسليم يكتشف أن المشترى قد أشهر إفلاسه وأنه لن يستطيع دفع الثمن، فيضطر فى هذه الحالة إلى وقف تنفيذ التزامه بالتسليم حتى يتبين أمر المشترى.

 بل إن للبائع فى هذه الحالة الأخيرة أن يوقف تسليم البضاعة للمشترى إذا كان قد أرسلها فعلاً إليه قبل علمه بالأسباب سالفة الذكر [401] . وكل ما يلتزم به البائع هو أن يوجه إلى المشترى إخطاراً بوقف تنفيذ التزاماته، ويجب عليه أن يستأنف التنفيذ إذا قدم له المشترى ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [402] .

 103-  2  الإخلال بميعاد التسليم: ويتحقق الإخلال بميعاد التسليم إذا قام البائع بالتسليم بعد حلول الميعاد المتفق عليه في العقد، كما يتحقق الإخلال إذا قام بالتسليم قبل حلول هذا الميعاد.

 فإذا تأخر البائع فى تسليم البضاعة عن الميعاد المتفق عليه فى العقد، فلا يعد هذا التأخير فى ذاته مخالفة جوهرية إذا كان تأخيراً بسيطاً لم يسبب ضرراً جوهرياً للمشترى [403] .

 أما إذا اتفق على ميعاد محدد للتسليم، وعلم البائع بمدى أهمية هذا الميعاد للمشترى وضرورة الالتزام به بدقة، فإن أى تأخير فى التسليم بعد هذا الميعاد يشكل مخالفة جوهرية للعقد تجيز للمشترى إعلان فسخه [404] .

 فإذا لم يكن لميعاد التسليم هذه الأهمية، أى أنه لم يكن عنصراً جوهرياً فى العقد، فإن قيام البائع بالتسليم خلال فترة معقولة بعد انقضاء هذا الميعاد سوف يمنع وصف التأخير بأنه مخالفة جوهرية [405] . أما إذا تجاوز التأخير المدى الذى جرى العرف في التجارة الدولية على التسامح فى التأخير فيه بالنظر إلى نوع البضاعة موضوع العقد، فإن التأخير فى هذه الحالة يعد مخالفة جوهرية.

 104- التسليم المبتسر: وإذا قام البائع بتسليم البضاعة قبل حلول الميعاد المتفق عليه فى العقد، وهو ما يسمى بالتسليم المبتسر livraison anticipé، فإنه يكون مخلاً بتنفيذ التزامه إذ أن المشترى قد لا يكون على استعداد لاستقبال البضاعة، فيسبب له وصولها قبل الميعاد أضراراً ومضايقات ما كانت تحدث لو التزم البائع بالميعاد المتفق عليه فى العقد [406] . فقد يضطر المشترى لترك البضاعة على رصيف الميناء حتى يجهز مخازنه لتشوينها، أو يستأجر أماكن أخرى لوضعها بها، وقد لا يكون مستعداً للوفاء بالثمن إذا كان التسليم مرتبطاً به [407] .

 لكن هذا الإخلال لا يعد فى الغالب مخالفة جوهرية تبرر للمشترى إعلان فسخ العقد [408] . إذ وضعت اتفاقية فيينا حلاً لهذا الإخلال بإعطاء المشترى الحق فى رفض استلام البضاعة إذا سلمها البائع قبل التاريخ المتفق عليه [409] . وفى هذه الحالة يتحمل البائع نفقات إعادتها أو تخزينها حتى يحل ميعاد التسليم [410] .  فيلتزم البائع باسترداد البضاعة على أن يعيد تقديمها فى الميعاد المتفق عليه للتسليم. فإذا تعذر على البائع استردادها، لعدم استطاعته إعادتها إلى منشأته على سبيل المثال أو لعدم وجود مخازن له فى مكان التسليم، فإن المشترى يلتزم فى هذه الحالة بحيازتها لحساب البائع، بشرط أن يتمكن من القيام بذلك دون دفع الثمن ودون أن يتعرض لمضايقات أو يتحمل مصاريف غير معقولة [411] .

 105-  3  الإخلال بمكان التسليم: ولا يعد الإخلال بمكان التسليم فى الغالب مخالفة جوهرية، إذ يسهل إصلاح هذا الإخلال بإعادة البضاعة إلى المكان المتفق عليه، إلا إذا ترتب على ذلك تأخير غير مقبول في ميعاد التسليم.

 وهذا هو ما دفع واضعى اتفاقية لاهاى من قبل إلى الربط بين مكان التسليم وميعاده، وعدم اعتبار الإخلال بمكان التسليم مخالفة جوهرية إلا إذا ارتبط بإخلال جوهرى بميعاد التسليم [412] . لكن اتفاقية فيينا لم تتضمن مثل هذا الحكم. ثانياً: الالتزام بتسليم المستندات:

 106- يلتزم البائع بتسليم المشترى المستندات المتعلقة بالبضاعة المبيعة. ويعد هذا الالتزام من الالتزامات الأساسية فى البيوع الدولية التى تستدعى نقل البضاعة من دولة إلى أخرى، وهو لا يقل أهمية عن تسليم البضاعة ذاتها [413] . ذلك أن حيازة المشترى لهذه المستندات تمكنه من استلام البضاعة من الناقل عند وصولها، أو التصرف فيها فى الطريق قبل وصولها. كما تضمن مرورها عبر السلطات الإدارية للدولة التى تمر بها، وتعطى المشترى الحق في المطالبة بالتعويض إذا هلكت في الطريق [414] .

 107- ماهية المستندات المطلوب تسليمها: ولم تحدد الاتفاقية ماهية المستندات التى يتعين تقديمها تاركة ذلك لاتفاق المتعاقدين وللأعراف السارية بخصوص البضاعة المبيعة ونوع البيوع المتفق عليه. وقد تكون هذه المستندات ممثلة للبضاعة بحيث تعد حيازتها حيازة للبضاعة ذاتها [415] ، ومثالها سند الشحن بالنسبة للبضاعة المنقولة بحراً وسند الإيداع بالنسبة للبضاعة المودعة مخزن عام [416] . وقد تكون المستندات لازمة لإثبات مطابقة البضاعة لما تم الاتفاق عليه فى العقد ولتسهيل تداولها، كالفاتورة وشهادة المصدر أو المنشأ وشهادة المعاينة أو المطابقة والفاتورة القنصلية. كما قد تكون المستندات لازمة لضمان وصول البضاعة سالمة إلى المشترى مثل وثيقة التأمين. وقد تتعلق المستندات بإجراءات مرور البضاعة بين الدول وهى التى تستلزمها السلطات الإدارية للدولة كترخيص التصدير والشهادة الصحية [417] .

108- تسليم المستندات فى الزمان والمكان المتفق عليهما ومطابقتها: ويلتزم البائع بتسليم المستندات فى الزمان والمكان المتفق عليهما فى العقد وأن تكون هذه المستندات مطابقة للاتفاق أو العرف [418] . وقد استخدمت الاتفاقية للتعبير عن ذلك بالفرنسية عبارة remettre les documents [419] ، مما يعنى ضرورة تسليم المستندات تسليماً فعلياً للمشترى [420] .

فلا يعد البائع قد نفذ التزامه بالتسليم بإرسالها إلى المشترى، وإنما يجب أن يتسلمها المشترى فعلاً، فالعبرة ليست بخروج المستندات من حيازة البائع وإنما بدخولها حيازة المشترى [421] .

وإذا اتفق فى عقد البيع على ميعاد لتقديم المستندات وجب على البائع أو يراعيه بدقة، أما إذا خلا العقد من شرط صريح فى هذا الشأن فإن المستندات يجب أن تقدم للمشترى بعد الشحن بأسرع ما يمكن. فعلى البائع أن يبذل
العناية المعتادة لإرسال المستندات للمشترى فور حصوله عليها، دون أن يكون المشترى فى حاجة إلى إعذاره لتقديمها [422] .

109- تسليم المستندات عن طريق البنوك: والغالب فى البيوع الدولية أن يتم تسليم المستندات عن طريق البنوك من خلال الاعتماد المستندى، إذ يتفق البائع مع المشترى على أن يقوم الأخير بفتح اعتماد مستندى لدى أحد البنوك لصالح البائع بقيمة الثمن المحدد للبضاعة المبيعة، ويتفق المشترى مع البنك على ألا يوفى بقيمة الاعتماد للبائع إلا بعد أن يقوم الأخير بتسليم المستندات المتفق عليها إلى البنك ويتحقق البنك من مطابقتها لتعليمات المشترى، ثم يرسل البنك إلى البائع خطاباً يسمى خطاب الاعتماد lettre de credit يخطره فيه بشروط الاعتماد المفتوح من المشترى لصالحه. فيقوم البائع بإرسال مستندات البضاعة إلى البنك مرفقاً بها كمبيالة تعرف بالكمبيالة المستندية يسحبها البائع على البنك بثمن البضاعة. وقد يقوم البائع بخصم الكمبيالة المرفق بها المستندات لدى أحد البنوك فى بلدته فيحصل على ثمن البضاعة فوراً، ويتولى البنك الأخير إرسال مستندات البضاعة والكمبيالة المسحوبة من البائع إلى بنك المشترى الذى فتح الاعتماد، فيلتزم بدفع قيمة الكمبيالة إلى البنك الذى قام بخصمها بعد أن يتأكد من مطابقة المستندات لتعليمات المشترى [423] .

ويلتزم البنك فاتح الاعتماد بتنفيذ شروط الاعتماد ومطابقة المستندات المقدمة لهذه الشروط، وليست له أية سلطة فى التقدير أو التفسير لهذه المستندات. كما أنه ليس له قبول مستندات تعادل المستندات المطلوبة، وإنما لابد من تقديم المستندات المطلوبة نفسها إليه، وليس له اشتراط تقديم مستند أو أكثر لم يذكر صراحة فى خطاب الاعتماد [424] .

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن البنك فاتح الاعتماد لا يلزم بالوفاء إلا إذا كان هناك تطابق كامل بين المستندات وشروط فتح الاعتماد، دون أن يكون للبنك فى ذلك أدنى سلطة فى التقدير أو التفسير. وأيدت بالبناء على ذلك ما قام به البنك من رفض صرف قيمة الاعتماد نظراً لما اكتشفه من مخالفة بيانات الشهادة الزراعية الصحية لبيانات البضاعة فى باقى المستندات المقدمة من حيث عدد الصناديق المعبأة فيها ووزن كل صندوق، وأن تلك الشهادة تحمل تاريخاً لاحقاً لتاريخ الشحن مما شكك البنك فى سلامتها فضلاً عن خلوها من بيان صلاحية البضاعة وفق ما تنص عليه شروط
فتح الاعتماد [425] .

110- الإخلال بالالتزام بتسليم المستندات: ويحدث الإخلال بالالتزام بتسليم المستندات إذا لم يسلم البائع المستندات المتفق عليها، أو سلمها ناقصة، أو سلمها فى غير الميعاد المتفق عليه أو فى غير المكان المتفق عليه. كما يحدث الإخلال إذا كانت هذه المستندات غير مطابقة لما تم الاتفاق عليه في العقد سواء من حيث مضمونها أو من حيث شكلها [426] .

111-  1  عدم تسليم المستندات: فإذا لم يسلم البائع المستندات اعتبر - بالطبع - مرتكباً مخالفة جوهرية وجاز للمشترى إعلان فسخ العقد، ولا يعفيه من ذلك أن يكون عدم تنفيذه التزامه بسبب قوة قاهرة، إذ يظل فى جميع
الأحوال مسئولاً عن هذا الالتزام ولا يعفى إلا من التعويض فقط [427] .

لكن عدم تنفيذ البائع التزامه بتسليم المستندات لا يعد مخالفة جوهرية إذا كان راجعاً إلى فعل أو إهمال من المشترى. ولا يعد كذلك أيضاً إذا كان بسبب استخدام البائع حقه فى الحبس لحين الوفاء بالثمن، أو بسبب
استخدامه حقه فى وقف تنفيذ التزامه لما ظهر من أن المشترى سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته، كأن يكتشف البائع أن المشترى قد أشهر إفلاسه أو أنه لا يمتلك الإمكانيات المادية أو المخازن فى مكان التسليم والتى تمكنه من استلام البضاعة [428] .

112-  2  الإخلال بميعاد ومكان تسليم المستندات: وإذا تأخر البائع فى تسليم المستندات، فإن هذا التأخير لا يعد مخالفة جوهرية إلا إذا ترتب عليه ضرر جوهرى يتمثل فى حرمان المشترى من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، كأن يتعذر عليه استلام البضاعة من الناقل مما يؤدى إلى تركها على رصيف الميناء وتلفها، أو تضيع عليه فرصة بيعها فى الطريق بمكسب كبير كما كان ينوى. فإذا لم يترتب على التأخير مثل هذا الضرر فلا تعد المخالفة جوهرية ولا يجوز للمشترى فسخ العقد.

وإذا سلم البائع المستندات قبل الميعاد المتفق عليه، فالغالب ألا يعد ذلك مخالفة جوهرية لأن المشترى يستطيع أن يحتفظ بها حتى حلول الميعاد، بل إنها تعطيه فرصة مطالبة البائع بإصلاح ما قد يشوب هذه المستندات من نقص أو عيب. وقد جعلت الاتفاقية من إصلاح النقص فى مطابقة المستندات فى حالة التسليم المبتسر حقاً للبائع بشرط ألا يترتب على استعماله مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [429] .

وإذا سلم البائع المستندات فى غير المكان المتفق عليه، فالغالب ألا يعد ذلك مخالفة جوهرية، إذا أمكن إعادة المستندات إلى المكان المتفق عليه دون تأخير غير مقبول، أما إذا حدث مثل هذا التأخير فإن المخالفة تعد جوهرية.

113-  3  تسليم مستندات غير مطابقة: ويحق للمشترى رفض المستندات وإعلان فسخ العقد إذا كانت غير مطابقة للشروط المتفق عليها. فإذا لم يقدم البائع المستندات كاملة، أو كانت البيانات المدونة فيها غير كاملة،
أو بلغة غير اللغة المتفق عليها، أو كانت النسخ المقدمة منها غير كافية، أو كشفت المستندات المقدمة عن عدم مطابقة البضاعة لشروط العقد، ففى كل هذه الحالات إذا كان من المتعذر إصلاح ما يوجد بالمستندات من نقص أو
عيب اعتبرت المخالفة جوهرية، ويكون للمشترى الحق فى رفض هذه المستندات وإعلان فسخ العقد [430] .

وإذا كان التسليم عن طريق الاعتماد المستندى فالغالب أن تتشدد البنوك فى استلزام مطابقة المستندات لخطاب الاعتماد، وترفض المستندات ولو كان عدم المطابقة طفيفاً لا يشكل مخالفة جوهرية. وهذا العرف يكون هو المطبق ولا يحق للبائع مطالبة البنك بقبول المستندات لأن العيب طفيف، ذلك أن العرف فى هذه الحالة يغلب على أحكام الاتفاقية [431] .

ويجوز للمشترى التمسك بعدم مطابقة المستندات المقدمة رغم قبول البنك لها وسداد مقابل البضاعة [432] . ويرجع ذلك إلى أن البنك فاتح الاعتماد لا يعد وكيلاً عن المشترى أو كفيلاً له، ويستقل التزامه بسداد قيمة الاعتماد عن
عقد البيع القائم بين البائع والمشترى [433] . فإذا اكتشف المشترى أن المستندات التى قدمت للبنك تخالف عقد البيع سواء من ناحية الشكل أو المضمون، يستطيع أن يرجع على البائع بما يرفع الضرر الذى لحقه من جراء ذلك، سواء بالفسخ أو التعويض.

وقد قضت فى ذلك محكمة النقض المصرية أن البنك الذى يفتح اعتماداً مستندياً للوفاء بثمن صفقة تمت بين تاجرين لا يعتبر وكيلاً عن المشترى فى الوفاء للبائع بقيمة الاعتماد كما لا يعتبر ضامناً أو كفيلاً يتبع التزامه التزام عميله المشترى، بل يعتبر التزامه فى هذه الحالة التزاماً مستقلاً عن العقد القائم بين البائع والمشترى [434] .

ثالثاً: الالتزام بالمطابقة:

114- يلتزم البائع بأن يسلم بضاعة تكون كميتها ونوعيتها وأوصافها وكذلك تغليفها أو تعبئتها مطابقة لأحكام العقد [435] . فالعقد هو ضابط المطابقة، فيرجع إليه لتحديد قدر البضاعة والصفات اللازم توافرها فيها، فإذا تم تسليم بضاعة تخالف ما اتفق عليه فى العقد يكون البائع قد أخل بالتزامه بالمطابقة [436] . وإذا لم يتضمن العقد تحديداً لذلك، فيرجع إلى الأعراف السارية فى التجارة الدولية بخصوص هذا النوع من البيوع. وبالإضافة إلى ذلك فقد وضعت اتفاقية فيينا أحكاماً تكميلية توضح عناصر المطابقة إذا لم يتفق المتعاقدان على ما يخالفها.

115- صلاحية البضاعة للاستعمال المعتاد والخاص: فيجب أن تكون البضاعة صالحة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضائع من نفس النوع، وأن تكون صالحة للاستعمال فى الأغراض الخاصة التى أحيط بها البائع علماً، صراحة أو ضمناً، وقت انعقاد العقد [437] .

ويواجه هذا الحكم حالتين: الأولى عندما لا يقصد المشترى استعمال البضاعة فى غرض خاص، وإنما هو يريدها صالحة للاستعمال فى جميع الأغراض التى تعدلها عادة. كما يحدث عندما يشترى تاجر تجزئة بضاعة من تاجر جملة ليعيد بيعها للمستهلكين، فيلزم أن تكون هذه البضاعة صالحة لكل استعمال تعد له عادة بضاعة من نوعها [438] . ويقصد من ذلك أن تكون
البضاعة ذات صلاحية تجارية d
e qualité marchande، أى يمكن إعادة بيعها وتداولها فى العمليات التجارية الجارية [439] .

والحالة الثانية أن يقصد المشترى استعمال البضاعة فى غرض خاص، كأن يتعاقد مع البائع على شراء سيارات تصلح للسير فى الطرق الصحراوية، فإذا سلمه سيارات غير صالحة لذلك يكون تخلف عن تنفيذ التزامه بالمطابقة [440] . ويفترض أن هذا الاستعمال الخاص للبضاعة قد علم به البائع وقت التعاقد، فدخل بذلك فى النطاق العقدى، وأصبح البائع ملزماً بالاستجابة
لما طلبه المشترى لأنه أكثر تخصص منه [441] .

فيجب على المشترى أن يحيط البائع علماً بالاستعمال الذى يقصده من البضاعة صراحةً أو ضمناَ، ويقع عليه بالتالى عبء إثبات قيامه بذلك [442] . وقد يستنتج العلم الضمنى بهذا الاستعمال من ذكره أثناء المفاوضات التى
دارت بين الطرفين، أو من صفة المشترى [443] . كما يمكن أن يستنتج من التفسير الضمنى لشروط العقد، وعلى وجه الخصوص الثمن الذى تم تحديده للبضاعة المبيعة [444] .

116- تضمن البضاعة للصفات السابق عرضها كعينة أو نموذج: ويجب أن تكون البضاعة متضمنة الصفات التى سبق للبائع عرضها على المشترى كعينة échantillon أو نموذج modele [445] . فالغالب فى البيوع الدولية أن المشترى لا يرى البضاعة المبيعة قبل التعاقد، وإنما يبرم العقد بمقتضى أوصاف تذكر فيه، وتؤخذ عادة من عينات أو نماذج يرسلها البائع ليختار منها المشترى السلعة التى يرغبها [446] .

فإذا اتفق فى العقد على مطابقة البضاعة لعينة، فإن البضاعة يجب أن تكون مطابقة لهذه العينة مطابقة تامة، بحيث يكون للمشترى أن يرفض البضاعة أو أى جزء منها لا يكون مطابقاً لها، حتى ولو أثبت البائع أنها من صنف أعلى أو أجود من العينة ذاتها [447] . ذلك أن العينة هى المبيع مصغراً، وهى تغنى عن رؤية المبيع، إذ أن المشترى برؤيته للعينة يكون فى حكم من رأى المبيع. وبمضاهاة المبيع على العينة يتبين إذا كان البائع قد نفذ التزامه تنفيذاً سليماً فيما يتعلق بالأوصاف التى يتميز بها المبيع [448] .

أما إذا كان الاتفاق على مطابقة العقد لنموذج، فإن هذا النموذج يجب أن يؤخذ فى الاعتبار كعنصر من عناصر تقدير نوع أو صنف البضاعة المبيعة، ولكن لا يشترط أن تطابق البضاعة النموذج مطابقة تامة [449] . إذ يكفى أن يشتمل المبيع على العناصر الأساسية التى يقوم عليها النموذج حتى لو وجدت فروق بسيطة بين المبيع والنموذج ما دام المبيع صالحاً للغرض المخصص له [450] .

117- تعبئة وتغليف البضاعة: ويجب أن تكون البضاعة معبأة أو مغلفة بالطريقة التى تستعمل عادة فى تعبئة أو تغليف البضائع من نوعها، وفى حالة عدم وجود الطريقة المعتادة تكون التعبئة والتغليف بالكيفية المناسبة
لحفظها وحمايتها [451] .

ويرجع اهتمام اتفاقية فيينا بتنظيم مسألة تغليف وتعبئة البضاعة إلى أهميتها الكبيرة فى التجارة الدولية، إذ يتم نقل البضاعة لمسافات طويلة، قد تتعدد فيها وسائل النقل وتتعرض خلالها لتغيرات مناخية كثيرة، مما يستلزم ضرورة تغليفها وتعبئتها بما يتناسب مع الأخطار التى تتعرض لها، إذ أن الكثير من العيوب التى تظهر فى مطابقة البضاعة تكون نتيجة إهمال
تجهيزها وتعبئتها [452] .

لذلك جعلت الاتفاقية تغليف وتعبئة البضاعة عنصراً من عناصر مطابقتها، وألزمت البائع بالقيام بذلك ليس بالنسبة للبضاعة التى سيقوم بنقلها فقط، وإنما أيضاً بالنسبة للبضاعة التى سيتم تسليمها بوضعها تحت تصرف المشترى فى منشأة البائع، وذلك حتى يتمكن المشترى من نقلها بعد ذلك، ولا يعفى البائع من هذا الالتزام إلا إذا اتفق صراحةً فى العقد على أن يتحمله المشترى [453] .

ويجب أن يتم تغليف البضاعة وتعبئتها بالطريقة التى تستعمل عادة فى تغليف وتعبئة البضاعة من نوعها، وهذه الطريقة المعتادة هى التى يقررها العرف فى التجارة الدولية، فإن لم يوجد فما جرى عليه العمل فى منشأة البائع مع الوضع فى الاعتبار الشروط اللازمة لنقل البضاعة [454] . ويقع على البائع عبء اختيار هذه الطريقة المناسبة لتغليف وتعبئة البضاعة لأن عدم قيامه
بذلك قد يؤدى إلى اعتبار البضاعة غير مطابقة [455]  وهذا الحكم يمثل الحد الأدنى المتطلب فى هذا الشأن، لكن البائع يستطيع أن يستعمل أى طريقة أخرى تكفل حماية أكبر للبضاعة أثناء النقل إذا كان ذلك على نفقته الخاصة [456] .

والقصد من اشتراط التغليف والتعبئة هو المحافظة على البضاعة وحمايتها أثناء النقل، فيجب أن يتم بالطريقة التى يتجنب بها حدوث أى تلف أو فساد لها أثناء نقلها، وأن يوضع عليها العلامات الضرورية التى توضح طبيعتها خاصة إذا كانت سهلة الكسر أو سريعة الاشتعال أو من المواد الخطرة، وأن يتوافق هذا الإجراء مع تشريعات دولة المشترى والتى يعلم بها البائع، خاصة ما يتعلق منها بإجراءات الحماية الصحية [457] .

وإذا لم تكن هناك طريقة معتادة لتعبئة وتغليف البضاعة، فيجب القيام بذلك بأى كيفية تكفل الحفاظ على البضاعة وحمايتها، وقد قصد من إضافة هذا الحكم مواجهة المبتكرات الحديثة التى لم يستقر العرف بعد على كيفية معينة لتعبئتها وتغليفها [458] .

118- ضمان تعرض الغير: ويجب على البائع أن يسلم بضائع خالصة من أى حق أو إدعاء للغير، إلا إذا وافق المشترى على أخذ البضائع مع وجود مثل هذا الحق أو الإدعاء [459] . فالبائع يضمن للمشترى كل تعرض يصدر من الغير، سواء كان يستند إلى حق أم إلى مجرد إدعاء، بشرط أن يتعلق بحق عينى أو إدعاء حق عينى على البضاعة المبيعة، أما التعرض الصادر من السلطة العامة بسبب رفض دخول البضاعة لمخالفتها الشروط الصحية مثلاً فلا يضمنه لأنه تعرض مادى لا يشمله هذا الحكم [460] .

ويضمن البائع أيضاً أن تكون البضاعة خالصة من أى حق أو إدعاء للغير مبنى على أساس الملكية الصناعية أو الفكرية، إذا كان البائع يعلم به أو لا يمكن أن يجهله وقت انعقاد العقد [461] . فيجب على المشترى إثبات أن البائع يعلم بوجود هذا الحق أو الإدعاء المتعلق بالملكية الصناعية أو الفكرية، أو إثبات أنه لا يمكن أن يجهل وجود مثل هذا الحق أو الإدعاء، بأن كان
من الواجب أن يعلمه أى شخص سوى الإدراك من صفة البائع إذا وجد في نفس الظروف [462] .

ويشترط أن يكون الحق أو الإدعاء مبنياً على أساس الملكية الصناعية أو أى ملكية فكرية أخرى وذلك بموجب قانون الدولة التى سيعاد فيها بيع البضائع أو استعمالها إذا كان الطرفان قد توقعا وقت انعقاد العقد أن البضائع ستباع أو تستعمل فى تلك الدولة، أو بموجب قانون الدولة التى يوجد فيها مكان عمل المشترى [463] .

119- علاج العيب فى المطابقة: إذا كانت حدود الالتزام بالمطابقة تتحدد على النحو سالف البيان فإن البائع إذا أخل بهذا الالتزام لا يعد إخلاله مخالفة جوهرية للعقد إذا أمكن علاجه، سواء قبل التاريخ المتفق عليه للتسليم
أو بعده [464] . فما دام قد تم علاج العيب فى المطابقة لن يلحق المشترى من جراء ذلك ضرر جوهرى.

ففى حالة تسليم البضائع قبل الميعاد، يحتفظ البائع حتى ذلك الميعاد بحق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضائع المسلمة أو توريد بضائع بديلة للبضائع غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب فى مطابقة البضائع، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [465] .

أما إذا تم التسليم فى الميعاد المتفق عليه، وتبين عدم مطابقة البضاعة التى تم تسليمها، فإن البائع يحق له أيضاً إصلاح هذا العيب فى المطابقة ويلتزم المشترى بقبول ذلك [466] . بشرط أن يقوم البائع بذلك على نفقته الخاصة وألا يترتب عليه تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [467] .

ويجب لكى يستطيع البائع استعمال حقه فى إصلاح العيب فى المطابقة ألا يكون المشترى قد بادر إلى فسخ العقد، قبل أن يعلن هو رغبته في الإصلاح، إذ متى وقع الفسخ فلا مكان للإصلاح [468] .

120- اشتراط وجود العيب فى المطابقة وقت انتقال تبعة الهلاك:  ولا يعد العيب فى المطابقة مخالفة جوهرية إلا إذا كان موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، وإن لم يظهر هذا العيب إلا فى وقت لاحق [469] .
إذ أنه إذا لم يكن موجوداً فى ذلك الوقت فلن يمكن نسبته إلى البائع وعدم تنفيذه لالتزامه. فلا يسأل البائع إلا عن العيب الذى يكون موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، وقد حددت الاتفاقية هذا الوقت بأنه وقت التسليم، فتظل التبعة على البائع ما دام لم يسلم البضاعة، لكنها تنتقل إلى المشترى بمجرد تسليم البضاعة إليه [470] . فإذا كان المبيع حبوباً أصابها الفساد أثناء
النقل فأصبحت تخالف من ناحية نوعيتها وجودتها ما اتفق عليه فى العقد، فإن المشترى لا يستطيع أن يتمسك فى مواجهة البائع بعيب المطابقة، لكنه يستطيع ذلك إذا كانت الحالة التى وصلت عليها هى ذاتها الحالة التى تم تسليمها بها للناقل [471] .

وقد يظهر عيب المطابقة بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، ولكى يسأل البائع عنه يجب أن تكون عناصره موجودة فى البضاعة قبل هذا الوقت [472] . مثال ذلك أن يكون المبيع منتجات غذائية، يكون مظهرها سليماً
عند التسليم ثم يظهر فسادها لسبب سابق على ذلك، أو يكون المبيع منتجات صناعية ويظهر عيبها عند الاستعمال ويرجع هذا العيب إلى المواد المستخدمة فى صناعتها [473] .

ويسأل البائع عن كل عيب فى المطابقة يظهر بعد وقت انتقال التبعة إلى المشترى حتى ولو لم يكن موجوداً وقتها، إذا أمكن نسبة هذا العيب إلى عدم تنفيذه أى من التزاماته، بما فى ذلك الإخلال بأى ضمان يقضى ببقاء البضائع خلال مدة معينة صالحة للاستعمال العادى أو للاستعمال الخاص أو محتفظة بصفاتها أو بخصائصها [474] . والفرض هنا أن العيب لم يكن موجوداً فى البضاعة وقت انتقال تبعة الهلاك لكنه حدث بعد هذا الوقت نتيجة عدم تنفيذ البائع لالتزاماته، والتطبيق العملى لهذه الصورة هو ما أشارت إليه المادة نفسها من إخلال البائع بالتزامه بالضمان، فإذا أخل البائع بالتزامه بإرسال مهندسيه للكشف على الأجهزة المبيعة أو إصلاحها، وترتب على ذلك توقفها عن العمل، أصبح مسئولاً عن هذا العيب رغم أنه لم يكن موجوداً وقت انتقال التبعة إلى المشترى [475] . كذلك تتحقق هذه الصورة إذا لم ينفذ البائع أحد التزاماته الثانوية كإبرام عقد النقل مع ناقل غير متخصص مما أدى إلى تعرض البضاعة لمخاطر أدت إلى تلفها، أو عدم تنفيذ التزامه بإعطاء
المشترى التعليمات الضرورية لاستعمال الأجهزة المبيعة، أو عدم تغليف البضاعة بصورة سليمة [476] .

121- أثر علم المشترى بالعيب فى المطابقة: وإذا كان العيب في المطابقة موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك، فإنه لا يعد مع ذلك مخالفة جوهرية للعقد إذا كان المشترى يعلم به وقت التعاقد أو لا يمكن له أن يجهله [477] . فلو كان المبيع حبوباً مخزونة لدى البائع منذ فترة طويلة حتى دب السوس فيها، فإن المشترى يفترض علمه بهذا العيب لأنه ظاهر لا يخفى على تاجر،
ولا ينبغى له أن يجهله حتى ولو لم يعلمه البائع به [478] . فلا يستطيع أن يحتج بهذا العيب لإعلان فسخ العقد.

وتعد هذه القاعدة تطبيقاً لمبدأ حسن النية الذى ينبغى أن يلتزم به المتعاقدان فى تعاملهما [479] . ذلك أن العيب فى المطابقة إذا كان ظاهراً للمشترى وقبل التعاقد بالرغم من ذلك فإنه يفهم من هذا القبول عدم أهمية العيب بالنسبة له أو أنه قبل أن تتضمن البضاعة هذا العيب [480] . فلا يلحق المشترى بذلك ضرر جوهرى وتظل منفعته متوافرة من إبرام العقد.

كذلك لا يسأل البائع عن أى حق أو إدعاء للغير مبنى على أساس الملكية الصناعية أو الفكرية إذا كان المشترى يعلم وجود هذا الحق أو الإدعاء وقت انعقاد العقد أو لا يمكن أن يجهله. ولا يسأل البائع أيضاً عن هذا الحق أو الإدعاء إذا كان ناتجاً عن اتباعه للخطط الفنية أو الرسوم أو التصاميم أو غير ذلك من المواصفات التى قدمها المشترى [481] .


122- نقص كمية البضاعة: وقد يتمثل إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة فى تسليم كمية من البضاعة تقل عن الكمية المتفق عليها فى العقد، إذ اعتبرت الاتفاقية نقص كمية البضاعة عيباً فى المطابقة [482] . لكن هذا العيب لا يعد مخالفة جوهرية إذا كان النقص مما يتسامح فيه عادة. فقد تسمح الأعراف التجارية بقدر من النقص فى البضاعة المسلمة نتيجة للنقل أو الجفاف أو غير ذلك [483] . وتختلف نسب التسامح تبعاً لطبيعة ونوع البضاعة المبيعة، لكن النقص لا يكون مقبولاً ولو كان فى حدود هذه النسبة إذا لم يكن هناك مبرر له [484] . كأن يقوم البائع ببيع جزء من البضاعة فى حدود هذه النسبة.

وإذا لم يتم تحديد كمية المبيع بصورة جازمة، كما يحدث إذا كان البيع مع شرط "حوالى environ كمية معينة"، فإن العرف التجارى هو الذى يحدد عادة دلالة هذا التعبير والكمية المفروض تسليمها ونسبة السماح فى حالة النقص أو الزيادة [485] . والغالب ألا تتجاوز نسبة السماح فى هذه الحالة 10% زيادة أو نقصاً تحسب على أساس القدر المبين فى العقد [486] .

وإذا تجاوز النقص القدر المتسامح فيه فإن المخالفة لا تكون جوهرية أيضاً إذا أمكن مواجهتها بإجراء آخر خلاف فسخ العقد، كتخفيض الثمن مثلاً. ولا تكون المخالفة جوهرية إلا إذا أدى هذا النقص إلى عدم صلاحية كمية البضاعة المسلمة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضائع من ذات النوع [487] ، فيحرم المشترى بذلك من المنفعة التى كان يقصدها من العقد.

أما إذا كان نقص كمية البضاعة المسلمة بسبب استعمال البائع حقه فى حبس هذا القدر تحت يده ضماناً للوفاء بالثمن، فإنه لا يكون بذلك قد أخل بالتزامه بالمطابقة، لأنه يستعمل أحد الحقوق المقررة له حتى يستوفى حقه من الثمن [488] .

123- زيادة كمية البضاعة: ويعد إخلالاً بالالتزام بالمطابقة تسليم البائع كمية من البضاعة تزيد عن الكمية المتفق عليها فى العقد، إذ قد لا يكون لدى المشترى مخازن تتسع لهذه الكمية الزائدة مما يكبده مصاريف إضافية لاستئجار مخازن جديدة، أو لا تتحمل السوق تصريف هذه الكمية الزائدة فتظل راكدة لدى المشترى دون بيع، وقد لا تسمح ظروفه المالية بدفع ثمن
هذه الكمية الزائدة [489] .

لكن هذا الإخلال المتمثل فى تسليم كمية زائدة لا يعد فى الغالب مخالفة جوهرية تبرر فسخ العقد، إذ وضعت الاتفاقية علاجاً له يتمثل فى حق المشترى فى رفض هذه الكمية الزائدة [490] . فإذا سلم البائع كمية من البضائع تزيد عن الكمية المنصوص عليها فى العقد جاز للمشترى أن يستلم الكمية الزائدة أو أن يرفض استلامها، وإذا استلم المشترى الكمية الزائدة كلها أو
جزءاً منها وجب عليه دفع قيمتها بالسعر المحدد فى العقد [491] . ويفسر هذا النص بأن تسليم البائع للمشترى كمية أزيد من المتفق عليه فى العقد يعتبر عرضاً بعقد جديد، للمشترى أن يرفضه أو يقبله [492] .

فإذا رفض المشترى قبول الكمية الزائدة فلا يوجد وقت محدد لإعلان هذا الرفض [493] . لكن هذه الزيادة باعتبارها عيباً فى المطابقة يلتزم المشترى بأن يخطر البائع بها خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشف فيها وجودها أو كان من واجبه اكتشافه وإلا فقد حقه فى التمسك بهذا العيب [494] . فإذا لم يوجه المشترى هذا الإخطار للبائع بوجود كمية زائدة فى البضاعة وعدم قبوله لها خلال فترة معقولة اعتبر أنه قابل للبضاعة [495] . كما أن حسن النية يفرض على المشترى استعمال حقه فى قبول الجزء الزائد من البضاعة أو رفضه خلال ميعاد معقول حتى لا يظل البائع قلقاً على مصير هذا المقدار الزائد [496] .

وإذا كان المشترى قد تسلم البضاعة وأراد استخدام حقه فى رفض الكمية الزائدة منها، فإنه يلتزم باتخاذ الإجراءات المعقولة المناسبة للظروف لضمان حفظها حتى يقوم البائع بإعادتها. وإذا كانت البضاعة قد وضعت تحت تصرفه فى مكان الوصول، فإنه يلتزم بحيازة هذا القدر الزائد لحساب البائع مادام لا يتعرض لمضايقات من جراء ذلك ولا يتحمل مصاريف غير معقولة، ويلتزم البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى فى ذلك، ويحق للمشترى حبس البضاعة حتى يسترد هذه المصاريف [497] .

أما إذا قبل المشترى القدر الزائد، فإنه يلتزم بدفع مقابل هذا القدر بالسعر المحدد فى العقد وليس بسعر السوق وقت التسليم [498] . ويترتب على ذلك أن المشترى سوف يستفيد من فرق السعر فى حالة زيادة الأسعار فى السوق فى ذلك الوقت عن السعر المحدد فى العقد. أما إذا انخفضت الأسعار فإنه يمكن أن يتفاوض مع البائع بشأن تخفيض الثمن فى مقابل قبوله الكمية الزائدة [499] .

وقد يتعذر على المشترى استلام القدر المتفق عليه فى العقد ورفض الكمية الزائدة، بسبب وجود سند شحن واحد للكمية كلها أو بسبب كيفية تعبئة البضاعة وتجهيزها بحيث يتعذر فصل الكمية الزائدة وحدها. وفى هذه الحالة لا يكون أمام المشترى إلا رفض البضاعة كلها وفسخ العقد إذا كانت الزيادة تمثل مخالفة جوهرية له، أو قبول البضاعة كلها والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذى لحقه من جراء ذلك [500] .

124- أمثلة لحالات عدم مطابقة البضاعة: ويعد إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة مخالفة جوهرية إذا سلم بضائع تختلف فى طبيعتها عن البضاعة المتفق عليها فى العقد [501] . وكذلك إذا كان هناك اختلاف كبير وجوهرى فى صنف البضاعة بحيث يكون من شأنه إعطائها وصفاً آخر غير ما اتفق عليه فى العقد [502] .

وإذا سلم البائع بضاعة غير صالحة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضاعة من نفس النوع أو غير صالحة للاستعمال فى الأغراض الخاصة التى أحيط بها البائع علماً وقت التعاقد، فالغالب أن تكون هذه المخالفة جوهرية. إذ يترتب على عدم استطاعة المشترى استعمال البضاعة الاستعمال المعتاد أو استعمالها الاستعمال الخاص الذى يقصده
أن يحرم بذلك من المنفعة التى كان يقصدها من العقد، فيكون الضرر الذى لحقه جوهرياً.

وإذا ظلت البضاعة رغم عدم مطابقتها صالحة لأى استعمال معتاد، فإن المخالفة لا تكون جوهرية إذا كان المشترى لم يحدد لها استعمالاً خاصاً [503] . بشرط أن يكون هذا الاستعمال الذى تصلح له البضائع يماثل ما تستعمل من أجله بضاعة من نفس النوع. وإذا كان حكم محكمة استئناف فرانكفورت الألمانية قد ألزم المشترى بقبول البضاعة غير المطابقة إذا كان يمكن
استعمالها بأى صورة من الصور [504] ، فإن المقصود بذلك هو الاستعمال المعتاد لبضاعة من نفس نوعها.

ولا تكون المخالفة جوهرية إذا كان اختلاف نوعية البضاعة عن المتفق عليه فى العقد مما يمكن التسامح فيه، لكن ينبغى ألا يصل هذا الاختلاف إلى درجة لا يتصور عقلاً توقعها فى البضاعة المبيعة بالنظر إلى السعر المحدد وشروط العقد [505] .

وتعد المخالفة جوهرية إذا كانت البضاعة لا تطابق العينة المتفق عليها مطابقة تامة [506] ، أو تختلف عن النموذج الذى تم التعاقد على أساسه اختلافاً كبيراً. أما إذا أمكن علاج هذا الاختلاف أو عدم المطابقة بتخفيض الثمن أو التعويض فلا تعد المخالفة جوهرية.

وإذا كان مصدر البضاعة محل اعتبار فى العقد، بأن اتفق المتعاقدان على أن تكون البضاعة من مصدر معين، فإن تسليم بضاعة من مصدر مختلف يعد مخالفة جوهرية. أما إذا تعذر الحصول على البضاعة من هذا المصدر، فيتعين على البائع أن يسلم بضاعة مشابهة بقدر الإمكان [507] .

125- الإخلال بالالتزام بتغليف البضاعة وتعبئتها: وإذا أخل البائع بالتزامه بتغليف البضاعة وتعبئتها، فإن الأمر يتوقف على ما إذا كان التغليف مطلوباً لإعادة الشحن مرة أخرى أو لإعادة البيع [508] . فإذا كان القصد من التغليف والتعبئة هو مجرد المحافظة على البضاعة وحمايتها أثناء النقل، فإن وصول البضاعة سليمة رغم إهمال تغليفها وتعبئتها يعنى أن المشترى لم
يلحقه من جراء ذلك أى ضرر، فلا تكون المخالفة جوهرية [509] .

أما إذا كان القصد من هذا التغليف هو تسهيل تصريف البضاعة وتداولها، بأن كان ذلك ضرورياً لإعادة البيع أو كانت دولة المشترى تتطلبه لإمكان طرح البضاعة فى الأسواق، فإن الإخلال بالالتزام فى هذه الحالة يشكل
مخالفة جوهرية.

126- وجود حق أو إدعاء للغير على البضاعة: وإذا كانت البضاعة محملة بحق أو إدعاء للغير، سواء كان حقاً عينياً أو إدعاء حق عينى عليها أو كان مبنياً على الملكية الصناعية أو أى ملكية فكرية أخرى، فإن الإخلال هنا لا يكون جوهرياً إلا إذا أدى وجود هذا الحق أو الإدعاء إلى ترجيح استحقاق البضاعة للغير، أو الانتقاص من قيمتها بصورة كبيرة بحيث يحرم المشترى من منفعتها بالنسبة له، أو أدت إلى دخوله طرفاً فى منازعات قضائية ألحقت به أضراراً كبيرة تفوق المنفعة التى عادت عليه من العقد، كأن ينفق عليها مصاريف باهظة أو يلتزم بالاحتفاظ بالبضاعة وعدم بيعها مرة أخرى حتى يفصل فى هذه المنازعات فتقل قيمتها خلال ذلك.


المطلب الثانى

التزامات المشترى

127- حددت اتفاقية فيينا الالتزامات التى تقع على عاتق المشترى في عقد البيع بأنها التزامه بدفع ثمن البضائع والتزامه بأن يستلمها [510] . وهذان الالتزامان هما الالتزامان الرئيسيان اللذان يتحمل بهما المشترى في عقد البيع [511] .

وقد تعرضت الاتفاقية لالتزامات أخرى تابعة تقع على عاتق المشترى، منها التزامه بحفظ البضائع إذا تسلمها أو وضعت تحت تصرفه وأراد ممارسة أى حق له فى رفضها [512] . كما أشارت إلى التزام قد يتفق عليه فى العقد وهو التزام المشترى بتعيين شكل البضائع أو مقاييسها أو الصفات الأخرى المميزة لها [513] .

128- والمشترى الذى قصدته الاتفاقية والذى يتحمل بهذه الالتزامات هو التاجر المحترف الذى يشترى البضاعة لأغراض تجارته. ذلك أن الاتفاقية رغم أنها لم تشترط أن يكون البيع الذى تنظمه تجارياً، ونصت صراحة على أنه لا يؤخذ فى الاعتبار الصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد فى تحديد نطاق تطبيق الاتفاقية [514] ، فإنها مع ذلك قد استبعدت صراحة من نطاق تطبيقها بيع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى [515] . لذلك فإن القاضى أو المحكم سوف يجد نفسه دائماً فى مواجهة منازعات بين تجار فى معاملات تجارية [516] .

وعلى ذلك نتكلم أولاً عن التزام المشترى بدفع الثمن، ثم عن التزامه بتسلم البضاعة.

أولاً: الالتزام بدفع الثمن:

129- يعد الثمن عنصراً جوهرياً فى عقد البيع، والالتزام بدفعه هو الالتزام الأساسى الذى يتحمل به المشترى فى عقد البيع [517] . ويتضمن التزام المشترى بدفع الثمن اتخاذ ما يلزم واستيفاء الإجراءات المطلوبة بموجب العقد أو بموجب القوانين والأنظمة الواجبة التطبيق من أجل تسديد الثمن [518] .

والإجراءات التى يقوم بها المشترى لسداد الثمن قد تكون من طبيعة تجارية، كما قد تكون من طبيعة إدارية. ويقصد بالأولى إجراءات قبول الكمبيالة، أو فتح اعتماد مستندى، أو تقديم ضمان بنكى وما إلى ذلك. بينما يقصد بالثانية الحصول على موافقة الجهة الإدارية المختصة لتحويل النقد الأجنبى اللازم للوفاء بالثمن، أو أى موافقات أخرى تستلزمها
القوانين المحلية [519] .

130- تحديد الثمن: والأصل أن يتضمن العقد، صراحةً أو ضمناً، تحديداً لثمن البضائع أو بيانات يمكن بموجبها تحديده. لكنه إذا لم يتضمن ذلك اعتبر أن الطرفين قد أحالا ضمناً - فى حالة عدم وجود ما يخالف ذلك - إلى السعر الاعتيادى الموجود وقت انعقاد العقد بالنسبة لنفس البضائع المبيعة فى ظروف مماثلة فى نفس النوع من التجارة [520] .

وإذا حدد الثمن حسب وزن البضائع ففى حالة الشك يحسب الثمن على أساس الوزن الصافى [521] ، إلا إذا ظهر من العقد اتجاه قصد المتعاقدين إلى خلاف ذلك.

131- مكان دفع الثمن: ويلتزم المشترى بدفع الثمن فى المكان المتفق عليه فى العقد، إذ الغالب ألا يغفل تحديد هذا المكان فى العقد [522] . فإذا لم يتفق على الدفع فى مكان معين وجب على المشترى أن يدفعه فى مكان عمل البائع [523] . والعبرة بمكان عمل البائع وقت الوفاء بالثمن، فإذا غير مكان عمله بعد إبرام العقد وقبل حلول ميعاد الوفاء بالثمن وجب على المشترى دفع الثمن فى مكان عمله الجديد، وإذا أدى هذا التغيير إلى زيادة نفقات إرسال الثمن تحمل البائع هذه الزيادة [524] .

وإذا كان للبائع أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانا يتوقعانها قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده. وإذا لم يكن للبائع مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد [525] .

والقصد من تحديد مكان عمل البائع لسداد الثمن أن يضمن البائع الحصول على الثمن دون أن يضطر إلى القيام بإجراءات تحويل نقد أجنبى من دولة المشترى إلى دولته، إذ الأصل أن يقوم المشترى بهذه الإجراءات ويتحمل مخاطر ذلك حتى وصول الثمن إلى البائع [526] .

وإذا كان دفع الثمن مطلوباً مقابل تسليم البضائع أو المستندات، وجب دفعه فى المكان الذى يتم فيه هذا التسليم [527] .

 132- ميعاد دفع الثمن: ويلتزم المشترى بدفع الثمن فى الميعاد المحدد فى العقد أو الذى يمكن تحديده بالرجوع إلى العقد، ولا تطبق أحكام الاتفاقية إلا إذا خلا العقد من بيان كيفية تعيين هذا الميعاد. وقد وضعت الاتفاقية قاعدة أساسية ربطت فيها بين ميعاد دفع الثمن وميعاد التسليم [528] . فإذا لم يكن المشترى ملزماً بدفع الثمن فى وقت محدد وجب عليه أن يدفعه عندما يضع البائع البضائع أو المستندات التى تمثلها تحت تصرفه وفقاً للعقد وهذه الاتفاقية [529] .

ويجوز للبائع أن يعتبر الدفع شرطاً لتسليم البضائع أو المستندات، فلا تسلم إلا بعد دفع الثمن. وإذا تضمن العقد نقل البضائع جاز للبائع إرسالها بشرط ألا تسلم هى أو المستندات التى تمثلها إلى المشترى إلا مقابل
دفع الثمن [530] .

ويجب على المشترى الوفاء بالثمن بمجرد حلول ميعاد الوفاء به دون حاجة إلى قيام البائع بتوجيه أى طلب أو استيفاء أى أجراء [531] ، فلا يلزم توجيه إعذار إلى المشترى أو إخطار بحلول ميعاد الوفاء أو غير ذلك من الإجراءات التى قد تتطلبها القوانين الوطنية [532] . ويترتب على ذلك أن فوائد التأخير لعدم دفع الثمن أو التأخر فى دفعه تسرى اعتباراً من التاريخ الذى يصبح فيه الثمن مستحق الأداء، دون حاجة إلى إعذار لسريانها [533] .

- الإخلال بالالتزام بدفع الثمن:

133-  1  عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لدفع الثمن: ويتحقق إخلال المشترى بدفع الثمن إذا لم يقم باتخاذ الإجراءات اللازمة لدفعه، بأن تخلف عن فتح الاعتماد المستندى أو عن تقديم خطاب الضمان البنكى. وأى إخلال
من هذا القبيل يعد على درجة من الأهمية بحيث يجيز للبائع إعلان فسخ العقد، أى أن المخالفة تكون فى هذه الحالة جوهرية [534] . ذلك أن هذه الإجراءات تعد ضمانات للوفاء بالثمن، فيحتاج البائع إليها حتى يقوم من جانبه بتدبير الحصول على البضاعة المطلوبة، لأنه إذا تأخر فى طلبها قد لا يحصل عليها بالشروط المطلوبة [535] .

وعلى ذلك فإنه إذا اشترط فى عقد البيع أن يكون الدفع عن طريق فتح اعتماد مستندى، وأن يتم فتح الاعتماد قبل الشحن، فإن البائع يحق له وقف إرسال البضائع إذا لم يخطره البنك بفتح الاعتماد، وإذا لم يتم ذلك خلال
الأجل المتفق عليه جاز له فسخ العقد [536] .

ويظل المشترى مسئولاً عن عدم قيام البنك بالسداد وفقاً لشروط الاعتماد المستندى، ولا يعفى من هذا الالتزام حتى ولو كان عدم السداد بسبب قوة قاهرة كإشهار إفلاس البنك [537] . ذلك أنه إذا توافرت شروط القوة القاهرة
- أو العائق كما أطلقت عليه الاتفاقية - بالنسبة للمشترى فى مواجهة البائع وبالنسبة للبنك فى مواجهة المشترى، فإن كل ما يترتب على ذلك هو إعفاء المشترى من التعويض فقط، لكنه لا يعفى من تنفيذ الالتزام نفسه.

134-  2  دفع الثمن فى غير المكان المتفق عليه: وإذا قام المشترى بدفع الثمن فى غير المكان المتفق عليه فى العقد أو الذى حددته أحكام الاتفاقية، فإن الغالب ألا يشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد،
إذ يمكن معالجته بإعادة إرسال الثمن إلى المكان المتفق عليه.

والغالب أن يتم دفع الثمن فى عقود البيع الدولية عن طريق البنوك، فلا تثير مشكلة بخصوص مكان الدفع. إذ يتم الدفع إما عن طريق بنك وسيط فى دولة المشترى، أو البنك المحدد فى خطاب الاعتماد، فيقوم البنك بالدفع مقابل تقديم المستندات، أو يقبل الكمبيالة المسحوبة عليه فتكون المستندات مقابل القبول، أو يخصم الكمبيالة المسحوبة على المشترى [538] .

135-  3  الدفع المقدم للثمن: وإذا أراد المشترى الدفع مقدماً قبل حلول ميعاد استحقاق الثمن وذلك لأى سبب من الأسباب، فإن هذا العرض لا يعد إخلالاً منه بالعقد إذ يستطيع البائع أن يرفض هذا السداد. لكن يتعين
عليه فى هذه الحالة، وعملاً بمبدأ حسن النية، أن يبادر بإعلان رفضه السداد المقدم وإلا اعتبر قابلاً له [539] . وإن كان الغالب ألا يرفض البائع سداداً مقدماً لثمن البضاعة إذ قد يتعذر الحصول عليه بعد ذلك إذا رفضه.

136-  4  التأخر فى دفع الثمن: وإذا تأخر المشترى فى دفع الثمن، فإن هذا التأخير لا يعد إخلالاً منه بالعقد إذا كان بسبب عدم قيام البائع بتسليم البضائع أو المستندات. إذ يحق للمشترى أن يمتنع عن دفع الثمن إذا اشترط أن الدفع مقابل تسليم البضائع أو المستندات حتى يضعها تحت تصرفه، وذلك قياساً على ما نصت عليه الاتفاقية من إعطاء البائع الحق فى ذلك [540] .

بل يحق للمشترى أن يمتنع عن دفع الثمن حتى تتاح له الفرصة لفحص البضائع، ما لم يكن ذلك متعارضاً مع كيفية التسليم أو الدفع المتفق عليها بين الطرفين [541] . فيجب على البائع ألا يضع ما يعوق قيام المشترى بالفحص، إذ
لا يلتزم المشترى بالدفع إذا كان لديه الحق فى الفحص ولم يمكن من ذلك. ولا يحق للمشترى رفض القيام بالفحص إذا كان ممكناً دون دفع الثمن. لكن الفحص هنا ليس هو الفحص المقصود الذى يتم بناءً عليه توجيه الإخطار بالعيب فى المطابقة والذى يعد واجباً على المشترى حتى يستطيع التمسك بالعيب فى المطابقة [542] . إذ يحق للمشترى حتى ولو دفع الثمن أن يقوم
بفحص البضاعة بعناية عندما تتاح له الفرصة لذلك، وأن يتمسك بالعيب فى المطابقة الذى يكتشفه عن طريق هذا الفحص [543] .

لكن المشترى لا يحق له الامتناع عن الدفع فى حالة عدم تمكينه من الفحص إذا تعارض ذلك مع كيفية التسليم أو الدفع المتفق عليها بين الطرفين. ويحدث ذلك إذا اتفق فى العقد على تحديد ميعاد لدفع الثمن سابق على ميعاد التسليم، أو اشترط أن الدفع مقابل المستندات وتم تسليم المستندات مطابقة للعقد بينما كانت البضاعة مازالت فى الطريق [544] .

فالأصل فى البيع سيف c.i.f أن دفع الثمن يتم مقابل تسليم المستندات، والغالب أن يتضمن عقد البيع فوب f.o.b هذا الشرط، وفى هذه الحالة لا يكون الثمن مستحقاً إلا لحظة تقديم المستندات للمشترى. ولا يجوز للمشترى عندئذ
أن يعلق الدفع على وصول البضاعة أو فحصها، أو أن يرفض الدفع عند تقديم المستندات إليه بحجة وجود عجز أو تلف فى البضاعة، وإنما عليه أن يدفع الثمن عند تقديم المستندات إليه إذا كانت مطابقة، ثم يطلب ندب أحد الخبراء لفحص البضاعة وتقرير حالتها، وإن ثبت وجود عيب بها يحق له - بعد إخطار البائع بالعيب - فسخ العقد أو إنقاص الثمن بحسب الأحوال [545] .

137- وإذا تأخر المشترى عن دفع الثمن دون مبرر، فالغالب ألا يعد هذا التأخير مخالفة جوهرية للعقد، مادام لم يستمر طويلاً وقام المشترى بالسداد عقب ذلك دون أن يلحق البائع ضرر من جراء ذلك. إذ أن الزمن فى تنفيذ التزامات المشترى على وجه العموم لا يعد من جوهر العقد، فلا يعد عدم التنفيذ فى الميعاد المحدد فى الغالب مخالفة جوهرية [546] . وقد أيدت ذلك أحكام التحكيم التى اعتبرت أن مجرد تأخير المشترى فى دفع الثمن لا يعتبر فى حد ذاته مخالفة جوهرية تجيز للبائع فسخ العقد [547] .

والتأخير المعقول الذى يسمح به للمشترى يختلف حسب طبيعة البضاعة المبيعة والأعراف السائدة بشأنها. فلا يسمح بالتأخير فى دفع ثمن البضاعة سريعة التلف إلا لمدة قصيرة حتى يتمكن البائع من اتخاذ قراره سريعاً إما بتسليمها للمشترى أو إعادة بيعها. ففى الشروط العامة للفواكه والخضراوات الطازجة [548] ، لا تتعدى هذه المدة أربع وعشرين ساعة يحق للبائع بعدها - بشرط إخطار المشترى - إيقاف تسليم الدفعات التالية أو فسخ العقد. وجعلت الشروط العامة للبطاطس التأخير المسموح به ثلاثة أيام [549] . أما إذا كانت البضاعة المبيعة آلات أو مهمات أخرى مشابهة فإن مدة التأخير المسموح بها قد تمتد إلى عدة شهور [550] .


لكن التأخير فى دفع الثمن إذا استمر طويلاً، فتجاوز بذلك مدد السماح سالفة الذكر، فإن المخالفة فى هذه الحالة يمكن أن تعد جوهرية تجيز للبائع فسخ العقد [551] . ويعد التأخير كذلك مخالفة جوهرية إذا تكررت مطالبة المشترى بالسداد أو إذا منح مهلة إضافية لذلك ولم يسدد خلالها [552] .

كذلك يعد التأخير فى دفع الثمن مخالفة جوهرية فى حالة الانخفاض السريع فى أسعار العملة [553] . فكلما تأخر المشترى فى السداد كلما قلت القيمة الحقيقة للثمن الذى سيحصل عليه البائع مما قد يلحق به أضراراً بالغة.

ثانياً: الالتزام باستلام البضاعة:

138- يعد التزام المشترى باستلام البضاعة من الالتزامات الأساسية التى تقع على عاتقه بعد التزامه بدفع الثمن. ويكمل هذا الالتزام عملية التسليم من جانب البائع، إذ لا جدوى من قيام البائع بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى إذا لم يقابل ذلك قيام المشترى باستلامها وإدخالها فى حيازته [554] .

ويتضمن التزام المشترى بالاستلام قيامه بجميع الأعمال التى يمكن توقعها منه بصورة معقولة لتمكين البائع من القيام بالتسليم، واستلامه البضاعة [555] . أى أن هذا الالتزام يتحلل إلى عنصرين: الأول مساعدة البائع وتمكينه من القيام بتسليم البضاعة بالقيام بكل عمل يمكن عقلاً توقع قيامه به لهذا الغرض [556] . والثانى قيام المشترى بالأعمال المادية اللازمة لسحب البضاعة وإدخالها فى حيازته [557] .

139-  1  تمكين البائع من التسليم: فيجب على المشترى القيام بكل عمل يمكن عقلاً توقع القيام به لتمكين البائع من تسليم البضاعة. فإذا كان العقد يتطلب حضور المشترى لوزن البضاعة أو معاينتها قبل الشحن، التزم بالحضور بنفسه أو إرسال مندوب عنه للقيام بذلك [558] ، وإذا كان المشترى ملتزماً بنقل البضائع، كما هو الحال فى البيع فوب f.o.b.، فيجب عليه أن
يبرم العقود اللازمة لذلك حتى يتمكن البائع من تسليم البضاعة إلى أول ناقل لتوصيلها إليه، كما يجب عليه إبلاغ البائع باسم هذا الناقل ومكان وتاريخ الشحن [559] .

وإذا تحدد مكان التسليم فى دولة المشترى، فيجب عليه أن يقدم للبائع كل عون للحصول على التراخيص اللازمة لإدخال البضاعة البلاد وإتمام الإجراءات الجمركية. كما يجب عليه تسليمه كافة المستندات الإدارية اللازمة لإدخال البضاعة إذا كان البائع هو الذى يتحمل عبء إنهاء هذه الإجراءات [560] .

وإذا كانت عملية التسليم تتطلب من المشترى إعداد عربات أو آلات أو عمال لنقل البضاعة بعد تفريغها من السفينة، وجب عليه توفير ذلك للبائع [561] .

لكن المشترى لا يلتزم إلا بالقيام بالأعمال التى يمكن عقلاً توقع قيامه بها لتمكين البائع من تسليم البضاعة، أما الأعمال الاستثنائية غير المعتادة واللازمة لذلك فلا يلتزم بالقيام بها إلا إذا تضمن العقد إلزامه بذلك [562] . وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتضمن حكماً يلزم المشترى بالقيام بكل عمل ضرورى لتمكين البائع من تسليم البضاعة، فلم تشترط سوى ضرورة هذا العمل ولزومه لقيام البائع بالتسليم، مما مؤداه احتمال تكليف المشترى بما
لا طاقة له به وما لا يتوقع منه القيام به [563] .

140-  2  سحب البضاعة: ويلتزم المشترى بسحب البضاعة retirer les marchandises، أى نقلها من مخازن البائع أو من الأمكنة التى وضعت فيها تحت تصرفه إلى مخازنه [564] . ويجب عليه القيام بذلك خلال فترة معقولة من تاريخ إخطاره بوضع البضاعة تحت تصرفه [565] .

ويتحمل المشترى جميع نفقات سحب البضاعة، كما يلتزم بالحصول على التراخيص الإدارية اللازمة لذلك [566] .

ويتحدد مكان الاستلام بالمكان الذى يلتزم البائع بتسليم البضاعة فيه، ففى البيع Ex Works يلتزم البائع بتسليم البضاعة للمشترى فى منشأته، فيلتزم المشترى بسحب البضاعة من هذه المنشأة إلى مخازنه هو. وفى البيع Ex quay يلتزم البائع بتسليم البضاعة للمشترى على رصيف الميناء، فيلتزم المشترى بسحبها من هذا المكان إلى مخازنه.

ويعد قيام المشترى بسحب البضاعة أمراً لازماً لإتمام عملية التسليم، وقد يتوقف عليه آثار قانونية أو مالية، إذ تترتب على عدم قيام المشترى به أحياناً أضرار كبيرة للبائع، كتأخير تفريغ السفينة مما يدخل البائع فى نزاع مع مالك السفينة بشأن غرامات التأخير، أو ترك البضاعة على رصيف الميناء مما يعرضها للتلف [567] .

141- الإخلال بالالتزام باستلام البضاعة: وإذا لم يقم المشترى بتنفيذ التزامه باستلام البضاعة، سواء بعدم قيامه بالأعمال اللازمة لتمكين البائع من التسليم أو بعدم قيامه بسحب البضاعة، فإن ذلك لا يعد فى جميع الأحوال إخلالاً منه بالعقد.

فقد يرجع عدم تنفيذ المشترى لالتزامه باستلام البضاعة إلى ارتكاب البائع مخالفة جوهرية للعقد، كأن يكتشف المشترى قبل استلامه البضاعة عدم مطابقتها للعقد أو عدم مطابقة المستندات المقدمة، مما يرتب رفضه استلام البضاعة وإعلانه فسخ العقد. ذلك أن إعلان فسخ العقد يؤدى إلى أن يصبح المشترى فى حل من الالتزامات التى يرتبها عليه العقد، ومنها التزامه باستلام البضاعة، فلا يكون هناك محل لتنفيذه [568] .

وقد يرجع عدم تنفيذ المشترى لالتزامه باستلام البضاعة إلى استخدامه حقه فى رفض البضاعة. ذلك أنه يحق للمشترى رفض استلام البضاعة إذا سلمها البائع قبل التاريخ المحدد لتسليمها [569] ، كما يحق للمشترى إذا سلم البائع كمية من البضائع تزيد عن الكمية المنصوص عليها فى العقد أن يرفض استلام هذه الكمية الزائدة [570] ، بل يستطيع رفض استلام البضاعة كلها إذا
كانت الزيادة تشكل مخالفة جوهرية للعقد وتعذر فصلها عن الكمية الأصلية المتفق عليها لوجود سند شحن واحد للكمية كلها أو بسبب كيفية تعبئتها وتجهيزها [571] . كما قد يحق للمشترى رفض استلام البضاعة إذا كان ذلك تطبيقاً لما اتفق عليه فى العقد أو للأعراف الدولية السائدة في هذا الخصوص [572] .

142- وإذا لم يقم المشترى بالأعمال اللازمة لتمكين البائع من تسليم البضاعة، كأن لم يبرم عقد النقل أو لم يخطر البائع بوقت الشحن وتاريخه، فإن ذلك يعد إخلالاً منه بالتزامه باستلامها. فإذا أدى عدم قيامه بهذه الأعمال إلى تعذر قيام البائع بتسليم البضاعة فإن المخالفة تكون فى هذه الحالة جوهرية. أما إذا لم يترتب على ذلك سوى زيادة الأعباء أو المصاريف على البائع، فلا تكون المخالفة جوهرية، ولا يحق للبائع سوى الحصول على التعويضات اللازمة [573] .

لكن المشترى لا يلتزم بالقيام بأعمال لا يتصور قيامه بها عقلاً لتمكين البائع من التسليم كما سبق أن ذكرنا. فلا يعد إخلالاً منه بالعقد عدم قيامه بأعمال غير عادية تكلفه نفقات كبيرة لم يتفق عليها، حتى ولو تعهد البائع بسداد هذه النفقات، ما دام لم يتفق فى العقد على التزامه بالقيام بها [574] .

ولا يلتزم المشترى بالقيام بأعمال تؤدى إلى تقييد حقوقه، فلا يجوز على سبيل المثال إلزامه بقبول التعهد بعدم إعادة تصدير البضاعة إلى دولة معينة إذا كان ذلك لازماً لمنح رخصة تصدير البضاعة من سلطات دولة البائع، والذى قد تقصد به إعطاء الفاعلية لقرار الحظر الذى فرضته على هذه الدولة. فهذا الإجراء المطلوب من المشترى سوف يؤدى إلى تقييد سلطاته على البضاعة المبيعة، فكان واجباً أن يتم الاتفاق عليه بين الطرفين وقت إبرام العقد، ولا يجوز فرضه عليه بعد ذلك [575] .

 143- وإذا لم يقم المشترى بسحب البضاعة من المكان الذى وضعت فيه تحت تصرفه فإنه يكون قد أخل بالتزامه باستلام  البضاعة. وقد يعد هذا الإخلال مخالفة جوهرية إذا ترتب عليه تلف البضاعة بسبب عدم وجود أماكن لتخزينها [576] . كما قد يعد كذلك إذا ترتب على تأخر المشترى فى استلام البضاعة وعدم حصوله على التراخيص اللازمة لذلك أن قامت السلطات الإدارية لدولته أو لدولة البائع بمصادرة البضاعة.

أما إذا أدى تأخر المشترى فى القيام بهذا الإجراء إلى تحمل البائع نفقات إضافية، فالغالب ألا تكون المخالفة جوهرية، إذ يستطيع الحصول من المشترى على التعويضات التى تغطى ما تحمله من خسارة.


المبحث الثالث

تقدير فكرة المخالفة الجوهرية

144- تعد فكرة المخالفة الجوهرية فكرة قانونية جديدة ابتكرتها اتفاقية فيينا، وقد جاء تعريفها الذى تبنته الاتفاقية كحل وسط يوفق بين العديد من الاقتراحات التى قدمت فى هذا الشأن [577] .

وهذه الفكرة، والتى جعلتها الاتفاقية شرطاً أساسياً لفسخ العقد، تتوافق مع ظروف التجارة الدولية والتى يعد الفسخ فيها جزاءً قاسياً، لا يتم اللجوء إليه إلا إذا فشلت كل المحاولات للمحافظة على العقد، لما يترتب عليه من أضرار شديد قد تلحق بأحد المتعاقدين.

ويتميز تعريف المخالفة الجوهرية الذى تبنته الاتفاقية بالسهولة فى الفهم والتطبيق، إلا أنه قد ذهب رأى إلى أنه لا يزال مشوباً بقدر من الغموض [578] ، مما قد يثير الكثير من الخلاف حول تفسيره. حتى أن اقتراحات قد قدمت أثناء مناقشة المشروع المقدم بحذف هذا التعريف تماماً، لكن لم يؤخذ بها. وقد يرجع هذا الغموض إلى أنه من المستحيل وضع تعريف للمخالفة الجوهرية يشمل جميع الحالات التى يمكن مواجهتها، وإنما تتحدد هذه الفكرة وتتضح عن طريق الممارسة العملية وحدها وما قد يثار بشأنها من قضايا [579] .

 145- المخالفة الجوهرية والتفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط والضمان: وإذا كانت الاتفاقية قد استلهمت هذه الفكرة من التفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط والضمان [580] ، فإنها مع ذلك قد سارت على نهج مخالف للقانون الإنجليزى، إذ لم تدخل فى اعتبارها طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته، فيستوى لديها مخالفة أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق طرفى عقد البيع [581] . وأقامت التفرقة بين المخالفة الجوهرية وغير الجوهرية على جسامة الضرر المترتب على المخالفة، فإذا كان الضرر جوهرياً حرم المتعاقد من منفعة العقد كانت المخالفة جوهرية، وإلا كانت غير جوهرية.

وعلى ذلك فإن الاتفاقية تعول على جسامة النتائج المترتبة على عدم التنفيذ [582] . أما القانون الإنجليزى فيرجع فيه إلى بنود العقد، فإذا كان البند يوصف بأنه شرط منذ البداية، فإن مخالفته تجيز فسخ العقد دون نظر إلى النتائج التى ترتبت على هذه المخالفة، وحتى لو كان الضرر بسيطاً أو لم يترتب عليها ضرر على الإطلاق [583] .

146- اصطلاح "المخالفة الجوهرية" فى اتفاقية فيينا وفى القانون الإنجليزى: وقد انتقد البعض استخدام اصطلاح "المخالفة الجوهرية" والذى يماثل الاصطلاح الذى كان مستخدماً فى القانون الإنجليزى من قبل، لأن استخدام مصطلحات قانونية سبق استخدامها فى التشريعات الوطنية قد يؤدى إلى التأثر بتفسيرها فى هذه التشريعات، مما يفقد الاصطلاح المعنى الذى قصدته الاتفاقية [584] .

لكن يرد على ذلك بأنه يصعب ابتكار اصطلاح لم يرد له ذكر فى التشريعات الوطنية، وإذا كانت الاتفاقية قد استخدمت اصطلاحاً معروفاً من قبل، فإنها وضعت له تعريفاً محدداً يجب الرجوع إليه لتحديد المقصود من هذا الاصطلاح. كما وضعت قاعدة عامة فى التفسير مؤداها ضرورة أن يراعى فى تفسيرها صفتها الدولية وضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها [585] ، وأن يرجع فيما لم تحسمه نصوص الاتفاقية أولاً إلى المبادئ العامة التى أخذت بها [586] . مما يعنى عدم جواز الرجوع فى تفسير المصطلحات التى أوردتها الاتفاقية إلى التشريعات الوطنية التى استخدمت هذه المصطلحات.

أضف إلى ذلك أن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا يختلف اختلافاً كبيراً عن مفهوم المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى [587] . إذ أن اصطلاح المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى قد استخدم لمواجهة شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة وغير المقبولة، فلا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية فى حالة ارتكاب مثل هذه المخالفة [588] . أما الاتفاقية فلم تستخدم اصطلاح المخالفة الجوهرية لهذا الغرض. كما أن اشتراط التوقع فى تعريف المخالفة الجوهرية فى الاتفاقية أظهر الخلاف مع القانون الإنجليزى والذى لا يوجد فيه ما يسمح للمدين بالاحتجاج بأن النتائج التى حدثت من المخالفة كانت أكثر جسامة مما كان يتوقع [589] .


أما استخدام اصطلاح المخالفة الجوهرية فى القانون الإنجليزى فى حالة الإخلال الجسيم بشرط من الشروط المتوسطة أو غير المصنفة، فيختلف كذلك عن الاتفاقية، إذ يعتمد أساساً على تحديد طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته. فيجب أن تنصب المخالفة على بند فى العقد، ليس شرطاً أو ضماناً، وإنما يوصف بأنه شرط متوسط أو غير مصنف. أما الاتفاقية فكما ذكرنا لا تعتد بطبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته.

147- تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقيتى فيينا ولاهاى: وقد ذهب رأى إلى القول بأن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا قد شابه الغموض بسبب محاولة واضعيه عدم نقل تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى حرفياً [590] . فقد أخذت اتفاقية لاهاى فى تعريفها للمخالفة الجوهرية بمعيارين: الأول هو الضرر الذى يصل إلى درجة يفقد معها الطرف المضرور كل منفعة له فى العقد، والثانية هو العلم بالمخالفة وآثارها وقت التعاقد. وأخذت اتفاقية فيينا بذات المعيارين ولكن بشكل مختلف [591] .

لكن يرد على ذلك بأن تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا جاء مختلفاً عن تعريفها فى اتفاقية لاهاى. إذ ارتكز تعريف اتفاقية فيينا على معايير موضوعية واضحة لتقدير المخالفة الجوهرية، عكس تعريف اتفاقية لاهاى والذى تأثر بالمعايير الشخصية، وأدى ذلك إلى انتقاده بشدة. فالضرر الجوهرى والتوقع فى اتفاقية فيينا يتم تقديرهما بالرجوع إلى ما يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة المتعاقد إذ وجد فى نفس ظروفه.

وجاء تحديد اتفاقية فيينا لمعيار الضرر الجوهرى شديد الوضوح [592] ، عكس اتفاقية لاهاى والتى شاب تحديدها لهذا المعيار غموض شديد، إذ لم تشر إليه صراحة وإنما أمكن استنتاجه مما أشارت إليه بخصوص علم الطرف المخالف بالمخالفة وآثارها [593] .

ولم تحدد اتفاقية فيينا وقت تقدير التوقع، تاركة ذلك للاجتهاد فى كل قضية على حده. أما اتفاقية لاهاى فقد حددت هذا الوقت بأنه وقت التعاقد، وكان هذا التحديد منتقداً واعتبر أنه موطن الضعف فى هذا التعريف، إذ يترتب عليه
عدم النظر إلى اختلاف ظروف السوق وقت حدوث المخالفة عن وقت إبرام العقد مما قد يؤثر بالفعل فى تقدير المخالفة، أو يجعل إعمال القاضى أو المحكم لهذا المعيار أمراً صعباً [594] .

148- اشتراط توقع المخالفة الجوهرية: وانتقد البعض تعر يف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا من ناحية اشتراط توقع الطرف المخالف للمخالفة، تأسيساً على أن هذا الشرط قد يشجع الطرف المخالف على إدعاء الجهل بالمخالفة وبالتالى يغل يد الطرف المضرور عن المطالبة بالفسخ [595] .

لكن يرد على ذلك بأن الاتفاقية جعلت معيار تقدير التوقع موضوعياً كما سبق القول، فلا ينظر إلى ما يتوقعه الطرف المخالف نفسه، وإنما إلى ما يمكن أن يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه. كما أن عبء إثبات التوقع يقع على عاتق الطرف المخالف، إذ أنه هو المكلف بإثبات أنه لم يتوقع مثل هذا الضرر ولا يوجد شخص سوى الإدراك من نفس صفته وفى نفس ظروفه يمكن أن يتوقع مثل هذا الضرر [596] .

149- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن فكرة المخالفة الجوهرية، التى أخذت بها اتفاقية فيينا وجعلتها شرطاً أساسياً للفسخ، تحقق متطلبات التجارة الدولية. وقد جاء تعريفها فى الاتفاقية جديداً ومبتكراً، وليس ترديداً لأى من الأفكار التى أخذت بها التشريعات الوطنية. بل إن هذا التعريف تميز حتى عن القانون الذى استلهمت عنه الاتفاقية هذه الفكرة وهو القانون الإنجليزى.

أما اتفاقية لاهاى فرغم التشابه بين تعريفها للمخالفة الجوهرية وتعريف اتفاقية فيينا، فإن تعريف اتفاقية فيينا قد تميز عنها بوضوح عبارته فيما تعلق منها بالضرر الجوهرى والتوقع، وأيضاً باعتماده على المعايير الموضوعية فى جميع عناصره.

وحتى لو قلنا بتأثر تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا بتعريفها فى اتفاقية لاهاى، فإن تعريف اتفاقية فيينا يبقى له ذاتيته المستقلة، إذ لا يجوز تفسيره بالرجوع إلى هذه الاتفاقية أو أى من التفسيرات المأخوذ بها فى التشريعات الوطنية.

وإذا كان هذا التعريف قد شابه قدر من الغموض، فإنه لا سبيل لرفع هذا الغموض إلا عن طريق الممارسة العملية وتكرار تطبيقه فى الأحكام القضائية وأحكام التحكيم، مما قد يكسبه قدراً أكبر من الوضوح، وسوف يؤدى ذلك إلى استقرار الرأى حول تفسيرات موحدة لأحكامه، بما يصل بنا إلى ما نشدته الاتفاقية من تحقيق التوحيد فى تطبيقها.


الفصل الثانى

المخالفة الجوهرية المكتسبة

150- تمهيد وتقسيم: حرصت اتفاقية فيينا على الحفاظ على عقد البيع وتقييد الحق فى فسخه، فاشترطت لإعطاء المتعاقد الحق فى إعلان فسخ العقد ارتكاب المتعاقد الآخر مخالفة جوهرية، فإذا لم ترتكب هذه المخالفة ظل العقد قائماً منتجاً آثاره بين طرفيه.

ولكن نظراً لما قد يثار من منازعات بشأن ما إذ كانت المخالفة المرتكبة جوهرية أم لا، وحتى لا يستمر ترقب المتعاقدين طويلاً لحسم الخلاف حول هذه المسألة، أرادت الاتفاقية وضع حد لهذا الخلاف رغبة منها فى الحفاظ على العقد، وحتى لا يسارع أحد المتعاقدين إلى إعلان فسخ العقد دون التأكد من جوهرية المخالفة المرتكبة، فأجازت لكل متعاقد أن يمنح المتعاقد الآخر مهلة إضافية معقولة حتى يقوم فيها بتنفيذ التزاماته، وخلال هذه المهلة الإضافية لا يستطيع المتعاقد الذى منحها إعلان فسخ العقد أو استعمال أى حق من الحقوق التى رتبتها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد [597] .

فإذا انقضت المهلة دون تنفيذ المتعاقد لالتزاماته تحولت المخالفة المرتكبة إلى مخالفة جوهرية تجيز للمتعاقد الذى منحها إعلان فسخ العقد، حتى ولو لم تكن هذه المخالفة منذ بدايتها جوهرية [598] . وعلى ذلك نتكلم أولاً عن قواعد المهلة الإضافية، ثم نتكلم ثانياً عن الآثار التى تترتب عليها.


الفرع الأول

قواعد المهلة الإضافية

151- حظر منح مهلة قضائية للتنفيذ: حظرت اتفاقية فيينا على القاضى أو المحكم منح أحد المتعاقدين مهلة قضائية délai de grâce لتنفيذ التزاماته، عندما يتمسك المتعاقد الآخر بأحد الجزاءات المقررة فى حالة مخالفة
العقد [599] . وهذا الحظر قصد به مواجهة القوانين الوطنية التى تعطى القاضى هذا الحق، كما هو الحال فى القانون المدنى المصرى [600] . ذلك أن المهلة القضائية لا تتناسب مع ظروف التجارة الدولية، كما أن منحها من القاضى الوطنى للتاجر الذى ينتمى إلى بلده يثير مظنة المجاملة [601] .


لكن هذا الحظر موجه أساساً إلى القاضى أو المحكم وليس موجهاً إلى المتعاقدين [602] . وعلى ذلك يجوز للمتعاقدين الاتفاق بعقدهما صراحةً أو ضمناً على منح هذه المهلة، أخذاً بالمبدأ العام الذى وضعته الاتفاقية وهو إعطاء طرفى عقد البيع حرية الاتفاق على ما يخالف نصوصها [603] .

 152- جواز منح مهلة إضافية للتنفيذ من أحد المتعاقدين للآخر: وإذا لم يتفق المتعاقدان صراحةً أو ضمناً على منح هذه المهلة، فإن الاتفاقية أعطت لكل منهما الحق فى منح المتعاقد الآخر مهلة إضافية délai supplementaire لتنفيذ التزاماته [604] ، ورتبت على انقضائها دون تنفيذ جواز إعلان فسخ العقد. فيستطيع المتعاقد، سواء أكان هو البائع أم المشترى، أن يمنح المتعاقد الآخر مهلة إضافية لتنفيذ التزامه، فإذا انقضت هذه المهلة دون أن يتم التنفيذ على نحو موافق للعقد جاز إعلان الفسخ، حتى ولو كانت المخالفة منذ بدايتها غير جوهرية.

وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم، لكنها وزعته بين نصوص عديدة [605] . فأجازت منح مهلة إضافية للمتعاقد الذى يتخلف عن تنفيذ أى التزام من التزاماته، ولم تشترط فى هذه المدة سوى أن تكون معقولة أى غير مرهقة للمتعاقد فى الظروف القائمة، ورتبت على عدم التنفيذ خلالها أن تصبح المخالفة المرتكبة جوهرية تجيز للطرف المضرور فسخ العقد [606] .

وقد أخذت اتفاقية فيينا - ومن قبلها اتفاقية لاهاى - بهذا الحكم نقلاً عن النظام الألمانى والمعروف باسم Nachfrist، والذى بموجبه إذا تأخر المتعاقد عن تنفيذ التزاماته يجب على المتعاقد الآخر أن يمنحه مهلة معقولة للتنفيذ، ويخطره بأنه لن يقبل التنفيذ بعد انقضاء هذه المهلة. فإذا لم يتم التنفيذ خلالها جاز للمتعاقد الذى وجه هذا الإخطار أن يفسخ العقد [607] .

وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً، إذ أجازت للدائن في حالة عدم التنفيذ أن يمنح المدين مهلة إضافية للتنفيذ بواسطة إخطار يوجه إليه. فإذا تلقى الدائن إخطاراً من المدين بأنه لن ينفذ خلال هذه المهلة، أو إذا انتهت المهلة دون تنفيذ فيجوز له أن يلجأ إلى أى وسيلة من الوسائل المقررة له لمواجهة الإخلال ومنها فسخ العقد [608] .

153- نظام المهلة الإضافية فى القوانين الوطنية: لم تخل القوانين الوطنية من أنظمة تعد مماثلة لنظام المهلة الإضافية، ففى قانون التجارة المصرى الجديد أجيز للمشترى - إذا لم يقم البائع بتسليم المبيع فى الميعاد المحدد فى العقد - أن يخطره بالتنفيذ خلال مدة مناسبة يحددها. فإذا لم يسلم البائع المبيع خلال تلك المدة، جاز للمشترى أن يحصل على شىء مماثل
للمبيع على حساب البائع وأن يطالبه بالفرق بين الثمن المتفق عليه وما دفعه بحسن نية للحصول على ذلك الشىء. وإذا كان للمبيع سعر معلوم فى السوق جاز للمشترى - وإن لم يشتر فعلاً شيئاً مماثلاً له - أن يطالب البائع بالفرق
بين الثمن المتفق عليه وسعر السوق فى اليوم المحدد للتسليم. وللمشترى بدلاً  من ذلك أن يخطر البائع بأن عدم التسليم خلال المدة المعينة فى الإخطار يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً، وله فى هذه الحالة أن يطلب التعويض إن كان له مقتضى [609] .

وعلى ذلك فإن قيام المشترى بتحديد مدة مناسبة للبائع لكى ينفذ فيها التزامه بتسليم المبيع بعد تخلفه عن التسليم فى الميعاد المحدد بالعقد، وإخطاره البائع أن عدم التسليم خلال هذه المدة يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً، مؤداه أن يصبح الفسخ فى هذه الحالة حتمياً لا يكون للمحكمة أية سلطة تقديرية فى شأنه [610] .

ويعد هذا الحكم تطبيقاً لنظام المهلة الإضافية الذى أخذت به اتفاقية فيينا، ولا يعد تطبيقاً لحكم القانون المدنى المصرى الذى يجيز الاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائى عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه [611] ، لأن الفسخ الحتمى هنا لم يتفق عليه المتعاقدان وإنما قرره المشترى وحده بالإخطار الذى وجهه إلى البائع
دون اتفاق مسبق بينهما عليه. وقد أيدت ذلك المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون التجارة والتى أكدت أن هذا الحكم هو حكم جديد استحدثته وخرجت به على القواعد العامة فى القانون المدنى وعلى ما جرى عليه الفقه والقضاء فى ظل التقنين القائم [612] .

154- ويمكن أن يؤدى الإعذار la mise en demeure الذى يأخذ به القانون المصرى - وكذا القانون الفرنسى - نفس دور المهلة الإضافية [613] . ذلك أن الأصل فى هذين القانونين أن مجرد حلول أجل الالتزام لا يكفى لاعتبار المدين متأخر فى تنفيذه، إذ يجب إعذاره حتى لا يحمل سكوت الدائن محمل التسامح والرضاء الضمنى بتأخره فى هذا التنفيذ، فإذا أراد الدائن أن يستأدى حقه فى التنفيذ الذى حل أجله وجب عليه أن يعذر المدين بذلك حتى يضعه من تاريخ هذا الإعلان موضع المتأخر قانونا فى تنفيذ التزامه [614] .

لكن الإعذار يختلف عن المهلة الإضافية فى أنه لا يترتب عليه تقرير ميعاد جديد لتنفيذ المدين التزامه، وإنما هو حالة قانونية يعتبر فيها المدين ممتنعاً عن الوفاء بالتزامه أو مقصراً فى الوفاء به وتترتب عليها مسئوليته عن الأضرار التى تصيب الدائن من جراء هذا الامتناع أو التقصير [615] . فيصبح ملزماً  بتنفيذ التزامه فوراً كما يلتزم بالتعويض عن التأخر فى التنفيذ بعد ذلك [616] .

وفى القانون الإنجليزى - رغم عدم وجوب الإعذار - يجوز للدائن أن يخطر المدين أنه لن يقبل أى تأخير إضافى فى تنفيذه لالتزامه، فيصبح هذا الموعد الذى حدده الدائن عنصراً جوهرياً فى العقد، ويجوز له بالتالى فسخه فى حالة أى تأخير عن ذلك، وهو ما يقترب من نظام المهلة الإضافية فى اتفاقية فيينا [617] .

155- منح المهلة الإضافية ليس التزاماً على عاتق المتعاقدين: ولم تجعل اتفاقية فيينا منح المهلة الإضافية التزاماً على عاتق أى من طرفى عقد البيع، وإنما جعلته حقاً يجوز له استعماله إن رأى أنه يحقق مصلحته ويؤدى
إلى تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزامه، كما يجوز له عدم اللجوء إليه إن رأى فيه إضراراً بمصالحه وأنه لا يحقق له أى فائدة لعجز المتعاقد عن التنفيذ أو عدم رغبته فيه [618] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن نظام الـ Nachfrist فى القانون الألمانى، وعن نظام الإعذار فى القانونين الفرنسى والمصرى [619] . فقد جعل القانون الألمانى منح المهلة الإضافية التزاماً على عاتق الطرف المضرور حتى يستطيع المطالبة بالتعويضات أو فسخ العقد، ما لم يكن تنفيذ الالتزام قد أصبح غير مجد بالنسبة له [620] . كذلك يعد الإعذار واجباً أيضاً لاعتبار المدين متأخراً فى تنفيذ التزامه.

لكن اتفاقية فيينا بجعلها منح المهلة الإضافية جوازية للطرف المضرور تتفق مع قانون التجارة المصرى الجديد الذى جعل تحديد مدة مناسبة للبائع لكى ينفذ فيها التزامه بالتسليم أمراً جائزاً للمشترى [621] .

156- منح المهلة الإضافية للتخلف عن تنفيذ أى التزام: ويجوز منح المهلة الإضافية للمتعاقد الذى يتخلف عن تنفيذ أى التزام من الالتزامات الملقاة على عاتقه، ذلك أن النص جاء عاماً بإجازة منحها دون تخصيص بالتزام معين [622] . وإن كان البعض قد ذهب إلى قصرها على الالتزام بالتسليم وحده بالنسبة للبائع، والالتزام بدفع الثمن واستلام البضاعة بالنسبة للمشترى، تأسيساً على أن الفسخ فى حالة انتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ لا يكون إلا بالنسبة لهذه الالتزامات وحدها [623] .

لكن هذا الرأى ليس له سند من عبارة النص ولا من مصدره، إذ جاءت عبارة النص عامة دون تخصيص بالتزام معين إلا فيما يتعلق بالأثر  المترتب على انقضاء هذه المهلة، كما وأن النظام الألمانى Nachfrist  والذى أخذت عنه الاتفاقية نظام المهلة الإضافية لم يقصرها على التزام معين، وإنما أطلق جواز منحها بالنسبة لجميع الالتزامات وفى كل العقود وليس عقد البيع وحده [624] .

وعلى ذلك يجوز للبائع أن يمنح المشترى مهلة إضافية لتنفيذ التزامه بفحص البضاعة، لكنه لا يحق له إعلان فسخ العقد إذا تخلف المشترى عن تنفيذ هذا الالتزام خلال المهلة الممنوحة له إذا كانت تشكل فى حد ذاتها مخالفة جوهرية [625] .

157- منح المهلة الإضافية للمخالفة الجوهرية وقبل حدوث الإخلال: ويجوز منح المهلة الإضافية ولو كانت المخالفة المرتكبة جوهرية [626] ، ذلك أن الطرف المضرور قد لا يرغب فى هذه الحالة فى فسخ العقد ويرى الإبقاء عليه وإعطاء المخالف فرصة لتنفيذ التزامه، لأن الفسخ فى حالة ارتكاب مخالفة جوهرية ليس أمراً حتمياً. وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عن اتفاقية لاهاى، والتى كان منح المهلة الإضافية فيها مقيداً بالحالات التى لا تكون فيها المخالفة المرتكبة جوهرية [627] .

وذهب رأى إلى أن المهلة الإضافية يجوز منحها قبل حدوث أى إخلال، كما إذا توقع المشترى تأخير البائع فى التسليم لوجود صعوبات يواجهها فى مصانعه، فيمنحه أجلاً أطول لتنفيذ التزامه بالتسليم. ولا يعد ذلك تعديلاً للعقد من جانب واحد، لأن البائع يستطيع رغم ذلك أن يقوم بالتسليم فى الميعاد المتفق عليه فى العقد [628] .

لكننا نرى أنه إذا كان من الجائز للمتعاقد أن يمنح المتعاقد الآخر أجلاً  لتنفيذ التزامه قبل صدور أى إخلال منه فى تنفيذ هذا الالتزام، فإن هذا الأجل الممنوح لا يأخذ حكم المهلة الإضافية ولا يترتب عليه أثرها، فلا يحق للمتعاقد الذى منحها فسخ العقد بعد انقضائها دون تنفيذ، إلا إذا كان عدم التنفيذ يشكل مخالفة جوهرية للعقد، أما إذا كانت المخالفة غير جوهرية فإنها لا تتحول بانقضاء هذه المدة إلى مخالفة جوهرية. ذلك أن منح هذا الأجل قبل حلول ميعاد التنفيذ قد يؤدى إلى أن يتمهل المتعاقد فى تنفيذ التزامه اعتماداً على اتساع الميعاد، ثم يحدث ما يعوق تنفيذه ويؤدى إلى تأخيره عن هذا الميعاد.

وعلى ذلك فإن المهلة الإضافية لا تمنح إلا لإخلال صدر عن المتعاقد فعلاً، فإذا انقضت دون تنفيذ أصبح منطقياً إعلان فسخ العقد، أما إذا منحتقبل حدوث إخلال فلا يترتب عليها أى أثر.

158- مدة المهلة الإضافية: وإذا منح المتعاقد مهلة إضافية للمتعاقد الآخر، فإن مدة هذه المهلة يجب أن تكون معقولة de durée raisonnable، أى أن تكون كافية للسماح له بتنفيذ التزامه. فإذا كانت المدة غير كافية لذلك
فإن المتعاقد يكون بذلك قد خلق لنفسه حقاً فى فسخ العقد دون مبرر لذلك [629] .

وقد استخدمت اتفاقية لاهاى ذات الاصطلاح فاشترطت أن تكون المهلة الإضافية ذات مدة معقولة الـ un délai supplementaire d'une durée raisonnable [630] .

كما أوردته قواعد الـ Unidroit [631] . ويقترب هذا التعبير مما استخدمه قانون التجارة المصرى لوصف المدة التى يمنحها المشترى للبائع لتنفيذ التزامه بتسليم المبيع، وهو أن تكون هذه المدة مناسبة [632] .

ولم تحدد اتفاقية فيينا كيفية قياس معقولية مدة المهلة الإضافية، لذلك فإن تقديرها لا يكون إلا بالرجوع إلى كل حالة على حده. لكن الاعتبار الأساسى الذى يمكن على أساسه تقدير معقولية هذه المدة هو مدى حاجة المتعاقد إلى التنفيذ دون أى تأخير إضافى بعد انتهاء المهلة [633] .

كما يجب أن يوضع فى الاعتبار طبيعة المخالفة والنتائج المترتبة عليها وإمكانيات المتعاقد فى التنفيذ، وطبيعة العائق الذى اعترض التنفيذ، فتأخر البائع فى تسليم ماكينة معقدة التركيب من إنتاج مصانعه يختلف عن تأخره فى تسليم بضاعة يتوافر مثيل لها بالأسواق المختلفة [634] .

وإذا كانت مدة المهلة الممنوحة غير معقولة، بأن كانت قصيرة لا تسمح للمتعاقد بتنفيذ التزامه، فإنه لا يجوز اللجوء إلى القاضى أو المحكم لإطالتها، لمخالفة ذلك للمبدأ الذى وضعته الاتفاقية من عدم جواز منح المتعاقد أى
مهلة قضائية. ولأن المهلة إذا تم منحها بإرادة أحد الطرفين فلا يجوز لأحد التدخل بالتعديل فيها، لأن المتعاقد الذى منحها هو صاحب القول الفصل فى تحديد مدتها [635] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى ذلك عما أوردته قواعد الـ Unidroit، والتى قررت أن مدة المهلة الإضافية إذا لم تكن معقولة فيجب زيادتها حتى تكون مناسبة للتنفيذ المطلوب [636] . لكنها لم تحدد الطريقة التى يمكن على أساسها قياس معقولية المدة، ومن الذى يناط به زيادة هذه المدة إذا كانت غير معقولة، وإن كان الغالب أن يترك ذلك للمحكم أو القاضى [637] .

وإذا كانت مدة المهلة الإضافية فى اتفاقية فيينا لا يجوز زيادتها بالرجوع إلى القاضى أو المحكم، فإنه مع ذلك يمكن لأى منهما التدخل فى تقديرها إذا ثار النزاع أمامه بخصوص مدى أحقية المتعاقد الذى منحها فى فسخ العقد. فيستطيع القاضى أو المحكم عندئذ إذا وجد أن مدة المهلة الإضافية قصيرة لا تسمح بتنفيذ الالتزام، ولم تكن المخالفة جوهرية منذ بدايتها أن يقضى بعدم أحقية المتعاقد فى فسخ العقد ويلزمه بالتعويض إن اقتضى الأمر ذلك.

159- إخطار منح المهلة الإضافية: ويجب أن يوجه المتعاقد الذى يرغب فى منح مهلة إضافية إخطاراً إلى المتعاقد الآخر بهذه المهلة التى منحها له [638] . ولا يلزم فى هذا الإخطار شكل خاص، فيمكن أن يتم بأى وسيلة مناسبة، وقد يكون كتابةً أو شفهياً [639] . لكن لا يكفى للدلالة على منح مهلة إضافية مجرد صدور تصرف من المتعاقد يدل ضمناً على ذلك [640] ، كأن تنقضى المدة المتفق عليها لتنفيذ الالتزام بالتسليم مثلاً ولا يعلن المشترى فسخ العقد، ويستمر فى التعامل مع البائع والاتصال به دون إشارة إلى هذا الإخلال. ومع ذلك فقد قضى فى أحد أحكام التحكيم أن انتظار البائع عدة
شهور بعد تاريخ استحقاق الثمن يعد مهلة إضافية منحها للمشترى لتنفيذ التزامه بدفع الثمن فيحق له بعدها فسخ العقد [641] .

ويطبق على هذا الإخطار القاعدة التى وضعتها الاتفاقية للإخطارات على وجه العموم [642] . وهى أن أى تأخير أو خطأ فى إيصال الإخطار وكذلك عدم وصوله لا يحرم الطرف الذى أرسله من حقه فى التمسك به مادام قد تم إرساله بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف [643] .

ويجب أن يتم تحديد مدة المهلة الإضافية فى الإخطار بدقة، إما بتحديد تاريخ معين تنتهى عنده هذه المهلة، أو بتحديد فترة زمنية - كشهر مثلاً - من تاريخ الإخطار يتعين التنفيذ خلالها [644] . أما استخدام تعبيرات غامضة مثل "ضرورة التسليم فوراً" أو "دون إبطاء" أو "فى أسرع وقت ممكن" فلا يمكن أن يعد كافياً لأن المتعاقد الآخر قد يظنها مجرد دعوة لتنفيذ التزاماته وفقاً
لأحكام الاتفاقية [645] . ولأن الإخطار على هذا النحو لا يتضمن تحديداً لأى مهلة إضافية. كذلك لا يعد كافياً الاقتصار على طلب مندوب لإصلاح العيب، أو طلب إرسال شيك مقبول الدفع بالثمن المطلوب، أو إيداعه بحساب البائع
بأحد البنوك [646] .

وترجع أهمية تحديد مدة المهلة الإضافية بدقة إلى أن عدم تحديدها على هذا النحو قد يؤدى إلى نشوب منازعات بين الطرفين بسبب اختلاف تقدير كل منهما للمدة اللازمة لإصلاح الخلل فى التنفيذ. فقد يتخلف البائع عن تسليم جزء من البضاعة ويمنحه المشترى مهلة إضافية لتسليم هذا الجزء، فيفهم المشترى أن مدة هذه المهلة هى اللازمة لإرسال الجزء المتبقى من البضاعة إليه، فى حين يفهم البائع أنها المدة التى تلزمه لشراء هذه البضاعة من تاجر آخر أو لتصنيعها فى مصانعه لأنها غير موجودة فى مخازنه [647] .

ولا يشترط أن يتضمن إخطار منح المهلة الإضافية تهديداً للطرف المخالف بأنه سوف يتم فسخ العقد إذا لم ينفذ التزامه [648] ، إذ يكفى التصريح بأنها مدة نهائية deadline ولن يقبل التنفيذ بعدها، فإما أن ينفذ أو يتخذ قبله الإجراءات القانونية [649] .

160- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن نظام المهلة الإضافية قد أخذته اتفاقية فيينا عن نظام الـ Nachfrist فى القانون الألمانى، بقصد إظهار رغبتها فى الإبقاء على العقد وعدم اللجوء إلى فسخه [650] . إذ أن إسراع المتعاقد إلى فسخ العقد لمجرد صدور مخالفة من المتعاقد الآخر قد لا يحقق فائدة لأى منهما، فى حين أن إعطاء الطرف المخالف فرصة لإصلاح ما شاب تنفيذه للعقد من عيوب أو لتنفيذ الالتزام الذى تخلف عنه قد يكون هو الأفضل لهما مادام قد توافر حسن النية بينهما [651] .

ويعبر منح المهلة الإضافية عن رغبة المتعاقد الذى منحها فى استمرار تنفيذ العقد بإعطائه المتعاقد الآخر فرصة لتنفيذه رغم ما صدر عنه من إخلال [652] . وعن طريق المهلة الإضافية يمكن تجنب الكثير من المنازعات التى قد تنشأ حول مدى جوهرية المخالفة المرتكبة. فإذا ثار شك حول جوهرية هذه المخالفة يمكن منح الطرف المخالف مهلة إضافية بحيث إذا انقضت دون تنفيذ أمكن أن نفترض بصورة قاطعة أن المخالفة قد أصبحت جوهرية تجيز فسخ العقد [653] .


الفرع الثانى

آثار المهلة الإضافية

161- إذا تخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزاماته، فإن المتعاقد الآخر يستطيع اللجوء إلى الوسائل التى وضعتها الاتفاقية لمواجهة ذلك، ومنها إعلان فسخ العقد، لكنه إذا رغب فى الحفاظ على العقد وإعطاء المتعاقد الآخر فرصة لتنفيذ التزاماته، فإنه يمنحه مهلة إضافية ليقوم بذلك وفقاً للقواعد السابق ذكرها.

فإذا اختار المتعاقد منح مهلة إضافية للمتعاقد الآخر ترتب على ذلك أثران هامان: أولهما التزام يقع على عاتقه خلال مدة سريان المهلة الإضافية بألا يستعمل أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد، وثانيهما حق يتقرر له بانتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته وهو حقه فى إعلان فسخ العقد.

أولاً: عدم استعمال أى جزاء خلال المهلة الإضافية:

162- فالأثر الأول لمنح المهلة الإضافية هو أن يفقد المتعاقد الذى منحها حقه فى استعمال أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد طوال مدة سريان هذه المهلة [654] . فلا يجوز خلال هذه المدة طلب التنفيذ العينى أو تسليم بضاعة بديلة أو إصلاح العيب فى المطابقة، وعلى وجه الخصوص لا يجوز له إعلان فسخ العقد حتى ولو كانت المخالفة منذ بدايتها جوهرية.

ويعد هذا الحظر أمراً مقبولاً، إذ لا يتصور أن يمنح المتعاقد مهلة إضافية ثم يستعمل حقاً يتعارض مع ذلك، إنما يجب عليه الانتظار ليرى ما إذا كان المتعاقد الآخر سينفذ التزاماته المتفق عليها فى العقد خلال هذه المهلة أم لا [655] . كما أن هذا المتعاقد الآخر الذى تم منحه مهلة إضافية يحق له أن يطمئن إلى أن ما سينفقه من نفقات خلال هذه المهلة لتنفيذ التزاماته سوف
يعود عليه بالنفع [656] .

163- استبقاء الحق فى المطالبة بالتعويضات: لكن المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية يحتفظ مع ذلك خلال هذه المهلة بحقه فى طلب تعويضات عن التأخر فى التنفيذ، فيستطيع أن يطالب بهذه التعويضات فى أى وقت خلال فترة سريان هذه المهلة [657] .

ويرجع ذلك إلى أن هذه التعويضات تكون عن الإخلال الذى صدر عن المتعاقد وأدى إلى منحه المهلة الإضافية، فلا تأثير له على تنفيذ الالتزامات خلال هذه المهلة، لأنه أمر سابق عليها. وإن كنا نرى أنه يحسن تأجيل المطالبة بالتعويضات حتى انتهاء المهلة الإضافية، لأن تصرف الطرف المخالف خلال هذه المهلة من ناحية مبادرته إلى تنفيذ التزامه أو تقاعسه عن ذلك قد يؤثر فى قدر التعويض الذى سيقضى به، وأيضاً للحفاظ على حسن العلاقات بين الطرفين إذ أن المطالبة بالتعويضات قد تؤدى إلى توتر العلاقات بينهما بما قد يعوق التنفيذ.

164- ويدخل فى نطاق التعويضات التى يستطيع المتعاقد المطالبة بها خلال المهلة الإضافية المبالغ التى أنفقها للمحافظة على البضاعة قبل منح المهلة الإضافية أو حتى بعد منحها، إذ أنه يلتزم باتخاذ الإجراءات المعقولة المناسبة للظروف لضمان حفظ البضاعة إذا كانت فى حيازته [658] . كما يحدث إذا تأخر المشترى عن استلام البضاعة أو لم يدفع الثمن عندما يكون دفع
الثمن وتسليم البضاعة شرطين متلازمين، وكانت البضاعة لا تزال في حيازة البائع أو تحت تصرفه، فيلتزم البائع فى هذه الحالة باتخاذ ما يلزم لضمان حفظ البضاعة [659] . والنفقات التى ينفقها فى ذلك تدخل فى نطاق
التعويضات التى يحق له المطالبة بها بموجب أحكام الاتفاقية باعتبارها خسارة لحقت به [660] .

كما قد يدخل فيما يستطيع المتعاقد المطالبة به خلال المهلة الإضافية الفوائد على أى مبالغ مستحقة [661]  رغم أنها لا تعد تعويضاً وفقاً لما ذهبت إليه الاتفاقية [662] ، وإنما هى مقابل حبس النقود فحسب [663] .

ذلك أنه إذا أجيز لهذا المتعاقد أن يطالب خلال المهلة الإضافية بالتعويضات عن التأخر فى التنفيذ، فإن ما قد يقضى به من تعويضات تستحق عليها فوائد ما دامت لم يتم دفعها، كما تستحق الفوائد على أى مبالغ أخرى مستحقة يتأخر المتعاقد الآخر فى دفعها. وهذه الفوائد يجب دفعها فى جميع الأحوال باعتبار أنها مقابل حبس النقود كما سبق القول.

ثانياً: الحق فى الفسخ بعد انتهاء المهلة الإضافية:

165- ويتمثل الأثر الثانى لمنح المهلة الإضافية فى أنه بانتهائها دون أن ينفذ الطرف المخالف التزامه خلالها، يحق للطرف المضرور الذى منحها إعلان فسخ العقد ولو كانت المخالفة المرتكبة منذ بدايتها غير جوهرية، إذ أنها تتحول بانقضاء هذه المهلة إلى مخالفة جوهرية [664] .

لكن الاتفاقية لم تجعل هذا الحكم عاماً بالنسبة لجميع الالتزامات، وإنما قصرته على الالتزام بالتسليم بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن وتسلم البضاعة بالنسبة للمشترى [665] . فإذا كان منح المهلة الإضافية لتنفيذ التزام آخر خلاف هذه الالتزامات، كالالتزام بالمطابقة مثلاً، فإن عدم التنفيذ خلالها لا يؤدى إلى جعل المخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد [666] .

وقد كان هذا الحكم محل مناقشات استمرت طوال مراحل إعداد الاتفاقية، وجاء كحل وسط للتوفيق بين رأيين، يذهب أولهما إلى رفض فكرة تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية بعد انتهاء المهلة الإضافية، حتى
لا يستغلها أحد المتعاقدين إذا أراد التخلص من العقد، فيتربص بالمتعاقد الآخر حتى إذا ارتكب مخالفة تافهة منحه مهلة إضافية قصيرة لتنفيذ التزامه بشأنها، فإذا انقضت أعلن فسخ العقد فوراً استناداً إلى تحول هذه المخالفة إلى مخالفة جوهرية، بينما يذهب الرأى الثانى إلى طلب تعميم هذه الفكرة لتشمل التخلف عن تنفيذ أى التزام من الالتزامات [667] .

166- وكانت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 قد أخذت بذات الحكم، فجعلت عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه خلال المهلة الإضافية مؤدياً إلى تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد [668] . لكنها أضافت الالتزام بالمطابقة إلى الالتزامات التى يطبق بشأنها هذا النظام، فأجازت للمشترى أن يعين للبائع ميعاداً إضافياً ليقوم خلاله بإصلاح عدم المطابقة، فإذا لم يقم بذلك خلال هذا الميعاد جاز للمشترى فسخ العقد [669] .

ورتبت قواعد الـ Unidroit ذات الأثر على تخلف المدين عن تنفيذ التزامه خلال المهلة الإضافية التى منحها له الدائن، فأجازت له فسخ العقد عند انتهاء هذه المهلة دون تنفيذ، بالإضافة إلى أخذها بالأثر الأول لمنح المهلة الإضافية بمنعها الدائن من اللجوء إلى أى وسيلة من وسائل معالجة الإخلال سوى المطالبة بالتعويضات ووقف تنفيذ التزاماته [670] .

لكنها لم تقصر الأثر المتعلق بفسخ العقد بعد انتهاء المهلة على التزامات معينة، إنما أجازته بالنسبة لأى التزام يمنح المدين به مهلة إضافية لتنفيذه. بل إنها أجازت للدائن أن يضمن إخطاره ما يفيد أن إخلال المدين بالتنفيذ خلال المدة المسموح بها فى الإخطار سوف يترتب عليه فسخ العقد تلقائياً [671] .

167- وقد أجاز قانون التجارة المصرى الجديد للمشترى أن يخطر البائع بأن عدم تنفيذ التزامه بالتسليم خلال المدة المناسبة التى حددها له يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً [672] . فيصبح الفسخ بذلك حتمياً لا يكون للمحكمة أية سلطة تقديرية فى شأنه [673] . ولا يكون ذلك إلا بمناسبة تخلف البائع عن تنفيذ الالتزام بالتسليم وحده.

ويقترب ذلك من الرأى السائد فى الفقه المصرى والذى يذهب إلى أن القاضى إذا منح المدين مهلة لتنفيذ التزامه، فيجب عليه القيام بتنفيذه خلال هذه المهلة وليس له أن يتعداها، فإذا انقضت المهلة دون تنفيذ يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه ولو لم ينص القاضى فى حكمه على ذلك [674] .

168- وتعد الالتزامات التى رتبت اتفاقية فيينا على التخلف عن تنفيذها خلال المهلة الإضافية إمكان فسخ العقد، هى الالتزامات الجوهرية فى عقد البيع، وهى الالتزام بالتسليم بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن وتسلم البضاعة بالنسبة للمشترى. ويعنى ذلك أنها فى هذا النطاق قد ربطت بين الإخلال بالتزام جوهرى وتحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية، فلا تتحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية إلا بصدد هذه الالتزامات الجوهرية وحدها. رغم أنها منذ البداية قد رفضت هذه الفكرة فى نطاق تعريف المخالفة الجوهرية، ولم تعتد فى هذا التعريف إلا بحجم الضرر الذى ترتب على المخالفة، دون نظر إلى نوع الالتزام الذى تمت مخالفته [675] .

ويشمل الالتزام بالتسليم تسليم البضاعة فى المكان والزمان المتفق عليهما، لكنه لا يشمل الالتزام بتسليم المستندات، لأن نص الاتفاقية جاء صريحاً فى قصر الحكم على حالة عدم قيام البائع بتسليم البضاعة خلال المهلة الإضافية [676] .

ويشمل الالتزام بدفع الثمن قيام المشترى باتخاذ كل ما يلزم للوفاء بالثمن، كإعداد خطاب الضمان والحصول على النقد الأجنبى واستيفاء إجراءات تحويل النقد، أما الالتزام بتسلم البضاعة فيشمل قيام المشترى بكل عمل يمكن عقلاً توقع قيامه به لتمكين البائع من إتمام تنفيذ التزامه بالتسليم [677] .

وقد قضى بأحقية البائع فى فسخ العقد فى قضية تخلص وقائعها فى أن عقداً قد أبرم فى مارس 1991 بين شركة إيطالية وأخرى فنلندية، اتفق فيه على أن تبيع الأولى للثانية لافتات صناعية وتلتزم الثانية بسداد الثمن على دفعات، وتستحق الدفعة الثالثة من الثمن بعد فحص البضاعة. وتم فحص البضاعة بتاريخ 28 نوفمبر 1991 لكن المشترية لم تدفع هذه الدفعة من
الثمن، وانتظرت الشركة البائعة عدة أشهر رغم علمها بعدم وجود موارد مالية للمشترية. وفى 10 مارس 1992 أعلنت فسخ العقد. وعندما أثير النزاع أمام هيئة التحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس، قضى بأحقية الشركة البائعة
فى فسخ العقد استناداً إلى أن الفترة التى انتظرتها منذ تاريخ استحقاق الدفعة الثالثة من الثمن فى 28 نوفمبر 1991 وحتى تاريخ إعلان الفسخ في 10 مارس 1992 تعد مهلة إضافية منحتها للمشترية لتنفيذ التزامها بدفع
الثمن، وما دام لم يتم السداد خلالها فيحق لها إعلان فسخ العقد إعمالاً  للمادة 64 فقرة 1 بند ب [678] .

كما قضت المحكمة الفيدرالية باستراليا فى قضية Roder Zelt-Und Hallen Konstruktionen Gmb H V. Rosedown Park Pty LTD, بأن تخلف المشترى عن دفع فوائد الثمن المتفق عليها بسبب تعرضه لمشاكل مالية وتعيين مصف لأعماله، لا يعد مخالفة جوهرية للعقد، لأن البائع لم يطالب بهذه الفوائد قبل تعيين المصفى، ولم يتمسك بحقه فى إعطاء المشترى مهلة إضافية لتنفيذ التزامه وفقاً للمادة 63 من الاتفاقية قبل فسخ العقد. لكن هذا الحكم انتقد لأن منح المهلة الإضافية يعد إجراءً اختيارياً لا يلزم البائع بالقيام به إذا اعتقد أن التأخير فى الدفع يشكل مخالفة جوهرية [679] .

169- جواز منح مهلة إضافية جديدة بعد انتهاء الأولى: ولا يعد فسخ العقد بانقضاء المهلة الإضافية دون تنفيذ أمراً واجباً، إذ يجوز للمتعاقد الذى منحها أن يعدل عن الفسخ ويمنح الطرف الآخر مهلة إضافية جديدة، ويكون لهذه المهلة الجديدة ذات الآثار القانونية التى كانت للأولى [680] ، أى أن المتعاقد الذى منحها يفقد حقه فى استعمال أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد طوال مدة سريان هذه المهلة، ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد، لكنه بانقضاء هذه المهلة دون أن ينفذ الطرف المخل التزامه يحق له فسخ العقد ولو كانت المخالفة منذ بدايتها غير جوهرية، وذلك فيما يتعلق بالالتزامات سالفة البيان التى حددتها الاتفاقية.

- فسخ العقد قبل انتهاء المهلة الإضافية:

170-  1  الإخطار بعدم التنفيذ خلال المهلة الإضافية: وإذا كان المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية يملك حق إعلان فسخ العقد بمجرد انتهاء المهلة الإضافية دون تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته، فإنه يملك هذا الحق أيضاً قبل انتهاء المهلة الإضافية إذا أخطره الأخير بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها [681] . وفى هذه الحالة يسترد حقوقه التى كان قد منع من استعمالها خلال المهلة إضافية، فيحق له استعمال أى منها ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد [682] . ويفسر هذا الحكم بأنه ليس من المقبول أن ينتظر الطرف المضرور حتى انتهاء المهلة الإضافية رغم إصرار الطرف المخالف على مخالفته وإعلانه صراحةً أنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها. إذ أنه بإصداره هذا الإعلان يكون قد أنهى ما أثير بشأن مخالفته من شك، بما يؤدى إلى توافر اليقين على ارتكابه لها [683] .

ولا يشترط لتطبيق هذا الحكم أن تكون المخالفة المرتكبة منذ بدايتها جوهرية، إذ أنه يطبق ولو كانت المخالفة غير جوهرية وأعلن المتعاقد أنه لن ينفذ التزامه بخصوصها قبل انتهاء المهلة الإضافية، لأنها تتحول بذلك إلى مخالفة جوهرية وفقاً للحكم الذى وضعته الاتفاقية فى هذا الخصوص [684] .

171- وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit ذات الحكم، إذ أجازت للدائن استعمال كافة الوسائل التى قررتها لمواجهة إخلال المدين بالتزاماته، إذا أخطره المدين أنه لن ينفذ التزاماته خلال الأجل الإضافى الممنوح له [685] .

ويماثل هذا الحكم ما يقضى به القانون المصرى من عدم لزوم الإعذار إذا صرح المدين كتابةً أنه لا يريد تنفيذ التزامه، إذ بعد هذا التصريح الثابت بالكتابة لا جدوى فى إعذاره [686] . واعتبرت محكمة النقض المصرية من قبيل ذلك عرض المشترى ثمناً أقل مما هو ملزم بسداده وتصميمه على ذلك لحين الفصل فى الدعوى، فلا ضرورة لإعذاره لأنه بذلك يكون قد صرح بعدم رغبته فى القيام بالتزامه [687] .

172- ولا يلزم للاعتداد بالإخطار الذى يوجهه المتعاقد بأنه سوف لا ينفذ التزاماته أن يأخذ شكلاً خاصاً، فقد يكون كتابةً أو شفهياً، لكنه لابد أن يكون واضحاً فى الدلالة على ذلك، كأن يقرر فى الإخطار أنه لن ينفذ التزامه أو أنه غير قادر على التنفيذ أو لم يعد فى حاجة إلى العقد. أما إذا تضمن احتمال عدم تنفيذه التزامه أو عدم تأكده من قدرته على التنفيذ أو طلبه مد
فترة المهلة الإضافية فلا يعد كافياً فى الدلالة على ذلك ولا ينتج الأثر الذى قصدته الاتفاقية [688] .

ويجب أن يصل إخطار عدم التنفيذ إلى علم من وجه إليه حتى يحدث أثره، ولا تطبق فى شأنه القاعدة التى وضعتها الاتفاقية والتى تعطى الحق لمرسل الإخطار فى التمسك به ولو تأخر وصوله أو لم يصل على وجه الإطلاق ما دام قد أرسل بوسيلة مناسبة [689] .

ويرجع ذلك إلى أن هذه القاعدة لا تطبق إلا على الإخطارات التى يبعث بها أحد الطرفين وفقاً لأحكام الاتفاقية، أى تنفيذاً لأحكامها. ولا يوجد أى حكم فى الاتفاقية ينظم كيفية توجيه إخطار من المتعاقد بعدم تنفيذه لالتزاماته، لأنها تشجع تنفيذ العقد وليس التنصل من التزاماته [690] .

ولا يحدث الإخطار أثره إلا إذا تم توجيهه بعد منح المهلة الإضافية، أما إذا وجه قبل حلول ميعاد التنفيذ المتفق عليه فى العقد فلا يمكن التعويل عليه لفسخ العقد قبل حلول هذا الميعاد قياساً على حكم المهلة الإضافية. لكن هذا الإخطار يمكن أن يعد إخلالا مبتسراً بالعقد إذا كان حاسماً وقاطعاً فى أن التنفيذ لن يتم فى جميع الأحوال، ويجيز بالتالى إعلان الفسخ المبتسر للعقد استناداً إلى المادة 72 من الاتفاقية كما سنرى لاحقا [691] .

وإذا تم توجيه الإخطار قبل حلول ميعاد التنفيذ وتأخر وصوله إلى ما بعد منح المهلة الإضافية، فلا يجوز التعويل عليه للجزم بأن المتعاقد الذى أرسله لن يقوم بتنفيذ التزاماته، لأن المهلة الإضافية قد تكون دافعاً له لبذل المزيد من الجهد ليتمكن من تنفيذ التزاماته خلالها [692] .

173-  2  توقع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه خلال المهلة الإضافية: وإذا لم يتلق المتعاقد إخطاراً من المتعاقد الآخر بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلال المهلة الإضافية، ولكن تبين بوضوح قبل انتهاء هذه المهلة أنه سوف لا ينفذ التزامه خلالها، كأن يشهر إفلاس المشترى أو تحترق مصانع البائع أو تقوم حرب فى دولة أى واحد منهما، فهل يحق له فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد فوراً أم ينتظر حتى انتهاء اجل المهلة الإضافية ؟

ذهب رأى إلى أنه يحق له إعلان فسخ العقد فوراً إذا توافر اليقين على أن الالتزام لن يتم تنفيذه قياساً على حكم الفسخ المبتسر فى المادة 72 من الاتفاقية [693] . بينما ذهب رأى آخر إلى أنه لا يجوز فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد ولو ظهر بوضوح أن المتعاقد لن يلتزم بالمهلة الإضافية [694] .

لكننا نرى أنه يتعين التفرقة فى هذه الحالة بين فرضين: الأول أن تكون المخالفة المرتكبة والتى تم منح المهلة الإضافية 1بسببها منذ بدايتها جوهرية، وفى هذه الحالة إذا تبين بوضوح قبل انقضاء المهلة الإضافية أن الطرف المخالف لن ينفذ التزامه بخصوصها خلال هذه المهلة، فإنه يحق له إعلان فسخ العقد فى الحال. ذلك أنه يملك هذا الحق قبل حلول ميعاد التنفيذ الأصلى وفقا لأحكام الفسخ المبتسر للعقد [695] ، فمن باب أولى يحق له ذلك بعد حلول ميعاد التنفيذ وقبل انقضاء أجل المهلة الإضافية.

 والفرض الثانى أن تكون المخالفة المرتكبة منذ بدايتها غير جوهرية، وفى هذه الحالة يتعين الانتظار حتى انقضاء المهلة الإضافية لإعلان فسخ العقد، لأن هذه المخالفة لا تتحول إلى مخالفة جوهرية وفقاً لنص الاتفاقية إلا بانقضاء المهلة الإضافية دون تنفيذ أو بإخطار يوجه من الطرف المخالف بأنه سوف لا ينفذ التزامه، ولا يجوز تطبيق حكم الفسخ المبتسر فى هذه الحالة لأنه حكم استثنائى ينبغى عدم التوسع فى تطبيقه، فلا يطبق على حالات لم تذكر صراحة به.

174-  3  ارتكاب مخالفة جوهرية جديدة تتعلق بالتزام آخر: وإذا كانت المهلة الإضافية قد تم منحها بسبب التخلف عن تنفيذ التزام معين، فإنه يمكن إعلان الفسخ قبل انقضائها إذا ارتكب المتعاقد مخالفة جوهرية تتعلق بالتزام آخر [696] . فإذا منح المشترى للبائع مهلة إضافية لتنفيذ التزامه بالتسليم، وقام البائع بالتسليم فعلاً فور منحه هذه المهلة لكن المشترى اكتشف وجود عيب فى مطابقة البضاعة المسلمة يصل إلى درجة المخالفة الجوهرية، فإنه يستطيع فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد فوراً حتى ولو كانت المهلة الإضافية لم تنقض بعد.

بل إن المتعاقد يستطيع ذلك ولو لم يكن الالتزام الذى تم منح المهلة الإضافية بسببه قد تم تنفيذه، فإذا كان البائع قد قام بتسليم البضاعة ومنح المشترى مهلة إضافية لدفع الثمن، ثم تبين له بعد منح هذه المهلة أن المشترى لم يتخذ الإجراءات اللازمة لاستلام البضاعة مما يهددها بالتلف، فإذا أمكن اعتبار هذه المخالفة جوهرية جاز له فسخ العقد دون انتظار تنفيذ المشترى لالتزامه بدفع الثمن ودون انتظار انقضاء المهلة الإضافية.

175- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا قد حاولت قدر 1إمكانها الحفاظ على العقد، ففتحت السبيل أمام المتعاقدين لكى ينفذ كل منهما التزاماته التى تخلف عن تنفيذها حتى بعد انقضاء الأجل الأصلى للتنفيذ بإجازتها منح المتعاقد الذى تخلف عن تنفيذ التزاماته مهلة إضافية لكى يقوم بهذا التنفيذ. ورغبة منها فى توفير مناخ الثقة بين المتعاقدين، ألزمت المتعاقد الذى منح المهلة الإضافية بعدم اللجوء إلى أى وسيلة من الوسائل التى قررتها لمواجهة الإخلال بالعقد طوال مدة سريان المهلة الإضافية حتى يطمئن الطرف المخالف إلى أن ما سيبذله من جهد خلال هذه المهلة سوف يؤتى ثماره ولن يفاجأ بعدول المتعاقد الآخر عن منحها.

لكن الاتفاقية مع ذلك لم تشأ الإبقاء على العقد إذا ظهر تقاعس الطرف المخالف عن تنفيذ التزاماته خلال المهلة الإضافية، فأجازت للمتعاقد الآخر إعلان فسخ العقد إذا انقضت المهلة الإضافية دون تنفيذ أو إذا وجه إليه إخطار بعدم التنفيذ خلالها.

بل إن الاتفاقية أرادت معاقبة المتعاقد الذى يسرت له السبيل لتنفيذ التزامه فنكل عن ذلك، فقررت حكماً جديداً هو تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية إذا انقضت المهلة الإضافية دون أن يتم تنفيذ الالتزام المتعلق بها. لكنها مع ذلك قيدت هذا الحق بقصره على التخلف عن تنفيذ الالتزامات الجوهرية فى عقد البيع، وهى الالتزام بتسليم البضاعة بالنسبة للبائع والالتزام بدفع الثمن واستلام البضاعة بالنسبة للمشترى.

فيظهر جلياً من ذلك أن الاتفاقية تسعى جاهدة للوصول إلى تنفيذ كل طرف لالتزاماته المتفق عليها فى العقد، ولا تفتح لهما باب الفسخ إلا إذا بدا واضحاً أن التنفيذ لن يتم وأنه لا سبيل أمامهما إلا إنهاء العقد.


الباب الثانى

الفسخ المبتسر والفسخ الجزئى للعقد

176- تمهيد وتقسيم: يشترط لكى يستطيع أحد المتعاقدين اللجوء إلى إعلان فسخ العقد أن يصدر عن المتعاقد الآخر إخلال فى تنفيذ التزاماته. ولا يمكن القول بوقوع إخلال فى تنفيذ التزام معين إلا إذا كان هذا الالتزام مستحق الأداء، فلا يتوافر الإخلال إذا لم يكن كذلك [697] .

لكن قد يحدث من الناحية العملية أن يظهر بعد إبرام العقد، وقبل حلول ميعاد تنفيذه، أن أحد طرفيه - سواء كان البائع أم المشترى - لن يقوم بتنفيذ التزامه الذى تعاقد عليه، أو سوف يرتكب مخالفة فى التنفيذ. ويحدث ذلك إذا أشهر إفلاس هذا المتعاقد، أو أضرب عماله عن العمل بما هدد مصانعه بالتوقف، أو أصيبت مصانعه بكارثة كحريق أدى إلى توقفه عن الإنتاج. فهل يجب فى هذه الحالة أن نغض الطرف عن هذا الإخلال المتوقع ونلزم المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه، فيسلم البائع البضاعة حتى ولو كان واضحاً أن المشترى لن يتمكن من دفع الثمن إليه، أو أن يدفع المشترى الثمن حتى ولو كان ظاهراً أن البضاعة لن يتم تسليمها إليه أو أنها سوف تكون معيبة؟ [698] .


واجهت اتفاقية فيينا هذا الفرض لما قد يثيره من اضطراب فى العلاقات التجارية الدولية، فأجازت للمتعاقد فى هذه الحالة فسخ العقد إذا توافرت شروط معينة، وذلك رغبة منها فى رفع الحرج عنه وإشاعة الثقة والطمأنينة في التعامل التجارى الدولى [699] .

177- وإذا كان الأصل أن الفسخ، سواء كان مبتسراً أم عند حلول ميعاد تنفيذ الالتزام، يكون كلياً بحيث يتعلق بالعقد بأكمله. فإن الاتفاقية قد سمحت بالفسخ الجزئى للعقد، وأفردت له أحكاماً خاصة. فوضعت حكماً خاصاً بفسخ العقد فى حالة الإخلال الجزئى به، أقرت فيه إمكانية فسخ العقد فيما يتعلق بالجزء الذى لم يتم تسليمه أو غير المطابق وحده [700] .

كما وضعت حكماً خاصاً بالفسخ الجزئى فى عقود البيع على دفعات ألحقته بالفصل الخاص بالإخلال المبتسر بالعقد، وأجازت فيه أن يقتصر الفسخ على الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها [701] .

178- وعلى ذلك نقسم هذا الباب إلى فصلين، نتكلم فى الفصل الأول منهما عن الفسخ المبتسر للعقد، وفى الفصل الثانى عن الفسخ الجزئى.


الفصل الأول

الفسخ المبتسر للعقد

179- تمهيد وتقسيم: يحدث كثيراً فى التجارة الدولية أن تجد ظروف تعوق تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته، أو تثير مشاكل بخصوص هذا التنفيذ. وإذا كان من غير المرغوب فيه أن تعجل هذه المشاكل بفسخ العقد قبل حلول أجل تنفيذه لوجود احتمال أن يتمكن المتعاقد من التغلب عليها بمرور الوقت، فإنه من غير المرغوب فيه أيضاً الإبقاء على العقد رغم ما قد يظهر واضحاً  من أن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب [702] .

لذلك أجازت اتفاقية فيينا للمتعاقد فسخ العقد إذا تبين بوضوح قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد أن المتعاقد الآخر سوف يرتكب مخالفة جوهرية [703] . وأخذت الاتفاقية هذا الحكم عن القوانين الأنجلو أمريكية [704] ، والتى يشكل الإخلال المبتسر بالعقد فيها نظرية متكاملة استقرت قواعدها منذ زمن بعيد.

وإذا كانت الدول التى تأخذ بنظام القانون المدنى - ومنها مصر - لا تعرف نظرية الإخلال المبتسر بالعقد، إلا أنه قد يوجد بأحكامها ما يماثل هذه النظرية دون الإشارة إلى المصطلح الذى استخدمه القانون الأنجلو أمريكى.

وعلى ذلك تتكلم فى هذا الفصل أولاً عن الإخلال المبتسر فى القانون الأنجلو أمريكى، ثم عن الإخلال المبتسر فى القانون المصرى، ونتكلم أخيراً  عن تنظيم اتفاقية فيينا للفسخ المبتسر.


الفرع الأول

الإخلال المبتسر
فى القانون الأنجلو أمريكى

180- المقصود بالإخلال المبتسر: يقصد بالإخلال المبتسر بالعقد anticipatory breach of contract [705] . تأكيد أحد طرفى العقد أنه لن ينفذ التزامه المتفق عليه عندما يحل أجله، ويحدث ذلك إذا أعلن هذا المتعاقد بصورة واضحة لا لبس فيها قبل التاريخ المحدد للتنفيذ نيته فى عدم تنفيذ العقد عندما يحل هذا التاريخ، وفى هذه الحالة يستطيع المتعاقد الآخر أن يتعامل مع العقد باعتباره قد انقضى [706] ، فيوقف تنفيذ التزاماته ويقيم دعواه فى الحال بسبب هذا الإخلال [707] .

ويقوم هذا النظام على أساس التفرقة بين العقد المستقبل executory contract والعقد الفورى executed contract، إذ لا يتم فى النوع الأول تنفيذ التزامات الطرفين فور إبرام العقد وإنما فى ميعاد يتفق عليه، أما فى النوع الثانى فيتم تنفيذ هذه الالتزامات بمجرد إبرام العقد، كأن يكون العقد بيعاً يتم فور إبرامه تسليم المبيع وتقاضى الثمن. ولا يعد المتعاقد فى النوع الأول من العقود قد ارتكب مخالفة فعلية للعقد إلا عندما يحل الميعاد المحدد لتنفيذ التزامه فعلاً. أما إذا صدر عنه قبل ذلك ما يؤكد أنه سوف يرتكب مخالفة للعقد الذى لم يحن موعد تنفيذه بعد - سواء كان ذلك صراحةً أم ضمناً - فيعد ما صدر عنه إخلالاً مبتسراً [708] .

181- وقد نشأ مبدأ الإخلال المبتسر فى القانون الإنجليزى فى قضية Hochster V. De La Tour فقد تعاقد Albert Hochster مع Edgar De la Tour على أن يعمل لديه اعتباراً من 1 يونيه 1852، وفى 11 مايو 1852 أرسل De la Tour إخطاراً إلى Hochster يبلغه فيه أنه غير رأيه وأنه لا يحتاج إلى خدماته، فأقام الأخير دعوى فى 22 مايو 1852 يطالب فيها بالتعويضات عن الإخلال بالعقد، وكان دفاع صاحب العمل أنه لا يمكن أن يكون هناك أى إخلال بالعقد قبل أول يونيه 1852. لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الدفاع وقررت بأحقية Hochster فى إقامة دعواه، وأنه لم يكن عليه الانتظار حتى أول يونيه 1852 بل له أن يقيمها فى الحال. واستقرت منذ ذلك الحين قاعدة تقرر أن المضرور فى العقد الملزم للجانبين يحق له المطالبة بالتعويضات فى الحال عن الإخلال المبتسر بالعقد، ولا يكون عليه الانتظار حتى الموعد الأصلى لتنفيذ الالتزام [709] .

182- الإخلال المبتسر بالقول أو الفعل: ويتحقق الإخلال المبتسر بكل تصريح يعلنه المتعاقد أو فعل يصدر عنه، يكشف عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه عندما يحل أجله [710] . أى أن يصرح أو يتصرف بما يجعل تنفيذ التزامه مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم التنفيذ أو الاستمرار فى التنفيذ. ونظراً للنتائج شديدة القسوة التى تترتب على هذا الإخلال فإن المحاكم
لا تميل إلى تطبيقه إلا إذا توافر دليل واضح لا يشوبه غموض على قصد الإخلال بالعقد [711] .

وعلى ذلك يعد إخلالاً بالعقد كل قول أو كتابة تصدر عن المتعاقد يعبر بها عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه المؤجل فى الموعد المحدد له. وهذا التصريح لابد أن يكون قطعياً، بأن يعبر عن نية وعزم نهائيين على عدم التنفيذ. وأن يكون واضحاً غير غامض، بأن يدل بصفة يقينية على نيته في عدم التنفيذ، فإذا كان يحمل أكثر من معنى لا يعد إخلالاً. وأن يكون مطلقاً
غير مشروط، بأن لا يعلق عدم تنفيذه التزامه على حصول أمر مستقبل غير مؤكد الحصول [712] .

فإذا صدر عن أحد المتعاقدين تصريح بأنه يواجه صعوبات فى الإعداد للتنفيذ، أو أنه غير راض عن الصفقة، فإن هذا التصريح لا يعد كافياً للقول بوجود إخلال [713] . كذلك لا يعد إخلالاً تعبير المتعاقد عن خشيته وعدم تأكده من أن التنفيذ سوف يتم فى الميعاد المحدد، أو حتى تهديده بعدم التنفيذ، لأنه لا يعد فى هذه الحالة تصريحا قطعياً [714] .

وإذا أرسلت الشركة المشترية إلى البائع تبلغه أنها تصفى أعمالها، فإن ذلك لا يعد إخلالاً لأنه لا يدل بوضوح على نيتها في عدم تنفيذ التزامها أو عجزها عن الدفع [715] . بل إنها قد تكون بهذا التصريح تتعجل قيامه بتنفيذ التزامه.

وإذا وضع المتعاقد شروطاً للاستمرار فى التنفيذ تزيد عما اتفق عليه فى العقد، فإن ذلك يعد إخلالاً [716] . أما مجرد طلب تعديل شرط من شروط العقد فلا يعد إخلالاً، لأنه لا يفيد أنه سوف يمتنع عن التنفيذ إذا لم يستجب المتعاقد الآخر إلى طلبه [717] .

183- ويعد إخلالاً بالعقد كل فعل يصدر عن أحد المتعاقدين يظهر نيته فى عدم تنفيذ التزامه عند حلول أجله. كأن يأتى فعلاً يجعل تنفيذ التزامه عند حلول أجله مستحيلاً، ومثال ذلك أن يتلف المنشآت التى باعها قبل حلول
موعد تسليمها. أو يبرم تصرفاً يتعارض مع عقد البيع الذى أبرمه، ومثال ذلك أن يبيع العين المبيعة مرة ثانية أو يقرر حق رهن عليها، مما يعد إخلالاً منه بالتزامه بنقل ملكيتها إلى المشترى خالصة من أى حق للغير عليها [718] .

وقد لا يصدر عن المتعاقد أى فعل لكن الظروف تدل بوضوح على أن تنفيذ التزامه أصبح بعيد الاحتمال. فإذا تعاقد شخص مع آخر على بيع قطعة أرض له، فلا يعد إخلالاً منه بالعقد أن تكون هذه الأرض فى حيازة ثالث، إذ
أن البائع يتعين عليه أن يكون قادراً على استرداد هذه الحيازة منه لتنفيذ عقد البيع، ولن يتضح ذلك إلا عند حلول ميعاد التنفيذ. أما إذا كانت الأرض فى حيازة جهة حكومية لا تسمح لها القوانين بالتخلى عن حيازتها، فإنه يكون واضحاً عدم قدرة البائع على تنفيذ التزامه [719] .

ولا تعد عدم قدرة المتعاقد على التنفيذ إخلالاً منه بالعقد، مادام أنه لا يمكن الجزم بصورة قاطعة أنها سوف تستمر حتى حلول أجل تنفيذ التزامه، إذ قد تتوافر له هذه القدرة قبل ذلك. فلو تعرض المشترى لأزمة مالية تؤثر على قدرته على تنفيذ التزامه بدفع الثمن عند حلول أجله، فلا يمكن القول بأنه قد أخل بهذا الالتزام، إذ قد يستطيع التغلب على هذه الأزمة وتدبير موارد مالية له قبل حلول أجل تنفيذ التزامه [720] .

184- إفلاس المتعاقد أو إعساره وأثره: وثار الخلاف حول إفلاس المتعاقد أو إعساره وهل يعد إخلالاً منه بالعقد أم لا، لما قد يترتب عليه من عجزه عن تنفيذ التزاماته عند حلول أجلها. وقد اتجهت بعض الأحكام فى القضاء الأمريكى فى البداية إلى اعتبار الإفلاس إخلالاً بالعقد، لكن الرأى الغالب فى الفقه لم يعتبره إخلالاً، استناداً إلى أنه - وإن أوجد احتمالاً أو خشية لعدم التنفيذ - فهو لا يجعله مستحيلاً إذ يحق لوكيل الدائنين تنفيذ التزامه إذا  وجد ذلك فى صالحه [721] .

وقد تضمن قانون البيع الإنجليزى لعام 1979 حكماً يواجه به حالة إعسار المشترى، إذ أجاز للبائع فى هذه الحالة أن يقوم بحبس البضاعة الموجودة فى حيازته وعدم تسليمها للمشترى حتى يستوفى الثمن [722] . أى أنه يعطى البائع الحق فى إيقاف تنفيذ التزامه بالتسليم بسبب عدم التنفيذ المتوقع من جانب المشترى لالتزامه بدفع الثمن. لكن إيقاف التنفيذ فى هذه الحالة هو حق للبائع وحده، وفى حالة واحدة هى حالة إعسار المشترى [723] .

فوفقاً لهذا الحكم الذى أخذ به القانون الإنجليزى يحق للبائع، رغم موافقته على تأجيل دفع الثمن، أن يمتنع عن تسليم البضاعة حتى يستوفى حقه من الثمن كاملا فى حالة إعسار المشترى. لكن الحق المقرر للبائع هنا هو مجرد وقف تنفيذ التزامه حتى ينفذ المشترى التزامه أولاً أو يتضح موقفه من هذا التنفيذ، فلا يجوز له فسخ العقد أو استعمال أى حق من الحقوق المقررة له فى حالة الإخلال بالعقد. ذلك أن إعسار المشترى فى حد ذاته لا يعد إخلالاً  بالعقد، إذ يستطيع الحارس القضائى أن يسدد الثمن ويطالب البائع بتسليم البضاعة. لكن هذا الإعسار يمكن أن يعد إخلالاً إذا صدر عن المشترى ما يؤكد أنه لن يستمر فى تنفيذ العقد، وفى هذه الحالة يستطيع البائع أن يتعامل مع العقد باعتباره قد انقضى فيعيد بيع البضاعة، وإذا لحقت به خسارة من جراء ذلك كان له أن يطالب الحارس القضائى بالتعويض عنها [724] .

وقد واجه القانون التجارى الأمريكى الموحد U.C.C. حالة إفلاس المشترى أيضاً، وأعطى البائع الحق إذا كانت البضاعة لا تزال فى حيازته أن يمتنع عن تسليمها إذا أفلس المشترى إلا فى مقابل سداد كامل الثمن [725] . وإذا كانت البضاعة قد تم تسليمها للمشترى مقابل سداد الثمن على أقساط، فإن البائع يستطيع مع ذلك مطالبة المشترى بإعادتها إليه إذا اكتشف إفلاسه، بشرط أن يتم ذلك بطلب يوجهه إليه خلال عشرة أيام من تاريخ استلامه البضاعة [726] .

بل أجاز القانون التجارى الأمريكى الموحد إذا كانت البضاعة قد تم تسليمها لناقل لتسليمها للمشترى، أن يوقف البائع تسليمها للمشترى إذا اكتشف إفلاسه [727] .

185- اشتراط استطاعة المضرور تنفيذ التزامه: ويجب للقول بوجود إخلال مبتسر بالعقد أن يكون الطرف المضرور نفسه قادراً على تنفيذ التزامه هو، فإذا ثبت قبل الموعد المحدد لدفع الثمن أن المشترى لن يستطيع الدفع
فى هذا الميعاد، فإنه لن يكون قد ارتكب إخلالاً مبتسراً بالعقد إذا كان البائع  هو نفسه غير قادر على تسليم البضاعة [728] . ويرجع ذلك إلى أن الإخلال المبتسر للمشترى فى هذه الحالة لن يؤدى إلى حرمان البائع من منفعة العقد الأساسية بالنسبة له، لأنه إذا كان غير قادر على التنفيذ فلن تكون هناك منفعة للعقد بالنسبة له كى يحرم منها [729] .

186- مواجهة الإخلال المبتسر بالعقد: وإذا تحقق الإخلال المبتسر بالعقد من جانب أحد المتعاقدين، فإن المتعاقد الآخر يستطيع أن يغض الطرف عن هذا الإخلال، ويواصل تنفيذ التزاماته انتظاراً لحلول أجل تنفيذ التزامات الطرف المخالف حتى يتأكد من إن إخلالاً بالعقد سوف يصدر منه فعلاً. لكنه يستطيع قبل حلول هذا الأجل أن يتخذ عدداً من الإجراءات لمواجهة الإخلال المبتسر من جانب المتعاقد الآخر، تتمثل أساساً فى حقه فى إيقاف تنفيذ التزاماته وحقه فى إقامة دعواه فى الحال بالفسخ أو التعويض.

فيحق للطرف المضرور أن يواجه الإخلال المبتسر بالعقد بإيقاف تنفيذ التزاماته حتى ينفذ الطرف الآخر التزاماته. ولا يعد هذا الإيقاف إخلالاً من جانبه بالعقد، وإنما هو فعل مشروع لأنه جاء نتيجة إخلال المتعاقد الآخر [730] . ولا يحق للطرف الذى ارتكب الإخلال المبتسر بالعقد أن يطالب بأى تعويضات عن ذلك، حتى ولو قام بتنفيذ التزاماته بعد ذلك، لأن توقف الطرف المضرور عن تنفيذ التزاماته كان بسبب هذا الإخلال الصادر منه [731] .

ويحق للطرف المضرور أيضاً أن يواجه الإخلال المبتسر بالعقد بإقامة دعواه فى الحال، وقبل حلول أجل تنفيذ الالتزام المتفق عليه فى العقد، بطلب فسخ العقد أو التعويض أو بهما معاً. ولا يكون عليه الانتظار حتى حلول أجل تنفيذ الالتزام لإقامة هذه الدعوى، لذلك قيل بأن الإخلال المبتسر بالعقد يعد سبباً حالاً للدعوى an immediate cause of action [732] .


187- وقف الطرف المضرور تنفيذ التزاماته بسبب عدم الاطمئنان لتنفيذ الطرف الآخر: وقد نظم القانون التجارى الأمريكى الموحد حق المتعاقد فى إيقاف تنفيذ التزاماته، فأجاز له إذا نشأت أسباب معقولة أدت إلى عدم اطمئنانه إلى قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزاماته أن يوجه إلى هذا المتعاقد طلباً كتابياً لتقديم ضمانات كافية مناسبة للتنفيذ المستحق، وحتى يتلقى مثل هذه الضمانات يستطيع إيقاف تنفيذ أى التزام له لم يسبق حصوله على مقابله المتفق عليه إذا كان ذلك مقبولاً من الناحية التجارية [733] .

فيتعلق الأمر هنا بتوقع عدم قدرة المتعاقد على التنفيذ، كأن يوافق البائع على تسليم البضاعة مع تأجيل دفع الثمن، وقبل التسليم تصل إليه معلومات تثير لديه شكوكاً حول قدرة المشترى على دفع الثمن. فلا يمكن فى هذه الحالة إجبار البائع على تنفيذ التزامه بالتسليم والانتظار لكى يرى ما إذا كان المشترى سينفذ التزامه بدفع الثمن أم لا، كما لا يستطيع أيضاً إنهاء العقد والتعاقد مع آخر للحصول على احتياجاته [734] .

لذلك نظم القانون هذا الأمر، وأعطى الطرف المضرور فى هذه الحالة الحق فى طلب تقديم ضمانات إضافية كافية adequate assurance، حتى يطمئن إلى أن التنفيذ سوف يتم كما هو متفق عليه. وله أن يوقف تنفيذ التزاماته حتى يتلقى مثل هذه الضمانات إن كان ذلك مقبولاً تجارياً. ويبرر هذا الحكم بأن حق المتعاقد لا يتمثل فقط فى حصوله على المقابل المتفق عليه، وإنما أيضاً فى اطمئنانه طوال الفترة التى تسبق ميعاد التنفيذ إلى أن التنفيذ سوف يتم ولن يحدث إخلال بالعقد. وإذا كان هذا الإخلال متوقعاً بصورة كبيرة، فإنه يحق له أن يعلم به فى أقرب وقت ممكن حتى يستطيع تقليل الأضرار المترتبة عليه، وهو ما يحقق مصلحة الطرفين [735] .

188- ولم يحدد القانون الأسباب المعقولة التى تؤدى إلى عدم الاطمئنان لتنفيذ المتعاقد لالتزاماته، وترك تقدير ذلك لظروف كل حالة. وقضى بأن تخلف المشترى عن سداد ثمن دفعة من الدفعات المسلمة يعد سبباً معقولاً لعدم اطمئنان البائع لسداده ثمن باقى الدفعات، فله أن يمتنع عن تسليمها حتى يتلقى منه ضمانات كافية. ويمكن أن يعد سبباً لعدم الاطمئنان كذلك تخلف البائع عن تسليم دفعة من الدفعات، فيوقف المشترى دفع الثمن حتى يتلقى ضمانات كافية. لكن لا يعد سبباً معقولاً لعدم الاطمئنان أن يكون العيب المدعى بوجوده فى الدفعة التى تم تسليمها بسيطاً جرى العرف على علاجه بتخفيض الثمن، أو أن يكون السبب المدعى به سبق علاجه من قبل [736] .

ويجب أن يكون طلب تقديم الضمانات الكافية مكتوباً in writing وفقاً لما نصت عليه المادة. وفى قضية Continental Grain Co. v. Mc Farland قضت محكمة أول درجة بتعويض شركة Continental Grain Company عن الأضرار التى لحقتها نتيجة عدم تنفيذ Mc Farland لالتزامه فى عقد البيع. فاستأنف الأخير وأقام استئنافه على أساس أنه كان معذوراً في إخلاله بالعقد، لأنه كانت لديه أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى تنفيذ الشركة لالتزامها، ولم تقم هى بتقديم ضمانات كافية لتنفيذ التزامها. لكن محكمة الاستئناف قضت برفض هذا الدفاع لأنه لم يقدم أى دليل على أنه قام بتوجيه طلب كتابى إلى الشركة لتقديم ضمانات كافية، وبالتالى يكون إخلاله غير مبرر [737] .

وإذا قبل المشترى استلام دفعة من البضاعة رغم ما شابها من عيب، فإن قبوله فى هذه الحالة لا يؤثر فى حقه فى طلب ضمانات كافية إذا كان هذا التسليم المعيب قد أدى إلى عدم اطمئنانه لسلامة الدفعات التى سيتم تسليمها. وكذلك الحال إذا قبل البائع سداد دفعة من الثمن رغم مخالفة المبلغ المدفوع لما تم الاتفاق عليه فى العقد أو التأخر فى دفعة، فإن ذلك لا يحرمه من حقه فى طلب ضمانات كافية لتأكيد التنفيذ المستقبل بالنسبة لباقى دفعات الثمن [738] .

189- وإذا وجه المتعاقد طلباً كتابياً للمتعاقد الآخر لتقديم ضمانات كافية، فإنه يحق له حتى يتلقى مثل هذه الضمانات أن يوقف تنفيذ التزاماته هو، إذ لا يتصور أن يطالب بتنفيذ التزاماته رغم ما ثار لديه من شكوك حول تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته [739] .

ويجب على المتعاقد الذى تلقى طلب تقديم ضمانات كافية، أن يقدم هذه الضمانات خلال فترة معقولة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ استلام الطلب، فإذا لم يقم بذلك اعتبر أنه قد أخل بالعقد [740] .

وتقدير كفاية الضمانات المقدمة يعد من مسائل الواقع التى يرجع فيها إلى كل حالة على حده [741] . إذ أن القانون لم يحدد ما الذى يمكن أن يعد ضماناً كافياً، كما لم يحدد من قبل الأسباب المعقولة لعدم الاطمئنان، فيكون تقدير ذلك وفقاً لظروف كل حالة وللأعراف التجارية السارية فى هذا الشأن [742] .

وقد يتوقف تقدير هذه الضمانات على شخصية المتعاقد الذى يعرضها وسمعته التجارية، والتى قد تضفى ثقة على ما يقرره بشأن تنفيذه لالتزامه. وقد يدخل فى هذا التقدير طبيعة البضاعة نفسها، فالبائع الذى يسلم بضاعة صالحة للاستعمال مع وجود عيوب بسيطة بها يمكن أن يقبل تعهده بأنه سوف يصلح هذه العيوب فى الدفعات التالية. لكن البضاعة إذا كانت
غير صالحة للاستعمال فى الغرض المتفق عليه فى العقد، فإنه لن يقبل من البائع مجرد استبدال البضاعة أو إصلاحها، إذ لن يعد ذلك ضماناً كافياً لرفع أسباب عدم اطمئنان المشترى إلى طبيعة البضاعة التى سوف يتم تسليمها فى الدفعات التالية [743] .

190- مواجهة الإخلال المبتسر فى القانون التجارى الأمريكى الموحد: وقد نظم القانون التجارى الأمريكى الموحد فى حكم آخر الآثار التى تترتب على الإخلال المبتسر بالعقد بصورة أكثر شمولاً، فنص على أنه إذا أخل أحد المتعاقدين بالتزامه الذى لم يحل أجله بعد، يستطيع المتعاقد الآخر أن يواجه هذا الإخلال بسبب الخسارة التى سوف تحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد بالنسبة له، إما بالانتظار الفترة المعقولة تجارياً لكى ينفذ الطرف المخالف التزامه، أو باللجوء إلى أى وسيلة من وسائل علاج الإخلال والمنصوص عليها فى هذا القانون ومنها طلب التعويض أو التنفيذ العينى أو الفسخ، حتى ولو
كان قد أخطر الطرف المخالف بأنه سوف ينتظر تنفيذه التزامه. ويحق له فى جميع الأحوال وقف تنفيذ التزاماته [744] .

وقد قصد بهذا النص حماية الطرف المضرور من الإخلال بتنفيذ التزام لم يحل أجله بعد، إذا كان عدم التنفيذ سوف يحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد بالنسبة له [745] . فأجاز له استخدام كافة الوسائل المقررة فى حالة الإخلال بالتزام حل أجله فعلاً، ومنها طلب الفسخ والتعويض، بالإضافة إلى حقه فى وقف تنفيذ التزاماته.

وإذا كان وقف المتعاقد تنفيذ التزاماته هنا يماثل وقف التنفيذ فى حالة توافر أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته، والسابق الإشارة إليه. إلا أنهما يختلفان فى أن وقف التنفيذ هنا هو لمواجهة إخلال قد حدث فعلاً بالعقد وإن كان مبتسراً، ويقصد به مواجهة افتراض أن التنفيذ بعد ذلك لن يكون مقبولاً. أما وقف التنفيذ فى
الحالة السابقة فلا يواجه إخلالاً، وإنما مجرد عدم الاطمئنان إلى التنفيذ المستقبل، وقصد به إعطاء المتعاقد الآخر فرصة لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [746] .

ولم يعرف القانون الأمريكى المقصود بالإخلال المبتسر بالعقد فى هذه المادة، إلا أنه فى التعليق عليها أعيد التأكيد على ذات التعريف الذى أخذ به بصفة عامة للإخلال المبتسر، والسابق الإشارة إليه، وهو أنه تصريح المتعاقد أو تصرفه بما يجعل تنفيذ التزامه عند حلول أجله مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم الاستمرار فى التنفيذ [747] .

191- العدول عن الإخلال بالعقد: ورغبة فى الحفاظ على العقد، أجاز القانون الأمريكى للطرف المخالف العدول عن الإخلال فى أى وقت قبل حلول أجل تنفيذ التزامه، فيعود الطرفان إلى الحالة التى كانا عليها قبل حدوث هذا الإخلال. لكن العدول لا يحدث أثره إذا كان الطرف المضرور قد فسخ العقد، أو تغير موقفه بصورة أساسية بما لا يسمح بعودته إلى العقد مرة
أخرى، كأن يكون قد أعاد بيع البضاعة المتعاقد عليها أو تعاقد مع آخر لتدبير احتياجاته التى كان قد تعاقد من أجلها، وكذلك إذا أعلن بأى صورة عن قصده اعتبار هذه الإخلال نهائياً [748] .

ويكون العدول عن الإخلال، فى الحالات التى يسمح فيها بذلك، بأى طريقة تدل صراحةً على أن الطرف المخالف ينوى تنفيذ التزامه المتفق عليه في العقد، لكن يجب أن يشمل ذلك تقديم أى ضمان يكون الطرف المضرور قد طلبه لقبول هذا العدول [749] .

192- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن مبدأ الإخلال المبتسر بالعقد يجد أصله فى النظام القانونى الأنجلو أمريكى، إذ عرفه القضاء الإنجليزى منذ زمن بعيد فصدر أول حكم تطبيقاً لهذا المبدأ عام 1852، واستقر فى الفقه القضاء بعد ذلك أنه يتحقق بكل فعل أو تصريح يصدر عن المتعاقد ويجعل تنفيذ التزامه الذى لم يحل أجله بعد مستحيلاً أو يشير إلى تصميمه على عدم الاستمرار فى هذا التنفيذ. ويترتب على الإخلال المبتسر بالعقد إعطاء الطرف المضرور الحق فى إقامة دعواه فى الحال، وقبل حلول أجل تنفيذ الالتزام، سواء بطلب فسخ العقد أو التعويض. وكذا الحق فى وقف تنفيذ التزاماته حتى يتضح له موقف المتعاقد الآخر من التنفيذ.

وقد تضمن القانون الإنجليزى حكماً واحداً، ضمنه قانون البيع الصادر عام 1979، يواجه به حالة إعسار المشترى والتى قد تؤدى إلى إثارة الشكوك حول قدرة المشترى على تنفيذ التزاماته فأجاز للبائع فى هذه الحالة إيقاف تنفيذ التزامه بالتسليم حتى يستوفى الثمن. لكنه لم يعتبر هذا الإعسار فى حد ذاته إخلالاً بالعقد، إلا إذا صدر ما يؤكد أن العقد لن يتم تنفيذه.

أما القانون التجارى الأمريكى الموحد فقد تضمن حكماً مماثلاً لقانون البيع الإنجليزى فيما يتعلق بإعسار المشترى. وتضمن بالإضافة إلى ذلك حكماً نظم به حق المتعاقد فى إيقاف تنفيذ التزاماته إذا نشأت أسباب معقولة أدت إلى عدم اطمئنانه لقيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزاماته، فأعطى له الحق فى ذلك حتى يتلقى ضمانات كافية تؤكد تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته.

وتضمن القانون التجارى الأمريكى الموحد أيضاً حكماً نظم به بصورة شاملة آثار الإخلال المبتسر بالعقد، فأجاز فى حالة إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه الذى لم يحل أجله بعد، أن يواجه المتعاقد الآخر هذا الإخلال بوقف تنفيذ التزاماته أو باللجوء إلى أى وسيلة من وسائل علاج الإخلال التى نص عليها القانون ومنها طلب التعويض أو التنفيذ العينى أو الفسخ.

فأقر بذلك الآثار التى رتبها الفقه والقضاء من قبل على الإخلال المبتسر بالعقد. لكنه مع ذلك شجع الحفاظ على العقد بإجازة العدول عن هذا الإخلال، بشرط أن يتم ذلك قبل حلول أجل تنفيذ الالتزام، وألا يكون قد اتخذ أى إجراء يحول دون الرجوع إلى العقد مرة أخرى.


الفرع الثانى

الإخلال المبتسر
فى القانون المصرى

193- إذا كان نظام الفسخ المبتسر قد تقرر لمواجهة ما قد يظهر من إخلال متوقع من المتعاقد لالتزام لم يحل أجله بعد، فإن القانون المصرى - رغم أنه لا يعرف هذا النظام - لم يقف ساكناً إزاء ما يصدر من أفعال أو يقع من أحداث تنبئ عن أن المتعاقد لا يرغب فى تنفيذ التزامه أو لن يتمكن من ذلك.

فقد تضمن القانون المدنى المصرى، وكذا قانون التجارة المصرى الجديد، حالات يمكن أن تقترب من فكرة الإخلال المبتسر بالعقد التى عرفها القانون الأنجلو أمريكى، وإن كان هذا الاصطلاح - وهو الإخلال المبتسر بالعقد - لم يعرفه الفقه ولا القضاء فى مصر.

194- حالات الإعفاء من توجيه الإعذار: فإذا كان الأصل أن الدائن لا يستطيع مطالبة مدينه بتنفيذ التزامه جبراً عنه، تنفيذاً عينياً أو تنفيذاً بمقابل، إلا إذا وجه إليه إعذاراً يطالبه فيه رسمياً بتنفيذ التزامه [750] . فإنه يعفى مع
ذلك من توجيه هذا الإعذار إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعل المدين، أو إذا صرح المدين كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه [751] .

وتعد هذه الحالات من قبيل الإخلال المبتسر بالالتزام، فإذا أتى المتعاقد فعلاً يجعل تنفيذ التزامه مستحيلاً عند حلول أجله، كأن يتلف البائع الشىء المبيع عمداً أو يبيعه ثانية بيعاً نافذاً فى حق المشترى الأول، فإن الإخلال بالالتزام يتحقق فى هذه الحالة رغم عدم حلول أجله، إذ يصبح واضحاً أن البائع لن يتمكن من تنفيذ التزامه بنقل الملكية وتسليم المبيع إذا حل الأجل
المتفق عليه. ويتحقق ذلك أيضاً إذا صرح المدين كتابة قبل حلول ميعاد تنفيذ الالتزام أنه لا يرغب فى تنفيذه عندما يحل أجله [752] .

وقد واجه القانون المصرى هذا الإخلال المبتسر بتقرير حق الدائن في هذه الحالة فى إقامة دعواه دون حاجة إلى توجيه إعذار للمدين بوجوب تنفيذ التزامه، لأن الإعذار لا يعد وأن يكون مطالبة المدين بتنفيذ التزامه، فمن ثم
لا يكون له محل إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعله.

أما إذا صرح كتابة أنه لا يريد تنفيذ التزامه، فإنه أظهر بذلك إصراره على الإخلال بالتزامه، فلا تجدى مطالبته عن طريق الإعذار بتنفيذه [753] .

لكن القانون المصرى لم يسلم إلا بهذه النتيجة، وهى إعفاء الدائن من توجيه الإعذار، فيظل ملتزماً مع ذلك بإقامة دعواه بمطالبة المدين بتنفيذ التزامه عندما يحل أجل تنفيذ هذا الالتزام، دون أن يكون له الحق فى إقامة دعواه قبل ذلك.

- حالات سقوط أجل تنفيذ الالتزام:

195- ويقترب من فكرة الإخلال المبتسر بالعقد ما أخذ به القانون المصرى من سقوط أجل تنفيذ الالتزام فى حالات معينة، تجمعها فكرة عدم اطمئنان الدائن إلى تنفيذ المدين لالتزامه عند حلول أجله. فإذا توافرت حالة من هذه الحالات جاز للدائن إقامة دعواه بالمطالبة بتنفيذ الالتزام فى الحال دون انتظار حلول الأجل المتفق عليه، إذ ما دام قد سقط هذا الأجل فإن الالتزام يصبح مستحق الأداء يحق المطالبة به فوراً.

وحدد القانون المصرى الحالات التى يسقط فيها الأجل بأنها: إذا شهر إفلاس المدين أو إعساره وفقاً لنصوص القانون، وإذا أضعف المدين بفعله إلى حد كبير ما أعطى الدائن من تأمين خاص، وإذا لم يقدم المدين للدائن ما وعد فى العقد بتقديمه من التأمينات [754] .

والأجل الذى يسقط هنا هو الأجل الواقف [755] ، والذى يُعرف بأنه أمر مستقبل محقق الوقوع يترتب على حلوله نفاذ الالتزام المقترن به [756] . إذ هو يقف الالتزام عن أن ينفذ وعن أن يصبح مستحق الأداء إلى حين انقضاء الأجل [757] .

196-  1  إشهار إفلاس المدين أو إعساره: فيسقط الأجل بشهر إفلاس المدين أو إعساره، ويتعلق هذا الحكم بالمدين تاجراً كان أو غير تاجر، فإذا كان تاجراً أشهر إفلاسه وإذا كان غير تاجر أشهر إعساره [758] . ويشهر 1إفلاس المدين إذا كان تاجراً وتوقف عن دفع ديونه التجارية إثر اضطراب أعماله المالية [759] ، ويشهر إعسار المدين غير التاجر إذا كانت أمواله لا تكفى لوفاء ديونه المستحقة الأداء [760] .

وقد تضمن قانون التجارة الجديد حكماً مماثلاً فى حالة إشهار الإفلاس، إذ قضى بأن الحكم بشهر الإفلاس يسقط آجال جميع الديون النقدية التى على المفلس سواء أكانت عادية أم مضمونة بامتياز عام أو خاص [761] .

ويشترط لسقوط آجال الديون، سواء فى الإفلاس أو الإعسار، صدور حكم بشهر الإفلاس أو الإعسار، فلا يترتب هذا السقوط على الإفلاس أو الإعسار الفعلى [762] .

وتسقط آجال الديون التى على المفلس سواء أكانت مدنية أم تجارية، وسواء أكانت ديوناً عادية أم مضمونة برهن أو اختصاص أو امتياز. وتسقط بشهر الإفلاس جميع الآجال سواء أكانت اتفاقية أم قضائية أم قانونية [763] .

197-  2  إضعاف تأمينات الدين: ويسقط الآجل بإضعاف المدين التأمينات التى أعطاها للدائن. ويشترط فى هذه الحالة أن يكون للدين المؤجل تأمين خاص كرهن أو امتياز، فلا يكفى إضعاف المدين الضمان العام للدائنين - والذى يتناول أمواله في جملتها - بأن يتصرف فى جزء منه، ولو أدى ذلك إلى عدم كفاية أمواله لوفاء ديونه. إذ أن مواجهة ذلك تكون بأن يطلب الدائن شهر إعسار المدين، فإذا شهر إعساره سقط الأجل، لكن الأجل يسقط هنا بسبب شهر الإعسار لا بسبب إضعاف التأمينات [764] .

ويقصد بإضعاف التأمين أن يصبح أقل من قيمة الدين المضمون به، فلا يعتد بالضعف اليسير الذى يبقى التأمين رغم حصوله كافياً للوفاء بالدين [765] . وقد عبر النص عن ذلك بقوله إن التأمين الخاص لابد أن يضعف إلى حد كبير.

وإذا ضعف التأمين الخاص للدين فإن هذا الإضعاف إما أن يكون قد حدث بفعل المدين، وفى هذه الحالة يسقط الأجل إلا إذا اختار الدائن المطالبة بتكملة الدين. وإما أن يكون إضعاف التأمين لسبب لا دخل لإرادة المدين فيه، فيسقط الأجل أيضاً ما لم يقدم المدين للدائن ضماناً كافياً [766] . وعلى ذلك فإن التزام المدين فى الحالة الأولى هو التزام تخييرى، الخيار فيه للدائن، الذى له أن يطالب بالدين فوراً لسقوط الأجل أو أن يطالب بتكملة التأمين، أما في الحالة الثانية فإن التزامه هو التزام تخييرى، الخيار فيه للمدين، إما أن يسلم بسقوط الأجل وإما أن يختار تقديم تأمين كاف [767] .

198-  3  عدم تقديم التأمينات المتفق عليها: ويسقط الأجل إذا لم يقدم المدين ما وعد بتقديمه من تأمينات، فيعد سقوط الأجل هنا جزاءً لإخلال المدين بالتزامه، فيحق للدائن اقتضاء حقه على الفور لأنه أصبح بسقوط الأجل مستحق الأداء [768] .

 ويستوى فى سقوط الأجل فى هذه الحالة أن يكون التأمين الخاص موعوداً به فى العقد، أو واجباً بنص فى القانون [769] . كما هو الحال فيما أجازه القانون للدائن من المطالبة بتأمين إذا خشى إفلاس المدين أو إعساره واستند فى ذلك إلى سبب معقول [770] .

ونلاحظ أن هذا الحكم الأخير يقترب من الحكم فى القانون التجارى الأمريكى الموحد، والذى أجاز للمتعاقد إذا نشأت أسباب معقولة لعدم الاطمئنان إلى قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه أن يطلب منه كتابة تقديم ضمانات كافية مناسبة للتنفيذ [771] . لكنهما يختلفان فى أن القانون المصرى قد قصر حكمه على حالة الخشية من إفلاس المدين أو إعساره وحدها، ولم يرتب على هذه الخشية سوى حق الدائن فى طلب تأمين خاص يكفى لإزالة أسبابها. أما القانون الأمريكى فقد وسع حكمه ليشمل جميع الحالات التى تؤدى إلى عدم الاطمئنان لتنفيذ المتعاقد لأى التزام من التزاماته، وأعطى الطرف المضرور بالإضافة إلى حقه فى طلب ضمانات كافية الحق فى وقف تنفيذ التزاماته حتى تقدم إليه هذه الضمانات.

199- أثر سقوط أجل تنفيذ الالتزام: ويترتب على سقوط الأجل فى الحالات سالفة البيان أن يصبح التزام المدين نافذاً، يستطيع الدائن أن يقتضيه منه اختياراً أو ينفذه جبراً عنه [772] . لكنه ليس ملزماً بذلك، إذ له أن يتربص ويطالب المدين فى أى وقت يختاره بعد ذلك [773] .

وتقترب هذه الحالات من الإخلال المبتسر بالعقد، إذ أن إشهار إفلاس المدين أو إعساره - وإن كان لا يعد فى حد ذاته إخلالاً بالعقد - يؤدى إلى توقع عدم تمكن المدين من تنفيذ التزامه عند حلول أجله، خاصة أن منح الأجل يعتمد فى الغالب على الثقة فى قدرة المدين المالية. أما إضعاف المدين للتأمين الخاص الذى قدمه، أو عدم تقديمه ما وعد بتقديمه من تأمينات فيعد إخلالاً منه بالعقد، وهو إخلال حدث قبل حلول أجل تنفيذه.

وقد يترتب على توافر حالة من الحالات سالفة البيان أن يطالب الدائن بفسخ العقد، وذلك إذا لم ينفذ المدين التزامه اختياراً أو جبراً بعد سقوط أجله، ويعد الفسخ هنا قريباً من الفسخ المبتسر للعقد، لأن أجل الالتزام الذى كان قد تم الاتفاق عليه لم يحل بعد.

- الفسخ المبتسر فى قانون التجارة المصرى الجديد:

200- وإذا كانت فكرة الإخلال المبتسر بالعقد تعنى تمكين المتعاقد من التخلص من العقد إذا قامت لديه شكوك قوية تبرر اعتقاده بأن المتعاقد الآخر سوف لا ينفذ ما يفرضه عليه العقد من التزامات، فإنه قد يعد من قبيل هذا الإخلال ما نص عليه قانون التجارة المصرى الجديد من أنه إذا اتفق على تسليم المبيع على دفعات جاز للمشترى أن يطلب الفسخ إذا لم يقم البائع بتسليم إحدى الدفعات فى الميعاد المتفق عليه، ولا يسرى الفسخ على الدفعات التى تم تسليمها إلا إذا ترتب على تبعيض المبيع ضرر جسيم للمشترى [774] .

فالفسخ فى عقود البيع على دفعات يشمل الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها والدفعات المستقبلة، لكنه لا يشمل الدفعات التى تم تسليمها. ويعد الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة فسخاً مبتسراً لأن الإخلال بشأنها لم يحدث بعد لكن الإخلال الذى حدث بشأن الدفعة المسلمة يرجح حدوث الإخلال بالنسبة لما بعدها من دفعات.

ونص قانون التجارة المصرى الجديد على هذه الفكرة بصورة أكثر وضوحاً فيما يتعلق بعقود التوريد، فقضى بأنه إذا تخلف أحد الطرفين عن تنفيذ التزاماته بشأن أحد التوريدات الدورية فلا يجوز للطرف الآخر فسخ العقد إلا إذا كان من شأن التخلف عن التنفيذ إحداث ضرر جسيم له أو إضعاف الثقة فى مقدرة الطرف الذى تخلف عن التنفيذ على الاستمرار فى تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة [775] .

فالفسخ فى عقود التوريد ينصب على الدفعة التى تخلف المتعاقد عن توريدها والتوريدات اللاحقة بشرط أن يكون من شأن التخلف عن التنفيذ الذى حدث إحداث ضر جسيم له أو إضعاف الثقة فى مقدرته على الاستمرار في تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة.

وتقترب فكرة إضعاف الثقة فى مقدرة المتعاقد على الاستمرار فى التنفيذ من فكرة عدم الاطمئنان إلى قيام أحد المتعاقدين تنفيذ التزاماته والتى رتب عليها القانون التجارى الأمريكى الموحد حق المتعاقد الآخر فى طلب ضمانات كافية للتنفيذ ووقف تنفيذ التزاماته حتى تقدم هذه الضمانات [776] . وقد اعتبر من أسباب عدم الاطمئنان تخلف البائع عن تسليم دفعة من الدفعات، وكذا تخلف المشترى عن سداد ثمن دفعة من الدفعات المسلمة [777] .

فالفسخ فى قانون التجارة المصرى بالنسبة للتوريدات اللاحقة يُعد بلا شك فسخاً مبتسراً، لأنه لم يحدث إخلال بشأنها، وإنما حدث الإخلال بشأن أحد التوريدات وترتب على هذا الإخلال إضعاف الثقة فى مقدرة الطرف المخل على الاستمرار فى تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة، فهو إخلال مبتسر بالنسبة لها لما يحدث بعد.


201- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اصطلاح الإخلال المبتسر بالعقد لم يعرفه الفقه ولا القضاء فى مصر، لكن القانون المصرى تضمن بعض الأحكام التى تقترب من هذه الفكرة. وهى حالات الإعفاء من توجيه الإعذار، والتى يستطيع الدائن إذا توافرت إحداها أن يقيم دعواه فى الحال دون حاجة إلى توجيه إعذار. وكذلك حالات سقوط أجل الالتزام، والتى إذا توافرت يحق للدائن مطالبة المدين بتنفيذ التزامه فى الحال دون انتظار حلول الأجل المتفق عليه.

أضف إلى ذلك ما نص عليه قانون التجارة المصرى الجديد من إجازة الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة فى عقد البيع على دفعات، أو بالنسبة للتوريدات اللاحقة فى عقد التوريد، والتى لم يحدث بشأنها أى إخلال وإنما حدث الإخلال بالنسبة لدفعات أو توريدات سابقة، فيعد الإخلال بشأنها مبتسراً.

لكن القانون المصرى رغم ذلك لم يتضمن نظرية متكاملة للإخلال المبتسر بالعقد، على خلاف القانون الأنجلو أمريكى الذى عرف هذه النظرية منذ زمن بعيد.


الفرع الثالث

الفسخ المبتسر فى اتفاقية فيينا

202- تمهيد: واجهت اتفاقية فيينا الإخلال المبتسر بالعقد، وهو الإخلال الذى يظهر قبل حلول أجل تنفيذ الالتزام، بتقرير حق الطرف المضرور فى وقف تنفيذ التزاماته إذا كان هذا الإخلال سوف يترتب عليه عدم تنفيذ الطرف المخالف لجانب هام من التزاماته. وأتاحت فى نفس الوقت للطرف المضرور استئناف التنفيذ إذا قدم الطرف المخالف ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [778] .

لكن الإخلال المتوقع قد يصل إلى درجة كبيرة من الأهمية بحيث لا يكفى لمواجهته مجرد وقف الطرف المضرور تنفيذ التزاماته، كما قد يوقف الأخير التزاماته ولا يقدم الطرف المخالف ضمانات كافية تؤكد عزمه على التنفيذ. فكان لابد من إجراء حاسم لمواجهة الإخلال المبتسر فى هذه الحالة.

ووجدت الاتفاقية الإجراء المناسب لمواجهة هذا الإخلال هو إجازة إعلان الفسخ المبتسر للعقد. إذ أن الإبقاء على العقد رغم توقع حدوث إخلال به يفقد بسببه المتعاقد كل منفعة له فيه، يُعد أمراً غير مرغوب فيه.

لكن الاتفاقية لم تترك حق الفسخ المبتسر فى هذه الحالة طليقاً من كل قيد، وإنما وضعت شروطاً قيدت بها استعماله. حتى لا يصبح مجرد الشك فى ارتكاب المتعاقد لأى مخالفة ذريعة يتذرع بها المتعاقد الآخر للتخلص من العقد وإعلان فسخه.

وعلى ذلك نتكلم فى مبحث أول عن شروط الفسخ المبتسر فى اتفاقية فيينا، وفى مبحث ثان عن تقدير نظام الفسخ المبتسر.


المبحث الأول

شروط الفسخ المبتسر

203- تقسيم: أخذت اتفاقية فيينا بفكرة الفسخ المبتسر للعقد، وهو فسخ العقد لإخلال صدر من المتعاقد بخصوص تنفيذ التزام لم يحل أجله بعد. ووضعت شروطاً للفسخ فى هذه الحالة، فنصت على أنه إذا تبين بوضوح قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد أن أحد الطرفين سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد جاز للطرف الآخر أن يفسخ العقد. وألزمت الطرف الذى يريد الفسخ إذا كان الوقت يسمح له بذلك - أن يوجه إخطاراً إلى الطرف الآخر بشروط معقولة تتيح له تقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته. وأعفته من هذا الإخطار إذا أعلن الطرف الآخر أنه سوف لا ينفذ التزاماته [779] .

ونستخلص من هذا النص أن الشروط التى تتطلبها اتفاقية فيينا للفسخ المبتسر للعقد تتمثل أولاً فى توقع ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد، وثانياً فى إخطار المتعاقد الآخر بالعزم على الفسخ. ونتكلم عن هذين الشرطين تباعاً.


المطلب الأول

المخالفة الجوهرية المتوقعة

204- اشترطت اتفاقية فيينا لإعلان الفسخ المبتسر للعقد أن يظهر بوضوح أن مخالفة جوهرية سوف ترتكب، فسارت بذلك على نفس النهج الذى اتبعته من قبل وهو اشتراط ارتكاب مخالفة جوهرية لإعطاء الطرف المضرور الحق فى إعلان فسخ العقد [780] . لكن الجديد هنا أن المخالفة الجوهرية لم ترتكب بعد وإنما ظهر بوضوح أنها سوف ترتكب.

- المخالفة الجوهرية المتوقعة فى اتفاقية لاهاى: وقد نقلت اتفاقية فيينا هذا الحكم من اتفاقية لاهاى [781] ، والتى كانت قد أوردته بذات الألفاظ، فنصت على أنه إذا تبين قبل حلول الميعاد المعين للتنفيذ أن أحد المتعاقدين سوف يرتكب مخالفة جوهرية لشروط العقد، جاز للمتعاقد الآخر أن يعلن الفسخ [782] .

ويؤخذ من هذا النص أن اتفاقية لاهاى كانت قد اشترطت لإعلان الفسخ المبتسر للعقد أمرين: وجود قرائن قوية تشير إلى ترجيح احتمال التخلف عن التنفيذ، وأن هذا التخلف سوف تنشأ عنه مخالفة جوهرية في مفهوم الاتفاقية [783] .

وذكرت اتفاقية لاهاى بالإضافة إلى هذا المبدأ العام تطبيقات له بخصوص التزامات المتعاقدين. فأجازت للمشترى استخدام الجزاءات التى قررتها له فى حالة عدم المطابقة - ومنها فسخ العقد - حتى قبل الميعاد المعين للتسليم، إذا ظهر أن البضاعة التى سيتم تسليمها غير مطابقة لما اتفق عليه فى العقد [784] . كما طبقته إذا أخل المشترى بالتزامه بتسلم البضاعة وأدى ذلك إلى قيام قرائن قوية لدى البائع بأنه لن يدفع الثمن [785] . وفى حالة البيع مع التسليم على دفعات، فأجازت للمتعاقد فسخ العقد إذا تخلف المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزاماته بشأن إحدى الدفعات وأدى ذلك إلى توافر أسباب قوية للاعتقاد بتخلفه عن تنفيذ الدفعات المستقبلة [786] .

ويرجع هذا التكرار إلى الخطة التى اتبعتها اتفاقية لاهاى فى بيان الجزاءات الخاصة بكل التزام على حده بعد ذكر الأحكام الخاصة بهذا الالتزام [787] . على خلاف اتفاقية فيينا التى اقتصرت فيما يتعلق بالفسخ المبتسر على ذلك المبدأ العام فقط.

205- المخالفة الجوهرية المتوقعة فى قواعد الـ Unidroit: وقد تضمنت قواعد الـUnidroit حكماً مماثلاً، إذ أجازت للمتعاقد فسخ العقد إذا ظهر بوضوح قبل حلول أجل تنفيذه أنه سوف يحدث إخلال جوهرى بالعقد من جانب المتعاقد الآخر [788] .

فاشترطت للفسخ المبتسر للعقد أن يظهر بوضوح أن إخلالاً جوهرياً  بالعقد سوف يرتكب. فلا يكفى مجرد الشك فى وقوع إخلال، حتى ولو كان قائماً على أساس. وذكر التعليق على هذه المادة مثالاً للإخلال المبتسر الذى يجيز الفسخ وهو عندما يعلن المتعاقد أنه لن ينفذ التزامه. وذكر مثالاً  آخر للإخلال الذى تدل عليه الظروف وهو إذا تم الاتفاق على توريد البضاعة فى تاريخ معين وتأخر شحنها بحيث ترجح عدم إمكان وصولها إلى المكان المحدد للتسليم فى الميعاد المتفق عليه، وكان هذا الميعاد عنصراً  جوهرياً فى العقد [789] .

206- المخالفة الجوهرية المتوقعة فى اتفاقية فيينا: ولم تخالف اتفاقية فيينا هذه الأحكام، فاشترطت لإعلان الفسخ المبتسر للعقد أن يصل الإخلال المتوقع إلى درجة المخالفة الجوهرية، ولا يكفى أن يتعلق الأمر بعدم تنفيذ جانب هام من التزامات المتعاقد، وهو ما اكتفت به لإعطاء الطرف المضرور الحق فى وقف تنفيذ التزاماته [790] . لكن عدم التنفيذ المتوقع لجانب هام من التزامات المتعاقد قد يصل إلى درجة كبيرة بحيث يشكل مخالفة جوهرية للعقد، وفى هذه الحالة يكون الطرف المضرور بالخيار بين وقف تنفيذ التزاماته أو فسخ العقد [791] .

وتوقع حدوث مخالفة جوهرية للعقد يجب أن يتوافر فيه قدر كبير من اليقين [792] ، عبر عنه النص بعبارة "إذ تبين بوضوح" [793] . وهى عبارة تشير إلى ضرورة توافر درجة عالية من الوضوح يرتفع معها الشك إلى ما يقرب من اليقين [794] . بحيث يمكن القول أن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه أو عجزه عن تنفيذها قد أصبح أمراً مؤكداً. فإذا وجد شك فى ذلك لن يستطيع المتعاقد سوى أن يوقف تنفيذ التزاماته إذا توافرت الشروط اللازمة لذلك [795] ، أو الانتظار حتى يتوافر لديه اليقين بأن مخالفة جوهرية سوف ترتكب [796] .

207- حالات توقع ارتكاب مخالفة جوهرية: ولم تذكر الاتفاقية الحالات التى يمكن أن يظهر منها بوضوح أن المتعاقد الآخر سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد، وذلك على خلاف ما نصت عليه بخصوص وقف التنفيذ حيث عددت الحالات التى يمكن أن يتبين منها أن المتعاقد سوف لا ينفذ جانباً هاماً  من التزاماته، وهى وقوع عجز خطير فى قدرته على التنفيذ أو إعساره أو بسبب الطريقة التى يعدها لتنفيذ التزاماته أو التى يتبعها فى التنفيذ [797] . لكن هذه الحالات يمكن أن تصلح أيضاً لتبرير الفسخ المبتسر إذا ظهر منها بوضوح أن المتعاقد الذى تعرض لها سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد [798] .

ويقصد بوقوع عجز خطير فى قدرة المتعاقد على التنفيذ وجود دلائل قوية على أن هذا المتعاقد لن يتمكن من تنفيذ التزاماته، ويتحقق ذلك بصفة أساسية بالنسبة للبائع، وقد يرجع إلى ظروفه خاصة به كحدوث خلاف بينه وبين المورد الأساسى له والذى يعتمد عليه فى الحصول على منتجاته مما يرجح عدم قيامه بالتوريد إليه [799] . وكذلك حدوث خلاف بينه وبين شركائه يؤدى إلى اختلال سير العمل فى مصانعه، أو حدوث حريق بمصانعه أو إضراب عماله [800] . ويتحقق أيضاً بكل ما من شأنه أن يقطع بأن المتعاقد لن يتمكن من تنفيذ التزاماته.

ولا يشترط أن ترجع أسباب العجز فى القدرة على التنفيذ إلى خطأ  المتعاقد، أو أن تتوافر المسئولية عنه قبل شخص بعينه. إذ قد ترجع هذه الأسباب إلى ظروف عامة لا قبل لأحد إلى دفعها [801] ، كحدوث إضراب عام فى دولة البائع توقف على إثره الإنتاج، أو حالة حرب، أو صدور قانون يحظر تصدير السلعة موضوع عقد البيع [802] .

أما إعسار المتعاقد أو انهيار ائتمانه فيتحقق على وجه الخصوص بالنسبة للمشترى [803] ، ويظهر فى حالة وجود مشاكل مالية معه تؤدى إلى امتناع المصارف عن فتح اعتمادات له أو إصدار خطابات ضمان لكفالته [804] . كما يظهر إذا كان المشترى هو المكلف بتنفيذ التزامه أولاً بدفع الثمن أو فتح الاعتماد اللازم لذلك، ولم يقم بالبدء فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك فى الوقت المناسب [805] . وكذلك تكرار تأخره فى السداد لذات البائع أو للغير بما يكشف عن خلل فى موارده المالية [806] .

ويمكن أن يتحقق انهيار الائتمان أيضاً بالنسبة للبائع، وذلك إذا وجد نفسه غير قادر على تدبير الموارد المالية اللازمة لتصنيع البضاعة موضوع عقد البيع [807] . وقد يظهر ذلك واضحاً، سواء بالنسبة للبائع أو المشترى، إذا أشهر إفلاس أى واحد منهما [808] . فإذا صدر حكم بذلك وبدأت الإجراءات القانونية لتنفيذه، أصبح واضحاً أن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب [809] .

ومن الحالات التى ترجح أن المتعاقد سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد وجود خلل فى الطريقة التى يعدها لتنفيذ التزاماته أو التى يتبعها فعلاً في التنفيذ. ويحدث ذلك إذا تأكد المشترى أن هناك عيوباً خفية فى البضاعة التى ينتجها البائع والتى تعاقد على شراء مثلها، وتكرر ظهور ذلك فى عقود عديدة مع آخرين، مما يدفعه إلى ترجيح أن البضاعة التى ستسلم له ستكون مصابة بذات العيب [810] .

وكذلك إذا تأكد المشترى أن المواد الأولية التى اشتراها البائع لتصنيع البضاعة موضوع عقد البيع من نوع مختلف عن النوع المتفق عليه فى العقد وأقل جودة منه، أو أن يتحقق المشترى من ذلك بصدور قانون فى دولة البائع يحظر استيراد هذه المادة الأولية المتفق عليها مما يكشف عن أن البائع سوف يضطر إلى استخدام مادة أخرى أقل جودة [811] .

ويعد من الحالات التى ترجح أن المتعاقد سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد قيامه بتوجيه إعلان للمتعاقد الآخر بأنه لن ينفذ التزامه [812] . فيحق للمتعاقد الذى وجه إليه هذا الإعلان أن يفسخ العقد فى الحال، حتى ولو كان من المحتمل عدول المتعاقد الذى وجهه عن رأيه عند حلول ميعاد التنفيذ. لكن الطرف المخالف إذا عدل عن رأيه وقام بتنفيذ العقد قبل إعلان الفسخ، فإن الطرف المضرور يكون ملزماً بالاستجابة له وقبول هذا التنفيذ [813] .

ويعد من هذه الحالات أيضاً قيام البائع ببيع البضاعة التى تعاقد على توريدها للمشترى إلى مشتر آخر بسبب خلاف مع المشترى الأول أو لعرض المشترى الثانى ثمن أعلى. وكذلك قيام البائع بتصفية منشآته قبل تنفيذ العقد [814] .

208- أثر العائق على المخالفة الجوهرية المتوقعة: والظروف التى يتعرض لها المتعاقد والتى تظهر بوضوح أنه سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد، قد تمثل عائقاًEmpêchement يؤدى إلى إعفائه من المسئولية عند عدم تنفيذ التزاماته وفقاً للمادة 79 من الاتفاقية، كحدوث إضراب أو حالة حرب أو تأميم منشآته أو مصادرتها أو صدور قانون يحظر استيراد المادة الأولية اللازمة للإنتاج. ويترتب على هذا الإعفاء عدم جواز مطالبته بأى تعويضات، لكنه لا يحرم المتعاقد الآخر من استعمال حقوقه الأخرى خلاف طلب التعويضات، فيجوز له بالتالى إعلان الفسخ المبتسر للعقد [815] .

ويظهر مما تقدم أنه يستوى فى حكم الاتفاقية أن تنسب عدم القدرة على التنفيذ إلى فعل المدين أو إلى سبب أجنبى لا يد له فيه [816] . وهى بهذا تكون قد خالفت النهج الذى سار عليه القانون الأنجلو أمريكى والذى اعتبر أن الإخلال المبتسر لا يتحقق إلا إذا صدر عن المتعاقد فعل أو تصريح يكشف عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه عند حلول أجله [817] .

فالإخلال المبتسر فى القانون الأنجلو أمريكى مقيد بسلوك أو تصرف يصدر عن المتعاقد، وهو ما دفع الوفد الأمريكى فى المؤتمر الدبلوماسى بفيينا إلى الاعتراض على النص المتعلق بهذا الحكم عند مناقشة مشروع الاتفاقية. وكانت حجته فى ذلك أن عدم وضع مثل هذا القيد يؤدى إلى نتائج غير عادلة، إذ قد يبدو من الظروف أن المتعاقد لن يتمكن من تنفيذ التزاماته لكنه عند حلول أجل التنفيذ يكون قادراً على ذلك بعد تغلبه على هذه الظروف. لذلك اقترح الوفد الأمريكى أن يقتصر النص على ما يصدر عن المتعاقد ويكشف عن قصده ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً [818] .

209- معيار تقدير المخالفة الجوهرية المتوقعة: ويثور التساؤل حول المعيار الذى يمكن على أساسه تقدير أن الظروف التى حدثت ترجح ارتكاب مخالفة جوهرية أم لا، هل نعتمد فى ذلك على التقدير الشخصى للمتعاقد نفسه، أم نعتمد على معيار موضوعى يرجع فيه إلى تقدير الشخص المعتاد؟.

ذهب الرأى فى ظل اتفاقية لاهاى لعام 1964 إلى أن الفسخ المبتسر للعقد يعتمد على تقدير المتعاقد نفسه لموقف المتعاقد الآخر، وهو ما أثار انتقادات شديدة وجهت إلى هذا الحكم [819] .

أما فى ظل اتفاقية فيينا فنرى أن التقدير الشخصى لهذه الظروف لا يعد كافياً، وأنه لابد من الرجوع إلى معيار موضوعى يتمثل فى تقدير شخص معتاد من نفس صفة هذا المتعاقد إذا وجد فى مثل ظروفه، وذلك لأن الوقائع المادية وحدها لا تنبئ عن حقيقة الموقف وإنما لابد من الرجوع إلى جملة الظروف المحيطة به لتقديرها التقدير الصحيح، فقد يشهر إفلاس المتعاقد لكن القائم على شئون التفليسة يعمل على تنفيذ العقد ويقوم بتسليم ما تم التعاقد عليه [820] . وقد يحدث إضراب بمصانع البائع لكنه يتمكن من السيطرة عليه بسرعة ويضاعف إنتاجه ليعوض النقص الذى حدث خلال فترة الإضراب. فلا يكفى هنا مجرد المخاوف الشخصية من عدم تنفيذ العقد، وإنما يجب أن تقوم هذه المخاوف على أساس موضوعى هو توقع الشخص المعتاد بأن العقد لن يتم تنفيذه نتيجة لهذه الظروف [821] .


ويؤيد ذلك استخدام تعبير "إذا ظهر بوضوح" if it is clear، وهو يفيد ضرورة توافر قدر من الموضوعية، فلا يعتمد لتقرير توافره على التقدير الشخصى للمتعاقد وحده [822] . فالوضوح يعنى أن هذا الأمر قد أصبح ظاهراً بدرجة كبيرة لكل شخص يمارس التجارة الدولية فى ذات الفرع موضوع العقد، ولا يكفى فى ذلك مجرد علم أفراد عائلة التاجر أو البنك الذى يتعامل معه أو المتعاقدين معه فى عقود داخلية [823] .

كما يؤيد ذلك أيضاً أن الاتفاقية قد اشترطت للفسخ المبتسر للعقد أن تدل هذه الظروف بوضوح على أن المتعاقد سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد، والمعيار الذى أخذت به الاتفاقية لتقدير جوهرية المخالفة هو معيار موضوعى يعتمد على علم شخص معتاد من صفة المتعاقد وفى نفس ظروفه [824] . فهذا الشخص المعتاد هو أيضاً الذى يعتمد على تقديره للظروف وما إذا كانت ترجح أن مخالفة جوهرية سوف ترتكب أم لا.

210- ويجب أن تكون الظروف التى تدل بوضوح على أن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب قد حدثت قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد، فلم تشترط الاتفاقية أن تكون هذه الظروف قد ظهرت بعد إبرام العقد كما هو الحال فى الحكم الخاص بوقف التنفيذ  [825] . ولكن مع ذلك إذا كانت هذه الظروف موجودة قبل إبرام العقد وعلم المتعاقد بها حينذاك، فإنه لا يستطيع الاستناد إليها بعد ذلك لإعلان فسخ العقد [826] .

ولكن قد يحدث أن يتم إبرام العقد فى ظل ظروف ترجح صعوبة تنفيذه، كحدوث مشاكل مالية مع البائع تهدد مصانعه بالتوقف، ويقبل المشترى التعاقد بعد تأكيد البائع له أن هذه الظروف فى طريقها إلى الزوال، إلا أنه بمرور الوقت لا تظهر أية بادرة تشير إلى قرب حل هذه المشاكل المالية بل تزداد أحواله تدهوراً [827] . فلا يوجد ما يمنع المشترى فى هذه الحالة من الاستناد إلى ذات الأسباب التى كان يعلم بها من قبل لإعلان فسخ العقد.

 211- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن توقع ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد هو شرط أساسى لإعلان الفسخ المبتسر. وأن هذا التوقع يجب أن يكون واضحاً بدرجة كبيرة بحيث يقترب من اليقين.

ولم تذكر اتفاقية فيينا الحالات التى يمكن معها توقع ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد، فيصلح لذلك كل حالة يمكن أن تنبئ عن أن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزاماته قد أصبح أمراً مؤكداً، سواء كانت بفعل هذا المتعاقد أو لسبب أجنبى لا يد له فيه. وهى بذلك تكون قد وسعت من نطاق حالات الإخلال المبتسر للعقد، على خلاف القانون الأنجلو أمريكى الذى قصرها على ما يصدر عن المتعاقد من فعل أو تصريح.

وإذا كانت فكرة المخالفة الجوهرية المتوقعة سبق أن أخذت بها اتفاقية لاهاى، إلا أن اتفاقية فيينا قد تميزت عنها في اعتمادها على معيار موضوعى لتقديرها، وهو ذات المعيار الذى اعتمدت عليه لتقدير المخالفة الجوهرية، وهو معيار الشخص المعتاد الذى هو من صفة المتعاقد نفسه إذا وجد فى مثل ظروفه. ويظهر ذلك ترجيح اتفاقية فيينا للضوابط الموضوعية، وهو ما حاولت تأكيده فى أحكام عديدة لها.


المطلب الثانى

الإخطـــــار

212- أوجبت اتفاقية فيينا على الطرف الذى يريد الفسخ المبتسر للعقد، إذا كان الوقت يسمح له بذلك، أن يوجه إلى الطرف الآخر إخطاراً بشروط معقولة، تتيح له تقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [828] .

وقد خلا مشروع الاتفاقية المقدم للمؤتمر الدبلوماسى من هذا الحكم [829] . وذلك سيراً على نهج اتفاقية لاهاى التى لم تكن تتضمن نصاً  يلزم الطرف الذى يرغب فى الفسخ المبتسر للعقد بإخطار الطرف الآخر بعزمه على ذلك [830] .

لكن نظراً للاعتراضات الشديدة التى وجهت إلى هذه المادة من جانب أعضاء وفود الدول النامية فى المؤتمر الدبلوماسى بسبب احتمال إساءة استعمالها بمفاجأة الطرف الآخر بفسخ العقد دون أن يعلم سبب ذلك، ودون أن تتاح له فرصة توضيح موقفه ومدى التزامه بتنفيذ العقد، أضيفت الفقرتان الثانية والثالثة إلى المادة لمواجهة هذه الاعتراضات [831] .


واشتراط توجيه إخطار بالعزم على الفسخ قصد منه أن يتوافر حسن النية فى المعاملات الدولية، فلا يفاجأ المتعاقد بإعلان يصل إليه يخطره بفسخ العقد دون أى مقدمات لذلك [832] . فتوجيه الإخطار يتيح للمتعاقد الآخر الفرصة للرد عليه وتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [833] .

213- مضمون الإخطار ووسيلة إرساله: ولم تحدد الاتفاقية البيانات التى يتعين أن يتضمنها الإخطار ولكنها تطلبت أن يكون الإخطار بشروط معقولة، وتنصرف هذه المعقولية إلى سبب توجيه الإخطار ووقته والشروط التى يتضمنها. فإذا كان القصد من توجيه الإخطار هو إتاحة الفرصة للمتعاقد الآخر لتقديم ضمانات كافية للتدليل على قدرته على تنفيذ التزاماته، فإن الإخطار يجب أن يتضمن ماهية الإخلال الذى يخشى المتعاقد من تحققه، والدلائل التى دفعته إلى اعتقاد ذلك [834] . كما يمكن أن يتضمن الضمانات التى يرى أنها كافية لإزالة الشك وإعادة الثقة فى قدرته على تنفيذ التزاماته [835] .

ويجوز توجيه الإخطار بأى وسيلة تتناسب مع الظروف، من ناحية السرعة المتطلبة فى توجيه الإخطار وضمان وصوله إلى المتعاقد الآخر. فقد يكون الإخطار عن طريق برقية تلغرافية أو تلكس أو فاكس أو عن طريق البريد الإليكترونى، المهم أن يختار المتعاقد الوسيلة التى تضمن وصول الإخطار إلى المتعاقد الآخر فى وقت مناسب يسمح له بتدارك أمره وتقديم ضمانات
تؤكد قدرته على التنفيذ، فلا يتصور أن يكون وقت التنفيذ قد اقترب ويوجه المتعاقد الإخطار عن طريق رسالة بالبريد العادى أو حتى المستعجل، كما لا يتصور أن يوجه الإخطار ببرقية تلغرافية رغم علمه بوجود إضراب بدولة المتعاقد الآخر وتعطل الخدمات البريدية هناك.

وإذا لم يرتكب المرسل خطأ فى اختيار الوسيلة التى وجه بها الإخطار، فكانت متناسبة مع الظروف، فإن أى تأخير أو غلط فى إيصال هذا الإخطار وكذلك عدم وصوله، لا يحرم المتعاقد الذى أرسله من حقه فى التمسك به فيعد كما لو كان قد وصل فى الميعاد المناسب وأحدث أثره [836] .

لكن رغم ذلك فإن المتعاقد الذى وجه الإخطار عليه أن يتأكد من وصوله إلى المتعاقد الآخر فى الميعاد المحدد تحقيقاً لمصلحته الخاصة [837] . إذ أنه بذلك يثبت حسن نيته فلا يفسر عدم وصول الإخطار بتعمده ذلك، كما أنه بتأكده من وصول الإخطار يستطيع تحديد موقفه من العقد سريعاً فلا يستمر الغموض الذى يحيط به طويلاً.

214- حالات الإعفاء من توجيه الإخطار: لم تجعل الاتفاقية توجيه الإخطار شرطاً لازماً فى جميع الأحوال إذ يعفى المتعاقد من توجيه الإخطار إذا كان الوقت لا يسمح له بذلك [838] . كما لا يلتزم بتوجيهه إذا أعلن المتعاقد الآخر أنه سوف لا ينفذ التزاماته [839] .


وقد كانت هذه الاستثناءات مثار اعتراض فى المؤتمر الدبلوماسى، حتى قيل بأنها أضعفت شرط الإخطار وجعلته عديم الأهمية [840] . وطالبت الدول النامية بأن يكون توجيه الإخطار وجوبياً فى جميع الأحوال، لكن تم رفض هذا الاقتراح بحجة التمييز بين حكم وقف التنفيذ الذى يعد الإخطار واجباً فيه وحكم الفسخ [841] .

215-  1  إذا كان الوقت لا يسمح بتوجيه الإخطار: فلا يلتزم المتعاقد بتوجيه الإخطار بعزمه على الفسخ المبتسر للعقد إلا إذا كان الوقت يسمح له بذلك. ولم تحدد الاتفاقية الحالات التى يمكن ألا يسمح فيها الوقت بتوجيه الإخطار، تاركة ذلك لتقدير المتعاقد نفسه، مما آثار انتقادات عديدة. ولمواجهة ذلك ذهب رأى إلى أنه فى ظل تنوع وسائل الاتصالات الحديثة وتقدمها يصعب تصور أن الوقت لن يسمح بتوجيه الإخطار [842] .

إلا أنه مع صراحة النص لا مفر من تفسيره بأنه قد قصد به توافر الوقت اللازم لانتظار رد الطرف الآخر وتقديمه ضمانات كافية أو تنفيذه العقد. فلا يكون هذا الوقت متوافر إذا كان تنفيذ الالتزام الذى تحدد له ميعاد لازم سوف يتأخر، وفى هذه الحالة يستطيع المتعاقد فسخ العقد فوراً دون حاجة إلى توجيه إخطار بعزمه على ذلك [843] .


ويحدث ذلك على سبيل المثال إذا كان المتعاقد الذى يرغب فى توجيه الإخطار هو المشترى، ووجد نفسه فى حاجة شديدة للحصول على البضاعة التى تعاقد عليها فى أسرع وقت، وتأكد له أنه لن يحصل عليها من البائع فى الميعاد المتفق عليه. ففى هذه الحالة تتوافر للمشترى حالة الاستعجال التى تعطيه الحق فى إعلان فسخ العقد فوراً دون إخطار سابق عليه [844] . ويمكن أن يدخل فى ذلك أيضا الحالة التى يكون فيها احتمال تقديم ضمانات إضافية أمراً مستبعداً، كما لو كان تعذر التسليم بسبب حالة حرب [845] .

ولمنع إساءة استعمال هذا الاستثناء يتعين تطبيق معيار الشخص المعتاد على نحو صارم، فيما يتعلق بتحديد متى يسمح الوقت بتوجيه الإخطار، بحيث يتحمل المتعاقد المسئولية عن عدم توجيه الإخطار إذا كانت الأسباب التى اعتمد عليها فى ذلك غير معقولة [846] .

216-  2  إعلان المتعاقد عدم تنفيذ التزاماته: ولا يلزم توجيه الإخطار إذا أعلن المتعاقد الآخر أنه سوف لا ينفذ التزاماته، إذ يكون ارتكابه المخالفة الجوهرية بذلك قد أصبح أمراً مؤكداً [847] . وفى هذه الحالة يجوز فسخ العقد فوراً. لكن المتعاقد إذا كان قد أعفى من توجيه الإخطار فإنه لا يعفى من إعلان الفسخ وفقاً لأحكام الاتفاقية [848] .


والأصل أن يكون إعلان المتعاقد أنه سوف لا ينفذ التزاماته صريحاً فى الدلالة على ذلك، لكن ليس هناك ما يمنع من أن يفهم ذلك ضمناً من الإعلان إذا كان هذا الفهم واضحاً لا لبس فيه. كأن يرسل البائع إعلاناً إلى المشترى يبلغه فيه أن المادة الأولية التى اتفق على استخدامها فى تصنيع البضاعة قد صدر قانون يحظر استيرادها، دون أن يوضح فى الإعلان كيف سيتصرف إزاء ذلك وكيف سينفذ التزاماته. فإن ما يفهم من هذا الإعلان هو أن البائع سوف يتعذر عليه تنفيذ التزاماته، ومن ثم يكون للمشترى إعلان فسخ العقد فوراً  ويعفى من توجيه الإخطار.

وذهب رأى إلى أنه يعد بمثابة رفض لتنفيذ العقد قيام المتعاقد بطلب تنفيذ شروط لم ترد بالعقد وتتجاوز ما اتفق عليه فيه، أو الامتناع غير المبرر عن التنفيذ بحجة حدوث إخلال بالعقد، فيجوز للمتعاقد الآخر فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد فوراً [849] .

لكن هذا الرأى يصعب قبوله على إطلاقه، إذ أن طلب شروط إضافية أو مختلفة عن شروط العقد الأصلى لا يعد فى حد ذاته إعلاناً بعدم تنفيذ العقد، إذ قد يكون مجرد مساومة من المتعاقد للحصول على شروط أفضل أو لتعديل الشروط التى أصبحت تمثل عبئاً ثقيلاً عليه [850] . كما أن الامتناع عن التنفيذ بحجة حدوث إخلال بالعقد، يحتاج إلى بحث ظروف هذا الامتناع لتقدير ظروف كل متعاقد ومن الذى أخل منهما بالعقد. فلا يمكن وضع قاعدة ثابتة فى هذا النطاق، وإنما يترك الأمر لظروف كل حالة على حدة.

وإذا لم يقم المتعاقد بإعلان فسخ العقد رغم إعلانه من جانب المتعاقد الآخر بأنه سوف لا ينفذ التزاماته، فليس هناك ما يمنع هذا الأخير من تغيير رأيه وتنفيذ التزاماته عند حلول أجلها، لأن العقد يظل قائماً منتجا لآثاره ما دام لم يتم فسخه. لكن الطرف المضرور ليس عليه الانتظار حتى يتأكد مما إذا كان الطرف المخالف سوف يغير رأيه أم يصر على عدم تنفيذ التزاماته، إذ يحق له فسخ العقد فوراً بمجرد وصول إعلان عدم التنفيذ إليه. فإذا أعلن الفسخ لا يستطيع الطرف المخالف العدول عن رأيه وطلب تنفيذ العقد، لأن العقد بذلك يكون قد انقضى [851] .

217- وإذا ثار الشك حول ما إذا كان توجيه الإخطار واجباً أم لا، فإن الحكمة تملى على المتعاقد فى هذه الحالة إخطار المتعاقد الآخر بعزمه على فسخ العقد وانتظار رده على هذا الإخطار قبل اتخاذ أى قرار فى شأن إعلان الفسخ [852] .

وإذا وجه المتعاقد إخطاراً إلى المتعاقد الآخر بإيقاف تنفيذ التزاماته بعد أن تبين له أنه سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته وفقاً للمادة 71 من الاتفاقية، فإنه لا يكون ملزماً بتوجيه إخطار آخر إذا تبين له بوضوح بعد ذلك أن المخالفة التى سوف يرتكبها هى مخالفة جوهرية. ذلك أن القصد من الإخطار فى الحالتين واحد، وهو إتاحة الفرصة للمتعاقد الذى وجه إليه
الإخطار لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته، فيعد إلزامه بتوجيه إخطار آخر إذا أراد الفسخ أمراً غير مقبول [853] .

218- الرد على الإخطار: وإذا تم توجيه الإخطار على النحو سالف البيان، فإن المتعاقد الذى تسلمه قد يمتنع عن الرد عليه ويتجاهله، أو يرد عليه دون أن يتضمن رده أى تأكيد لقيامه بتنفيذ التزاماته، أو يعترض على الإخطار مقرراً عدم صدور أى إخلال منه. لكنه قد يرد على الإخطار مقراً بصحة الشكوك حول تنفيذه للعقد عارضاً تقديم ضمانات كافية مناسبة تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته.

فإذا امتنع المتعاقد عن الرد على الإخطار الموجه إليه، أو رد عليه دون أن يحمل رده أى ضمانات تؤكد قيامه بتنفيذ التزاماته، فإن المتعاقد الذى وجه الإخطار يستطيع فى هاتين الحالتين إعلان فسخ العقد باعتبار أن ما صدر عن المتعاقد الآخر على هذا النحو يرجح أنه سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد.

 وإذا رد المتعاقد على الإخطار معترضاً عليه ومقرراً أنه لم يرتكب أى مخالفة، أو أن المخالفة المرتكبة ليست على درجة من الجسامة كما ذكر فى الإخطار، فإنه يجوز فى هذه الحالة أيضاً إعلان فسخ العقد. لكنه يحسن بالمتعاقد الذى وجه الإخطار أن يعيد تقييم موقفه على ضوء هذا الرد، حتى لا يجد نفسه مخلاً بالتزاماته هو. فإن تأكد من سلامة موقفه وأن الرد لا يضيف جديداً كان له إعلان فسخ العقد [854] .

219- تقديم ضمانات كافية للتنفيذ: وإذا قدم المتعاقد الذى وجه إليه الإخطار ضمانات كافية [855] ، تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته، فإنه لا يسمح فى هذه الحالة بإعلان فسخ العقد ويتعين على المتعاقد الذى وجه الإخطار أن يتابع تنفيذ التزاماته هو [856] .

وتماثل فكرة تقديم ضمانات كافية التى أخذت بها الاتفاقية ما ورد فى القانون التجارى الأمريكى الموحد من إلزام المتعاقد فى عقد البيع بتقديم ضمانات كافية لتنفيذه التزاماته إذا طلب منه ذلك كتابة بسبب ظهور أسباب معقولة أدت إلى عدم الاطمئنان إلى قيامه بتنفيذ التزاماته [857] .

كما تماثل هذا الفكرة ما تضمنته قواعد الـ Unidroit والتى أجازت للمتعاقد الذى يعتقد أن إخلالاً جوهرياً سوف يرتكب من جانب المتعاقد الآخر أن يطالبه بتقديم ضمانات كافية، ويستطيع حتى ذلك الحين إيقاف تنفيذ التزاماته. فإذا لم تقدم هذه الضمانات خلال مدة معقولة كان له فسخ العقد [858] .

ولم تضع اتفاقية فيينا ضابطاً لتحديد متى يكون الضمان كافياً فتركت تقدير ذلك لظروف كل حالة. ولكن على وجه العموم يجب أن تكون الضمانات متناسبة مع الأسباب التى أثارها المتعاقد فى إخطاره وكافية للرد على هذه الأسباب بما يزيل كل أثر للشكوك حول قدرته على التنفيذ [859] .

فإذا كان سبب توجيه المشترى الإخطار إلى البائع هو أن دولة البائع قد منعت تصدير البضاعة موضوع عقد البيع، فيعد ضماناً كافياً أن يقدم البائع ما يفيد حصوله على إذن بتصدير البضاعة [860] .

وإذا كان البائع يتضرر من إعسار المشترى، فإن تقديم خطاب ضمان من مصرف حسن السمعة يكون ضماناً كافياً لتأكيد قدرته على تنفيذ التزامه، كما يكفى لذلك تقديم كفالة عينية أو كفيل موسر [861] .

وإذا كان الإخطار بسبب إضراب العمال فى مصانع البائع، فيعد ضماناً كافياً تقديم البائع ما يؤكد أن الإضراب قد توقف وعادت المصانع إلى العمل بكامل طاقتها [862] . لكن لا يعتد فى ذلك بمجرد الوعود الشفهية أو المكتوبة إلا إذا كانت الثقة بين الطرفين مازالت قائمة [863] . لكنها إذا لم تكن متوافرة فإن البائع يتعين عليه إقامة الدليل على صحة ما يدعيه، فيمكن له إثبات توقف الإضراب أو وصوله إلى نهايته فعلاً بتقديم تقارير المفاوضات مع ممثلى العمال أو القرارات المكتوبة التى اتخذت فى هذه الشأن أو تقرير من النقابة الممثلة للعمال بما يفيد ذلك [864] .

ويمكن أن تتمثل الضمانات الكافية فى مجرد عرض التنفيذ الفورى للالتزامات أو تنفيذها فعلاً دون أى تأخير [865] .


220- ولا يشترط لكى تعد الضمانات كافية أن تتضمن التنفيذ الكامل لالتزامات المتعاقد دون أى نقص أو تأخير، لأن هذه الضمانات إنما تقدم لتأكيد عدم ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد، وليس مؤدى تقديمها افتراض أن التنفيذ بعدها سوف يكون كاملاً [866] .

وعلى ذلك تعد الضمانات كافية ولو تضمنت حدوث عدم مطابقة غير جوهرى فى التنفيذ، وكذلك لو تضمنت أن التنفيذ سوف يكون كاملاً ولكن مع تأخير بسيط جرى العرف على التسامح فيه [867] .

وقد تكون الضمانات المقدمة غير كافية لكنها تؤدى إلى أن تصبح المخالفة المتوقعة غير جوهرية، بمعنى أن تؤكد الضمانات عزم المتعاقد على تنفيذ التزاماته ولكن بصورة غير كاملة بحيث لا يصل الإخلال المتوقع بعد تقديمها إلى درجة المخالفة الجوهرية، وفى هذه الحالة لا يجوز إعلان فسخ العقد. أما إذا ظل ظاهراً رغم ذلك أن المتعاقد سوف لا ينفذ جانباً هاماً من التزاماته، فيجوز للطرف المضرور فى هذه الحالة إيقاف تنفيذ التزاماته وفقاً للمادة 71 من الاتفاقية [868] .

221- ولم تحدد الاتفاقية الفترة التى يتعين أن ينتظرها المتعاقد الذى وجه الإخطار حتى يصل الرد إليه، فيترك ذلك لظروف كل حالة على حدة. وقد ذهب رأى إلى أنه كان من الأفضل تعديل هذه المادة بتحديد فترة زمنية يتعين على المتعاقد الآخر الرد خلالها وتقديم ضمانات كافية وإلا عد ذلك إخلالاً منه بالعقد، وذلك سيراً على نهج القانون الأمريكى والذى جعل هذه المدة ثلاثين يوما [869] . وإن كانت المدة سوف تطول هنا لتتناسب مع طبيعة التعاملات الدولية [870] .

ونرى معقولية هذا الرأى لأنه سوف يؤدى إلى نتائج تتناسب مع السرعة المطلوبة فى التجارة الدولية، إذ سوف يسارع الطرف المضرور إلى توجيه الإخطار حتى يزيل أى شك حول تنفيذ العقد، كما سوف يشجع ذلك الطرف المخالف على سرعة الرد وتحديد موقفه.

وإذا قدم المتعاقد الذى وُجه إليه الإخطار ضمانات قبلها المتعاقد الآخر ووجد أنها كافية وتفى بما هو مطلوب، فإن حسن النية يوجب على هذا الأخير أن يخطر الأول بأنه قد قبل ضماناته وقبل تنفيذ الالتزامات على هذا النحو وأنه سيعاود تنفيذ التزاماته الخاصة، لكن الاتفاقية لم تشر إلى ذلك صراحة [871] .

وقد يترتب على توجيه الإخطار والرد عليه توقف الطرفين عن تنفيذ التزاماتهما طوال هذا الوقت، وفى هذه الحالة يوجب حسن النية أيضاً أن يمتد ميعاد تنفيذ الالتزام بمقدار فترة التوقف، ويتعلق هذا الامتداد على وجه الخصوص بالتزام البائع بالتسليم [872] .

222- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن شرط الإخطار أضيف إلى حكم الفسخ المبتسر فى الاتفاقية تحت ضغط وفود الدول النامية التى أصرت عليه حتى يتاح للطرف المخالف الفرصة لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته.

لكنه رغم ذلك لم يصبح شرطاً لازماً فى جميع الأحوال، إذ أعفى منه فى حالتين: إذا كان الوقت لا يسمح بذلك، وإذا أعلن المتعاقد الآخر أنه سوف لا ينفذ التزاماته. وهو ما أضعف من قيمته وفتح ثغرات يمكن الاحتجاج بها للإفلات من الالتزام به.

وبذلك خالفت الاتفاقية بين حكم وقف التنفيذ وحكم الفسخ فى حالة الإخلال المبتسر بالعقد، فألزمت بالإخطار فى الحالة الأولى وأجازته فى الحالة الثانية دون إلزام. وهى تفرقة غير مبررة، وكان يلزم أن يكون الإخطار وجوبياً فى جميع الأحوال.


المبحث الثانى

تقدير نظام الفسخ المبتسر

223- ظهرت فكرة الفسخ المبتسر للعقد كفكرة جديدة أخذت بها أولاً  اتفاقية لاهاى لسنة 1964، ثم تبعتها اتفاقية فيينا. وبقدر ما اقتربت هذه الفكرة من القانون الأنجلو أمريكى، بقدر ما كانت بعيدة عن الأصول القانونية لدول عديدة ومنها مصر.

وأدى ذلك إلى توجيه انتقادات عديدة إليها عند مناقشة مشروع الاتفاقية فى المؤتمر الدبلوماسى بفيينا، خاصة من وفود الدول النامية. لأن المتعاقدين من هذه الدول، سواء كانوا بائعين أو مشترين، سوف يتعرضون لنتائج شديدة القسوة من جراء تطبيق حكم الفسخ المبتسر على العقود التى يبرمونها. إذ أنهم غالباً من سيوجه إليهم الفسخ، باعتبارهم الطرف الضعيف في التجارة الدولية، ونظراً للظروف التى يتعرضون لها فى دولهم من عدم وجود أماكن مناسبة لتخزين البضاعة تضمن الحفاظ عليها، وتأثرهم بعدم استقرار الأسواق المالية فى بلادهم [873] .

وتقدم الوفد المصرى فى المؤتمر الدبلوماسى بفيينا باقتراح [874] ، يقوم على أساس إدماج النص الخاص بوقف التنفيذ مع النص الخاص بالفسخ المبتسر، وأن تبدأ الإجراءات بأن يوجه الطرف المضرور إخطاراً بعزمه على وقف تنفيذ التزاماته، إذا تبين بوضوح قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد أن الطرف الآخر سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد، فإذا لم تقدم ضمانات كافية خلال فترة معقولة كان له إيقاف تنفيذ التزاماته، فإذا لم تقدم أية ضمانات بعد ذلك جاز له فسخ العقد [875] .

وانقسم الرأى فى شأن الاقتراح المصرى بالتساوى، مما دفع المؤتمر إلى تشكيل لجنة خاصة ad hoc لمحاولة إيجاد حل وسط. وبعد مناقشات طويلة انتهت اللجنة إلى النصوص الخاصة بالإخلال المبتسر فى الاتفاقية والتى تضمنتها المواد 71 و72 و73 [876] .

224- مبررات تأييد حكم الفسخ المبتسر: ويرجع التأييد الذى حظى به حكم الفسخ المبتسر فى الاتفاقية إلى مبررات عديدة، أهمها أنه يؤدى إلى إشاعة الثقة والاستقرار فى التجارة الدولية، إذ يرفع الحرج عن المتعاقدين بتمكينهما من التخلص من العقد متى قامت قرائن قوية تشير إلى عجز أحدهما عن تنفيذ ما يفرضه عليه العقد من التزامات [877] . إذ لا يتصور أن يترك المتعاقد فى هذه الحالة قلقاً ينتظر حلول ميعاد تنفيذ العقد دون أن يستطيع الفكاك منه رغم تيقنه من عدم تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته. فمن الخير أن يسمح له بالتخلص من العقد والبحث عن احتياجاته لدى متعاقد آخر [878] .

ويؤدى الفسخ المبتسر إلى تحقيق فوائد عملية كثيرة، إذ يقلل الخسائر التى يتعرض لها كل من الطرفين، فيسمح للبائع بعدم الاستمرار فى تصنيع البضاعة موضوع عقد البيع، أو بإيقاف تسليمها للمشترى، إذا كان من المرجح عدم حصوله على الثمن المحدد لها. كما يسمح للمشترى بالبحث عن مصدر آخر للحصول على البضاعة التى يحتاجها إذا كان البائع لن يتمكن من توريدها إليه [879] .

والفسخ المبتسر بهذه المثابة يمكن أن يكون واجباً على المتعاقد وليس مجرد حق له [880] ، إذ يلتزم المتعاقد الذى يتمسك بمخالفة العقد باتخاذ التدابير المعقولة والملائمة للظروف للتخفيف من الخسارة الناجمة عن المخالفة [881] . فإذا كان من شأن إعلان الفسخ المبتسر للعقد تقليل الخسارة التى قد تلحق بالطرف المخالف، فإن الطرف المضرور يتعين عليه القيام بذلك. كأن يترتب على ذلك أن يبادر البائع إلى بيع البضاعة موضوع عقد البيع لآخر قبل أن يزداد سعرها انخفاضاً، أو أن يبادر المشترى إلى شراء بضاعة بديلة قبل أن يزداد سعرها ارتفاعاً، مما يساهم فى تخفيض مقدار التعويض المستحق عل الطرف المخالف [882] .

- الانتقادات التى وجهت إلى حكم الفسخ المبتسر:

225-  1  فتح السبيل أمام المتعاقد للتخلص بسهولة من العقد: وقد وجهت إلى الفسخ المبتسر رغم ذلك انتقادات عديدة، فقيل بأن إجازة الفسخ على هذا النحو لا تنسجم مع الاتجاه العام فى الاتفاقية والذى يظهر منه محاولة الحفاظ على العقد وضمان تنفيذه وإشاعة الثقة فى المعاملات الدولية. كما أن ترك تقديره للمتعاقد وحده آثار الخشية من التعسف فى استعماله، بأن يتخذه المتعاقد سبيلاً للتخلص بسهولة من العقد بعد أن أصبح عبئاً ثقيلاً عليه متعللاً باحتمال عدم تنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته [883] .

فالمتعاقد الذى يعتزم إعلان فسخ العقد هو الذى يقدر وحده الظروف التى تحيط بالتعاقد الآخر وما إذا كانت ترجح ارتكابه مخالفة جوهرية أم لا. فكان من الأوفق أن يُعهد بتقدير مراكز الطرفين وقدرتهما على التنفيذ إلى قضاء ما، ليزن الأمر ويدقق فى الظروف ثم يجيز أو لا يجيز إعلان الفسخ [884] .

لكننا نرى أن الاتفاقية قد حاولت البعد عن المعيار الشخصى قدر إمكانها، فاتسم حكمها فى شأن الفسخ المبتسر بقدر كبير من الموضوعية، تمثل فى اشتراط درجة عالية من الوضوح فى المخالفة الجوهرية المتوقعة. ولا يتحقق هذا الوضوح إلا إذا أصبح الأمر ظاهراً بدرجة كبيرة لكل شخص يمارس التجارة الدولية فى ذات الفرع موضوع العقد. فلا يتأثر بتقدير المتعاقد ومخاوفه الشخصية من عدم تنفيذ العقد.

كما تمثلت الموضوعية فى اشتراط أن تكون المخالفة المتوقعة جوهرية، ومعيار المخالفة الجوهرية فى الاتفاقية كما سبق أن رأينا هو معيار موضوعى، يُنظر فيه إلى تقدير شخص معتاد من صفة المتعاقد إذا وجد فى مثل ظروفه.

الأمر الذى يؤكد حرص الاتفاقية على الحفاظ على العقد وإشاعة الثقة فى المعاملات الدولية. أضف إلى ذلك أن الحفاظ على العقد يمكن أن يتحقق إذا تم النظر إلى حكم الفسخ المبتسر باعتباره استثناءً على الأصل العام في الفسخ، وهو تحقق ارتكاب المخالفة الجوهرية فعلاً، فيُتشدد فى التقيد بألفاظه وشروطه بحيث لا يطبق إلا على الحالات التى ظهر واضحاً رغبة الاتفاقية فى إخضاعها له.


أما طلب ترك تقدير الظروف التى ترجح ارتكاب مخالفة جوهرية لقضاء ما، فيصعب تأييده فى نطاق العقود الدولية. إذ أن ترك هذا الأمر للمحاكم الوطنية أو التحكيم سوف يؤدى إلى إطالة أمد النزاع، وترك الأمر معلقاً بين الطرفين على هذا النحو حتى يفصل فيه بحكم نهائى، وهو ما يتعارض مع ظروف التجارة الدولية وما تحتاجه من سرعة. فكان الأوفق هو ما ذهبت إليه الاتفاقية من أن يكون الفسخ فى هذه الحالة بإعلان يوجه إلى الطرف المخالف، ثم تعرض المنازعة على القاضى أو المحكم إذا تضرر هذا الطرف من الفسخ، وتعوض الخسارة التى قد تلحق به بالتعويض الذى يقضى به.

226-  2  التوسع فى حالات الفسخ المبتسر للعقد: وانتقد ما تضمنته الاتفاقية من توسع فى الحالات التى تجيز إعلان الفسخ المبتسر للعقد، إذ سوت بين عدم التنفيذ الذى يرجع إلى فعل المدين وعدم التنفيذ الذى يرجع إلى سبب أجنبى لا يد له فيه، فخالفت بذلك النظام القانونى الذى استلهمت منه هذا النظام وهو القانون الأنجلو أمريكى [885] .

فالفسخ المبتسر فى القانون الأنجلو أمريكى لا يكون إلا إذا صدر عن الطرف المخالف تصريح أو فعل يكشف عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه عند حلول أجله [886] . فلا يعد من هذا القبيل أن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى قوة قاهرة أو سبب أجنبى لا يد له فيه. بل إن إفلاس المتعاقد أو إعساره، وإن تقرر لمواجهته بعض الإجراءات لحماية المتعاقد الآخر، لا يعد فى ذاته إخلالاً يجيز فسخ العقد [887] .

لكننا نرى أن هذا التوسع يتناسب مع طبيعة العقود الدولية وحاجتها إلى الثقة والطمأنينة فى تنفيذها. فمما يخل بهذه الثقة والطمأنينة أن يثار أى شك حول تنفيذ العقد، أياً كان سبب هذا الشك وسواء كان راجعاً إلى فعل المدين أم إلى سبب أجنبى. إذ يستدعى الأمر فى الحالتين علاجاً سريعاً لمواجهة عدم التنفيذ المتوقع حتى يضمن الطرف المضرور حصوله على احتياجاته في الوقت المناسب. فلا يتصور أن يسمح للبائع بإعلان الفسخ المبتسر للعقد إذا أعلن المشترى أنه لن ينفذ العقد أو ارتكب أى فعل يظهر منه عدم تمكنه من الوفاء بالتزاماته المالية، ولا يسمح للمشترى بذلك إذا احترقت مصانع البائع وظهر جلياً عدم إمكانه تنفيذ طلبات المشترى من البضاعة المتعاقد عليها. ولا يظهر أى فارق بين الحالتين سوى فى التعويض الذى قد يكون مستحقاً للطرف المضرور.

ويتفق ذلك مع اتجاه الاتفاقية فى شأن القوة القاهرة، أو ما أطلقت عليه لفظ العائق، والذى يعوق تنفيذ المتعاقد لالتزامه ويكون خارجاً عن إرادته [888] .  إذ اعتبرته سبباً للإعفاء من التعويض وحده، ولم تمنع إعلان الطرف المضرور فسخ العقد فى هذه الحالة. على خلاف الحال فى بعض القوانين الوطنية - ومنها القانون المصرى - والتى اعتبرت القوة القاهرة سبباً لانقضاء
التزامات الطرفين وانفساخ العقد من تلقاء نفسه [889] .

أضف إلى ذلك، أن الاتفاقية قد أكدت استقلالها عن أى أفكار قانونية مشابهة فى أى نظام قانونى آخر، بما قررته من ضرورة مراعاة صفتها الدولية عند تفسير نصوصها والرجوع فى ذلك إلى المبادئ العامة التى أخذت بها [890] . فقد تم وضع أحكامها لتتوافق مع ظروف التجارة الدولية، دون نظر إلى الأفكار القانونية المشابهة فى الأنظمة الوطنية، حتى ولو كانت هى التى استلهمت منها هذه الأحكام.

227-  3  انتقاد الإعفاء من توجيه الإخطار: وأثار شرط الإخطار انتقادات عديدة، إذ خلا منه مشروع الاتفاقية المقدم إلى المؤتمر الدبلوماسى بفيينا، وتأيد هذا الاتجاه من البعض بأن إلزام الطرف المضرور بتوجيه إخطار قبل الفسخ يعد إرهاقاً له، وأن الإخلال المتوقع قد يكون واضحاً بدرجة كبيرة أو غير متنازع فى شأنه بما يستلزم التحرك السريع لمواجهته [891] .

لكن وفود الدول النامية اعتبرت عدم توجيه الإخطار جزاءً قاسياً، لأنه يحرم الطرف المخالف من أية فرصة لإصلاح الوضع وتقديم ضمانات تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [892] . ونتيجة لهذه الاعتراضات أضافت اللجنة الخاصة التى شكلت لتعديل أحكام الإخلال المبتسر شرط الإخطار إلى حكم الفسخ المبتسر فى المادة 72 من الاتفاقية.

ورغم ذلك فإن شرط الإخطار الذى تمت إضافته لم يحقق الغرض المنشود منه، إذ نص على الإعفاء منه فى حالتين: الأولى إذا كان الوقت لا يسمح بتوجيهه، فلا يلتزم الطرف الذى يريد الفسخ بتوجيه إخطار بذلك إلا إذا كان الوقت يسمح له بذلك. والثانية إذا أعلن الطرف الآخر أنه سوف لا ينفذ التزاماته، فيجوز فى هذه الحالة إعلان فسخ العقد دون إخطار.

وأدى هذان الاستثناءان إلى إضعاف أهمية شرط الإخطار، إذ يسهل التحجج بتوافر أحدها لعدم توجيه الإخطار. كما جاءت عبارة "إذا كان الوقت يسمح بذلك" مطلقة من كل قيد، وترك أمر تقديرها للمتعاقد نفسه، مما أعادنا مرة أخرى إلى المعيار الشخصى والذى حاولت الاتفاقية البعد عنه فى أحكام عديدة، ومنها حكم الفسخ المبتسر نفسه كما سبق القول. إذ ما الذى يضمن
عدم إساءة استعمال هذا الحكم مادام قد تم إطلاقه على هذا النحو، خاصة أن المحاكم الوطنية يمكن أن تختلف كثيراً فى تفسيره.

أما الإعفاء من توجيه الإخطار إذا أعلن المتعاقد أنه سوف لا ينفذ التزاماته فهو غير مفهوم. إذ أن هذا الإعلان يعد فى حد ذاته صورة من صور الإخلال المبتسر بالعقد، تماثل أى صورة أخرى من صور الإخلال. بل أنه يُعد من صور الإخلال التى يمكن العدول عنها بسهولة، إذا ظل قولاً لم يتأيد بأى فعل. فكان مؤدى توجيه الإخطار أن يراجع الطرف المخالف نفسه
بما قد يؤدى إلى عدوله عن هذا الإخلال وتنفيذه العقد.

لذلك نرى انه كان من الأوفق جعل شرط الإخطار وجوبياً فى جميع الأحوال، وعدم الإعفاء من توجيهه. خاصة أن حكم وقف التنفيذ فى المادة 71 من الاتفاقية قد أخذ بذلك وجعل توجيه الإخطار وجوبياً. فلم يكن هناك مبرر للتفرقة بين الحكمين.

228- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن حكم الفسخ المبتسر فى الاتفاقية جاء كحل وسط يوفق بين الآراء المتعارضة التى أثيرت فى شأنه. وقد نجح إلى حد ما فى الحد من السلطات الواسعة التى منحها مشروع الاتفاقية للطرف الذى يرغب فى الفسخ، والتى كانت ستلحق أضراراً بالغة بالطرف الضعيف فى العقد إذا ساءت النوايا.

فجاء الحكم يرفع الحرج عن المتعاقدين ويمكنهما من التخلص من العقد إذا تأكد عدم تنفيذ أحدهما لالتزاماته، بما يؤدى إلى تقليل خسائرهما التى قد تنجم عن الاستمرار فى هذه العلاقة التعاقدية. كما اتسم هذا الحكم بقدر معقول من الموضوعية يتوافق مع حرص الاتفاقية على العقد وإشاعة الثقة فى المعاملات الدولية.

لكن رغم ذلك، فإن الاقتراح الذى قُدم من الوفد المصرى عند مناقشة هذا الحكم من مشروع الاتفاقية كان سيحقق قدراً أكبر من الانسجام مع اتجاه الاتفاقية فى الحفاظ على العقد وتقييد حالات فسخه، إذ سيسمح بقدر من التدرج قبل اللجوء إلى الفسخ. فيبدأ الأمر بتوجيه إخطار إلى الطرف المخالف، يتبعه بإيقاف تنفيذ التزاماته حتى يتم تقديم ضمانات كافية. فإذا لم تقدم هذه الضمانات جاز حينذاك فسخ العقد.

فهذا التدرج يسمح لكل من الطرفين بإعادة تقدير موقفه قبل الوصول إلى النتيجة النهائية التى لا ترغبها الاتفاقية وهى فسخ العقد. فيتمكن الطرف المخالف من معالجة ما صدر عنه من إخلال ويقدم ضمانات تؤكد عزمه على التنفيذ. كما يتمكن الطرف المضرور من التراجع عن الفسخ إذا تلقى أى تأكيد من الطرف الآخر على رغبته فى التنفيذ.

ويتفق هذا الحكم مع الحكم فى القانون التجارى الأمريكى الموحد والذى يسمح للمتعاقد بإيقاف تنفيذ التزاماته إذا نشأت أسباب معقولة لعدم اطمئنانه لتنفيذ المتعاقد الآخر لالتزاماته حتى يتم تقديم ضمانات كافية للتنفيذ المستحق. كما يتفق مع الحكم الذى أوردته قواعد الـ Unidroit والذى أجاز للمتعاقد الذى يعتقد أن إخلالاً جوهرياً سوف يُرتكب من جانب المتعاقد الآخر أن
يطالبه بتقديم ضمانات كافية، ويوقف تنفيذ التزاماته حتى يتلقى هذه الضمانات، فإذا لم تقدم خلال مدة معقولة جاز فسخ العقد.

وإذا كان هذا الاقتراح الذى قدمه الوفد المصرى لم يتم الأخذ به، فإن حكم الفسخ المبتسر فى الاتفاقية الذى تمت الموافقة عليه، كان يمكن رغم ذلك أن يحقق الأغراض المنشودة منه إذا تم تعديل حكم الإخطار ليصبح توجيهه وجوبياً فى جميع الأحوال، كما هو الحال فى حكم وقف التنفيذ.


الفصل الثانى

الفسخ الجزئى للعقد

229- تمهيد وتقسيم: رأينا أن القاعدة أن يكون فسخ العقد كلياً، فإذا ارتكب أحد المتعاقدين مخالفة للعقد، ولو كانت جزئية بأن امتنع عن تنفيذ جزء من التزاماته أو نفذ جزءاً منها على نحو معيب، فإن هذه المخالفة إذا أفقدت المتعاقد الآخر كل منفعة له من العقد توصف بأنها مخالفة جوهرية، ويحق له بالتالى فسخ العقد بأكمله. أما إذا حقق تنفيذ العقد المنفعة التى قصدها المتعاقد منه رغم ما اعتراه من قصور، فإن المخالفة المرتكبة فى هذه الحالة لا تكون جوهرية ولا تجيز له فسخ العقد [893] .

ومع ذلك قد يسمح بفسخ العقد جزئياً بالنسبة للجزء منه الذى لحقه العيب أو الذى لم يتم تنفيذه وحده، بينما يظل الجزء الآخر منه قائماً منتجاً لآثاره بين طرفيه. ويتحقق ذلك فى حالة الإخلال الجزئى بالعقد الذى تنفذ التزاماته دفعة واحدة إذا أمكن تجزئته. كما يتحقق أيضاً فى عقود البيع مع التسليم على دفعات، إذا حدثت مخالفة بشأن دفعة منها وأمكن فصلها عن باقى الدفعات.

وقد تعرضت اتفاقية فيينا لهاتين الحالتين، فوضعت حكماً للفسخ فى حالة الإخلال الجزئى بالعقد. كما وضعت حكماً آخر للفسخ فى عقود البيع على دفعات. ونتكلم عن هذين الموضوعين تباعاً.


الفرع الأول

الفسخ للإخلال الجزئى بالعقد

230- عدم جواز الوفاء الجزئى بالعقد: يرتب عقد البيع على البائع التزاماً بتسليم البضاعة المبيعة، كما يرتب على المشترى التزاماً بدفع الثمن. والأصل أن يتم ذلك دفعة واحدة، فيسلم البائع البضاعة للمشترى كاملة، ويدفع المشترى الثمن للبائع كاملاً. ويحق بالتالى للمتعاقد رفض التسليم الجزئى livraison partielle، إلا إذا وُجد اتفاق على ذلك أو فى حالتى القوة القاهرة أو القبول الضمنى [894] .

وقد أخذ القانون المدنى المصرى بهذا الحكم بعدم إجازته إجبار المدين على قبول وفاء جزئى لحقه [895] ، وأكده من ناحية زمان الوفاء بإلزامه المدين بالوفاء فوراً بالتزامه بمجرد ترتبه نهائى فى ذمته [896] ، فإذا ترتب الالتزام فى ذمة المدين على نحو بات ونهائياً يكون واجب الأداء فوراً، ففى عقد البيع يترتب فى ذمة البائع التزام بتسليم الشىء المبيع، ويترتب فى ذمة المشترى التزام بدفع الثمن، ويكون كلاهما واجب الأداء فى الحال ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك [897] ، وبالتالى لا يجوز تنفيذ جزء من الالتزام وإرجاء جزء آخر لتنفيذه فى وقت لاحق.

231- وأخذ القانون الإنجليزى بذات الحكم بنصه على أن المشترى لا يلتزم بقبول البضاعة المسلمة إليه على دفعات ما لم يتفق على غير ذلك [898] . وفى قضية Behrand & Co. Ltd. v. Produce Brokers Co. ltd. عام 1920، وافق البائعون على بيع كمية من بذرة القطن cotten seed على أن يتم تسليمها بأحد الموانئ بلندن، ووصلت السفينة الميناء وأفرغت
جزءاً صغيراً من حمولتها ثم غادرته متوجهة إلى ميناء آخر حيث أفرغت فيه بضائع أخرى، وبعد أربعة عشر يوماً عادت السفينة مرة أخرى وأفرغت الجزء المتبقى من الحمولة موضوع عقد البيع. فقضى بأحقية المشترين فى رفض الجزء الذى تم تسليمه أخيراً وقبول الدفعة الأولى [899] .

وقد ألزم القانون التجارى الأمريكى الموحد البائع بتسليم البضاعة دفعة واحدة، كما ألزم المشترى بسداد الثمن على ذات النحو، ما لم يتفق على غير ذلك [900] . وأوردت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً، فألزمت المدين بتنفيذ التزاماته دفعة واحدة إذا كان ذلك ممكناً ولم يظهر من الظروف ما يشير إلى عكسه [901] . وأجازت للدائن رفض التنفيذ الجزئى حتى ولو كان مصحوباً بضمانات لتنفيذ الجزء المتبقى، إلا إذا لم تتوافر لديه أى مصلحة مشروعة فى الرفض [902] .

232- مواجهة اتفاقية فيينا للوفاء الجزئى بالعقد: وقد واجهت اتفاقية فيينا هذا الفرض، وهو الوفاء الجزئى بالعقد، وقضت بأنه إذا لم يسلم البائع غير جزء من البضائع أو إذا كان جزء فقط من البضائع المسلمة مطابقاً للعقد تطبق أحكام الجزاءات التى قررتها فى المواد من 46 إلى 50 بشأن الجزء الناقص أو الجزء غير المطابق. ولم تجز للمشترى فسخ العقد برمته إلا إذا كان عدم التنفيذ الجزئى أو العيب فى المطابقة يشكل مخالفة جوهرية للعقد [903] .

وعلى ذلك فإنه إذا سلم البائع جزءاً من البضاعة وتخلف عن تسليم الجزء الباقى، أو وقع عدم المطابقة فى جزء من البضاعة دون الأجزاء الأخرى، فإن المشترى لا يستطيع استعمال حقوقه التى قررتها له الاتفاقية إلا بخصوص الجزء من العقد الذى وقعت فى شأنه المخالفة، فيطالب البائع بتسليم الجزء الناقص من البضاعة أو إصلاح الجزء غير المطابق فيها أو تخفيض الثمن بالنظر إلى هذا الجزء، ويضاف إلى ذلك المطالبة بالتعويض. كما يجوز له فسخ العقد فيما يتعلق بهذا الجزء فقط دون باقى أجزاء العقد التى تم فيها التسليم سليماً [904] .

وقد جاء هذا الحكم متسقاً مع السياسة العامة التى سارت عليها الاتفاقية وهى محاولة الحفاظ على العقد كلما أمكن ذلك، فلا يستطيع المشترى أن يفسخ العقد بأكمله إذا كان الإخلال قد حدث بشأن جزء منه فقط، لكنه يفسخ العقد بخصوص هذا الجزء وحده، ويظل العقد بالنسبة لباقى الأجزاء التى لم يحدث إخلال بها قائماً ومنتجاً لآثاره [905] .

وكانت اتفاقية لاهاى قد أخذت بحكم مماثل فقصرت حق المشترى في فسخ العقد إذا حدث إخلال جزئى به على هذا الجزء الذى حدث الإخلال فى شأنه. ولم تجز الفسخ الكلى للعقد إلا إذا كان هذا الإخلال يشكل مخالفة جوهرية بالنسبة للعقد كله [906] .

233- الفسخ الجزئى للعقد فى القانون المصرى: إذا كان القانون المدنى المصرى لم يشر صراحةً إلى الفسخ الجزئى للعقد، إلا أن الرأى الراجح فى الفقه يؤيد إعطاء القاضى سلطة الحكم بالفسخ الجزئى إذا كان عدم التنفيذ الجزئى لم يبلغ قدراً من الأهمية بالنسبة للالتزام فى جملته. فالحكم بالفسخ الجزئى فى هذه الحالة قد يكون أكثر ملاءمة وأوفر لمصلحة الطرفين، خاصة إذا كان الالتزام قابلاً للتجزئة والانقسام. ويكون الفسخ الجزئى بتخفيض ثمن البضاعة بقدر ما نقص منها أو بقدر ما استحق [907] .

كما يمكن أن يُعد من قبيل الفسخ الجزئى للعقد ما نص عليه القانون من أنه إذا نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه جاز للمشترى إما أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد لما تم البيع، وإما أن يبقى البيع مع إنقاص الثمن [908] . والحكم بإنقاص الثمن مقابل نقص قيمة المبيع هو بمثابة فسخ جزئى للعقد [909] .

ويماثل ذلك ما نص عليه قانون التجارة الجديد من أنه لا يقضى للمشترى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه، ما لم يوجد اتفاق
أو عرف يقضى بوجوب الفسخ. ويكتفى عند رفض طلب الفسخ بإنقاص الثمن دون إخلال بحق المشترى فى التعويض [910] . فيعد إنقاص الثمن هنا فسخاً  جزئياً للعقد.

234- الفسخ الجزئى للعقد فى اتفاقية فيينا: اختارت اتفاقية فيينا أن تنص صراحة على جواز الفسخ الجزئى للعقد، وجعلت هذا الفسخ هو الأساس فى حالة الإخلال الجزئى بالعقد من جانب البائع، فلا يتم فسخ العقد إلا بالنسبة للجزء من العقد الذى حدث بشأنه الإخلال. أى أن يتعامل المشترى مع هذا الجزء باعتباره عقداً مستقلاً فيعلن فسخه وحده، ويمتنع عن تنفيذ التزامه بدفع ثمن ذلك الجزء أو يسترد هذا الثمن إذا كان قد دفعه [911] .

ورغم أن حكم الفسخ الجزئى قصد به أن يواجه العقود التى يتم تسليم البضاعة فيها دفعة واحدة، إذ تم تخصيص مادة أخرى هى المادة 73 للفسخ فى عقود البيع مع التسليم على دفعات [912] ، إلا أن ألفاظ الحكم جاءت عامة بحيث تشمل جميع العقود سواء تم التسليم فيها دفعة واحدة أو على دفعات [913] .

235- الاستفادة من حكم الفسخ الجزئى وحالات الإخلال التى تبرره: قصرت الاتفاقية حكم الفسخ الجزئى على المشترى، فهو وحده الذى يستطيع إعلان الفسخ الجزئى للعقد بشأن الجزء الناقص أو غير المطابق من البضاعة، ولا يملك البائع مثل هذا الحق [914] .

كما حددت الاتفاقية حالات الإخلال الجزئى التى يمكن أن تصدر من البائع بأنها الإخلال الجزئى المتعلق بالناحية الكمية، بأن لا يسلم البائع غير جزء من البضاعة، والإخلال الجزئى المتعلق بالناحية النوعية، بأن يكون جزء فقط من البضاعة المسلمة مطابقاً للعقد [915] .

ويظهر من ذلك أن حكم الفسخ الجزئى لا يطبق إذا تعلق الأمر بإخلال المشترى بالتزاماته جزئياً، كما لا يطبق إذا كان الإخلال من جانب البائع فيما يتعلق بأى التزام آخر من الالتزامات التى تقع على عاتقه خلاف التزامه
بتسليم البضاعة كاملة بحالة مطابقة لما اتفق عليه فى العقد.

ونرى أن هذه التفرقة غير مبررة، إذ أن هناك حالات أخرى لم يشملها حكم الاتفاقية يتصور الفسخ الجزئى بشأنها. فقد يخل المشترى بالتزامه بدفع الثمن فلا يدفع إلا جزءاً منه فقط، فيفسخ البائع العقد جزئياً ولا يسلمه سوى جزء من البضاعة يقابل الثمن الذى تم دفعه. وقد يخل البائع بالتزامه بتسليم المستندات، فلا يسلم المشترى سوى مستندات تمثل جزءاً من البضاعة فقط،
كما يحدث لو مثل البضاعة أكثر من سند شحن، فيفسخ المشترى العقد بالنسبة للجزء من البضاعة الذى لم يتمكن من استلامه بسبب عدم استلام مستنداته. كما قد يسلم البائع جزءاً من البضاعة فى غير المكان المتفق عليه، ويتعذر إعادتها إلى هذا المكان بسبب تجاوز التاريخ المحدد للتسليم والذى يُعد أمراً جوهرياً فى العقد، فيفسخ المشترى العقد بالنسبة لهذا الجزء الذى حدث
الإخلال بشأنه، فكان الأوفق أن يكون حكم الفسخ الجزئى مقرراً لكل من البائع والمشترى على حد سواء وبخصوص الإخلال الجزئى بأى التزام من التزاماتهما.

236- اشتراط إمكان تجزئة العقد: يستلزم حكم الفسخ الجزئى بالطبع إمكان تجزئة العقد سواء من الناحية النوعية أو من الناحية الكمية [916] . ويتحقق ذلك إذا أمكن فصل هذا الجزء عن العقد دون أن يتأثر غرض المشترى من التعاقد بالنسبة للجزء الباقى، بحيث ينظر إلى كل منهما باعتباره عقداً مستقلاً.

 فقد يقبل العقد التجزئة من الناحية النوعية، كأن تكون البضاعة المبيعة أنواعاً مختلفة من الفواكه، ويسلم البائع جميع الأنواع كاملة ومطابقة للعقد عدا نوعاً واحداً يسلم جزءاً منه فقط أو يكون جزء منه غير مطابق للعقد، فيتم فسخ العقد بالنسبة لهذا النوع الأخير وحده.

كما يمكن أن يقبل العقد التجزئة من الناحية الكمية، وهو ما يحدث إذا كانت البضاعة المبيعة وحدات متماثلة [917] . كأن يتعلق العقد ببيع مائة جهاز حاسب آلى يتخلف البائع عن تسليم خمسة أجهزة منها أو تكون هذه الأجهزة الخمسة غير مطابقة للعقد، فيفسخ المشترى العقد بالنسبة لها وحدها.

أما إذ كان من غير الممكن تجزئة العقد، كأن يكون المبيع ماكينة ضخمة، وحدث إخلال بخصوص جزء منها لم يتم تسليمه أو كان غير مطابق للعقد، فلا يتصور فسخ العقد بالنسبة لهذا الجزء وحده.

237- اشتراط ارتكاب مخالفة جوهرية: ويجب للحكم بالفسخ الجزئى للعقد أن يشكل الإخلال الذى حدث بشأن جزء من العقد مخالفة جوهرية بالنسبة لهذا الجزء من العقد وحده، أى أن ينظر إلى هذا الجزء باعتباره عقداً مستقلاً لتقدير ما إذا كان الإخلال الذى حدث بشأنه يُعد مخالفة جوهرية أم لا. فإذا كان موضوع البيع مائة وحدة من نوع معين من الفاكهة وعشرين وحدة
من نوع آخر، فإن تسليم العشرين وحدة الأخيرة ناقصة أو بها عيب في المطابقة يعطى المشترى الحق فى فسخ العقد بالنسبة لهذا الجزء وحده، إذا كانت المخالفة المرتكبة تُعد جوهرية بالنسبة له [918] .

وإذا كانت المخالفة المرتكبة غير جوهرية بالنسبة لهذا الجزء، فإنه يجوز للمشترى فى حالة عدم التسليم أن يمنح البائع مهلة إضافية لتسليم الجزء الناقص، فإذا انقضت هذه المهلة دون أن ينفذ التزامه بالتسليم تحولت المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية تجيز له فسخ العقد بالنسبة للجزء الذى حدث الإخلال بشأنه [919] .

ويُعد هذا الحكم تطبيقاً للقواعد العامة التى أقرتها الاتفاقية بشأن الفسخ، والتى لا تجيزه للمشترى إلا إذا كانت المخالفة جوهرية أو فى حالة عدم التسليم إذا لم يقم البائع بالتسليم خلال المهلة الإضافية الممنوحة له [920] . وإنما اقتصر تطبيق هذه القواعد هنا على الجزء الناقص أو الجزء غير المطابق تطبيقاً لحكم الاتفاقية الذى قضى أنه إذا لم يسلم البائع غير جزء من البضائع أو كان جزء فقط من البضائع المسلمة مطابقاً للعقد، تطبق أحكام المواد من 46 إلى 50
بشأن الجزء الناقص أو الجزء غير المطابق [921] .

238- الفسخ الكلى للعقد: وأجازت الاتفاقية الفسخ الكلى للعقد إذا حدث إخلال جزئى به فى حالة واحدة هى إذا كان عدم التنفيذ الجزئى أو العيب فى المطابقة يشكل مخالفة جوهرية للعقد [922] . وعلى ذلك إذا كان نقص البضاعة
أو عدم مطابقة جزء منها يشكل منذ البداية مخالفة جوهرية يمتد أثرها إلى العقد برمته بحيث يسبب ضرراً للمشترى يحرمه مما كان يتوقع الحصول عليه بموجب العقد، كان له فى هذه الحالة أن يفسخ العقد كلياً، كأن يكون المبيع ماكينة تصل مفككة وعند تركيبها يتضح نقص جزء منها لا يمكن الاستغناء عنه أو عدم مطابقته بحيث يتعذر تشغيلها، ففى هذه الحالة يجوز للمشترى فسخ العقد كله ولا يقتصر حقه فى الفسخ على الجزء الناقص أو المعيب وحده [923] .

ويُعد هذا الحكم تأكيداً للقاعدة التى وضعتها الاتفاقية فى شأن الفسخ فى المادة 49 منها، والتى بموجبها لا يجوز فسخ العقد إلا إذا كانت المخالفة التى ارتكبها المتعاقد تشكل مخالفة جوهرية للعقد. كما يُعد تأكيداً لما أوردته المادة 51 نفسها فى فقرتها الأولى فيما يتعلق بالفسخ الجزئى للعقد، إذ أن تفسيره بمفهوم المخالفة يفهم منه أن المخالفة إذا لم تكن جوهرية بالنسبة للعقد برمته فلا يجوز فسخه كلياً، وإنما يمكن فى هذه الحالة فسخه جزئياً بخصوص الجزء من العقد الذى وقعت فى شأنه المخالفة [924] .

ويستنتج من هذا الحكم أن الفسخ الكلى للعقد فى حالة الإخلال الجزئى به لا يكون إلا فى حالة واحدة هى أن يشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد برمته، فلا يجوز استخدام إجراء المهلة الإضافية للوصول إلى فسخ العقد إذا انقضت دون تنفيذ [925] . فإذا تم تسليم جزء فقط من البضاعة المبيعة فإن المشترى لا يجوز له منح البائع مهلة إضافية لتسليم الجزء المتبقى وفسخ العقد إذا انقضت دون تسليم، وإنما يتعين عليه الانتظار حتى يتأكد من أن تأخير البائع فى التسليم يشكل مخالفة جوهرية للعقد [926] .

وعلى ذلك فإن المهلة الإضافية لا يجوز استخدامها إلا لفسخ العقد فيما يتعلق بالجزء الذى لم يتم تسليمه، فإذا كانت البضاعة المبيعة تنقسم إلى مائة وحدة سلم البائع تسعين وحدة منها كاملة ومطابقة للعقد بينما امتنع عن تسليم عشر وحدات فإن المشترى يستطيع عن طريق منح مهلة إضافية للبائع لتسليم الوحدات المتبقية أن يفسخ العقد إذا انقضت دون تنفيذ ولكن بالنسبة للعشر وحدات التى لم يتم تسليمها فقط. أما الفسخ الكلى للعقد فلا يجوز إلا إذا كانت المخالفة المرتكبة تُعد جوهرية بالنسبة للعقد برمته [927] .

239- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن حرص اتفاقية فيينا على الحفاظ على العقد يظهر واضحاً فيما قررته من جواز الفسخ الجزئى للعقد. فيقتصر الفسخ على الجزء من العقد الذى وقع بشأنه الإخلال، ويظل قائماً ومنتجاً لآثاره بالنسبة لباقى الأجزاء التى لم يحدث إخلال بها. وسارت الاتفاقية على نفس نهجها من ضرورة ارتكاب مخالفة جوهرية لإجازة إعلان فسخ العقد، سواء كانت مخالفة جوهرية أصلية أو مكتسبة بعد منح مهلة إضافية للتنفيذ. لكن المخالفة الجوهرية هنا يتم تقديرها بالنظر إلى الجزء من العقد الذى سيتم فسخه وحده.

وقصرت اتفاقية فيينا حكم الفسخ الجزئى على المشترى وحده، وفيما يتعلق بإخلال البائع المتعلق بالناحية الكمية بألا يسلم غير جزء من البضاعة، والمتعلق بالناحية النوعية بأن يكون جزء فقط من البضاعة المسلمة مطابقاً للعقد. وإن كنا نرى أنه كان من الأفضل تعميم هذا الحكم ليشمل البائع والمشترى وبخصوص الإخلال الجزئى بأى التزام من التزاماتهما.

أما الفسخ الكلى للعقد فى حالة الإخلال الجزئى به فلا يكون إلا فى حالة واحدة هى أن يشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد برمته. وترتب على هذا الحكم عدم جواز استخدام إجراء المهلة الإضافية للوصول إلى فسخ العقد بعد انتهائها دون تنفيذ، مادام قد تم تنفيذ العقد جزئياً.


الفرع الثانى

الفسخ فى عقود البيع على دفعات

240- تمهيد وتقسيم: إذا كان الأصل أن ينفذ المتعاقدان فى عقد البيع التزاماتهما دفعة واحدة، فإن الاتفاق بينهما قد يكون على تسليم البضاعة على دفعات، سواء كان الاتفاق على دفع ثمن البضاعة بالكامل أو على دفعات أيضاً بحيث تقابل كل دفعة يتم تسليمها من البضاعة دفعة يتم الوفاء بها من الثمن [928] . وهذا النوع من التسليم هو السائد فى البيوع الدولية نظراً لضخامة الكميات المبيعة وتعذر نقلها وتسليمها دفعة واحدة، أو لاحتياج المشترى للبضاعة المبيعة فى أوقات مختلفة خلال العام حتى يتمكن من تصريفها ولمواجهة احتياجاته طوال هذه الفترة [929] .

ويثور التساؤل حول مصير عقد البيع فى حالة التسليم على دفعات إذا وقع إخلال بخصوص دفعة من هذه الدفعات، هل يحق للطرف المضرور فسخ عقد البيع كله، أم يقتصر حقه على فسخ الدفعة التى وقع بشأنها الإخلال فقط؟.

القاعدة العامة أن الطرف المضرور يحق له المطالبة بفسخ العقد كله إذا وقع إخلال فى دفعة منه، لأن العقد يُعد وحدة واحدة وليس مؤدى الاتفاق على تسليم البضاعة المبيعة على دفعات أن يتجزأ العقد وتصبح كل دفعة بمثابة عقد مستقل، لأن الأمر لا يتعلق بالعقد نفسه وإنما بكيفية تنفيذ الالتزام بالتسليم [930] .

لكن اتفاقية فيينا وضعت حكماً خاصاً لعقود البيع على دفعات لم تأخذ فيه بهذه القاعدة العامة، إذ جعلت الأصل الفسخ الجزئى للعقد فى حالة الإخلال بدفعة من الدفعات، وأجازت الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة وحدها، كما أجازت فسخ العقد كله، كل ذلك بشروط معينة. وهو ما نتكلم عنه تباعاً.

المبحث الأول

الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات

241- وضعت اتفاقية فيينا قاعدة عامة للفسخ فى عقد البيع على دفعات [931] ، تتمثل فى أنه إذا كان عدم تنفيذ أحد الطرفين لالتزام من التزاماته المتعلقة بإحدى الدفعات يشكل مخالفة جوهرية للعقد بشأن تلك الدفعة جاز للطرف الآخر فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة وحدها [932] .

ويُعد هذا الحكم تطبيقاً لحكم الفسخ الجزئى الذى نصت عليه الاتفاقية فى الفقرة الأولى من المادة 51، والذى يفترض أن البائع لم يسلم إلا جزءاً من البضاعة أو سلم جزءاً منها غير مطابق للعقد ولم يجز للمشترى فسخ العقد إلا فيما يتعلق بالجزء الناقص أو الجزء غير المطابق. لكن الحكمين يختلفان فى أن حكم الفسخ الجزئى فى عقد البيع على دفعات جاء عاماً يطبق على كل من البائع والمشترى وبخصوص أى التزام من التزاماتهما [933] .

وقد أضيف هذا الحكم عند مناقشة مشروع الاتفاقية عام 1977، إذ لوحظ أنه لا يوجد حكم يُمكن البائع من فسخ العقد جزئياً يماثل الحكم الذى يسمح للمشترى بذلك والذى أصبح بعد ذلك المادة 51. وقد اعتبر هذا الحكم ذا فائدة لأنه يعطى البائع الحق فى الامتناع عن تنفيذ التزامه إذا أخل المشترى بالتزامه المقابل فيما يتعلق بدفعة واحدة، حتى ولو كان هذا الإخلال لا يرجح ارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة فلا يتمكن من فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعات [934] .

ولم يرد فى اتفاقية لاهاى لعام 1964 حكم خاص بالفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات، إذ لم تنظم سوى الفسخ المبتسر لهذا العقد فيما يتعلق بالدفعات المستقبلة، والفسخ الكلى له فى حالة وجود ارتباط بين الدفعات [935] .

لكن حكم اتفاقية فيينا يماثل الحكم فى القانون التجارى الأمريكى الموحد والذى أعطى المشترى الحق فى رفض أى دفعة من عقد البيع على دفعات إذا كانت غير مطابقة للعقد بشرط أن تؤدى عدم المطابقة إلى حرمانه بصفة جوهرية من قيمة هذه الدفعة بالنسبة له وكان من المتعذر إصلاحها [936] . إلا أن حكم القانون الأمريكى مقصور على المشترى وحده كما هو الحال في المادة 51 من الاتفاقية.

242- المقصود بعقد البيع على دفعات: ويقتصر حكم الفسخ الجزئى الذى أوردته اتفاقية فيينا فى الفقرة الأولى من المادة 73 على عقد البيع على دفعات، فلا يطبق على العقد الذى يتفق فيه على تسليم البضاعة دفعة واحدة وسداد مقابله كذلك [937] . ولم تعرف الاتفاقية عقد البيع على دفعات، لكن يمكن القول بأنه عقد واحد يتفق فيه على تسليم البضاعة المبيعة على دفعات بحيث يحدد فى العقد كمية كل دفعة وموعد تسليمها بأى صورة من صور التحديد، وقد يتفق على دفع ثمن كل دفعة على انفراد أو دفع ثمن البضاعة كلها جملة واحدة، ويلتزم المشترى باستلام كل دفعة منفردة [938] .

ومثال عقد البيع على دفعات أن يكون البيع عقد توريد يتفق فيه على أن يورد البائع البضاعة للمشترى بكميات معينة فى أوقات دورية، وتتضمن كل دفعة اتفق على توريدها التزامات متقابلة على عاتق كل واحد من المتعاقدين [939] .

وعلى ذلك يجب أن نكون أولاً بصدد عقد واحد تتضمنه وثيقة واحدة، فإذا أبرم الطرفان عقوداً مختلفة تجمعها وثائق مختلفة دوّن فى كل منها الشروط الخاصة بها، فلا نكون بصدد عقد بيع على دفعات حتى ولو تماثلت الشروط فى كل عقد.

ولا يشترط أن تكون دفعات البضاعة المتفق عليها فى العقد متماثلة من ناحية كميتها أو أن تكون من نوع واحد [940] . فقد تختلف كميات البضاعة من دفعة إلى أخرى، كما قد تختلف نوعية البضاعة نفسها فى كل دفعة. كأن يتفق على بيع ألف طن من القمح مقسمة على ثلاث دفعات تكون الدفعة الأولى منها خمسمائة طن بينما تكون الدفعتان الثانية والثالثة كل منهما مائتى
وخمسين طناً. وقد تكون الدفعة الأولى فى عقد البيع هى عدد من الماكينات المتفق على شرائها بينما تكون باقى الدفعات هى قطع الغيار الخاصة بها، أو تتضمن دفعات العقد عدداً من الماكينات تؤدى كل منها وظيفة مختلفة عن الأخرى وتجمعها فى النهاية عملية إنتاجية واحدة.

ويشترط أن تتعدد دفعات البضاعة المتفق على تسليمها، فلا يكفى تعدد دفعات السداد [941] . فإذا اتفق فى العقد على تسليم البضاعة دفعة واحدة وسداد الثمن على دفعات فلا نكون بصدد عقد بيع على دفعات، فيطبق فى شأن هذا العقد القواعد العامة فى الفسخ. وإن كان البعض قد ذهب إلى تطبيق حكم الفسخ الجزئى فى هذه الحالة بطريق القياس [942] ، لكننا لا نؤيد هذا الرأى
ونرى أن العقد هنا لا يعد عقد بيع على دفعات خاصة أن نص الفقرة الأولى من المادة 73 خص حكمها بالعقود التى تقضى بتسليم البضائع على دفعات، فلا يطبق على العقود التى اقتصرت على سداد الثمن وحده على دفعات.

243- اشتراط ارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة لدفعة من الدفعات: ويجب لفسخ عقد البيع على دفعات فيما يتعلق بدفعة منه أن يرتكب أحد المتعاقدين مخالفة جوهرية بخصوص هذه الدفعة [943] . فسارت بذلك الاتفاقية على ذات النهج الذى سارت عليه من قبل من ناحية ربط الفسخ بارتكاب مخالفة جوهرية، لكن المخالفة الجوهرية هنا يتم تقديرها بالنظر إلى دفعة واحدة، أى أن ينظر إلى هذه الدفعة باعتبارها عقداً مستقلاً لتقدير ما إذا كان الإخلال الذى حدث بشأنها يشكل مخالفة جوهرية أم لا.

 وقد قصدت الاتفاقية بذلك محاولة الحفاظ على العقد وتجنب النتائج شديدة القسوة التى يمكن أن تنتج من الإخلال الذى يلحق جزءاً من العقد يمكن فصله عن باقى الأجزاء [944] . فيسمح للمتعاقد بأن يتعامل مع كل دفعة باعتبارها عقداً مستقلاً، ويفسخ العقد بالنسبة للدفعة التى وقع الإخلال بشأنها وحدها إذا شكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية بالنسبة لها [945] .

ويماثل هذا الحكم ما نصت عليه المادة 51 من الاتفاقية فى فقرتها الأولى والتى أجازت فسخ العقد جزئياً فيما يتعلق بالجزء الناقص أو الجزء غير المطابق وحده بشرط أن تكون المخالفة المرتكبة جوهرية بالنسبة لهذا الجزء [946] .

ويجب أن تكون المخالفة الجوهرية قد ارتكبت فعلاً، فلا يكفى أن يظهر ما يرجح ارتكابها فى المستقبل لأننا لسنا بصدد فسخ مبتسر للعقد، إذ أن الفسخ هنا يتعلق بدفعة أو دفعات تم تنفيذها فعلاً وحدث إخلال بشأنها، ولا يتعلق بالدفعات المستقبلة والتى وضعت لها الاتفاقية حكماً خاصاً [947] .

ولا توجد صعوبة فى تقدير ما إذا كانت المخالفة تعد جوهرية بالنسبة لدفعة من الدفعات إذا كانت هذه الدفعة يسهل فصلها عن باقى الدفعات بحيث يمكن استعمالها أو إعادة بيعها وحدها. لكن الصعوبة تثار إذا كانت الدفعات جميعها تشكل وحدة متكاملة، كما هو الحال فى بيع ماكينة ضخمة تسلم على أجزاء ليتم تجميعها وتركيبها فى منشأة المشترى، ففى هذه الحالة يتعذر تقدير مدى جوهرية المخالفة إلا بالنظر إلى العقد بأكمله [948] .

لذلك نرى أنه فى هذه الحالة الأخيرة لا يمكن فسخ العقد بالنسبة للدفعة التى حدث الإخلال بشأنها وحدها لارتباطها بباقى الدفعات، ولن يكون أمام المتعاقد سوى فسخ العقد بالتطبيق للقواعد العامة إذا شكل الإخلال مخالفة جوهرية للعقد بأكمله، أو الفسخ الكلى للعقد بالتطبيق للفقرة الثالثة من المادة 73 إذا توافرت شروطها.

244- ويظهر من نص الفقرة الأولى من المادة 73 أنها لا تجيز فسخ العقد بالنسبة لدفعة من الدفعات إلا إذا ارتكبت مخالفة جوهرية بالنسبة لهذه الدفعة، فلم تتضمن إجازة استخدام إجراء المهلة الإضافية لفسخ العقد إذا انقضت دون تنفيذ. عكس ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 51  والتى أجازت صراحةً استخدام المهلة الإضافية لفسخ الجزء من العقد الذى
وقع بشأنه الإخلال [949] .

لكننا نرى أن هذا الرأى لا يستند إلى أساس سليم، وأنه يجوز للمتعاقد أن يستخدم إجراء المهلة الإضافية لفسخ عقد البيع على دفعات فيما يتعلق بالدفعة التى وقع الإخلال بشأنها وحدها [950] .

يؤيد ذلك أن نص الفقرة الأولى من المادة 73 أجاز فسخ العقد بالنسبة للدفعة التى وقع الإخلال بشأنها إذا شكل الإخلال مخالفة جوهرية بالنسبة لهذه الدفعة، ولم يقصر الفسخ على هذه الحالة وحدها. فيجوز أيضاً تطبيق حكم المهلة الإضافية هنا بطريق القياس على الفسخ الجزئى الذى نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 51، إذ يؤدى عدم الأخذ بذلك إلى مغايرة لا مبرر لها.

245- استفادة البائع والمشترى من حكم الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات: ويطبق حكم الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات إذا ارتكبت مخالفة جوهرية بالنسبة لدفعة منه سواء كان الذى ارتكبها هو البائع أو المشترى، فسوت الاتفاقية بينهما فى تطبيق هذا الحكم. فيجوز للمشترى فسخ العقد فيما يتعلق بدفعة من الدفعات إذا أخل البائع بالتزاماته فيما يتعلق بهذه الدفعة كأن يمتنع عن تسليم البضاعة الخاصة بها أو يقوم بتسليمها غير مطابقة. كما يجوز ذلك للبائع إذا أخل المشترى بالتزاماته المتعلقة بهذه الدفعة كأن يمتنع عن استلام البضاعة الخاصة بها أو يتخلف عن سداد ثمنها [951] .

ويختلف بذلك هذا الحكم عن حكم الفسخ الجزئى الذى أوردته الاتفاقية فى الفقرة الأولى من المادة 51، والتى قصرت الحق فى الاستفادة منه على المشترى، فهو وحده الذى يستطيع إعلان الفسخ الجزئى للعقد فيما يتعلق بالجزء الناقص أو غير المطابق من البضاعة ولا يملك البائع مثل هذا الحق [952] .


وعلى ذلك فإن المشترى يستطيع مواجهة إخلال البائع الذى يتعلق بدفعة من الدفعات بأن يفسخ العقد بشأن الجزء الناقص أو غير المطابق إذا شكل الإخلال مخالفة جوهرية بالنسبة لهذا الجزء استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة 51. كما يستطيع فسخ العقد فيما يتعلق بالدفعة التى وقع بشأنها الإخلال إذا كان عدم تنفيذ البائع لالتزاماته المتعلقة بهذه الدفعة يشكل مخالفة جوهرية
بالنسبة لها استناداً إلى الفقرة الأولى من المادة 73. أما البائع فلا يجوز له فسخ العقد إذا أخل المشترى بالتزاماته المتعلقة بدفعة من الدفعات إلا إذا توافرت الشروط التى تطلبتها الفقرة الأولى من المادة 73 وحدها.

246- قصر الفسخ على الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها: ورتبت الاتفاقية على ارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة جوهرية بخصوص دفعة من الدفعات إجازة إعلان فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة وحدها. فنظرت إلى كل دفعة باعتبارها عقداً مستقلاً يطبق عليها وحدها قواعد الفسخ [953] .

فإذا تعاقد المشترى مع البائع على أن يورد له ألف طن من القمح من نوع معين فى عشر دفعات متتالية، وعند تنفيذ العقد جاءت الأربع دفعات الأولى مطابقة لما اتفق عليه فى العقد بينما جاء القمح موضوع الدفعة الخامسة غير صالح للاستهلاك. فإنه إذا تم تقدير هذه المخالفة بالنظر إلى العقد بأكمله لن تشكل فى الغالب مخالفة جوهرية، إلا أنها بالطبع تُعد مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعة الخامسة وحدها إذا نظرنا إليها باعتبارها عقداً مستقلاً. فيستطيع المشترى فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة وحدها، ويترتب على ذلك أن يتم تعديل العقد ليصبح منصباً على تسعمائة طن من القمح فقط ويخفض الثمن بهذه النسبة [954] .

ولا يلزم لفسخ العقد بخصوص الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها توجيه إخطار سابق بالعزم على الفسخ، كما لا يمنح الطرف المخالف فرصة لتقديم ضمانات كافية لتنفيذ التزامه [955] .

ويختلف هذا الحكم بذلك عن حكم الفسخ المبتسر للعقد الذى يلزم فيه توجيه إخطار بالعزم على الفسخ إذا سمح الوقت بذلك، ولا يسمح بإعلان الفسخ إذا قدم المتعاقد الذى وجه إليه الإخطار ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزامه [956] . ويرجع ذلك إلى أن الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات هو - كما سبق القول - فسخ للعقد بسبب إخلال حدث فعلاً  يتعلق بالتزامات حل أجل تنفيذها، أما الفسخ المبتسر فيتعلق بإخلال بالتزامات لم يحل أجل تنفيذها بعد.

ويختلف هذا الحكم أيضاً عن الحكم فى القانون التجارى الأمريكى الموحد والذى يلزم المشترى بقبول الدفعة غير المطابقة إذا قدم البائع ضمانات كافية تكفل إصلاح عدم المطابقة [957] .


247- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات جاء تطبيقاً لحكم الفسخ الجزئى الذى أوردته الاتفاقية فى الفقرة الأولى من المادة 51، إلا أنه يطبق بصفة عامة على البائع والمشترى وبخصوص الإخلال بأى التزام من التزاماتهما إذا شكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للدفعة التى حدث بشأنها.

وقد جاء هذا الحكم تأكيداً لرغبة الاتفاقية فى الحفاظ على العقد، باستبعاد الدفعات التى حدث إخلال بشأنها والإبقاء على ما صلح منها. وجاء تقريرها هذا الحكم حتى لا يثور نزاع بين المتعاقدين بشأن أثر هذا الإخلال على العقد بأكمله، فيتعرف كل متعاقد على الإجراء الذى يجب أن يتخذه فى هذه الحالة وهو أن يستبعد الدفعة التى حدث إخلال بشأنها ويستبقى باقى الدفعات بحيث ترتب آثارها بينهما.


المبحث الثانى

الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات

248- إذا كانت القاعدة التى وضعتها اتفاقية فيينا لعقد البيع على دفعات هى إجازة إعلان الفسخ بالنسبة للدفعة التى وقعت المخالفة الجوهرية بمناسبتها وحدها، والإبقاء على الدفعات الأخرى سواء السابقة على هذه الدفعة أو اللاحقة عليها [958] . فإنها أجازت مع ذلك إعلان الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة إذا كان عدم تنفيذ أحد الطرفين لالتزام من التزاماته المتعلقة بإحدى الدفعات يعطى الطرف الآخر أسباباً جدية للاعتقاد بأنه ستكون هناك مخالفة جوهرية للعقد بشأن الالتزامات المقبلة [959] .

فإذا تخلف المشترى عن دفع ثمن دفعة من الدفعات بسبب إفلاسه، فلا يتصور أن يقدم البائع على المخاطرة بتسليم البضاعة فى الدفعات اللاحقة إليه رغم ما ظهر من عدم استطاعته دفع ثمنها. وإذا تأخر البائع فى تسليم البضاعة فى دفعة من الدفعات لتأخره فى تصنيعها بحيث لا يمكنه تعويض هذا التأخير فى الدفعات المستقبلة، فلا يتصور أن ينتظر المشترى حصوله على البضاعة فى هذه الدفعات أو يدفع ثمنها رغم ما ظهر من عدم استطاعة البائع تسليمها له فى الميعاد المحدد ورغم حاجة المشترى الملحة فى الحصول عليها في هذا الميعاد [960] . ففى هذه الأحوال يصبح فسخ العقد بالنسبة للدفعات المستقبلة أمراً مبرراً.

249- الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات فى اتفاقية لاهاى: وقد تعرضت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 لذات الحكم فقضت بأنه فى عقد البيع على دفعات إذا أدى عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المتعلقة بدفعة منه إلى توافر أسباب جدية لاعتقاد الطرف الآخر أنه لن ينفذ التزاماته المستقبلة، فإن هذا الطرف يستطيع خلال ميعاد قصير إعلان فسخ العقد بالنسبة للمستقبل [961] .

فإذا تخلف البائع عن تسليم دفعة من المبيع، وتبين للمشترى أن هذا الإخلال ناشئ عن اضطراب أعماله وتوقف مصانعه عن العمل وسيتبعه فى أغلب الظن عجزه عن تسليم الدفعات التالية، جاز له فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعات التالية. وكذلك الحال إذا تخلف المشترى عن دفع ثمن إحدى الدفعات، وكشف ذلك عن سوء مركزه المالى وعجزه عن دفع ثمن الدفعات التالية، جاز للبائع فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعات التالية [962] .

250- الفسخ المبتسر لعقد التوريد وعقد البيع على دفعات فى قانون التجارة المصرى: ويقترب حكم اتفاقية فيينا مما نص عليه قانون التجارة المصرى بخصوص عقد التوريد من أنه إذا تخلف أحد الطرفين عن تنفيذ التزاماته بشأن أحد التوريدات الدورية فلا يجوز للطرف الآخر فسخ العقد إلا إذا كان من شأن التخلف عن التنفيذ إحداث ضرر جسيم له أو إضعاف الثقة فى مقدرة الطرف الذى تخلف عن التنفيذ على الاستمرار فى تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة [963] .

ذلك أن فسخ العقد هنا سوف يكون مبتسراً بخصوص دفعات التوريد المستقبلة لأن الإخلال بشأنها لم يحدث بعد، وإنما أدى الإخلال الذى حدث بشأن أحد التوريدات إلى توافر أسباب جدية للاعتقاد بأن الطرف المخالف لن يتمكن من تنفيذ التوريدات اللاحقة بصورة منتظمة. ولن يشمل الفسخ فى هذه الحالة دفعات التوريد التى تم تنفيذها لأن عقد التوريد يخضع للقواعد الخاصة بالعقود المستمرة، فإذا فسخ لا ينسحب أثر الفسخ إلى ما تم تنفيذه من دفعات وإنما يقتصر أثره على الدفعات المستقبلة [964] . ولا يتناول الفسخ ما سبق توريده من كميات إلا إذا كان العقد غير قابل للتجزئة [965] .

كما جاء قريباً من ذلك ما نص عليه قانون التجارة المصرى أيضاً بخصوص عقد البيع على دفعات من أنه إذا اتفق على تسليم المبيع على دفعات جاز للمشترى أن يطلب الفسخ إذا لم يقم البائع بتسليم إحدى الدفعات في الميعاد المتفق عليه، ولا يسرى الفسخ على الدفعات التى تم تسليمها إلا إذا ترتب على تبعيض المبيع ضرر جسيم للمشترى [966] . فيشمل الفسخ هنا الدفعة التى لم يتم تسليمها والدفعات المستقبلة، ويكون بالنسبة لهذه الأخيرة مبتسراً.

- شروط الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات فى اتفاقية فيينا:

251-  1  الإخلال بإحدى دفعات العقد: ويجب لتطبيق حكم الفسخ المبتسر بالنسبة للدفعات المستقبلة فى اتفاقية فيينا أن يصدر عن أحد المتعاقدين إخلال بإحدى دفعات العقد، بأن يختلف عن تنفيذ التزام من التزاماته المتعلقة بهذه الدفعة [967] .

ويستوى أن يصدر هذا الإخلال من البائع أو المشترى، إذ سوت الاتفاقية بينهما فى هذا الحكم كما هو الحال فى حكم الفسخ الجزئى لعقد البيع على دفعات فى الفقرة الأولى من المادة 73.

ولا يشترط أن تكون هذه المخالفة المرتكبة جوهرية، إذ أن أى مخالفة مهما كانت درجة جسامتها تصلح للتمسك بها إذا أدت إلى الاعتقاد بأن مخالفة جوهرية سوف ترتكب بالنسبة للدفعات المستقبلة [968] .

ولكن يشترط أن تكون هناك مخالفة قد ارتكبت فعلاً، بعدم تنفيذ المتعاقد لالتزام من التزاماته، فلا يكفى حدوث عجز خطير فى قدرة المتعاقد المالية أو توقف مصانعه أو حتى إعلانه عزمه على عدم تنفيذ التزاماته [969] . فالأسباب التى تؤدى إلى الاعتقاد بأن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب، والتى تصلح لإعلان الفسخ المبتسر للعقد وفقاً للمادة 72 من الاتفاقية، لا تكفى هنا لإعلان الفسخ المبتسر للدفعات المستقبلة فى عقد البيع على دفعات، إلا إذا أدت إلى وقوع مخالفة فعلاً.

252-  2  الاعتقاد بارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة: ويجب أن يؤدى عدم تنفيذ المتعاقد لالتزام من التزاماته المتعلقة بإحدى الدفعات إلى توافر أسباب جدية للاعتقاد بأن مخالفة جوهرية للعقد سوف ترتكب بالنسبة للدفعات المستقبلة. فالمخالفة الجوهرية هى أساس الفسخ فى جميع الأحوال.


وقد اشترطت اتفاقية فيينا هنا توافر أسباب جدية تدعو إلى الاعتقاد بأن مخالفة جوهرية سوف ترتكب فى المستقبل، وهو تعبير يُعد أقل تشدداً من التعبير الذى استخدمته بشأن وقف التنفيذ والفسخ المبتسر [970] . إذ لم يستلزم النص أى درجة من الوضوح بشأن المخالفة الجوهرية المتوقعة وإنما يعتمد الأمر على التقدير الشخصى للطرف المضرور [971] .

ويرجع ذلك إلى أن الفسخ المبتسر هنا يستند إلى مخالفة قد وقعت فعلاً  فى تنفيذ التزامات المتعاقد بشأن دفعة من الدفعات التى حل أجل تنفيذها. فيكفى المتعاقد الآخر إثبات أن هذه المخالفة المرتكبة قد أوجدت أسباباً جدية لديه للاعتقاد بأن مخالفة جوهرية سوف ترتكب بالنسبة للدفعات المستقبلة [972] . وإن كنا نرى أنه يتعين وضع ضوابط أكثر موضوعية لهذا الاعتقاد حتى لا يقوم على اعتبارات شخصية، وقد تتمثل هذه الضوابط فى معيار الشخص المعتاد الذى يعتمد عليه فى تقدير المخالفة الجوهرية.

وتقدير جوهرية المخالفة فى هذه الحالة لا يكون بالنظر إلى العقد بأكمله، وإنما بالنظر إلى الدفعات المستقبلة وحدها. فتعد المخالفة جوهرية إذا كان من المتوقع أن تحرم المتعاقد مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه من هذه الدفعات، فلا ينظر إلى ما تم تسليمه من دفعات وإنما إلى ما لم يتم تسليمه منها [973] .

253-  3  قصر الفسخ على الدفعات المستقبلة وحدها: ويقتصر الفسخ هنا على الدفعات المستقبلة وحدها، فلا يشمل الدفعات التى تم تنفيذها فعلاً، كما لا يشمل الدفعة التى حدث الإخلال بها والذى ترتب عليه وجود أسباب جدية للاعتقاد بارتكاب مخالفة جوهرية فى المستقبل [974] . فإذا كان الإخلال الذى حدث بالنسبة لهذه الدفعة يشكل مخالفة جوهرية فى حد ذاته، فإنه يجوز فى هذه الحالة فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة أيضاً، لكن الفسخ هنا يكون وفقاً للفقرة الأولى من المادة 73 والتى تجيز فسخ العقد بالنسبة لدفعة من الدفعات إذا ارتكبت مخالفة جوهرية بشأنها [975] .

فإذا أبرم عقد بين شركتين على أن تبيع الأولى للثانية خمس عشرة سيارة يتم تسليمها على خمس دفعات، تتضمن كل دفعة ثلاث سيارات، واتفق على مواعيد محددة لتسليم كل دفعة وعلى ضرورة الالتزام بهذه المواعيد بكل دقة. وقامت الشركة البائعة بتنفيذ التزامها بتسليم السيارات فى الدفعتين الأولى الثانية فى المواعيد المتفق عليها، ثم تأخرت فى تسليم الدفعة الثالثة تأخراً كبيراً ترجح معه عدم إمكانها تسليم الدفعتين الرابعة والخامسة فى المواعيد المتفق عليها وأنه سيحدث ذات التأخير بشأنهما. فإن الشركة المشترية تستطيع إعلان فسخ العقد بالنسبة للدفعتين الرابعة والخامسة، باعتبار أن عدم تنفيذ الشركة البائعة لالتزامها بتسليم الدفعة الثالثة فى الميعاد المتفق عليه أدى إلى توافر أسباب جدية للاعتقاد بارتكابها مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة، وهى توقع التأخير فى تسليمها رغم الاتفاق على ضرورة الالتزام بميعاد التسليم بكل دقة. ولما كانت المخالفة المرتكبة بالنسبة للدفعة الثالثة هى مخالفة جوهرية، فإن الشركة المشترية تستطيع أيضاً إعلان الفسخ بالنسبة لهذه الدفعة ولكن وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 73.

254-  4  إعلان فسخ العقد: ويجب أن يتم إعلان فسخ العقد للدفعات المستقبلة خلال فترة معقولة dans un délai raisonnable. وتبدأ هذه المدة من وقت وقوع الإخلال فى تنفيذ إحدى الدفعات والذى يؤدى إلى الاعتقاد بارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة [976] . ويتوقف تحديد المدة المعقولة على طول المدة التى تفصل بين الدفعة التى وقع بشأنها الإخلال والدفعة المستقبلة [977] .

ولا يلزم أن يسبق إعلان الفسخ توجيه إخطار بالعزم عليه كما هو الحال فى حكم الفسخ المبتسر للعقد [978] . كما لا يلزم أن يتضمن إعلان الفسخ ما يسمح للطرف المخالف بتقديم ضمانات إضافية لتنفيذ التزاماته المستقبلة [979] . وقد ذهب رأى إلى القول بضرورة تضمن إعلان الفسخ ما يسمح بذلك، استناداً إلى ما قضت به الاتفاقية من أن المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها والتى لم تحسمها نصوصها يتم تنظيمها وفقاً  للمبادئ العامة التى أخذت بها [980] ، والمبدأ العام الذى أخذت به الاتفاقية فى أحكام عدية هو المحافظة على العقد وعدم اللجوء إلى فسخه كلما أمكن ذلك. فيكون من الواجب الأخذ بما نصت عليه المادتان 71 و 72 من الاتفاقية والسماح للطرف المخالف بتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته وذلك بطريق القياس [981] .

لكننا نرى أن نص الفقرة الثانية من المادة 73 كان صريحاً فى أن ما يلتزم به الطرف المضرور هو إعلان الفسخ بالنسبة للدفعات المستقبلة خلال مدة معقولة، دون استلزام طلب ضمانات كافية تؤكد عزم الطرف المخالف على تنفيذ التزاماته. فإذا كان النص قد حسم هذه المسألة بوضوح، فلا يجوز اللجوء إلى المبادئ العامة للاتفاقية لإضافة حكم جديد إليه، لأن هذه المبادئ لا يتم اللجوء إليها إلا لتنظيم المسائل التى لم تحسمها نصوصها. ولو كان هذا الحكم لازماً لنصت عليه الاتفاقية صراحةً كما فعلت فى المادتين 71  و72، فكان إغفاله دليلاً على عدم لزومه. ويرجع ذلك إلى ما سبق أن قررناه من أن الأمر يتعلق هنا بمخالفة قد ارتكبت فعلاً وإن كانت غير جوهرية.

ورغم ذلك، فإنه كان يحسن النص على إتاحة الفرصة للطرف المخالف لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته، وذلك حتى يتسق حكم الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات مع الحكم العام للفسخ المبتسر والذى وضعته الاتفاقية فى المادة 72 منها. وأيضاً مراعاة لما أبدته الاتفاقية في أحكام عديدة من رغبة فى الحفاظ على العقد وعدم فسخه. إذ أنه إذا
كانت المخالفة الجوهرية لم ترتكب بعد فإن إخطار الطرف المخالف بالعزم على الفسخ قد يؤدى إلى تراجعه عن موقفه وتنفيذ العقد، وقد يقدم ضمانات كافية تؤكد هذا التراجع وعزمه على التنفيذ، مما يؤدى فى النهاية إلى الحفاظ على العقد وعدم فسخه.

255- الخلاصة: نخلص من ذلك إلى أن حق الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات قد تقرر لطرفى العقد إذا لم ينفذ أحدهما التزاماً من التزاماته المتعلقة بإحدى الدفعات وأدى ذلك إلى توافر أسباب جدية لاعتقاد الطرف الآخر أن مخالفة جوهرية سوف ترتكب بالنسبة للدفعات المستقبلة.

ويقتصر الفسخ هنا على الدفعات المستقبلة وحدها، فلا يشمل الدفعات التى تم تنفيذها ولا الدفعة التى حدث الإخلال بشأنها. إلا أنه إذا شكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية بالنسبة لهذه الدفعة فيمكن فسخ العقد بالنسبة لها تطبيقاً لحكم الفقرة الأولى من المادة 73.

ولا يلزم لإعلان الفسخ المبتسر للدفعات المستقبلة إخطار الطرف المخالف بالعزم على الفسخ. كما لا يمنعه تقديم هذا الطرف ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته. وإن كنا نرى أنه كان يحسن السماح بذلك محافظة على العقد وحتى لا يكون اللجوء إلى فسخه ميسراً لمن ساءت نيته.


المبحث الثالث

الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات

256- إذا كان الفسخ بالنسبة للدفعة التى ارتكبت مخالفة جوهرية بشأنها أمراً متصوراً عندما يكون العقد قابلاً للتجزئة، بحيث يمكن فصل هذه الدفعة عن باقى العقد دون أن تتأثر باقى الدفعات [982] ، فإنه يكون غير متصور إذا كان هناك ارتباط بين الدفعات بحيث يصعب فصل بعضها عن بعض دون أن تتأثر منفعة المتعاقدين من العقد.

لذلك وضعت اتفاقية فيينا حكماً خاصاً بهذه الحالة، أجازت فيه للمشترى الذى يفسخ العقد بالنسبة لإحدى الدفعات أن يعلن فى نفس الوقت فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى تم استلامها أو بالنسبة للدفعات المستقبلة إذا كان لا يمكن استعمال هذه البضائع للأغراض التى أرادها الطرفان وقت انعقاد العقد بسبب عدم قابليتها للتبعيض [983] .

257- الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات فى اتفاقية لاهاى: وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت حكماً مماثلاً إذ أجازت للمشترى إذا أعلن فسخ العقد بالنسبة للدفعات المستقبلة، فى الحالة التى يؤدى فيها عدم تنفيذ البائع لالتزاماته المتعلقة بدفعة من الدفعات إلى توافر أسباب جدية تدعوه إلى الاعتقاد أنه لن ينفذ هذه الالتزامات المستقبلة، أن يعلن فى نفس الوقت فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى تم تنفيذها أيضاً إذا كانت هذه الدفعات لن تحقق أى فائدة بسبب عدم قابليتها للتجزئة [984] .

ويحدث ذلك على سبيل المثال إذا كان البيع آلة يتوقف كل جزء منها على الأجزاء الأخرى، فإذا تعهد البائع بتسليمه على دفعات وتخلف عن تسليم دفعة منها فى ظروف يخشى معها أن يتخلف عن تسليم الدفعات المستقبلة، كان للمشترى الخيار وفقاً لمصلحته - بين فسخ العقد بالنسبة إلى الدفعات المستقبلة وحدها أو بالنسبة إلى الدفعات التى تم تنفيذها وحدها أو بالنسبة إلى هذه وتلك [985] .

258- الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات فى قانون التجارة المصرى: ويقترب هذا الحكم مما نص عليه قانون التجارة المصرى من أنه إذا اتفق على تسليم المبيع على دفعات جاز للمشترى أن يطلب الفسخ إذا لم يقم البائع بتسليم إحدى الدفعات فى الميعاد المتفق عليه، ولا يسرى الفسخ على الدفعات التى تم تسليمها إلا إذا ترتب على تبعيض المبيع ضرر جسيم للمشترى [986] .

فالأصل أن يكون فسخ المشترى لعقد البيع على دفعات جزئياً يتعلق بالدفعة التى حدث الإخلال بشأنها وحدها. لكنه يمكن أن يشمل أيضاً الدفعات التى تم تسليمها إذا ترتب على تبعيض المبيع ضرر جسيم للمشترى، بأن كان المبيع غير قابل للتجزئة بحيث يترتب على فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى حدث الإخلال بشأنها وحدها ألا يتمكن المشترى من الانتفاع به.

259- قصر حكم اتفاقية فيينا على المشترى: وقد قصرت اتفاقية فيينا حكم الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات على المشترى، فهو وحده الذى يستطيع إعلان فسخ العقد كلياً بسبب ارتباط الدفعات وعدم قابلية البضائع التى تتضمنها للتبعيض، على خلاف حكم الفسخ الجزئى والفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات والذى يستفيد منه كلا الطرفين [987] .

وقد سارت اتفاقية فيينا بذلك على ذات النهج الذى اتبعته اتفاقية لاهاى، والتى كانت قد قصرت أيضاً حكم الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات على المشترى وحده. وكذلك الحال فى القانون المصرى والذى لم يتناول سوى حق المشترى فى فسخ عقد البيع على دفعات سواء كان الفسخ جزئياً أو كلياً.

ويرجع ذلك إلى أن التزام المشترى بدفع الثمن بالنسبة لكل دفعة من الدفعات يسهل فى الغالب تجزئته، وأن البائع فى غالب الأحوال لا تكون له مصلحة فى إعلان فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى قام بتسليمها والتى تم سداد ثمنها [988] ، إذ أن أى مبلغ يدفعه المشترى يمكن للبائع أن ينتفع به [989] .

فإذا توافرت للبائع مصلحة فى فسخ العقد بأكمله فإنه يستطيع القيام بذلك عن طريق اللجوء إلى القواعد العامة، والتى تجيز له إعلان هذا الفسخ إذا كان الإخلال المرتكب يمثل مخالفة جوهرية بالنسبة للعقد بأكمله، أو أن يمنح المشترى مهلة إضافية لتنفيذ التزامه فإذا لم ينفذه خلالها أعلن فسخ العقد [990] . وقد يرغب البائع رغم ذلك فى الإبقاء على العقد والاكتفاء بالحصول من المشترى على تعويضات عما صدر عنه من إخلال.

شروط الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات:

260-  1  ارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة لإحدى الدفعات: يشترط لتطبيق حكم الفسخ الكلى فى هذه الحالة أن تقع مخالفة جوهرية فى تنفيذ إحدى الدفعات، بحيث يحق للمشترى إعلان فسخ العقد بالنسبة لهذه الدفعة وحدها وفقاً لحكم الفقرة الأولى من المادة 73 [991] .

أما الدفعات السابقة على هذه الدفعة فلا يلزم أن تكون مشوبة بأى عيب [992] . كما لا يشترط أن تؤدى المخالفة المرتكبة إلى توافر أسباب جدية للاعتقاد بارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة كما هو الحال فى الفسخ المبتسر لعقد البيع على دفعات والذى نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 73 من الاتفاقية [993] .

ويختلف بذلك حكم الفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات عن حكم الفسخ الكلى للعقد فى حالة الإخلال الجزئى به والذى نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 51 من الاتفاقية. إذ لم تجز الفسخ الكلى للعقد فى هذه الحالة إلا إذا  كان هذا الإخلال الجزئى يشكل مخالفة جوهرية للعقد برمته [994] .

261-  2  الارتباط بين الدفعات: وضعت الاتفاقية شرطاً أساسياً لإجازة الفسخ الكلى فى هذه الحالة، هو وجود ارتباط connexité بين الدفعة التى ارتكبت بشأنها المخالفة وباقى دفعات العقد سواء السابقة عليها أو اللاحقة لها. وهذا الارتباط يتم تقديره بالرجوع إلى شروط العقد والظروف المحيطة به.

والمعيار الذى وضعته الاتفاقية لتقدير هذا الارتباط بين دفعات العقد هو أن يترتب على الفسخ الجزئى للعقد والذى يتعلق بدفعة من الدفعات ألا يمكن استعمال البضاعة فى الأغراض التى أرادها الطرفان وقت انعقاد العقد بسبب عدم قابليتها للتبعيض، أى أن يكون من شأن هذا الارتباط عدم إمكان الانتفاع من المبيع إلا إذا نفذت جميع الدفعات وفقاً للعقد [995] .

ويتحقق هذا الارتباط إذا كان المبيع ماكينة واحدة مجزأة، يتم تسليمها على دفعات بحيث لا يمكن استعمال أى دفعة منها بمفردها. كما يمكن أن يتحقق إذا كان المبيع عدداً من الماكينات المختلفة والتى تم تصميمها لتؤدى عملية إنتاجية واحدة، بحيث إذا حدث عيب فى إحداها لا يمكن علاجه أو إصلاحه أو استبدال ماكينة جديدة بالمعيبة تعذر استخدام باقى الماكينات
لتأدية العملية الإنتاجية المطلوبة، وفقد المتعاقد بذلك منفعته من العقد [996] .

وفى قضية تخلص وقائعها فى أن عقداً أبرم بين شركة أسبانية وأخرى نمساوية على أن تبيع الأولى للثانية ثلاثين ألف طن من الحديد الصلب، على أن يتم تسليم الصفقة عل دفعتين الأولى قدرها عشرة آلاف طن والثانية قدرها عشرون ألف طن، وحدث خلاف بين الطرفين بشأن الدفعة الثانية أدى إلى فسخ الشركة النمساوية للعقد بأكمله. وقضت هيئة التحكيم بأحقية الشركة النمساوية فى فسخ العقد لأنها لم تكن تستطيع قبول الدفعة الأولى دون الثانية، واستدلت على الارتباط بين الدفعتين بأن الدفعة الأولى تتكون من نوع ضعيف من الحديد ثمنه منخفض ويستعمل عادة فى البلاد النامية، بينما الدفعة الثانية تتكون من حديد صلب غالى الثمن يتم استعماله فى البلاد الصناعية الكبرى كاليابان، ولم يفرق العقد بين ثمن كل من النوعين بل نص على ثمن للطن بصفة عامة يعتبر هو المتوسط للنوعين. فإذا قبلت الشركة النمساوية الدفعة الأولى دون الثانية كان فى ذلك ضرر عليها لأنها تأخذ حديداً رخيصاً بثمن مرتفع، فالدفعتان مرتبطتان فى تقدير الطرفين [997] .

ويتعين أن يكون هذا الارتباط بين الدفعات معلوماً للطرفين وقت انعقاد العقد، فلا يكفى أن يعلم به المشترى وحده وإنما يتعين أن يعلم به البائع أيضاً، فإذا كان هذا الارتباط غير ظاهر من العقد نفسه فإن المشترى يلتزم بإخطار البائع به وقت إبرام العقد، ولا يكون هذا الإخطار كافياً إذا تم بعد ذلك وأثناء التنفيذ [998] .

262-  3  ميعاد إعلان الفسخ: واشترطت الاتفاقية للفسخ الكلى لعقد البيع على دفعات أن يتم إعلان فسخ الدفعات التى تم استلامها والدفعات المستقبلة فى نفس وقت إعلان الفسخ بالنسبة للدفعة التى ارتكبت بشأنها المخالفة الجوهرية [999] .

فإذا أعلن المشترى فسخ العقد بالنسبة للدفعة التى حدث الإخلال بشأنها وحدها، فلا يستطيع أن يعود بعد ذلك ليعلن الفسخ بالنسبة لباقى الدفعات وإنما يجب أن يتم ذلك فى نفس الوقت مع الفسخ الأول [1000] .

 وتطبيقاً لذلك إذا تعاقد المشترى على شراء آلة تم تصميمها بطريقة خاصة ويتم تسليمها على ثلاث دفعات، تتضمن كل دفعة جزء من هذه الآلة على أن يتم تجميعها فى منشأة المشترى، وجاءت الدفعة الأولى مطابقة لما اتفق عليه فى العقد، لكن الدفعة الثانية جاءت معيبة بحيث لا تصلح للاستعمال ولا يمكن استبدالها بجزء آخر. ففى هذه الحالة يحق للمشترى إعلان فسخ العقد فيما يتعلق بهذه الدفعة الثانية المعيبة وفقاً للفقرة الأولى من المادة 73، ويحق له بالتالى وفقاً للفقرة الثالثة من ذات المادة أن يعلن فسخ العقد بالنسبة للدفعتين الأولى والثالثة، مادام أنه يتعذر الفصل بين هذه الدفعات، على أن يتم إعلان فسخ هاتين الدفعتين فى ذات وقت إعلان فسخ الدفعة الثانية [1001] .

263- الخلاصة: نخلص مما تقدم، إلى أن حق فسخ عقد البيع على دفعات كلياً قررته الاتفاقية للمشترى وحده إذا ارتكب البائع مخالفة جوهرية فيما يتعلق بإحدى الدفعات، وتوافر الارتباط بين هذه الدفعة وباقى الدفعات بحيث لا يمكن الانتفاع من البضاعة المبيعة إلا إذا تم تنفيذ جميع الدفعات وفقاً للعقد، وكان هذا الارتباط بين الدفعات معلوماً للطرفين وقت انعقاد العقد. ففى هذه الحالة يجوز للمشترى إعلان فسخ العقد بالنسبة للدفعة التى حدث الإخلال بشأنها وكذا بالنسبة للدفعات السابقة عليها واللاحقة لها، بشرط أن يتم ذلك فى نفس الوقت.


 

 

القسم الثــــانى

أحكام الفسخ وآثاره


- تمهيد وتقسيم: وضعت اتفاقية فيينا أحكاماً للفسخ يتعين أن يلتزم بها المتعاقد إذا أراد فسخ العقد فى حالة توافر حالة من حالاته. وقد حرصت فى هذه الأحكام على إظهار رغبتها فى الحفاظ على العقد وتقييد فسخه بحيث يفقد المتعاقد حقه فى الفسخ إذا لم يلتزم بأى حكم منها.

ويرجع حرص الاتفاقية على تقييد الحق فى الفسخ إلى ما يترتب عليه من آثار اقتصادية غير مرغوب فيها، إذ أنه يقضى على العقد ويعيد المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل التعاقد.

ويثير هذا الأمر العديد من المشاكل فى التجارة الدولية نظراً لما يقتضيه من إعادة البضاعة إلى البائع بعد إرسالها، وما يستلزمه ذلك من نفقات وتعريض البضاعة لمخاطر جديدة واتخاذ إجراءات عديدة لإخراج البضاعة بعد دخولها.

وعلى ذلك فإننا نتناول فى هذا القسم موضوعين:

الأول: هو أحكام الفسخ.

الثانى: هو آثار الفسخ.

 


الباب الأول

أحكـــــام الفســــخ

265- تمهيد وتقسيم: إذا كان الفسخ حقاً من الحقوق المقررة للمتعاقد فى حالة تخلف المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزاماته، فإن الاتفاقية قد أقرت هذا الحق ونظمت كيفية استعماله، وحددت لذلك طريقاً واضحاً. فوضعت أحكاماً توضح كيف يستطيع المتعاقد الذى اختار الفسخ الوصول إلى تحقيقه، وأوردت قيوداً على استعمال هذا الحق تظهر حرصها على تقييده.

وقد جاءت أحكام الاتفاقية بشأن الفسخ تكشف عن رغبتها فى عدم نقل أنظمة قانونية بعينها، وإنما هى "حصيلة دراسات واسعة فى الأعراف الدولية، ومقارنات عميقة بين أحكام البيع فى مختلف الأنظمة القانونية، ومحاولات موفقة للتقريب بينها واختيار حلول موحدة تلائم التجارة الدولية وترضى أكبر عدد من الدول" [1002] .

ونعرض لأحكام الفسخ فى اتفاقية فيينا فى فصلين:

نتناول فى الأول منهما كيفية الفسخ.

وفى الثانى القيود الواردة على حق الفسخ.


الفصل الأول

كيفية الفسخ

266- تقسيم: اختلفت الأنظمة القانونية فى تنظيمها لكيفية استعمال الحق فى الفسخ فاستلزم بعضها أن يكون الفسخ قضائياً، بحيث لا يحصل عليه المتعاقد إلا إذا لجأ إلى القضاء. بينما لم تستلزم أنظمة أخرى سوى إعلان الطرف المخالف حتى يقع الفسخ وينتج آثاره.

كما عرفت الأنظمة القانونية الفسخ الذى يقع تلقائياً بقوة القانون بمجرد تحقق المخالفة دون حاجة إلى تدخل القضاء ودون نظر إلى إرادة المتعاقدين.

وكانت اتفاقية لاهاى قد نظمت استعمال الحق فى الفسخ، فاختارتأسلوبين أجازت وقوع الفسخ عن طريق أى واحد منهما. الأول: هو الفسخ الذى يقع بإعلان يوجه إلى الطرف المخالف. والثانى: هو الفسخ الذى يقع بقوة القانون دون تدخل القضاء أو أحد المتعاقدين.

لكن اتفاقية فيينا خالفت هذا النهج واختارت أسلوباً واحداً، يتعين على المتعاقد الذى يرغب فى فسخ العقد أن يتبعه حتى يصل إلى الفسخ، وهو الإخطار. فاستلزمت أن يقع الفسخ فى جميع الأحوال بإخطار يوجه إلى الطرف المخالف، واستبعدت أن يقع الفسخ بقوة القانون وذلك بقصد الحد من الحالات التى يمكن أن يقع فيها.

وعلى ذلك نتكلم فى هذا الفصل عن أحد الأنظمة القانونية الوطنية وكيفية تنظيمه لاستعمال الحق فى الفسخ وهو القانون المصرى. ثم نتكلم عن كيفية تنظيم اتفاقية لاهاى لاستعمال الحق فى الفسخ. وأخيراً نتكلم عن اتفاقية فيينا وكيفية الفسخ وفقاً لأحكامها.


الفرع الأول

كيفية الفسخ فى القانون المصرى

267- قد يكون فسخ العقد فى القانون المصرى بحكم القاضى وهذا هو الأصل، وقد يكون باتفاق المتعاقدين عند إبرام العقد وهو الفسخ الاتفاقى، كما قد يكون بحكم القانون ويسمى عند ذلك انفساخاً [1003] .

فالأصل فى الفسخ أنه لا يتقرر إلا بحكم القاضى، فهو جزاء على إخلال المدين بالتزامه، والقاعدة أن الجزاء لا يوقعه إلا القاضى، ومن ثم فالأصل فى الفسخ أنه قضائى [1004] .

ويؤيد الحق فى طلب الفسخ من القضاء ما نص عليه القانون المدنى المصرى من أنه فى العقود الملزمة للجانبين، إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الآخر بعد إعذاره المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسخه مع التعويض فى الحالتين إن كان له مقتض [1005] .

ويفهم من هذا النص أنه ليس هناك ما يحول بين أحد المتعاقدين وطلب فسخ العقد إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزامه، مما مؤداه أن الحق فى طلب حل الرابطة العقدية وفقاً لهذه المادة - باعتبارها مكملة لإرادة المتعاقدين -  ثابت لكل متعاقد بنص القانون، ويعتبر العقد متضمناً له ولو خلا من اشتراطه ولا يجوز حرمانه منه أو الحد من نطاقه إلا باتفاق صريح [1006] .


268- الفسخ القضائى: وإذا كان الأصل فى الفسخ أنه يتقرر بحكم القاضى إلا أنه ليس للقاضى أن يحكم به من تلقاء نفسه، وإنما يلزم لذلك أن يطلبه المتعاقد الذى حدث الإخلال بحقه [1007] . فيجب أن يطلب الدائن الفسخ القضائى لأنه قد شرع لمصلحته، ولا يلزم أن يكون طلب الفسخ صريحاً بل يجوز أن يكون ضمنياً.

ومن قبيل الطلب الضمنى للفسخ طلب المشترى الحكم له باسترداد ما عجله من ثمن وبراءة ذمته من السند المحرر بالباقى من هذا الثمن بسبب وجود عيب خفى بالمبيع [1008] .

وحتى يستطيع الدائن المطالبة بفسخ العقد أمام القضاء يتعين عليه إعذار المدين مطالباً إياه بالتنفيذ [1009] . وإعذار المدين هو وضعه قانوناً فى حالة المتأخر فى تنفيذ التزامه، والأصل فى هذا الإعذار أن يكون بورقة رسمية من أوراق المحضرين يبين الدائن فيها أنه يطلب من المدين تنفيذ التزامه، ومن المقرر أن مجرد رفع الدعوى بالفسخ يعد إعذاراً، إلا أن شرط ذلك أن تشتمل صحيفتها على تكليف المدين بالوفاء بالتزامه [1010] .

وإذا كان الإعذار ضرورياً للحكم بالفسخ إلا أنه ليس شرطاً لقبول دعوى الفسخ، فلا يلزم توجيهه قبل رفع الدعوى ويكفى تحققه أثناء نظرها [1011] .

على أنه لا ضرورة لإعذار المدين إذا أصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن أو غير مجد بفعله، أو إذا صرح كتابة أنه لا يريد القيام بالتزامه [1012] . كما يجوز للمدين التنازل عن الإعذار لأنه شرع لمصلحته [1013] .

ولم يحدد القانون ميعاداً لإقامة دعوى الفسخ، فيجوز للدائن إقامة دعواه فى أى وقت بعد ثبوت إخلال المدين بالتزامه، إلا أن قانون التجارة المصرى الجديد قد ألزم المشترى بإقامة دعوى الفسخ لعدم مطابقة المبيع خلال ستين يوماً من تاريخ تسليم المبيع إليه تسليماً فعلياً [1014] .

269- ويجب على الدائن، بعد إعذار المدين، أن يرفع دعواه أمام القضاء يطلب فيها فسخ العقد، ويتعين أن يصدر حكم به [1015] . والحكم الذى يصدر منشئ للفسخ، عكس الحال فى فسخ العقد بالاتفاق أو انفساخ العقد بحكم القانون، إذ أنه إذا تم اللجوء إلى القضاء فى هاتين الحالتين وصدر حكم بالفسخ يكون هذا الحكم مقرراً للفسخ لا منشئاً له [1016] .

وإذا رفع الدائن دعوى الفسخ فإن الحكم بالفسخ لا يكون حتمياً، وإنما يكون هناك خيار بين الفسخ والتنفيذ. وهذا الخيار يكون لكل من الدائن والمدين والقاضى. فالدائن له أن يعدل قبل الحكم عن طلب الفسخ إلى التنفيذ. وللمدين كذلك، قبل النطق بالحكم النهائى، أن ينفذ التزامه فيتجنب الفسخ. أما القاضى فليس محتماً عليه الحكم بالفسخ، إذ له فى ذلك سلطه تقديرية. فقد يحكم بالفسخ إذا رأى الظروف تبرر ذلك، وقد لا يحكم به ويعطى المدين مهلة لتنفيذ التزامه. كما يجوز له أن يرفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته [1017] .

270- الفسخ الاتفاقى: وقد يكون الفسخ بالاتفاق مقدماً عليه، إذا يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائى عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه. وهذا الاتفاق لا يعفى من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه [1018] .

وتختلف العبارات التى يصاغ فيها الاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً إذا أخل أحد المتعاقدين بالتزاماته الناشئة عنه. فقد يكتفى المتعاقدان بالاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً عند إخلال أحدهما بالتزامه. ولا يضيف هذا الشرط جديداً، إذ لا يعفى من إعذار المدين، ولا يغنى عن المطالبة القضائية بالفسخ. ولا يمس سلطة القاضى التقديرية فى النطق به، بل ولا يمنع المدين من توقيه بتنفيذ التزامه قبل صدور الحكم النهائى به [1019] .

وقد يتفق المتعاقدان على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه. والغالب أن يقصد بهذا الشرط سلب سلطة القاضى التقديرية، فلا يستطيع إعطاء مهلة للمدين لتنفيذ التزامه، ولا يملك إلا الحكم بالفسخ إذا ثبت حدوث الإخلال، فيصبح الحكم بالفسخ محتماً، لكن الشرط لا يعفى الدائن من إعذار المدين، ولا يغنى عن رفع الدعوى بالفسخ، ويكون الحكم الصادر منشئاً للفسخ لا مقرراً له [1020] .

وقد يتدرج المتعاقدان فى قوة الشرط إلى حد الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو الالتجاء إلى القضاء، ومؤدى هذا الشرط أن فسخ العقد يقع من تلقاء نفسه إذا أخل المدين بالتزامه دون حاجة إلى رفع دعوى بالفسخ أو صدور حكم ينشئ هذا الفسخ.

إنما ترفع الدعوى إذا نازع المدين فى إعمال الشرط وأدعى أنه قام بتنفيذ التزامه، فيقتصر دور القاضى فى هذا الحالة على التحقق من أن المدين لم ينفذ التزامه، فإذا تحقق من ذلك حكم بالفسخ، لكن حكمه يكون مقرراً للفسخ لا منشئاً له [1021] .

ولما كان عدم تنفيذ المدين لالتزامه لا يثبت إلا بإعذاره، فإن شرط اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم لا يعفى الدائن من الإعذار، فيتعين عليه إذا أراد التمسك به أن يعذر المدين مطالباً إياه بتنفيذ التزامه فإذا لم يقم بالوفاء بالتزامه بعد هذا الإعذار فسخ العقد من تلقاء نفسه [1022] .

271- وقد يصل المتعاقدان إلى حد الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً  من تلقاء نفسه بغير حاجة إلى حكم أو إعذار عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه، وهذا هو أقصى ما يصل إليه اشتراط الفسخ من قوة. ويترتب على هذا الشرط فسخ العقد حتماً بمجرد تحققه دون حاجة لرفع دعوى بالفسخ، إذ يقع هذا الفسخ الاتفاقى بمجرد إعلان الدائن رغبته فى ذلك دون حاجة إلى رفع دعوى بالفسخ أو صدور حكم به. فإذا ما لجأ الدائن إلى القضاء فإن حكمه يكون مقرراً للفسخ، ولا يملك معه القاضى إمهال المدين لتنفيذ التزامه، ولا يستطيع المدين أن يتفادى الفسخ بسداد المستحق عليه بعد إقامة دعوى الفسخ إذ ليس من شأن هذا السداد أن يعيد العقد بعد انفساخه، إلا أنه يتعين أن تكون صيغة هذا الاتفاق صريحة الدلالة على وقوع الفسخ عند تحققه بلا حاجة إلى تنبيه أو إنذار [1023] .

ويلزم أن يكون الاتفاق الذى يقضى بالإعفاء من الإعذار صريحاً قاطعاً  فى الدلالة على مقصوده بغير شك أو غموض، فلا يكفى أن يستخلص هذا الاتفاق دلالة من الظروف، وإذا قام شك فى تفسير الشرط الذى يستهدفه وجب تفسير هذا الشك على النحو الذى يقضى بعدم حصول الاتفاق على الإعفاء من الإعذار [1024] .

ولا يؤدى تحقق الشرط الفاسخ الصريح على النحو سالف البيان إلى انفساخ العقد ما لم يتمسك بإعماله صاحب المصلحة فيه [1025] . والدائن الذى يحصل الإخلال بالالتزام إضراراً به هو صاحب المصلحة فى ذلك فهو وحده الذى يحق له التمسك بإعمال الشرط الفاسخ واعتبار العقد بالتالى مفسوخاً بقوة القانون. فليس للمدين أن يتمسك به وليس للقاضى أن يعمله من تلقاء نفسه [1026] .

272- انفساخ العقد بقوة القانون: وعرف القانون المصرى انفساخ العقد بقوة القانون فنص على أنه فى العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء نفسه [1027] .

ويبرر هذا الحكم بأنه إذا انقضى التزام المدين لاستحالة تنفيذه بسبب أجنبى، لن يكون هناك محل لمطالبته بتنفيذ الالتزام أو بالتعويض عن عدم تنفيذه. فلا يبقى سوى فسخ العقد، فينفسخ العقد من تلقاء نفسه. ولا محل هنا للإعذار لأن الإعذار لا يتصور إلا إذا كان التنفيذ لا يزال ممكناً، ولا ضرورة لصدور حكم قضائى بالفسخ لأن العقد ينفسخ من تلقاء نفسه بحكم القانون. وإذا لجأ أحد المتعاقدين رغم ذلك إلى القضاء فإن الحكم الصادر بالفسخ يكون مقرراً للفسخ لا منشئاً له [1028] .

273- ووردت أحكام أخرى فى القانون المصرى تقضى بفسخ العقد بقوة القانون فى حالات معينة، منها ما نص عليه القانون المدنى المصرى من أنه فى بيع العروض وغيرها من المنقولات إذا اتفق على ميعاد لدفع الثمن وتسلم المبيع يكون البيع مفسوخاً دون حاجة إلى إعذار إن لم يدفع الثمن عند حلول الميعاد إذا اختار البائع ذلك وهذا ما لم يوجد اتفاق على غيره [1029] .

ويدل هذا النص على أن المشرع قد خرج بحكمه على القاعدة العامة القاضية بعدم إمكان فسخ العقود إلا بعد الإعذار وبحكم من القاضى ما لم يوجد اتفاق صريح على الإعفاء من ذلك، واشترط لإعمال هذا النص الاستثنائى أن يكون المبيع من العروض وغيرها من المنقولات وأن يكون كل من المبيع والثمن محدداً تحديداً كافياً ومعلوماً للمشترى عند التعاقد، وأن يتخلف المشترى عن دفع الثمن فى الميعاد المتفق عليه لتسلم المبيع ودفع الثمن، وأن يختار البائع التمسك بانفساخ عقد البيع [1030] .

وترجع علة هذا الحكم إلى أن المنقولات سريعة التداول، ولا تتحمل ما تتحمله العقارات من الإبطاء فى التعامل وطول الإجراءات ورفع دعاوى الفسخ ونحوها، وبخاصة إذا كانت هذه المنقولات عروضاً للتجارة وسلعاً وبضائع قد يسارع التلف إليها كما تتعرض للتغير السريع فى الأسعار، ويريد بائعها أن يسلمها إلى المشترى فى ميعاد محدد ويقبض ثمنها. فيقتضى التيسير أن يكون للبائع حرية التصرف فيها بمجرد عدم قيام المشترى بوفاء ثمنها، دون حاجة إلى إعذار أو الالتجاء إلى القضاء، حتى لا تضيع عليه أية فرصة قد تسنح له لإعادة بيعها [1031] .

274- وأورد قانون التجارة المصرى الجديد حكماً يقضى بأنه إذا لم يقم البائع بتسليم المبيع فى الميعاد المحدد فى العقد فإنه يجوز للمشترى أن يخطره بالتنفيذ خلال مدة مناسبة يحددها، وله أن يخطره بأن عدم التسليم خلال المدة المعينة فى الإخطار يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً [1032] .

ومؤدى هذا الحكم أن عدم التسليم خلال المدة التى يعينها المشترى فى الإخطار سوف يترتب عليه اعتبار العقد مفسوخاً بكل ما يترتب على ذلك من آثار، أهمها تحتيم الفسخ بحيث لا يكون للمحكمة أية سلطة تقديرية فى هذا الشأن [1033] .


275- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن القانون المصرى جعل الأصل فى الفسخ أن يكون قضائياً، بأن يلجأ طالب الفسخ إلى القضاء للحصول على حكم بذلك. ويُعد هذا الحكم منشئاً للفسخ وليس مقرراً له، لكنه مع ذلك لم يجعل هذه القاعدة من النظام العام، إذ أجاز الاتفاق على ما يخالفها بأن يتفق المتعاقدان مقدماً عند التعاقد على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائى عند الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه.

وتتدرج مراتب هذا الشرط قوة بحسب العبارات التى يصاغ فيها، فقد يكتفى بالاتفاق على اعتبار العقد مفسوخاً عند حدوث الإخلال بأحد التزاماته، والذى لا يعد إلا ترديداً لحكم الفسخ القضائى.

وقد يتفق على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه، أو أن يكون مفسوخاً  من تلقاء نفسه بغير حاجة إلى حكم، وأعلى مراتب عبارات هذا الشرط قوة أن يتفق على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إعذار.

وعرف القانون المصرى انفساخ العقد بقوة القانون إذا استحال تنفيذ الالتزام بسبب أجنبى، وأورد نصوصاً أخرى تقضى بهذا الفسخ في أحوال مختلفة.


الفرع الثانى

كيفية الفسخ فى اتفاقية لاهاى

276- أظهرت اتفاقية لاهاى حرصها على تقييد الحق فى الفسخ باشتراطها عدم اللجوء إليه إلا إذا ارتكبت مخالفة جوهرية للعقد. فأقامت الحق فى الفسخ على التفرقة بين ما إذا كانت المخالفة المرتكبة جوهرية فيسمح بفسخ العقد،
أو غير جوهرية فيمنع فسخه ويكتفى بالتعويض [1034] .

وهذا هو نفس النهج الذى سارت عليه اتفاقية فيينا بعد ذلك كما سبق أن رأينا.

لكن اتفاقية لاهاى أهدرت هذا المبدأ فى أحكام أخرى بإجازتها فسخ العقد بقوة القانون ipso facto avoidance، فيقع الفسخ تلقائياً دون حاجة إلى إخطار الطرف الآخر به [1035] . وهو ما يؤدى إلى عدم إتاحة أية فرصة للإصلاح وعودة المتعاقدين إلى تنفيذ العقد.

وقد انتقد هذا النوع من الفسخ لمخالفته مبدأ سلطان الإرادة، إذ يقع الفسخ تلقائياً دون التفات إلى إرادة المتعاقدين أو حتى إرادة الطرف المضرور والذى قد يرغب فى الإبقاء على العقد لكنه يفاجأ بفسخه، إذ أن المتعاقد إذا لم يطلب التنفيذ ولم يعلن الفسخ يفترض أنه أراد التنفيذ، لأن الأصل هو تنفيذ العقد وليس فسخه، كما أن هذا النوع من الفسخ يؤدى إلى إثارة الشك
والغموض بشأن وجود العقد والتزامات الطرفين فيه، وما إذا كانت قد انقضت بفسخه أم مازالت قائمة يمكن تنفيذها [1036] .

لذلك بذلت محاولات عديدة فى مؤتمر لاهاى عام 1964 لإلغاء هذا النوع من الفسخ، لكن وجد أن هذه الفكرة قد أصبحت أساسية فى مشروع الاتفاقية بحيث يؤدى إلغاؤها إلى تغييرات كثيرة غير محتملة [1037] .

277- فسخ العقد بقوة القانون: وقد تعددت الأحكام التى أوردتها اتفاقية لاهاى وأجازت فيها فسخ العقد بقوة القانون، فنصت على أن المشترى لا يجوز له مطالبة البائع بتنفيذ العقد عند إخلاله بالتزامه بالتسليم إذا كان فى إمكانه الحصول على المبيع بشرائه من السوق Un achat de remplacement، وكان هذا الشراء مما يتفق والعرف. وفى هذه الحالة
يفسخ العقد بقوة القانون من وقت وقوع الشراء الجديد [1038] . ويقع الفسخ بقوة القانون فى هذه الحالة دون النظر إلى طبيعة المخالفة المرتكبة وما إذا كانت جوهرية أو غير جوهرية [1039] .

وتبرر هذه القاعدة بأنه لا يقبل إصرار المشترى على إلزام البائع بتنفيذ العقد إذا كان فى مقدوره الحصول على ذات السلعة من السوق والحصول من البائع على التعويض عن أى ضرر يلحقه من جراء ذلك. وكذلك لمنع المشترى من المضاربة على حساب البائع، إذ يمكن له التربص بالأسعار ويطلب الفسخ إذا هبطت والتنفيذ العينى إذا صعدت. فأرادت اتفاقية لاهاى منعه من ذلك حتى لا يفيد على حساب البائع [1040] .

278- وذكرت اتفاقية لاهاى حالة أخرى للفسخ بقوة القانون، وهى عندما يخل البائع بالتزامه بتسليم البضاعة فى الميعاد المتفق عليه، وكان هذا الإخلال يشكل مخالفة جوهرية للعقد. فإن المشترى يستطيع أن يطالب البائع بتنفيذ العقد أو يعلن فسخه. ولكن عليه أن يخطر البائع بقراره خلال ميعاد معقول، فإذا لم يقم بذلك اعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون [1041] .

ولم تحدد الاتفاقية الميعاد المعقول délai raisonnable الذى يتعين أن يحدد المشترى خلاله موقفه، وتركت تقدير ذلك لظروف كل حالة. لكن يمكن القول بأنه الوقت اللازم ليتحرى المشترى عن أسباب التأخير ويتبين نتائجه ثم يفكر فى القرار الذى يتخذه فى شأن العقد. وقصد بهذا الحكم حسم مواقف الطرفين وعدم تركها قلقة لمدة طويلة. كما أن تراخى المشترى فى تحديد موقفه إزاء مخالفة جوهرية مما يبرر افتراض أنه فقد كل مصلحة له فى العقد فأراد فسخه [1042] .

279- وأجازت اتفاقية لاهاى للبائع أن يطلب من المشترى أن يخطره بقراره بشأن الإبقاء على العقد أو فسخه. وفى هذه الحالة يجب على المشترى أن يخطر البائع بقراره خلال ميعاد قصير dans un bref délai. فإذا لم يفعل ذلك اعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون [1043] .

وحددت الاتفاقية فى حكم عام المقصود باصطلاح "الميعاد القصير" أنه أقصر ميعاد مستطاع تبعاً للظروف ابتداء من اللحظة التى يمكن فيها القيام بالعمل [1044] . والعمل المقصود هنا هو الإخطار سالف البيان.

280- ونصت اتفاقية لاهاى على ذات الأحكام فيما يتعلق بإخلال البائع بالتزامه بالتسليم فى المكان المتفق عليه. فأجازت للمشترى فى هذه الحالة، إذا كان الإخلال المرتكب جوهرياً وصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم، أن يطلب تنفيذ العقد أو يعلن فسخه. بشرط أن يعلن قراره خلال ميعاد معقول وإلا اعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون [1045] .

وإذا طلب البائع من المشترى تحديد موقفه من العقد ولم يقم المشترى بذلك خلال ميعاد قصير اعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون [1046] .

كما نصت الاتفاقية على حالة للفسخ بقوة القانون عند إخلال المشترى بالتزامه بدفع الثمن. فلم تجز للبائع مطالبة المشترى بدفع الثمن إذا كان فى إمكانه إعادة بيع البضاعة دون أن يلحقه ضرر جسيم من جراء هذا البيع وكان العرف يجيز ذلك. وفى هذه الحالة يعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون منذ اللحظة التى يتم فيها البيع الثانى [1047] .

وأجازت للبائع طلب تنفيذ العقد أو فسخه إذا كان إخلال المشترى بالتزامه بدفع الثمن يشكل مخالفة جوهرية للعقد، على أن يخطر المشترى بقراره خلال ميعاد معقول وإلا اعتبر العقد مفسوخاً بقوة القانون [1048] .

281- الفسخ بإعلان من الطرف المضرور: وعرفت اتفاقية لاهاى، إلى جانب الفسخ بقوة القانون، نوعاً آخر من الفسخ هو الذى يقع بإعلان يوجهه الطرف المضرور إلى الطرف المخالف. فإذا اختار الأول فسخ العقد فلا يشترط أن يطلبه من القضاء وإنما يكفيه أن يعتبر العقد مفسوخاً بشرط أن يخطر الطرف الآخر بذلك. فإذا كان لهذا الأخير اعتراض فهو المكلف بمخاصمته أمام القضاء للحصول على حكم بإلغاء الفسخ [1049] .

وقد أخذت اتفاقية لاهاى هذا النظام عن القانون الألمانى والذى لا يشترط الحصول على حكم قضائى لإيقاع الفسخ، وإنما يكفى لذلك الإعلان الذى يوجهه الدائن إلى المدين [1050] .

ويظهر اشتراط الإعلان مما نصت عليه الاتفاقية من ضرورة إخطار الطرف المخالف بالفسخ فى الحالات التى أجازت فيها توقيع هذا الجزاء. فإذا أخل البائع بالتزامه بتسليم البضاعة فى الميعاد المتفق عليه وشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد، جاز للمشترى مطالبة البائع بالتنفيذ أو إعلان فسخه declarer la resolution. وكذلك الحال إذا أخل البائع بالتزامه بالتسليم في المكان المتفق عليه وشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد وصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم، وأيضاً إذا أخل البائع بالتزامه بالمطابقة وشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية وصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم. كما يتعين على البائع أن يخطر المشترى إذا أراد فسخ العقد فى حالة إخلال المشترى بالتزامه بدفع الثمن وشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد [1051] .

ويعد اشتراط وقوع الفسخ بإخطار، وعدم استلزام اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بذلك، مما يتناسب مع ظروف التجارة الدولية. إذا أن انتظار صدور حكم من القضاء قد يطول فيؤدى ذلك إلى ازدياد توتر العلاقات بين المتعاقدين، كما يؤدى إلى القلق والاضطراب لعدم وضوح موقف كل طرف من الالتزامات التى تقع على عاتقه فى العقد [1052] .

282- ميعاد إعلان الفسخ: واشترطت اتفاقية لاهاى أن يتم إعلان الفسخ فى ميعاد معين. لكن منهجها فى تحديد هذا الميعاد اتسم بعدم الوضوح. إذ استخدمت فى تحديده اصطلاحين، الأول هو المدة المعقولة délai raisonnable والثانى هو المدة القصيرة bref délai. وجعلت المدة الأولى هى التى يتعين الفسخ خلالها فى حالات معينة، والمدة الثانية فى حالات
أخرى. مما أحدث ارتباكاً ولبساً لا مبرر لهما، خاصة مع صعوبة التمييز بين المدتين من الناحية العملية.

ولم تورد الاتفاقية تعريفاً للمدة المعقولة فى نصوصها، فتركت تحديدها لظروف كل حالة. ويمكن القول بأنها المدة اللازمة للتعرف على المخالفة وأسبابها وتقدير مدى جسامتها ثم اتخاذ القرار فى شأنها [1053] . أما المدة القصيرة فقد عرفتها بأنها أقصر ميعاد مستطاع تبعاً للظروف ابتداءً من اللحظة التى يمكن فيها القيام بالعمل أو التصرف بصورة معقولة [1054] .

 1  الميعاد المعقول: وجعلت الاتفاقية ميعاد الفسخ هو الميعاد المعقول فى حالات محددة. فألزمت المشترى بإعلان البائع بالفسخ خلال ميعاد معقول إذا أخل البائع بالتزامه بالتسليم فى الميعاد المتفق عليه فى العقد وكان هذا الإخلال جوهرياً [1055] .

وكذا إذا أخل إخلالاً جوهرياً بمكان التسليم وصاحبه إخلال جوهرى بميعاده [1056] . كما يجب على البائع أن يعلن المشترى بالفسخ خلال ميعاد معقول إذا أخل بالتزامه بدفع الثمن وكان هذا الإخلال جوهرياً [1057] .

 2  الميعاد القصير: لكن الاتفاقية جعلت ميعاد الفسخ هو الميعاد القصير فى حالات أخرى عديدة. فإذا كان تنفيذ الالتزام بالتسليم يتم بتسليم البضاعة إلى الناقل الذى يتولى نقلها إلى المشترى، وقام البائع بالتسليم فى غير المكان المتفق عليه فى العقد وكانت هذه المخالفة جوهرية، فإن المشترى يجوز له إعلان فسخ العقد بشرط أن يقوم بذلك خلال ميعاد قصير [1058] .

وإذا كان إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة يشكل مخالفة جوهرية للعقد، وصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم، فإن المشترى يستطيع أن يعلن الفسخ بشرط أن يقوم بذلك خلال ميعاد قصير. ويبدأ هذا الميعاد القصير من تاريخ إخطار البائع بالعيب في المطابقة إذا أراد المشترى فسخ العقد عقب ذلك مباشرة. أما إذا كان قد طالب البائع بالتنفيذ العينى لالتزامه بالمطابقة، بأن طالبه بإصلاح العيب أو تسليم الجزء الناقص أو استبدال البضاعة غير المطابقة [1059] ، فإن المشترى لا يجوز له إعلان الفسخ إلا إذا لم يقم البائع بالتنفيذ خلال مدة معقولة، ويبدأ الميعاد القصير للفسخ فى هذه الحالة من تاريخ انتهاء هذه المدة المعقولة التى تركت للبائع للتنفيذ [1060] .

وجعلت الاتفاقية ميعاد الفسخ هو الميعاد القصير إذا كانت المخالفة الجوهرية المرتكبة متعلقة بأحد الالتزامات الأخرى التى لم توردها فى أحكامها [1061] .

وإذا ترك العقد للمشترى تعيين أوصاف المبيع خلال فترة معينة وتخلف المشترى عن التعيين خلال هذه الفترة، جاز للبائع فسخ العقد بشرط أن يعلن الفسخ خلال ميعاد قصير. وإذا طلب البائع من المشترى إجراء هذا التعيين، فلا يجوز له فسخ العقد إلا إذا لم يقم المشترى بذلك خلال مدة معقولة، وبشرط أن يعلن الفسخ خلال ميعاد قصير بعد انقضاء هذه المدة المعقولة التى تركها له [1062] .

283- وهذا الميعاد الذى حددته الاتفاقية للفسخ، سواء كان الميعاد المعقول أو الميعاد القصير هو الحد الأقصى الذى يستطيع المتعاقد استعمال حق الفسخ خلاله، فإذا لم يقم بإخطار المتعاقد الآخر بالفسخ خلال هذا الميعاد سقط حقه فيه [1063] .

وإذا ثار الخلاف بشأن هذا الميعاد وما إذا كان إخطار الفسخ قد تم خلاله أم تجاوزه، فإن حسم هذا الخلاف لا يكون إلا باللجوء إلى القضاء أو التحكيم. فيحدد الحكم الصادر ما إذا كان الإخطار قد تم توجيهه فى الميعاد فيفسخ
العقد، أم جاء بعد انقضائه فيظل العقد قائماً منتجاً لآثاره بين طرفيه.

284- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية لاهاى لم تعرف الفسخ القضائى والذى لا يتم إلا باللجوء إلى القضاء وصدور حكم به. لكنها عرفت نوعين من الفسخ، الأول يقع تلقائياً بقوة القانون ولا يحتاج إلى القيام بأى إجراء لإخطار الطرف الآخر به. والثانى يتم بإعلان يوجهه طالب الفسخ إلى الطرف الآخر يخطره فيه بفسخ العقد.

وقد انتقد النوع الأول من الفسخ لمخالفته مبدأ سلطان الإرادة، ولما يؤدى إليه من غموض بشأن وجود العقد والتزامات الطرفين فيه. لكن تعذر العدول عن هذا الحكم بعد أن أصبح من الأحكام الأساسية فى الاتفاقية.

وحددت اتفاقية لاهاى الميعاد الذى يتم الفسخ خلاله، وجعلته يدور بين ميعادين الأول هو الميعاد المعقول والثانى هو الميعاد القصير. وجعلت الميعاد الأخير هو الغالب فى أحكامها بشأن الفسخ، حتى يحسم موقف المتعاقدين سريعاً. لكن التفرقة بين الميعادين من الناحية العملية كانت أمراً عسيراً، مما أدى إلى اللبس والغموض بشأن الميعاد الواجب الفسخ خلاله. كما أدى هذا التحديد للميعادين إلى تعقيدات لا مبرر لها ولا تتناسب مع ظروف التجارة الدولية وما تتطلبه من وضوح وحسم فى أحكامها.


الفرع الثالث

كيفية الفسخ فى اتفاقية فيينا

285- تمهيد وتقسيم: حرصت اتفاقية فيينا على أن يتم الفسخ بإجراء يتناسب مع ظروف التجارة الدولية. فلم تستلزم اللجوء إلى القضاء للحكم به، حتى تبعد عن التعقيدات التى قد تنشأ نتيجة لذلك. كما هجرت نظام الفسخ بقوة القانون de plein droit، والذى قد يؤدى إلى إثارة الغموض حول العقد والتزامات الطرفين فيه، وما إذا كان قائماً فينفذ المتعاقد التزاماته أم تم فسخه فتنقضى هذه الالتزامات.

لذلك جعلت الاتفاقية الفسخ يتم بإخطار يوجهه المتعاقد الذى يرغب فى إعلانه إلى المتعاقد الآخر. وقد ظهرت هذه الفكرة لأول مرة فى المشروع الذى أعدته مجموعة العمل working group المكلفة بذلك من قبل لجنة قانون التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة Uncitral [1064]  عام 1976. إذ تضمن هذا المشروع حكماً عاماً بذات المضمون يطبق على جميع أنواع الفسخ. وفى مشروع عام 1978 ظهر نفس الحكم، وعرض على مؤتمر فيينا عام 1980، فحظى بتأييد عام ولم تثر بشأنه أى اعتراضات [1065] .

وحددت الاتفاقية ميعاداً يتعين أن يوجه إخطار الفسخ فيه، هو الميعاد المعقول، الذى يبدأ من التاريخ الذى يجوز للمتعاقد الفسخ فيه. بحيث إذا لم يتم توجيهه فى هذا الميعاد سقط حقه فيه واستمر العقد منتجاً لآثاره بين طرفيه.

وعلى ذلك نقسم هذا الفرع إلى مبحثين، نتكلم فى الأول منهما عن إخطار الفسخ وفى الثانى عن ميعاد الفسخ.


المبحث الأول

إخطار الفسخ

286- إذا قرر المشترى استعمال حق الفسخ، فلا يشترط أن يطلبه من القضاء وإنما يكفيه أن يعلن هذا الفسخ. ولا يحدث إعلان الفسخ أثره إلا إذا تم بواسطة إخطار موجه إلى الطرف الآخر [1066] . ويرجع ذلك إلى حرص الاتفاقية على صالح التجارة الدولية والتى تقتضى الإسراع إلى تصفية العقد، إذا تعذر الحفاظ عليه، دون استلزام حكم من القضاء قد يطول انتظاره مما يعرض البضاعة للتلف أو الهلاك قبل أن يفصل فى مصيرها. كما أن تقرير الفسخ بقوة القانون يثير الكثير من الشكوك حول مصير العقد، فلا يساعد على تحقيق الاستقرار فى التجارة الدولية [1067] .

وقد أخذت اتفاقية فيينا بهذا الحكم نقلاً عن القانون الألمانى [1068] . فلا يعرف القانون الألمانى الفسخ القضائى، إنما يقع الفسخ كقاعدة عامة بالإرادة المنفردة للدائن والذى لا يلتزم إلا بأن يوجه إعذاراً إلى المدين يحدد له فيه مدة معقولة للتنفيذ. وإذا رفعت دعوى إلى القضاء بشأن ذلك الفسخ فإن القاضى ليست له أى سلطة تقديرية فى ذلك [1069] .


ويتفق حكم الاتفاقية مع نظام الإخطار الذى عرفه القانون التجارى الأمريكى الموحد، والذى أعطى المشترى الحق فى رفض البضاعة rejection of goods بشرط أن يتم ذلك فى وقت مناسب عقب استلامها أو عرضها من البائع. ولا يحدث هذا الرفض أثره إلا إذا وجه المشترى فيه إخطاراً بذلك إلى البائع [1070] .

كما لا يحدث سحب القبول revocation of acceptance أثره إلا إذا تم خلال مدة معقولة من الوقت الذى اكتشف المشترى فيه سببه أو كان من المتعين عليه اكتشافه فيه، وقبل إحداثه أى تغيير جوهرى فى حالة البضاعة التى لم يلحقها نفس العيب، وبشرط توجيه إخطار إلى البائع بذلك [1071] .

كما تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً، إذ نصت على أن "يباشر أى طرف حقه فى إنهاء العقد بتوجيه إخطار إلى الطرف الآخر"، وجاء فى التعليق على هذه المادة أن اشتراط الإخطار يسمح للطرف المدين أن يتجنب أى خسائر ترجع إلى عدم التأكد مما إذا كان الطرف الدائن سيقبل التنفيذ، وفى نفس الوقت يمنع الطرف الدائن من المضاربة على ارتفاع أو انخفاض
قيمة التنفيذ إضراراً بالطرف المدين [1072] .

لكن نظام الفسخ فى اتفاقية فيينا يختلف بذلك عن نظام الفسخ فى القانون الفرنسى، وكذا فى القانون المصرى، لأن الأصل فى الفسخ فى هذين القانونين أن يكون قضائياً لا يتقرر إلا بحكم القاضى [1073] .

لكن إخطار الفسخ يتفق مع صورة من صور الفسخ التى عرفها القانون المصرى، وهى عندما يتفق المتعاقدان فى العقد على أن يكون العقد مفسوخاً  من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو الالتجاء إلى القضاء عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه. إذ يترتب على هذا الاتفاق أن يفسخ العقد من تلقاء نفسه إذا أخل المدين بالتزامه دون حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، بشرط أن يوجه الدائن إعذاراً إلى المدين يطالبه فيه بتنفيذ التزامه [1074] .

287- وجعلت اتفاقية فيينا حكم الإخطار عاماً يطبق على جميع أنواع الفسخ [1075] . إذ جاء هذا الحكم فى الفصل الخاص بالأحكام العامة والتى تطبق على الجزء الثالث من الاتفاقية الخاص ببيع البضائع، فيتعين على المتعاقد إذا أراد فسخ العقد أن يوجه إخطاراً إلى الطرف الآخر بذلك، سواء كان هذا الفسخ لارتكابه مخالفة جوهرية أو لانقضاء المهلة الإضافية التى منحها له دون تنفيذ التزامه فى الأحوال التى أجازت له فيها الاتفاقية ذلك [1076] .

كما يطبق نظام الإخطار سواء كان الفسخ كلياً أو جزئياً ينصب على الجزء من العقد الذى وقعت بشأنه المخالفة [1077] ، أو مبتسراً إذا تبين بوضوح أن مخالفة جوهرية سوف ترتكب فى المستقبل [1078] .

ويطبق أيضاً سواء كان الفسخ متعلقاً بعقد بيع يتم تنفيذه دفعة واحدة أو على دفعات، وسواء كان الفسخ بخصوص هذا العقد الأخير جزئياً أو مبتسراً أو كلياً [1079] .

ويرجع سبب استلزام وقوع الفسخ بإخطار إلى أن فسخ العقد ليس أمراً واجباً على المتعاقد فى حالة تحقق سببه، إنما هو أمر اختيارى له أن يلجأ إليه إن أراد ذلك، كما أن له أن يستمر فى التنفيذ ويتخذ أى إجراء آخر خلاف الفسخ لمواجهة الإخلال الذى صدر عن المتعاقد [1080] .

 1  مضمون الإخطار وشكله:

288- لم تحدد الاتفاقية مضمون الإخطار الذى يوجه إلى الطرف المخالف لفسخ العقد وما هى المعلومات التى يجب أن يتضمنها. لذلك يكفى أن يتضمن ما يفيد أن العقد قد أصبح مفسوخاً [1081] . لكن هذه المعلومات التى يتضمنها والتى تفيد فسخ العقد يجب أن تكون كافية ويستطيع أن يفهم منها أى شخص معتاد من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه أن العقد قد تم فسخه [1082] .

وعلى ذلك فإنه يمكن القول أن إخطار الفسخ إذا تم توجيهه من المشترى إلى البائع فإنه يجب أن يتضمن ما يفيد أنه لن يقبل استلام البضاعة إذا لم يكن قد تسلمها، أو أنه لن يحتفظ بها لديه وسيقوم بإعادتها إذا كان قد تسلمها، وإذا تم توجيهه الإخطار من البائع فإن الإخطار يجب أن يتضمن ما يفيد أنه لن يسلم البضاعة إلى المشترى، فإذا كان سلمها فإنه يجب أن يتضمن ما يفيد أنه يرغب فى استردادها [1083] .

ويختلف إخطار الفسخ بذلك عن إخطار عدم المطابقة والذى حددت الاتفاقية ما يجب أن يتضمنه، فألزمت المشترى أن يحدد فى هذا الإخطار طبيعة العيب [1084] . لكن هذا الإخطار بعيب المطابقة لا يعد إخطاراً بالفسخ وفقاً لأحكام الاتفاقية، إذ قد يطلب المشترى رغم ذلك الاحتفاظ بالبضاعة وتخفيض الثمن أو يطالب بالتعويضات عن هذا العيب [1085] .

وإذا كان إخطار عدم المطابقة يجب أن يتضمن ما يفيد طبيعة العيب، فإننا نرى قياساً على ذلك أن إخطار الفسخ يجب أن يتضمن أيضاً ما يفيد طبيعة المخالفة التى ارتكبت والتى دفعت المتعاقد إلى فسخ العقد. إذ أن هذا التحديد هو ما يتفق وحسن النية، حتى يتمكن المتعاقد الآخر من تحديد موقفه وما إذا كان سيسلم بوقوع هذا الإخلال منه، أم سينازع فى ذلك ويتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا الفسخ.

289- التهديد بالفسخ والإخطار المشروط: ولا يكفى أن تقصر عبارات الإخطار على التهديد بالفسخ، لأنه لا يعد بذلك إخطاراً بالفسخ. بل أنه يكشف بذلك عن رغبة المتعاقد فى الاستمرار فى العقد. وقد قضى بأن الإخطار الذى يوجه فيه البائع إنذاراً إلى المشترى بأنه إذا لم يدفع الثمن فسوف يفسخ العقد لا يعد إخطاراً بالفسخ وفقاً لأحكام الاتفاقية [1086] .

وينبغى ألا يكون الإخطار مشروطاً [1087] ، لأن الفسخ بذلك سوف يتوقف على تحقق الشروط الواردة به، ولن يكون بذلك إخطاراً بالفسخ. فإذا تحققت هذه الشروط يلتزم المتعاقد إذا أراد الفسخ أن يوجه إخطاراً آخر يكون قاطعاً برغبته فى الفسخ فوراً، ما لم يتفق المتعاقدان على غير ذلك.

290- لغة الإخطار: ويجب أن يكون الإخطار باللغة التى يمكن أن يفهمها المرسل إليه. والغالب أن يحدد العقد صراحةً اللغة التى تتم بها الاتصالات بين الطرفين [1088] . فإذا لم يحدد العقد ذلك فإنه يرجع إلى ما يمكن أن يفهمه شخص سوى الإدراك من نفس صفة المرسل إليه إذا وضع فى مثل ظروفه، مع الوضع فى الاعتبار جميع الظروف المتصلة بالحالة لا سيما المفاوضات التى تمت بين الطرفين والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [1089] .

وفى قضية تخلص وقائعها فى أن تاجراً ألمانياً تعاقد مع صاحب مصنع إيطالى على شراء كمية كبيرة من الجوارب تحرر بشأنها أربعة عقود باللغة الإيطالية. وقام البائع بتسليم البضاعة للمشترى وأرسل إليه قوائم الحساب باللغة الإيطالية. وقبل السداد كان البائع قد أحال حقوقه إلى بنك إيطالى، ووجه إخطاراً إلى المشترى بهذه الحوالة باللغتين الفرنسية والإنجليزية. ولم يكن المشترى يعرف اللغة الفرنسية ويعرف قليلاً من الإنجليزية. وبالرغم من هذا الإخطار قام المشترى بالسداد للبائع والذى كان قد بدأ اتخاذ إجراءات الإفلاس قبله. فطالب البنك المحال إليه بالسداد له مرة ثانية. وقضت المحكمة بأن المشترى كان من واجبه ترجمة الإخطار لكى يصل إلى المضمون الصحيح له، لأنه ليس بلازم أن يوجه الإخطار بذات لغة العقد أو بلغة المرسل إليه حتى يحدث أثره. وإنما يلزم أن يكون باللغة التى تستعمل عادة فى نفس فرع التجارة والتى يفترض أن الطرفين قد وافقا عليها. كما يحدث الإخطار أثره إذا كان من المتوقع عقلاً أن يطلب المرسل إليه 1ترجمة ما تضمنه الإخطار أو طلب أى تفسيرات بشأنه، مع الوضع في الاعتبار الأعراف السائدة وما يمكن أن يقوم به شخص معتاد من صفة المتعاقد وفى نفس ظروفه [1090] .

291- الإخطار الكتابى والشفهى وعن طريق الهاتف: ويستوى أن يكون إخطار الفسخ كتابياً أو شفهياً، إذ جاء لفظ الإخطار فى المادة عاماً يشمل أى إخطار سواء كان كتابياً أم شفهياً [1091] . وكان قد قدم اقتراح عند مناقشة مشروع الاتفاقية في لجنة قانون التجارة الدولية Uncitral بأن يكون إخطار الفسخ كتابياً، أو بأن يتبع بإخطار كتابى فورى، لكن هذا الاقتراح تم رفضه [1092] .

وإذا كان الإخطار كتابياً فإنه يجب أن تكون عبارته واضحة غير غامضة [1093] . ويحسن لتجنب المنازعات أن تكون صريحةً فى الدلالة على وقوع الفسخ [1094] . أما إذا كان الإخطار شفهياً فإنه يجب أن يكون واضحاً ومفهوماً للطرف الآخر، فإذا تعذر عليه فهمه أو إدراكه فلن يحدث أثره [1095] . كما يحسن أن يتبع بتوجيه إخطار كتابى فورى يؤكد فسخ العقد، ليثبت المتعاقد بذلك حسن نيته ولتجنب ما قد يثار من منازعات بشأن الإخطار الشفهى [1096] .

وقد قضى بأن توجيه الإخطار بواسطة الهاتف يُعد صحيحاً [1097] . بل إن الإخطار الشفهى يمكن أن يكون عن طريق الهاتف لجهاز الرد على المكالمات an answering machine [1098] . لكن المشكلة التى تثار بصدد هذا الإخطار هى مشكلة الإثبات إذا طرح النزاع أمام القضاء، إذ سوف يصعب على المتعاقد الذى وجه الإخطار بهذه الطريقة أن يثبت وقوعه إذا نازع المتعاقد الآخر فى ذلك.

292- عدم استلزام التعبير صراحةً عن الفسخ: وإذا كان الأصل أن 1يعبر المتعاقد صراحةً فى الإخطار عن رغبته في فسخ العقد، إلا أنه لا يوجد ما يمنع من أن يفهم ذلك ضمناً من عبارات الإخطار. وقد قضى بأنه لا يلزم أن يشير المتعاقد صراحةً إلى فسخ العقد فى الإخطار حتى يحدث أثره، إذ يكفى أن يظهر واضحاً فيه أن المشترى لن يدفع ثمن البضاعة بسبب الإخلال الذى صدر عن البائع والذى أدى إلى أن أصبحت البضاعة عديمة النفع بالنسبة له. وكان المشترى فى هذه القضية قد وجه إخطاراً إلى البائع أوضح فيه أنه سوف يحصل على البضاعة من تاجر آخر وأنه ينهى التعامل الذى كان قد
بدأ بينهما [1099] .

لكن المشترى إذا كان قد أرسل إلى البائع الذى تأخر فى التسليم إخطاراً يطلب منه فيه استرداد البضاعة أو تخفيض ثمنها بنسبة 50%، فإن هذا الإخطار لا يعد إخطاراً بالفسخ لأنه لا يدل دلالة واضحة على قصد المشترى فسخ العقد [1100] .

ولا يُعد كافياً للفسخ صدور تصرف من المتعاقد يمكن أن يفهم منه ضمناً رغبته فى عدم استمرار العقد، كأن يعيد المشترى البضاعة إلى البائع أو يرفض استلامها [1101] . لأن هذا التصرف لا يعد إخطاراً، وقد كانت عبارات الاتفاقية صريحة فى استلزام وقوع الفسخ بإخطار وأن إعلان الفسخ لا يحدث أثره إلا إذا تم بواسطة هذا الإخطار. فيحق للمتعاقد الآخر فى هذه الحالة
التعامل مع العقد باعتباره قائماً، فينفذ التزاماته ويطالب الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته، ويتخذ ما يراه مناسباً لمواجهة عدم تنفيذ هذا المتعاقد لالتزاماته بما فى ذلك حقه هو فى فسخ العقد والمطالبة بالتعويضات عن هذا الإخلال.

 2  وسيلة الإخطار:

293- الوسيلة التى تتناسب مع الظروف: يجب أن يتم توجيه الإخطار بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف، بأن تتفق سرعة إجراء الاتصال مع مدى استعجال المعلومات المرسلة [1102] . فإذا كان الميعاد المحدد للإخطار قد قارب على الانقضاء لا يكون مقبولاً إرساله بالبريد العادى، وتكون الوسيلة التى تتناسب مع الظروف فى هذه الحالة هى التلكس أو الفاكس [1103] . كما يجب أن يؤخذ فى الاعتبار وسائل الاتصال التى يملكها الطرفان، فلا يجوز لأحدهما توجيه الإخطار بوسيلة لا يملك الطرف الآخر الأجهزة اللازمة لاستقبالها [1104] .

وتختلف اتفاقية فيينا بذلك عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتطلب أن يرسل الإخطار بالوسيلة التى تستخدم عادة فى الظروف ذاتها [1105] . فإذا كان العمل قد درج على إرسال مثل هذا الإخطار بالبريد العادى أو المسجل أو التلغراف وجب اتباع هذا الطريق [1106] .

فاختارت اتفاقية لاهاى بذلك الوسيلة المعتادة، بينما اختارت اتفاقية فيينا الوسيلة التى تتناسب مع الظروف. ويختلف الأمران إذ أن الوسيلة المعتادة قد لا تكون متناسبة مع الظروف فى أحوال معينة [1107] . ويحقق معيار التناسب قدراً أكبر من المرونة للمتعاقد فى اختيار الوسيلة التى يوجه بها الإخطار [1108] . فإذا كان الإخطار بطريق البريد هو الوسيلة المعتادة للاتصال فى الأحوال العادية، فإن استخدامها لا يكون متناسباً مع الظروف إذا كانت الخدمات البريدية فى دولة المرسل إليه معطلة بسبب إضراب موظفى البريد [1109] .

ويتفق الحكم الذى أخذت به اتفاقية فيينا مع ما أوردته قواعد الـ Unidroit بخصوص الإخطار الذى قد يكون مطلوباً، إذ أجازت توجيهه بأى وسيلة تتناسب مع الظروف. وجاء فى التعليق على هذه المادة أن معرفة الوسيلة المناسبة تتوقف على معرفة الظروف الفعلية للحالة المطروحة، وبالذات مدى الثقة فى مختلف وسائل الاتصال وأهمية وسرعة الرسائل المطلوب 1تسليمها. فإذا كان من الواجب توجيه الإخطار كتابةً ولم يتيسر الاعتماد على الخدمة البريدية، فإن الوسيلة المناسبة فى هذه الحالة قد تكون الفاكس أو التلكس أو أى صورة أخرى للتراسل الإلكترونى. وقد تكون الوسيلة المناسبة هى استخدام التليفون إذا كان الاتصال الشفهى كافياً. وعند اختيار أى وسيلة من وسائل الاتصال كقاعدة عامة يجب على المرسل أن يأخذ فى اعتباره الوضع القائم فى بلده وبلد المرسل إليه [1110] .

294- تحمل مخاطر التأخير: ووضعت الاتفاقية قاعدة بمقتضاها يتحمل المرسل إليه مخاطر أى تأخير أو خطأ فى إيصال الإخطار وكذلك عدم وصوله [1111] . فنصت على أنه ما لم ينص هذا الجزء من الاتفاقية صراحةً على خلاف ذلك، فإن أى تأخير أو خطأ فى إيصال أى إخطار أو طلب أو تبليغ يبعث به أحد الطرفين فى العقد وفقاً لأحكام هذا الجزء وبالوسيلة المناسبة للظروف، وكذلك عدم وصول الإخطار أو الطلب أو التبليغ، لا يحرم هذا الطرف من حقه فى التمسك به [1112] .

ولا يطبق هذا الحكم على إخطار الفسخ وحده وإنما على جميع الإخطارات والطلبات والتبليغات التى يبعث بها أحد الطرفين وفقاً لأحكام الجزء الثالث من الاتفاقية، والذى يتضمن التزامات البائع والمشترى والجزاءات التى تترتب على مخالفة أى منهما لالتزاماته [1113] . وذهب رأى إلى أنه يطبق أيضاً على الإخطارات التى يتفق المتعاقدان فى العقد على إرسالها بخصوص تنفيذ التزامات أى منهما ما لم يتفق على خلاف ذلك [1114] . لكننا نرى أن هذا الحكم لا يطبق إلا على الإخطارات التى ذكرتها الاتفاقية فى الجزء الثالث منها والتى ترسل وفقاً لأحكامها، فلا يطبق على أى إخطار آخر إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحةً على ذلك [1115] .

ويشترط لتطبيق هذا الحكم عدم صدور أى خطأ من جانب مرسل الإخطار، فيجب عليه أن يسلم الإخطار فى ميعاد مناسب وأن يختار الوسيلة المناسبة للظروف والتى تضمن وصوله للمرسل إليه فى الميعاد المحدد. 1ويترتب على تحقق هذا الشرط أن تأخر وصول الإخطار أو عدم وصوله لا يحرم المرسل من حقه فى التمسك به كما لو كان قد وصل فى الميعاد المناسب وأحدث أثره. فأعفته الاتفاقية بذلك من تحمل تبعة الخطأ الذى قد يصدر من الجهة التى تتولى الإرسال، كهيئة البريد أو التلغراف أو التلكس. أما مسئولية هذه الجهة عن الضرر الذى يترتب على ضياع الإخطار أو تأخر وصوله فلا علاقة للاتفاقية به، وإنما يطبق فى شأنه حكم القانون الوطنى الواجب التطبيق [1116] .

ولا يعد هذا الحكم ملزماً إذ يجوز الاتفاق على خلافه، كأن يتفق1 المتعاقدان على أن يتحمل المرسل مخاطر الإرسال [1117] .  كما أن حسن النية يفرض على المرسل إذا علم بعدم وصول الإخطار إلى المرسل إليه، أن يلفت نظره إلى مضمون الإخطار الذى أرسله [1118] . وقد يكون هذا الإجراء متعيناً على المرسل إذا كان من شأنه التخفيف من الخسارة الناجمة عن المخالفة، وإلا كان للطرف المخل أن يطالب بتخفيض التعويض بقدر الخسارة التى كان يمكن تجنبها [1119] .

 3  متى يحدث الإخطار أثره ؟

295- اختلاف الرأى بين مبدأ الإرسال ومبدأ الاستلام: وإذا كان حكم المادة 27 سالف البيان يتناول حالة تأخير الإخطار أو عدم وصوله، فإنه لم يتناول صراحةً الوقت الذى يحدث فيه الإخطار أثره، وهل هو منذ لحظة إرساله أم عند وصوله إلى المرسل إليه. إذ خلت الاتفاقية من نص صريح يوضح هذا الحكم، عكس الحال بخصوص تكوين العقد والذى نصت الاتفاقية على أحكامه فى الجزء الثانى منها، إذ نصت صراحةً على أن الإيجاب يحدث أثره عند وصوله إلى المخاطب [1120] ، وأن قبول الإيجاب يحدث أثره من اللحظة التى يصل فيها إلى الموجب ما يفيد الموافقة [1121] . وأدى ذلك إلى اختلاف الرأى بصدد هذه المسألة.

فذهب رأى إلى أن حكم المادة 27 يظهر منه تبنى الاتفاقية لمبدأ الإرسال principe de l'expédition [1122] ، أى أن الإخطار يحدث أثره بمجرد إرساله. عكس مبدأ الاستلام Principe de la réception [1123]  الذى تبنته الاتفاقية بخصوص تكوين العقد فى الجزء الثانى منها. ويرى أصحاب هذا الرأى أن هذه التفرقة مبررة، لأن الجزء الثانى من الاتفاقية يتعلق بالإخطارات أثناء تكوين العقد، فلم ترتكب أى مخالفة من قبل أى واحد من الطرفين. أما المادة 27 فتطبق بعد إبرام العقد، وبعد أن يكون أحد الطرفين قد أخل بتنفيذ التزاماته. فيكون من المقبول تحمل الطرف المخالف تبعة تأخر وصول الإخطار أو عدم وصوله، وكذلك إنتاج إخطار الفسخ أثره بمجرد إرساله [1124] .

وذهب رأى آخر إلى أن إخطار الفسخ لا يحدث أثره إلا عند وصوله إلى المرسل إليه [1125] . ذلك أنه إذا كان مبرر الأخذ بمبدأ الإرسال هو ارتكاب المرسل إليه مخالفة للعقد بحيث لا يستأهل أى حماية، فإن هذا المبرر لا يكون متحققاً إذا كان المرسل إليه لم يرتكب أى مخالفة، وإنما كان الفسخ بسبب قوة قاهرة أدت إلى عجزه عن تنفيذ التزامه. ففى هذه الحالة لا يتصور تحميله مسئولية هذا الفسخ [1126] .

ولم يكن أخذ اتفاقية فيينا بمبدأ الاستلام مقصوراً على الإيجاب وقبوله، إذ أخذت بذات المبدأ فى عدد من أحكامها فى الجزء الثالث منها. فالإخطار الذى يوجهه أحد المتعاقدين إلى الآخر بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلال المهلة الإضافية الممنوحة له لا يحدث أثره إلا بوصوله [1127] . وإذا طلب البائع من المشترى أن يعلمه بما إذا كان يقبل التنفيذ بعد التاريخ المحدد للتسليم، أو أخطره بعزمه على تنفيذ التزاماته فى المدة التى حددها فى طلبه، فإن هذا الطلب أو الإخطار لا يحدث أثره إلا إذا وصل إلى المشترى [1128] . والطلب الذى يوجهه البائع إلى المشترى لكى يعين مواصفات البضاعة وفقاً للعقد يجب أن يستلمه المشترى حتى يستطيع البائع بعد انقضاء فترة معقولة على هذا الاستلام دون رد أن يحدد المواصفات بنفسه، وإذا حدد البائع المواصفات بنفسه وأخطر المشترى بذلك وحدد له فترة معقولة للرد فلم يرد خلال هذه المدة المحددة بعد استلام الإخطار تصبح المواصفات التى وضعها البائع نهائية [1129] . والإخطار بالعائق وأثره فى قدرة المتعاقد على التنفيذ يحدث أثره إذا وصل إلى الطرف الآخر [1130] .

296- ترجيح مبدأ الاستلام: ونرى أن الأخذ بمبدأ الاستلام هو الذى يتوافق مع أحكام الاتفاقية، ذلك أن المسائل التى لم تحسمها نصوص الاتفاقية يتعين تنظيمها وفقاً للمبادئ العامة التى أخذت بها [1131] . ومن المبادئ الأساسية التى قامت عليها الاتفاقية مبدأ الحفاظ على العقد وتقليل حالات فسخه، ومؤدى ذلك أن نبحث عن الحكم الذى يؤدى إلى تحقيق هذا المبدأ. ولا يتصور أن يتحقق الحفاظ على العقد مع الأخذ بمبدأ الإرسال.

ويجب عدم التوسع فى تفسير الحكم الذى جاءت به المادة 27 لمخالفته المبدأ العام الذى أخذت به الاتفاقية سالف الذكر، فيعد استثناء ولا يتوسع فيه 1أو يقاس عليه. وإذا تقيدنا بألفاظ النص بدقة نجد أنه لا يطبق إلا فى حالة 1حدوث خطأ من الجهة التى تتولى الإرسال أدى إلى تأخير وصول الإخطار عن الميعاد الذى كان من المفروض أن يصل فيه عادة، أو عدم وصوله على الإطلاق. وفى هذه الحالة وحدها يستطيع المرسل أن يعتبر الإخطار قد أحدث أثره رغم عدم وصوله إلى المرسل إليه أو تأخره.

أما إذا كان الميعاد المعتاد لوصول الإخطار لم ينقض بعد، فإن إخطار الفسخ لا يحدث أثره إلا عند وصوله إلى المرسل إليه، حتى يتمكن من العلم بمحتواه ويوقف تنفيذ التزاماته.

ويؤدى استمرار المرسل إليه فى تنفيذ التزاماته رغم فسخ العقد، وعدم علمه بذلك، إلى زيادة خسائره، مما يتصادم مع التزام أساسى وضعته الاتفاقية على عاتق المتعاقدين هو أن يعملا على تخفيف الخسارة الناجمة عن مخالفة الطرف الآخر. بحيث إذا أهمل الطرف المضرور القيام بذلك، يكون للطرف المخل المطالبة بتخفيض التعويض بقدر الخسارة التى كان يمكن تجنبها [1132] .

أضف إلى ذلك أن تفسير نصوص الاتفاقية ينبغى أن يراعى فيه ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية [1133] . ويفرض حسن النية على المتعاقد أن يتابع إخطار الفسخ الذى أرسله ليتأكد من وصوله إلى الطرف الآخر،
ولا يعول عليه إلا بعد تأكده من ذلك، وإذا شك فى وصوله وجب عليه إرسال تأكيد آخر إلى المتعاقد حتى يظهر موقفه من العقد بصورة واضحة.

وإذا كانت الاتفاقية قد هجرت فكرة الفسخ بقوة القانون، حتى لا يفسخ العقد دون علم الطرفين أو أحدهما. فإنه لا يتصور أن تعود ثانية إلى فكرة قريبة وتقبل وقوع الفسخ بمجرد إرسال الإخطار الخاص به دون علم الطرف الآخر به.

لذلك فإننا نرى أن مبدأ الاستلام هو الأقرب إلى روح نصوص الاتفاقية والمبادئ العامة التى أخذت بها، وهو الذى يحقق الاستقرار والوضوح وحسن النية فى التجارة الدولية.

 4  سحب الإخطار:

297- ويرتبط بهذه المسألة الأخيرة تحديد الوقت الذى يحق خلاله للمرسل سحب إخطاره، وهل هو ذات الوقت الذى يحدث فيه الإخطار أثره أم يختلف عنه؟ وترجع أهمية هذه المسألة إلى أنه قد تتوافر أسباب للمرسل، بعد توجيه إخطاره، تدفعه إلى تغيير رأيه فيرغب فى الاحتفاظ بالعقد والحصول على تعويضات أو تخفيض الثمن بدلاً من الفسخ.

وفى قضية توضح الأسباب التى قد تدفع المرسل إلى العدول عن إخطاره، أعلن المشترى فسخ العقد لعدم مطابقة الماكينات المسلمة إليه بسبب وجود عيب فى تشغيلها. واعترض البائع على الفسخ وقرر بمطابقة البضاعة للعقد. واستمر النزاع بينهما طويلاً أمام القضاء. ووجد المشترى أن مصلحته تقتضى تقليل الخسائر التى يتعرض لها، خاصة مع علمه بتعرض البائع لأزمة مالية لن تمكنه من رد الثمن المدفوع أو تحمل التعويضات التى قد يقضى بها. فقام بإصلاح الماكينات المسلمة بحيث أصبحت صالحة للعمل المنوط بها، وأعلن سحب إخطار الفسخ وطالب بتخفيض الثمن فقط ورد الفرق إليه والتعويضات. وإن كان البائع قد رفض هذا العدول، وقرر أنه يوافق على فسخ العقد وإعادة الماكينات إليه [1134] .

وقد ذهب رأى إلى أن المرسل يستطيع سحب إخطار الفسخ الذى أرسله فى أى وقت ما دام المرسل إليه لم يعلن قبوله الفسخ أو يتصرف على أساس أن العقد قد تم فسخه. فإذا أعلن رفضه للفسخ فإن المشترى يظل قادراً على سحب إخطاره والعدول عن الفسخ. ويبدو أن هذا الرأى قد تأثر بما نص عليه القانون الألمانى من أنه فى حالة عدم المطابقة فإن طلب المشترى فسخ العقد يُعد نوعاً من الإيجاب لابد أن يتم قبوله من البائع، وحتى يتم هذا القبول يستطيع المشترى أن يعدل عن طلبه [1135] .

بينما ذهب رأى آخر إلى أنه لا يجوز سحب إخطار الفسخ من جانب واحد ما دام قد أحدث أثره بوصوله إلى المرسل إليه، فإذا سحبه المرسل فى تاريخ لاحق على ذلك فلن يترتب على هذا السحب إعادة الالتزامات التى انقضت بمجرد الفسخ. لكن إخطار الفسخ لا يحدث أثره إذا وصل الإلغاء إلى المرسل إليه قبل وصوله أو حتى إذا وصلا فى وقت واحد [1136] .

ونرى أن هذا الرأى الأخير هو الذى يتفق وأحكام الاتفاقية، إذ أن الفسخ وفقاً لها لا يحدث أثره إلا إذا تم بواسطة إخطار موجه إلى الطرف الآخر. فإذا وجه هذا الإخطار ووصل إلى المرسل إليه أحدث أثره وأصبح العقد مفسوخاً منذ هذه اللحظة. ولا يستطيع المرسل أن يعدل عن الإخطار بعد ذلك بإرادته المنفردة، لأنه لن يكون هناك عقد يمكن أن يرجع إليه بعد أن انقضى بالفسخ.

وعلى ذلك فإن سحب الإخطار لا يكون جائزاً إلا إذا تم قبل وصول الإخطار إلى المرسل إليه، لأنه لا يشترط وفقاً لأحكام الاتفاقية قبول هذا الأخير الفسخ والذى يقع بالإرادة المنفردة للمرسل. فإذا وصل الإخطار إلى المرسل إليه أحدث أثره ولا يجوز سحبه، إلا إذا اتفق المتعاقدان على ذلك. ويعد هذا الاتفاق بمثابة عقد جديد بذات شروط العقد الأول، ما لم يتفقا على غير ذلك.

298- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن ما قررته الاتفاقية من أن إعلان الفسخ لا يحدث أثره إلا إذا تم بواسطة إخطار موجه إلى الطرف الآخر، يظهر منه حرصها على صالح التجارة الدولية بالبعد عن التعقيدات التى يستلزمها اللجوء إلى القضاء، وتحقيق الاستقرار والوضوح بهجر نظام الفسخ بقوة القانون.

وتكفل أحكام الاتفاقية فى هذا الشأن احترام حسن النية فى التجارة الدولية، فيجب أن يتضمن الإخطار ما يفيد أن العقد قد أصبح مفسوخاً وأن يكون واضح الدلالة على ذلك، وأن يتم توجيهه بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف حتى يكفل ذلك وصوله إلى المرسل إليه. ولم تشذ الاتفاقية عن ذلك إلا بالحكم الذى قررته من أن المرسل إليه يتحمل مخاطر أى تأخير أو خطأ
فى إيصال الإخطار وكذلك عدم وصوله، فيحق للمرسل التمسك به رغم ذلك.

وإن كان تقييد هذا الحكم وعدم التوسع فى تطبيقه سوف يقلل من الأضرار التى يمكن أن تنشأ عنه، لذلك رجحنا أن إخطار الفسخ لا يحدث أثره إلا بوصوله إلى المرسل إليه، حتى يكون الأخير على بينة من أمره ولا يفاجأ بفسخ العقد دون علمه. ويترتب على ذلك أن سحب الإخطار لا يجوز بعد هذه اللحظة، لأن العقد قد انقضى بالفسخ ولا يجوز العودة إليه بالإرادة
المنفردة للمرسل.


المبحث الثانى

ميعاد الفسخ

299- حرصت اتفاقية فيينا على حث المتعاقد على الإسراع إلى تقرير مصير العقد، إما بالإبقاء عليه أو فسخه. ذلك أن بقاءه معلق لمدة طويلة قد يعرض البضاعة لمخاطر التلف أو الهلاك، وقد يستوجب نفقات لا مبرر لها كمصاريف تخزين البضاعة أو حراستها [1137] . وإذا كان الإخلال قد صدر من البائع فإن تأخر المشترى فى إعلان الفسخ قد يترتب عليه حرمان البائع من فرصة إعادة بيع البضاعة بسعر مناسب، خاصة فى حالة هبوط سعرها فى السوق [1138] .

لكن الاتفاقية رغم ذلك لم تضع حكماً يحدد بدقة ميعاداً يجب أن يتم إعلان فسخ العقد فيه [1139] . إذ اكتفت باشتراط أن يقع الفسخ فى ميعاد معقول un délai raisonnable [1140] . وإلا فقد المتعاقد حقه فيه [1141] .

والميعاد المعقول يتم تقديره وفقا لظروف كل حالة، وينبغى أن يراعى فيه الأعراف التجارية السارية فى هذا الشأن [1142] . وقد قصدت الاتفاقية بذلك أن يكون التحديد مرناً يتغير باختلاف ظروف الحال وطبيعة البضاعة.

فالبضاعة سريعة التلف كاللحوم والفواكه ينبغى استعمال حق الفسخ بالنسبة لها فى أقصر وقت ممكن، فى حين أن البضاعة التى لا تتعرض للتلف السريع كالآلات والأجهزة يمكن أن تطول الفترة اللازمة لاستعمال حق الفسخ بالنسبة لها [1143] . كما يؤثر فى تحديد ميعاد الفسخ المعقول مدى تعرض البضاعة لتقلبات الأسعار فى السوق [1144] .

300- وأظهر استعمال اتفاقية فيينا لاصطلاح الميعاد المعقول اختلافها عن اتفاقية لاهاى والتى جعلت الميعاد الأساسى للفسخ هو الميعاد القصير bref délai وهو أقصر ميعاد مستطاع تبعاً للظروف ابتداءً من اللحظة التى يمكن القيام فيها بهذا العمل [1145] .

وإذا كانت اتفاقية لاهاى قد استخدمت اصطلاحى "الميعاد المعقول" "والميعاد القصير" فى تحديد ميعاد الفسخ، فإنها جعلت الأصل لديها هو الميعاد القصير، أما الميعاد المعقول فلم تستخدمه إلا فى حالات محددة. وقد هجرت اتفاقية فيينا هذه التفرقة نظراً لما أثارته من ارتباك ولبس بسبب صعوبة التمييز بين الميعادين من الناحية العملية [1146] .

301- وهذا الميعاد المعقول الذى أخذت به اتفاقية فيينا هو ذاته الذى أخذ به القانون التجارى الأمريكى الموحد لتحديد الميعاد الذى يتعين فيه رفض البضاعة rejection of goods وكذا سحب القبول revocation of acceptance إذ يتعين أن يتم ذلك فى وقت معقول يبدأ من تاريخ تسلم البضاعة أو عرضها فى الحالة الأولى، ومن تاريخ اكتشاف السبب الذى أدى إلى سحب القبول أو كان يتعين اكتشافه فيه فى الحالة الثانية [1147] .

كما أخذت قواعد الـ Unidroit بذات الميعاد المعقول، إذ نصت على أن حق الدائن فى إنهاء العقد يسقط ما لم يوجه إخطاراً إلى المدين خلال مدة معقولة بعد أن يعلم أو كان يجب عليه أن يعلم أن العرض أو التنفيذ غير مطابق للعقد. وجاء في التعليق على هذه المادة أن تقدير ما هو معقول يتوقف على الظروف. ففى الحالات التى يمكن أن يحصل فيها الدائن بسهولة على تنفيذ بديل، يكون فى استطاعته أن يضارب على ارتفاع أو انخفاض الأسعار، عندئذ وجب عليه أن يوجه الإخطار إلى المدين دون تأخير. فإذا تطلب الأمر أن يتحقق مما إذا كان يمكنه الحصول على تنفيذ بديل من مصادر أخرى استطالت المدة المعقولة [1148] .

أولاً: ميعاد الفسخ بالنسبة للمشترى:

302- أجازت اتفاقية فيينا للمشترى فسخ العقد فى الحال إذا أخل البائع بتنفيذ أحد التزاماته وشكل هذا الإخلال مخالفة جوهرية للعقد. كما أجازت له فسخ العقد بعد انقضاء المهلة الإضافية التى منحها للبائع، إذ لم يقم البائع بتنفيذ التزامه بتسليم البضاعة خلال هذه المهلة أو إذا أعلن أنه سوف لا يسلمها خلالها [1149] .

وقد فرقت الاتفاقية فى تحديد ميعاد الفسخ بين حالتين: الأولى عندما يتخلف البائع عن تنفيذ التزامه بالتسليم، والثانية عندما ينفذ التزامه بالتسليم متأخراً عن الميعاد الواجب التسليم فيه.

303- ميعاد الفسخ فى حالة عدم التسليم: فإذا لم يقم البائع بتنفيذ التزامه بالتسليم، فإن الاتفاقية لم تحدد ميعاداً يتعين أن يقع الفسخ فيه [1150] . إذ أن تأخير البائع فى التسليم إذا شكل مخالفة جوهرية للعقد، يجيز للمشترى فسخ العقد فى الحال بمجرد تحققه من جوهرية المخالفة. وله أن ينتظر إذا شك فى ذلك ويمنح البائع مهلة إضافية لتنفيذ التزامه، فإذا انقضت دون تنفيذ جاز له فى هذه الحالة فسخ العقد فى الحال بمجرد انقضاء هذه المهلة [1151] . ولا يتقيد بأى ميعاد يتعين أن يفسخ العقد قبل انقضائه، وإنما له أن يفسخ العقد فى أى وقت شاء من تاريخ ارتكاب المخالفة الجوهرية أو من تاريخ انقضاء المهلة الإضافية.

وإذا كان الفسخ مبتسراً، أى إذا تبين للمشترى بوضوح قبل حلول ميعاد التنفيذ أن البائع سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد [1152] . فإن المشترى يستطيع أن يفسخ العقد فى أى وقت قبل حلول ميعاد التنفيذ، أما إذا تم التنفيذ فلا يحق له إعلان هذا الفسخ المبتسر [1153] .

وعلى ذلك فإن المشترى يستطيع أن يفسخ العقد فى الحال بمجرد تحققه من جوهرية المخالفة التى سوف ترتكب، إذا كان الوقت لا يسمح له بتوجيه إخطار للبائع لتقديم ضمانات كافية تؤكد عزمه على تنفيذ التزاماته [1154] . أما إذا وجه مثل هذا الإخطار فإنه يتعين عليه أن ينتظر مدة معقولة تسمح للبائع بتقديم هذه الضمانات، ولا يفسخ العقد إلا بعد انقضاء هذه المدة المعقولة [1155] .

304- ميعاد الفسخ فى حالة التسليم: أما فى الحالات التى يكون البائع فيها قد سلم البضاعة، فإن الاتفاقية ألزمت المشترى بإعلان الفسخ خلال ميعاد معقول وإلا فقد حقه فى الفسخ [1156] . فالميعاد المعقول للفسخ لا يبدأ إلا إذا قام البائع بتسليم البضاعة [1157] . وفى تحديد متى يبدأ هذا الميعاد المعقول فرقت الاتفاقية بين حالة التسليم المتأخر وحالات المخالفات الأخرى غير التسليم المتأخر.

305-  1  حالة التسليم المتأخر: ففى حالة التسليم المتأخر يبدأ الميعاد المعقول للفسخ من الوقت الذى يعلم فيه المشترى أن التسليم قد تم [1158] . والذى يفهم من عبارة هذا النص هو أن المقصود هنا هو علم المشترى الفعلى بالتسليم [1159] .

وقد انتقدت هذه الإحالة إلى العلم الفعلى للمشترى والتى تعيدنا إلى المعايير الشخصية التى حاولت الاتفاقية البعد عنها لما تنطوى عليه من الناحية العملية من صعوبة فى الإثبات. لذلك فإن الغالب إذا طرح النزاع أمام القضاء أن يرجع القاضى إلى الوقت الذى يكون المشترى فيه قادراً على العلم بأن البضاعة قد سلمت إليه [1160] . رغم أن النص يفيد صراحةً عكس ذلك.

 والتسليم الذى يبدأ الميعاد المعقول من وقت العلم به هو تسليم البضاعة بكاملها، أما إذا لم تسلم كاملة فلا يسقط حق المشترى فى الفسخ، ويمكن له إعلان الفسخ فى أى وقت [1161] . وإذا كان الفسخ جزئياً فإن التسليم يجب أن يكون كاملاً بخصوص الجزء من العقد الذى يتعلق به الفسخ [1162] .

وقد قضى بأن إعلان الفسخ بعد ستة أسابيع من تاريخ التسليم المتأخر للبضاعة فى عقد بيع منسوجات لا يكون مقبولاً، لأنه تجاوز بذلك الميعاد المعقول للفسخ [1163] . وقضى فى حكم آخر باعتبار ذات الميعاد غير معقول للفسخ فى عقد بيع ملابس، إذ اعتبرت المحكمة أن هذا التأخير فى إعلان الفسخ يقلل بصورة كبيرة من فرص البائع فى التصرف فى البضاعة بطريقة أخرى [1164] .

306- وإذا كان عقد البيع يقضى بتسليم البضاعة على دفعات، وأراد المشترى فسخ العقد بالنسبة للدفعة التى حدث الإخلال بشأنها [1165] ، فإن المقصود بالتسليم الذى يبدأ من تاريخ العلم به الميعاد المعقول للفسخ هو تسليم البضاعة كاملة فيما يتعلق بهذه الدفعة التى يرغب فى فسخ العقد بالنسبة لها. وإذا كان فسخ عقد البيع على دفعات مبتسراً يتعلق بدفعات لم يحل أجل تنفيذها بعد، فإن إعلان الفسخ بالنسبة لهذه الدفعات المستقبلة يجب أن يتم خلال مدة معقولة [1166] . وتبدأ هذه المدة المعقولة من تاريخ ارتكاب المخالفة التى أدت إلى الاعتقاد بارتكاب مخالفة جوهرية بالنسبة للدفعات المستقبلة [1167] .

307-  2  حالات المخالفات الأخرى غير التسليم المتأخر: وفى حالات المخالفات الأخرى غير التسليم المتأخر، فإن الميعاد المعقول للفسخ يبدأ بعد أن يكون المشترى قد علم أو كان من واجبه أن يعلم بالمخالفة [1168] . ويقصد بالمخالفات الأخرى على وجه الخصوص تسليم بضاعة غير مطابقة للعقد، لكن ليس هناك ما يمنع من أن تدخل غيرها من المخالفات معها [1169] .

وقد أظهر الرجوع إلى الوقت الذى علم فيه المشترى بالمخالفة أو كان من واجبه أن يعلم بها فيه الأخذ بالمعيار الموضوعى، فلا يعتد هنا بالعلم الفعلى للمشترى وإنما بما يجب أن يعلمه شخص سوى الإدراك من صفة المشترى إذا وضع فى نفس ظروفه.

وإذا كانت المخالفة المرتكبة هى تسليم بضاعة غير مطابقة للعقد، فإنه يجب أن يراعى فى تحديد بداية الميعاد المعقول للفسخ المدة التى يستطيع المشترى أن يقوم فيها بفحص البضاعة [1170] . ذلك أن الاتفاقية قد ألزمت المشترى بفحص البضاعة بنفسه أو بواسطة غيره، وحددت ميعاداً لذلك يتعين عليه أن يقوم بالفحص فيه وهو أقرب وقت ممكن تسمح به الظروف [1171] .

وقد ألزمت الاتفاقية المشترى بأن يوجه إخطاراً إلى البائع يحدد فيه طبيعة العيب فى المطابقة خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشف فيها العيب أو كان من واجبه اكتشافه فيها [1172] . وعلى ذلك فإن الميعاد المعقول لإخطار عدم المطابقة يبدأ فى ذات الوقت الذى يبدأ فيه الميعاد المعقول لإعلان فسخ العقد، أى من الوقت الذى يكتشف فيه المشترى العيب فى المطابقة أو كان يتعين عليه اكتشافه فيه [1173] .

لكن الاتفاقية إذا كانت قد وضعت حداً أقصى لميعاد الإخطار بعدم المطابقة لا يجوز تجاوزه، بما قررته من أن المشترى يفقد حقه فى التمسك بالعيب فى المطابقة إذا لم يخطر البائع بذلك خلال فترة أقصاها سنتان من تاريخ تسلم المشترى البضائع فعلاً [1174] . فإن المشترى لا يتقيد بهذا الميعاد إذا أراد فسخ العقد. ذلك أن مدة السنتين تبدأ من تاريخ التسليم الفعلى للبضاعة في حين أن الميعاد المعقول للفسخ يبدأ فى هذه الحالة من تاريخ العلم بالمخالفة أو وجوب العلم بها. وقد يعلم المشترى بالمخالفة قبل انقضاء مدة السنتين بوقت قصير فيوجه الإخطار قبل انقضائها، ويبدأ الميعاد المعقول للفسخ منذ وقت هذا العلم، والغالب أن يتجاوز بذلك مدة السنتين.

وإذا كان المشترى لا يتقيد بأى ميعاد معقول لتوجيه الإخطار بعدم المطابقة إذا كان العيب فى المطابقة يتعلق بأمور كان البائع يعلم بها أو كان لا يمكن أن يجهلها ولم يخبر بها المشترى [1175] . فإن البعض قد ذهب إلى تطبيق ذات الحكم بخصوص إعلان الفسخ، فلا يتقيد المشترى بالميعاد المعقول للفسخ إذا كان البائع يعلم بالمخالفة أو كان لا يمكن أن يجهلها [1176] .

لكن هذا الرأى يصعب التسليم به لاختلاف القصد من الإخطار في الحالتين: إذ القصد من إخطار عدم المطابقة أن يعلم البائع بالعيوب المدعى بها فى البضاعة حتى يتمكن من فحصها للتحقق من مدى صحة هذا الإدعاء قبل ضياع الأدلة على ذلك، وحتى يتمكن من ممارسة حقه فى طلب إصلاح العيب. أما إخطار الفسخ فالقصد منه إعلام البائع بوقوعه حتى يتجنب نفقات غير ضرورية لحفظ البضاعة وتخزينها، ولتجنب تعريض البضاعة لمخاطر جديدة، ولمنع المشترى من المضاربة على سعر البضاعة فى حالة تقلب أسعارها فى السوق بما يضر بمصلحة البائع [1177] .

308- تطبيقات للميعاد المعقول للفسخ فى حالة عدم المطابقة: وفى تطبيقات لتحديد الميعاد المعقول للفسخ فى حالة الإخلال بالالتزام بالمطابقة، قضى بأن توجيه إخطار الفسخ بعد يوم أو يومين من العلم بالمخالفة يُعد التزاماً بالميعاد المعقول للفسخ الذى تطلبته الاتفاقية. وكان المشترى فى هذه القضية قد اكتشف عرض سلع تحمل علامته التجارية وبذات المواصفات التى طلبها من البائع فى أحد المعارض، ورفض البائع رفعها، فأخطره بفسخ العقد فى اليوم التالى لانتهاء المعرض [1178] .

وقضت المحكمة العليا الفيدرالية بألمانيا بسقوط حق المشترى فى فسخ العقد لعدم إخطاره البائع بالفسخ فى ميعاد معقول، إذ وجه إليه الإخطار بعد خمسة أشهر من تاريخ علمه بالمخالفة. وكان المشترى السويسرى الجنسية قد اشترى ماكينة من بائع ألمانى يتم تصنيعها بمعرفة طرف ثالث، على أن يتم دفع الثمن على ثلاث دفعات ويحتفظ البائع بحق الملكية حتى تمام السداد. ولخلاف حدث بين البائع الألمانى والطرف الثالث أوقف الأخير التسليم. وفى أكتوبر 1991م قام هذا الطرف الثالث بتسليم الماكينة موضوع عقد البيع مباشرة إلى المشترى. لكن المشترى رفض دفع الدفعتين المتبقيتين بحجة أن البائع لن يتمكن من نقل ملكية الماكينة إليه وأعلن فسخ العقد فى 30 مارس 1992م. وقضت محكمة أو درجة بإلزام المشترى بدفع باقى الثمن، لكن
محكمة الاستئناف قضت لصالح المشترى. وعند طرح النزاع أمام المحكمة العليا قضت بأن المشترى فقد حقه فى فسخ العقد وفقاً للمادة 49 من اتفاقية فيينا لأنه لم يعلن البائع بالفسخ إلا بتاريخ 30 مارس 1992م، أى بعد خمسة أشهر من تاريخ علمه بالمخالفة، والتى علم بها عندما سلمه الطرف الثالث الماكينة مباشرة فى أكتوبر 1991م، ولا يعد هذا الميعاد معقولاً للفسخ وفقاً
لحكم المادة 49 [1179] .

كما قضى بأنه إذا كانت البضاعة غير مطابقة للعقد من ناحية تعبئتها وتغليفها فإن المشترى يتعين عليه إعلان فسخ العقد فى ميعاد معقول من تاريخ اكتشافه لهذه المخالفة. فإذا كان المشترى قد أخطر البائع بالفسخ بعد شهرين من تسلمه البضاعة، فإن هذا الفسخ لا يكون قد وقع خلال الميعاد المعقول الذى تطلبته اتفاقية فيينا، ويسقط بالتالى حق المشترى فى الفسخ [1180] .

309-  3  حالة تحديد مهلة إضافية للبائع: وإذا كان المشترى قد حدد للبائع مهلة إضافية لتنفيذ التزاماته وفقاً للفقرة الأولى من المادة 47 فإن الميعاد المعقول للفسخ يبدأ من وقت انقضاء هذا المهلة دون تنفيذ أو من الوقت الذى يعلن فيه البائع أنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها [1181] .

وإذا كان من الجائز للمشترى أن يمنح البائع مهلة إضافية فى حالة تخلفه عن تنفيذ أى التزام من التزاماته، وسواء كانت المخالفة التى ارتكبها جوهرية أو غير جوهرية [1182] ، فإن المخالفة إذا كانت غير جوهرية وتعلقت بالتزام البائع بالتسليم تتحول بانقضاء المهلة الإضافية دون تنفيذ إلى مخالفة جوهرية تجيز فسخ العقد. ويبدأ ميعاد الفسخ من تاريخ انقضاء المهلة الإضافية.

وإذا كانت المخالفة جوهرية منذ بدايتها، ومنح المشترى البائع مهلة إضافية لتنفيذ التزامه، فإن ميعاد الفسخ فى هذه الحالة لا يبدأ منذ وقت العلم بالمخالفة. لأن المشترى إذا منح البائع مهلة إضافية فلا يجوز له قبل انقضاء هذه المهلة استعمال أى حق من الحقوق المقررة له فى حالة مخالفة العقد [1183] . ومنها حقه فى فسخ العقد. فيبدأ ميعاد الفسخ فى هذه الحالة أيضاً
من تاريخ انتهاء المهلة الإضافية.

وإذا كان من الجائز للمشترى فى حالة عدم مطابقة البضاعة للعقد أن يطلب من البائع إصلاح العيب فى المطابقة [1184] ، أو أن يطلب منه تسليم بضاعة بديلة إذا شكل العيب فى المطابقة مخالفة جوهرية للعقد [1185] ، فإن ميعاد الفسخ فى هذه الحالة لا يبدأ إلا بعد انقضاء الميعاد الذى حدده المشترى للبائع لإصلاح العيب أو لتسليم بضاعة بديلة [1186] .

وإذا أعلن البائع أنه سوف لا ينفذ التزامه خلال المهلة الإضافية، فإن ميعاد الفسخ يبدأ من تاريخ هذا الإعلان دون انتظار انتهاء المهلة الإضافية لأن هذا الانتظار أصبح عديم الجدوى بعد أن كشف البائع عن نيته فى عدم تنفيذ التزامه. ويسترد المشترى بذلك حقوقه التى كان قد منع من استعمالها خلال المهلة الإضافية، ومنها حقه فى إعلان الفسخ [1187] .

ولا يتصور أن يعد الإعلان الموجه من البائع إلى المشترى بأنه سوف لا ينفذ التزاماته خلال المهلة الإضافية إعلانا بالفسخ من جانبه، لأنه هو الذى ارتكب المخالفة، ولأن المشترى بعد تلقيه هذا الإعلان قد يسلم بالصعوبات التى تواجه البائع فى التنفيذ فيتنازل عن بعض طلباته أو يطلب تخفيض الثمن مقابل الإخلال الذى حدث، وقد تسفر هذه المفاوضات عن الحفاظ على العقد وتنفيذه.

وقد يبدأ ميعاد الفسخ قبل انقضاء المهلة الإضافية، وذلك إذا ارتكب البائع مخالفة جوهرية أخرى خلاف التى منح المهلة الإضافية بسببها [1188] . فيجوز للمشترى فى هذه الحالة إعلان الفسخ فى ميعاد معقول يبدأ من تاريخ علمه بهذه المخالفة أو من التاريخ الذى كان يجب أن يعلم بها فيه.

310-  4  تحديد ميعاد للتنفيذ المتأخر: وإذا أدرك البائع أنه سوف يتأخر فى التسليم فقد يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المشترى سوف يقبل هذا التنفيذ المتأخر أم لا، حتى لا يتحمل نفقات التعبئة والشحن والتخزين دون طائل [1189] . فأجازت الاتفاقية للبائع فى هذه الحالة أن يطلب من المشترى إعلامه بما إذا كان يقبل هذا التنفيذ المتأخر ويحدد له ميعاداً فى طلبه، فإذا لم يرد المشترى فى ميعاد معقول جاز للبائع تنفيذ التزاماته فى الميعاد الذى حدده، ولا يجوز للمشترى قبل انقضاء هذا الميعاد استعمال أى حق يتعارض مع تنفيذ البائع لالتزاماته [1190] .

وإذا عين البائع ميعاداً محدداً سوف يقوم بالتنفيذ فيه على هذا النحو، فإن إعلان الفسخ من جانب المشترى لا يبدأ ميعاده المعقول إلا بعد انقضاء هذه الفترة، أو بعد أن يعلن المشترى أنه سوف لا يقبل التنفيذ [1191] .

وقد انتقد هذا الحكم الأخير لأن إعطاء المشترى ميعاداً معقولاً للفسخ بعد إعلانه عدم قبول التنفيذ المتأخر من جانب البائع يُعد أمراً غير مبرر. لأن مؤدى ذلك أن يفقد حقه فى الفسخ إذا لم يعلنه خلال هذا الميعاد المعقول، فى حين أن تنفيذ العقد من قبل البائع قد أصبح أمراً مستبعداً برفضه قبوله، فكان يتعين عدم الالتزام بأى ميعاد للفسخ. لكن هذه المسألة يمكن حلها بالقول بأن إعلان المشترى عدم قبول تنفيذ البائع لالتزامه يعد فى نفس الوقت إعلاناً بفسخ العقد، لأنه يظهر بوضوح أن المشترى لا يرغب فى استمراره [1192] . وبالتالى يكون الحكم الذى أوردته الاتفاقية فى هذا الشأن لا حاجة إليه.

ثانياً: ميعاد الفسخ بالنسبة للبائع:

311- حددت الاتفاقية ميعاد الفسخ بالنسبة للبائع بطريقة مماثلة لتلك التى استعملتها فى تحديد ميعاد الفسخ بالنسبة للمشترى، ويرجع ذلك إلى حرص الاتفاقية على تحقيق التوازن بينهما بمعالجتها الوضعين بذات الحلول والأسلوب والصياغة [1193] .

فأجازت الاتفاقية للبائع فسخ العقد إذا كان عدم تنفيذ المشترى لالتزام من الالتزامات التى يرتبها عليه العقد أو هذه الاتفاقية يشكل مخالفة جوهرية للعقد، أو إذا لم ينفذ المشترى التزامه بدفع الثمن أو لم يستلم البضاعة خلال المهلة الإضافية التى حددها البائع وفقاً للفقرة الأولى من المادة 63 أو إذا أعلن أنه سوف لا يفعل ذلك خلال تلك المهلة [1194] .

ولا يلتزم البائع بميعاد للفسخ إذا كان المشترى لم يدفع الثمن، فله أن يفسخ العقد بمجرد تحققه من جوهرية المخالفة دون أن يتقيد بميعاد معين ينقضى فيه هذا الحق. ويرجع ذلك إلى أن تحديد ميعاد للبائع لكى يقوم خلاله بالفسخ سوف يضع البائع فى موقف صعب، فقد يسارع بإعلان الفسخ خشية فوات هذا الميعاد قبل أن يتحقق من جوهرية المخالفة، فيتعرض لخطر ألا يكون محقاً فى إعلانه الفسخ لأن المخالفة المرتكبة لم تكن جوهرية. وقد يتأخر فى إعلان الفسخ حتى يضيع منه الميعاد فيسقط حقه فى الفسخ. فرفعت عنه الاتفاقية هذا الحرج ولم تقيده بأى ميعاد مادام الثمن لم يتم دفعه [1195] .

312- ميعاد الفسخ فى حالة دفع الثمن: وإذا كان المشترى قد دفع الثمن فإن البائع يفقد حقه فى الفسخ إلا إذا قام بذلك في الميعاد الذى حددته الاتفاقية [1196] . وفرقت الاتفاقية فى تحديدها لهذا الميعاد بين حالتين: الأولى حالة التنفيذ المتأخر من قبل المشترى، والثانية حالات المخالفات الأخرى غير التنفيذ المتأخر.

والمقصود بدفع الثمن هنا أن يدفع المشترى الثمن كاملاً، أما إذا كان الدفع جزئياً فلا يعد كافياً ولا ينقضى به حق البائع في الفسخ [1197] . فيجوز له فى هذه الحالة إعلان الفسخ فى أى وقت دون تقيد بميعاد معين، مادام الثمن لم يتم دفعه كاملاً.

313-  1  حالة التنفيذ المتأخر: ففى حالة التنفيذ المتأخر من قبل المشترى يفقد البائع حقه فى الفسخ إذا لم يقم بذلك قبل علمه بأن التنفيذ قد تم [1198] . ولا يتعلق التنفيذ المتأخر هنا بدفع الثمن فقط، وإنما يشمل التأخر فى تنفيذ أى التزام آخر. لأن عبارة النص تشمل جميع التزامات المشترى [1199] .

وعلى ذلك فإن المشترى إذا كان قد دفع الثمن لكنه تأخر فى دفعه، أو تأخر فى تنفيذ التزام آخر رغم دفعه الثمن كعدم تسلمه البضاعة أو امتناعه عن تحديد مواصفاتها، فلا يجوز للبائع إذا كانت المخالفة المرتكبة جوهرية أن يفسخ العقد إلا إذا قام بذلك قبل أن يعلم بأن التنفيذ قد تم [1200] .

وإذا تخلف المشترى عن دفع ثمن البضاعة وعن استلامها، فإن البائع يحق له فسخ العقد بمجرد تحققه من جوهرية المخالفة المرتكبة. وإذا دفع المشترى ثمن البضاعة فإن البائع لا يجوز له فى هذه الحالة فسخ العقد استناداً إلى تأخر المشترى فى الدفع، لكنه يظل محتفظاً بحقه فى الفسخ استناداً إلى عدم تنفيذ المشترى لالتزامه باستلام البضاعة، ويظل ميعاد الفسخ بالنسبة
له مفتوحاً حتى يعلم بأن المشترى قد استلم البضاعة، فإذا علم بذلك انقضى حقه فى الفسخ [1201] .

وحددت الاتفاقية العلم المطلوب بأنه العلم الفعلى للبائع بتنفيذ المشترى لالتزامه [1202] . وعلى ذلك لا يتعد فى هذه الحالة بالعلم المفترض، أى وجوب علمه بالتنفيذ. ويصعب إيجاد مبرر لهذا الحكم إذ أنه يخالف الاتجاه الموضوعى الذى حرصت الاتفاقية على الأخذ به. لكن النص صريح فى اشتراط هذا العلم الفعلى، وعلى ذلك إذا دفع المشترى الثمن دون أن يعلم البائع بذلك، ظل البائع محتفظاً بحقه فى الفسخ حتى يعلم بهذا السداد [1203] .

314-  2  حالات المخالفات الأخرى غير التنفيذ المتأخر: وفى حالات المخالفات الأخرى غير التنفيذ المتأخر، فإن البائع يفقد حقه فى فسخ العقد إلا إذا وقع الفسخ فى ميعاد معقول بعد أن يكون البائع قد علم بالمخالفة أو كان من واجبه أن يعلم بها [1204] .

فعادت الاتفاقية هنا إلى الأخذ بالمعيار الموضوعى، فلا يكفى العلم الفعلى للمشترى بالمخالفة، وإنما يلزم العلم المفترض وهو ما يجب أن يعلمه شخص سوى الإدراك من صفة البائع إذا وضع فى نفس ظروفه.

وإذا كان البائع قد حدد مهلة إضافية للمشترى لتنفيذ التزاماته وفقاً للفقرة الأولى من المادة 63، فإن الميعاد المعقول للفسخ يبدأ من وقت انقضاء هذه المهلة دون تنفيذ أو من الوقت الذى يعلن فيه المشترى أنه سوف لا ينفذ التزاماته خلالها [1205] .

فإذا كانت المهلة لم تنقض بعد، ولم يعلن المشترى أنه لن ينفذ التزاماته، فإن البائع لا يجوز له استعمال أى حق من الحقوق التى قررتها له الاتفاقية فى حالة مخالفة العقد ومنها حقه فى الفسخ. فإذا انقضت المهلة، استرد حقه فى الفسخ. وفى هذه الحالة يبدأ الميعاد المعقول للفسخ من وقت انقضائها [1206] .

315- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا قد اختارت للفسخ ميعاداً مرناً، هو الميعاد المعقول والذى يتم تقديره وفقاً لظروف كل حالة. وذلك حتى يتناسب مع ظروف التجارة الدولية، ويمكن عن طريقه مراعاة الأعراف التجارية السارية في هذا الشأن.

وحددت الاتفاقية وقت بدء هذا الميعاد المعقول لكل من البائع والمشترى، وراعت فى ذلك تحقيق التوازن بينهما وتماثل الأحكام المقررة لكل واحد منهما.

فلم تلزم الاتفاقية المشترى بأى ميعاد للفسخ فى حالة عدم تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم، كما لم تلزم البائع بأى ميعاد للفسخ فى حالة عدم تنفيذ المشترى لالتزامه بدفع الثمن.

فإذا كان البائع قد سلم البضاعة، فإن الميعاد المعقول للفسخ يبدأ فى حالة التسليم المتأخر بعد أن يكون المشترى قد علم بأن التسليم قد تم. وإذا كان المشترى قد دفع الثمن فإن الفسخ لا يجوز للبائع فى حالة التنفيذ المتأخر إلا إذا وقع قبل أن يكون قد علم بأن التنفيذ قد تم.

وفى حالات المخالفات الأخرى لا يجوز الفسخ بالنسبة للطرفين إلا إذا وقع فى ميعاد معقول بعد أن يكون المتعاقد قد علم بالمخالفة أو كان من واجبه أن يعلم بها، أو بعد انقضاء أى مهلة إضافية يكون قد منحها للمتعاقد الآخر لتنفيذ التزاماته، أو بعد أن يعلن هذا الأخير أنه لن ينفذ التزاماته خلالها.


الفصل الثانى

القيود الواردة على استعمال حق الفسخ

316- تمهيد وتقسيم: رأينا أن اتفاقية فيينا قد جعلت الحفاظ على العقد وتقييد الحق فى فسخه من المبادئ الأساسية التى تقوم عليها أحكامها. فوضعت شروطاً ثقيلة للسماح بفسخ العقد تتمثل أساساً فى ارتكاب مخالفة جوهرية للعقد، بحيث لا يجوز للمتعاقد فسخه إذا كانت المخالفة المرتكبة لا تصل إلى درجة المخالفة الجوهرية.

وفرضت الاتفاقية قيوداً على استعمال الحق فى الفسخ، فاشترطت لكى يحدث إعلان الفسخ أثره أن يتم بواسطة إخطار موجه إلى الطرف الآخر. وأن يتم هذا الإخطار فى مواعيد معينة حددتها، وإلا فقد المتعاقد حقه في الفسخ. كما أجازت منح مهلة إضافية للمتعاقد لتنفيذ التزاماته، ومنعت استعمال الحق فى الفسخ حتى انقضاء هذه المهلة.

 ووضعت الاتفاقية قيداً هاماً على حق المشترى فى فسخ العقد فى حالة إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة، فأوجبت عليه القيام بإجراءين ضروريين حتى تسمح له بالفسخ، هما فحص البضاعة وإخطار البائع بالعيب فى المطابقة. كما حاولت إنقاذ العقد من الفسخ بعد وقوع المخالفة، فأتاحت الفرصة لإصلاح الخلل فى التنفيذ كلما كان ذلك ممكناً.

 ونتناول فى هذا الفصل الحديث أولاً عن القيود الواردة على استعمال الحق فى الفسخ فى حالة عدم المطابقة، ثم عن حق البائع فى إصلاح الخلل فى التنفيذ.

الفرع الأول

قيود الفسخ فى حالة عدم المطابقة

 317- تمهيد وتقسيم: وضعت اتفاقية فيينا قاعدة يكون البائع بمقتضاها مسئولاً عن كل عيب فى مطابقة البضاعة يكون موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، وإن لم يظهر إلا فى وقت لاحق. وحتى تتقرر هذه المسئولية أوجبت على المشترى أن يقوم بفحص البضاعة، وأن يخطر البائع بالعيب الذى اكتشفه فيها خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشفه فيها أو كان من واجبه اكتشافه، وإلا فقد حقه فى التمسك بهذا العيب [1207] .

 وقصدت الاتفاقية من ذلك التأكد من عيب البضاعة عن طريق القيام بالفحص، وإتاحة الفرصة للبائع لإصلاح هذا العيب بإخطاره به دون تأخير. وكذلك حتى لا يظل العقد معلقاً بين الطرفين دون اتخاذ إجراء حاسم بشأن ما قد يوجد فى البضاعة من عيب.

 ونقسم هذا الفرع إلى مبحثين، نتناول فى الأول منهما فحص البضاعة، وفى الثانى إخطار عدم المطابقة.

المبحث الأول

فحص البضاعة

 318- يقصد بفحص البضاعة جملة العمليات المادية التى يقوم بها  المشترى بقصد التحقق من مطابقة البضاعة المبيعة للمواصفات المتفق عليها فى العقد [1208] . وقد أوجبت اتفاقية فيينا على المشترى أن يقوم بفحص البضاعة بنفسه أو بواسطة غيره فى أقرب ميعاد ممكن تسمح به الظروف [1209] . وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم [1210] .

 ولم تجعل اتفاقية فيينا الفحص التزاماً على عاتق المشترى، لكنه إذا لم يقم بالفحص فلن يتمكن من اكتشاف العيب فى المطابقة والإخطار بوجوده فى الميعاد المطلوب، ويسقط حقه بالتالى فى التمسك بالعيب المدعى به [1211] .

 319- واجب الفحص فى القوانين الوطنية المختلفة: ويعد واجب القيام بفحص البضاعة من الواجبات الأساسية التى أوردتها القوانين الوطنية المختلفة فى تنظيمها لعقد البيع. فنجد أن القانون المصرى قد أوجب على المشترى إذا تسلم المبيع أن يتحقق من حالته بمجرد أن يتمكن من ذلك وفقاً للمألوف فى التعامل [1212] . فلا يعد المشترى قابلاً للعيب الموجود بالمبيع بمجرد تسلمه له، وإنما أعطى مهلة يجب عليه فيها التحقق من حالته عن طريق الفحص المعتاد. وإذا كان العيب خفياً لا يمكن الكشف عنه بالفحص المعتاد، فإن المشترى لا يُعد قابلاً بالعيب إذا كشفه بطريق فحص فنى مألوف أو فحص فنى متخصص بحسب الأحوال [1213] .

 وأوجب القانون الألمانى على المشترى، إذا كان البيع تجارياً بالنسبة لطرفيه، أن يقوم بفحص البضاعة فى الحال عقب استلامها من البائع، وأن يخطر البائع بأى عيب يظهر دون تأخير [1214] . فوضع بذلك على عاتق المشترى واجبين: أن يفحص حالة البضاعة وأن يخطر بالعيب. لكن المشترى يمكن أن يخطر البائع بالعيب حتى ولو لم يقم بالفحص إذا علم به بأى وسيلة أخرى [1215] .

 وتضمن القانون السويسرى حكماً مماثلاً، إذا اشترط لتحقق مسئولية البائع عن العيب فى المطابقة أن يقوم المشترى بفحص البضاعة وإخطار البائع بالعيب [1216] .

  320- أهمية الفحص: ترجع أهمية الفحص إلى أن المشترى إذا سكت عن الاحتجاج بعدم مطابقة البضاعة من تمكنه من فحصها فعلاً، فإن ذلك يفيد أنه قد قبلها ولا يعترض على أى عيب قد يوجد بها [1217] . كما سوف يحرمه ذلك من توجيه إخطار عدم المطابقة فى الميعاد المحدد، لأنه لا يعلم العيوب الموجودة بالبضاعة، مما يؤدى إلى أن يفقد حقه فى التمسك بالعيب عند اكتشافه [1218] .

 ويحقق القيام بالفحص مصلحة المشترى من ناحية تنفيذ التزامه بدفع الثمن، إذ يحق له عدم دفع الثمن حتى يقوم بالفحص ويتحقق من مطابقة البضاعة، ما لم يتفق على غير ذلك [1219] . وإذا اكتشف عدم مطابقتها يحق له تخفيض الثمن بمقدار الفرق بين قيمة البضاعة التى تم تسليمها فعلاً وقت التسليم وقيمة البضاعة المطابقة فى ذلك الوقت [1220] .

 وقد يؤدى الفحص إلى تحديد المسئول عن الهلاك أو التلف الذى يلحق البضاعة، وما إذا كان قد حدث أثناء الرحلة البحرية فيرتب مسئولية الناقل، أم حدث دون تدخل الناقل ودون أى تأثير للرحلة البحرية فيرتب مسئولية البائع. وإذا كان الناقل هو المسئول عن العيب فى المطابقة، ولم يكن هذا العيب ظاهراً عند استلام البضاعة، فإن اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحرى للبضائع [1221]  تلزم المرسل إليه بتوجيه إخطار إلى الناقل بذلك خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ التسليم [1222] . مما يلزم معه المبادرة إلى القيام بالفحص حتى يمكن توجيه هذا الإخطار فى الميعاد.

 - كيفية الفحص:

 321- لم تحدد اتفاقية فيينا كيفية القيام بفحص البضاعة، إذ لم تضع حكماً ينظم هذه المسألة. لكن يمكن أن يستنتج من حكمها فى شأن الفحص أن المشترى يتعين عليه القيام بكل الإجراءات اللازمة لفحص البضاعة والتى يمكن له القيام بها بصورة معقولة بحسب ما تسمح به الظروف [1223] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد أوردت حكماً يقضى بأن طرق الفحص تتحدد بناء على اتفاق المتعاقدين أو القانون المحلى أو العرف السائد فى مكان الفحص [1224] . وقد ذهب رأى إلى أن عدم تضمن اتفاقية فيينا مثل هذا الحكم لا يمنع من افتراض أخذها به ضمنياً [1225] .

 لكن هذا الرأى لا يمكن التسليم بصحته، إذ أن عدم النص على هذا الحكم فى اتفاقية فيينا قد يدل على استبعادها له، خاصة أنه يؤدى إلى إعفاء المشترى من الالتزام بأى قواعد إذا لم يوجد اتفاق أو قانون محلى أو عرف فى مكان الفحص ينظم هذه المسألة، وهو أمر يمكن تصور حدوثه. كما أن الفحص فى عقود البيع الدولية يجب أن يتم على ضوء ما تسمح به الأعراف الدولية المطبقة فى هذا الشأن، وما هو مقبول فى التجارة الدولية [1226] .   يؤيد هذا الرأى أن اتفاقية فيينا قد وضعت قاعدة لاستكمال النقص فى نصوصها قضت فيها بأن المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها والتى لم تحسمها نصوصها يتم تنظيمها وفقاً للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية [1227] . ومن المبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية ضرورة مراعاة الطابع الدولى لها والالتزام بالأعراف السائدة فى التجارة الدولية [1228] .

 وعلى ذلك فإن كيفية الفحص لابد أن تتحدد على ضوء ما هو مسموح به فى التجارة الدولية، والأعراف الدولية السائدة الخاصة بنوع التجارة موضوع العقد. وقد يسمح بتطبيق القانون المحلى أو الأعراف المحلية السائدة فى مكان الفحص إذا اتفق المتعاقدان على ذلك صراحةً أو ضمناً، أو كانت هناك ممارسات معتادة بينهما تفيد ذلك فى معاملات سابقة [1229] .

 322- ويجب أن يراعى فى إجراء الفحص طبيعة البضاعة وكميتها وتعبئتها وكافة الظروف الأخرى المتعلقة بها ولا يلتزم المشترى بالقيام بفحص يتضمن تحليلاً فنياً معقداً، وإذا كانت كمية البضاعة كبيرة أو شديدة التعقيد فلا يلزم أن يقوم بفحص شامل لكل وحدة من وحداتها أو لكل جزء من أجزائها [1230] .

 ولا يلزم أن يقوم المشترى بفحص دقيق لاكتشاف جميع العيوب الخفية المحتمل تواجدها، وإنما عليه أن يقوم بالفحص اللازم لاكتشاف العيوب الظاهرة وحدها [1231] . ويراعى فى ذلك الإمكانيات المتاحة له للقيام بالفحص ومدى خبرته المهنية فى هذا المجال.

 وعلى ذلك فإن المشترى إذا لم يتمكن من اكتشاف العيب فى المطابقة عن طريق الفحص المعتاد، فإنه يمكن التعويل على هذا العيب عند ظهوره وتوجيه إخطار عدم المطابقة إذا تم ذلك بمجرد اكتشافه للعيب. فعلى سبيل المثال إذ كانت البضاعة المبيعة قمحاً، قام المشترى بفحص ظاهر الأوعية التى تحتويه فوجده مطابقاً لما اتفق عليه فى العقد، إلا أنه عند إعادة بيعه اكتشف فساد جزء منه بداخل هذه الأوعية، فإنه يظل رغم ذلك محتفظاً بحقه فى توجيه إخطار عدم المطابقة [1232] .

 - القائم بالفحص:

 323- والأصل أن يقوم المشترى بفحص البضاعة بنفسه أو بواسطة أحد تابعيه. ويجوز له أن يستعين بشخص من خارج منشأته كخبير فى جنس هذه البضاعة [1233] . وقد أشارت إلى ذلك الاتفاقية بنصها على وجوب قيام المشترى بفحص البضاعة بنفسه أو بواسطة غيره [1234] .

 وقد يعهد إلى هيئة أو شركة متخصصة بالقيام بالفحص، يتم تحديدها فى عقد البيع نفسه أو يختارها المشترى، وقد تقضى بذلك أعراف التجارة الدولية. فتقوم الشركة بفحص البضاعة وتقديم تقرير بحالتها تخطر به المتعاقدين أو المشترى إذا كان هو الذى كلفها بذلك [1235] .

 وقد يقوم بالفحص المشترى الجديد للبضاعة، وذلك إذا قام المشترى ببيعها أثناء الطريق أو بعد وصولها دون أن تتاح له فرصة فحصها [1236] . ويعد المشترى الجديد بذلك مفوضاً بالقيام بالفحص من قبل المشترى الأصلى، ويحتج بنتيجة الفحص على هذا الأخير ولا يحق له المطالبة بإعادة الفحص مرة أخرى.

 وإذا قام الناقل بفحص البضاعة عند استلامها، فإن ذلك لا يحول دون قيام المشترى بفحصها عند وصولها إليه والاعتراض على أى عيوب قد توجد بها فى مواجهة البائع. ذلك أن الناقل ليس نائباً عن المشترى فى قبول البضاعة، كما أنه غير ملزم بفحصها ولا ينوب عنه فى عمليه فحص البضاعة. وإذا كان من المقرر أن التسليم إلى المشترى يعتبر قد تم بتسليم البضاعة إلى الناقل، فإنه من الضرورى أن تكون البضاعة المسلمة متفقه مع شروط عقد البيع، ولا يتحقق من هذه المسألة إلا المشترى شخصياً، لأن الناقل ينوب عنه فى العملية المادية للاستلام فقط، دون التحقق من توافر الشروط التى ينص عليها عقد البيع [1237] .

 وقد يلتزم البائع بتقديم شهادة بنوع البضاعة Certificat de qualité تفادياً للمنازعات التى قد تثور فى هذا الشأن. وهذه الشهادة هى عبارة عن مستند يحرر فى مكان الإرسال بمعرفة أحد الخبراء أو اتحادات التجار يبين فيه صنف وحالة البضاعة عند إرسالها. ولا يمنع تقديم هذه الشهادة المشترى من القيام بفحص البضاعة عند وصولها وإثبات عدم مطابقتها لما تم الاتفاق عليه فى العقد. إلا إذا كان قد اتفق فى العقد على اعتبار هذه الشهادة قاطعة ونهائية بالنسبة لمطابقة البضاعة المبيعة. فلا يجوز للمشترى فى هذه الحالة المنازعة فى صحة بيانات الشهادة مستعيناً بما ينتهى إليه أهل الخبرة من نتائج فى ميناء الوصول. ومع ذلك فإن هذا الاتفاق لا يمنع المشترى من إثبات عدم صحة بيانات الشهادة فى حالة الخطأ أو الغش من جانب محررها بالاتفاق مع البائع، أو فى حالة وجود عيب خفى فى البضاعة [1238] .

 - ميعاد الفحص:

 324- وضعت اتفاقية فيينا قاعدة عامة حددت بها ميعاد الفحص بأنه أقرب ميعاد ممكن تسمح به الظروف un délai aussi bref que possible [1239] . وقصد بهذه القاعدة تأكيد أهمية الإسراع فى القيام بالفحص حتى يمكن إخطار البائع بالعيب في المطابقة فى الوقت المناسب، لأن هذا الإخطار سوف يمكن البائع من اتخاذ الإجراءات الضرورية اللازمة للتحقق من وجود هذا العيب فعلاً، وحتى يتمكن من إصلاحه أو تخفيض الثمن بقدر قيمته، أو تقديم أى تسويات أخرى لمواجهة شكوى المشترى [1240] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد أوجبت على المشترى القيام بالفحص فى ميعاد قصير un bref délai [1241] . وانتقد هذا الحكم لأنه يضع معياراً واحداً هو "الميعاد القصير" يتعين الالتزام به فى كل قضية [1242] ، فلا يسمح بمراعاة الظروف التى قد تستدعى التأخير فى إجراء الفحص [1243] .

 وقد أخذت اتفاقية فيينا بذات الميعاد القصير الذى أوردته اتفاقية لاهاى، فلم تأخذ بالميعاد المعقول délai raisonnable والذى أخذت به فى غالب أحكامها، وذلك لتقديرها ما يحتاجه الفحص من سرعة [1244] . لكنها أضافت إليه أن يكون تقديره وفقاً للظروف، فسمحت بمراعاة الظروف التى قد تستدعى التأخير فى إجراء الفحص.

 325- وتتعدد الظروف التى يمكن أن تؤثر فى ميعاد الفحص. فنجد أن هذا الميعاد يتحدد حسب طبيعة البضاعة موضوع عقد البيع، فالبضاعة سريعة التلف - كالمواد الغذائية - يتعين المبادرة إلى فحصها بمجرد تسلمها في أسرع وقت ممكن حتى لا يصيبها التلف [1245] . أما إذا كانت البضاعة آلات أو معدات صناعية فلا يلزم سوى القيام بالفحص بالسرعة المعقولة التى تسمح بالانتهاء منه فى وقت مناسب.

 وقد تكون البضاعة ذات طبيعة يسهل اختبارها وتعرف مدى مطابقتها للعقد، كالحبوب والغلال، فلا يستغرق فحصها وقتاً طويلاً. فى حين أن فحص آلات معقدة التركيب أو ذات إمكانيات فنية حديثة سوف يستغرق مدة طويلة، بسبب ما قد يستلزمه هذا الفحص من إجراء تجارب قد تمتد إلى وقت ليس بالقصير [1246] .

 وتؤثر كمية البضاعة فى تحديد المدة التى قد يستغرقها الفحص، ففحص كمية كبيرة من البضاعة يستغرق وقتاً طويلاً إذا كان شاملاً لكل وحداتها أو أجزائها، لكنه لا يستغرق هذا الوقت إذا اقتصر الفحص على عينات منها. أما إذا كانت كمية البضاعة قليلة فلن يستغرق الفحص وقتاً طويلاً سواء كان شاملاً أم قاصراً على عينة منها [1247] .

 كما تشمل الظروف المؤثرة فى ميعاد الفحص كيفية تعبئة البضاعة، وما إذا كان من اللازم الاحتفاظ بالعبوات الداخلية لها مغلقة حتى تصل إلى المستعمل النهائى لها، أم يمكن فضها عند وصولها لإتمام الفحص دون أن يؤثر ذلك على قيمتها [1248] . فإذا كانت البضاعة هى أوعية محكمة الغلق تحتوى على غاز الكلور والذى يتعرض للبخر إذا لم يتم استعماله فور فتح الوعاء الموجود به، فإنه يمكن فى هذه الحالة أن يقتصر فحص البضاعة عند وصولها على كميتها ووزنها ويؤجل فحص نوعيتها إلى حين استعمالها [1249] .

 وتشمل هذه الظروف أيضاً ما إذا كان المشترى سوف يستعمل البضاعة بنفسه أم سيعيد بيعها، والإمكانيات الفنية للمشترى للقيام بالفحص، والممارسات والأعراف الدولية المتعلقة بهذا الشأن [1250] .

 326- ويؤثر فى ميعاد الفحص مكان وجود البضاعة، وهل يتيسر للمشترى الفحص فى هذا المكان أم لا [1251] . فالأصل أن يتم فحص البضاعة وقت استلام المشترى لها [1252] ، لأن هذا الوقت هو الذى تنتقل عنده تبعة الهلاك [1253] ، كما يفيد التحقق من حالة البضاعة فى هذا الوقت فى تحديد عيوب البضاعة التى يمكن نسبتها إلى البائع وليس إلى الناقل أو مخاطر الطريق [1254] . لكن المشترى قد لا يتمكن من القيام بالفحص عن استلامه البضاعة.

 فنجد أن الأصل فى البيع فوب F.o.b.  [1255]  أن المشترى يلتزم بفحص البضاعة فى ميناء الشحن عندما تكون جاهزة لوضعها على ظهر السفينة، ذلك أن البضاعة فى هذا النوع من البيوع تسلم للمشترى على ظهر السفينة فى
ميناء الشحن، مما يلزم معه حضور المشترى بنفسه أو بوكيل له. فإذا كان المشترى بذلك حاضراً أثناء التسليم فإنه يجب عليه أن يفحص البضاعة قبل وضعها على ظهر السفينة [1256] .

 لكن الفحص فى ميناء القيام قد يكون متعذراً بسبب طبيعة البضاعة أو طريقة تعبئتها، أو بسبب عدم وجود من يصلح للقيام بالفحص مع المشترى عند استلامها [1257] . لذلك قيل بأن المشترى يجب عليه فحص البضاعة عندما يصبح قادراً على السيطرة عليها حتى ولو اختلف مكان التسليم عن مكان الفحص [1258] . فلا يلتزم المشترى بفحص البضاعة إلا عندما يكون فى إمكانه ذلك بصورة معقولة [1259] .

 كما نجد أن تسليم البضاعة فى البيع سيف C.I.F.  [1260]  يتم فى ميناء الشحن وفى غياب المشترى، بل وفى وقت غير معلوم له، وذلك بتسليمها للناقل البحرى الذى لا تربطه بالمشترى أية رابطة قانونية، ويلتزم الناقل بتسليم البضاعة للمشترى فى ميناء الوصول. ورغم أن الناقل يحوز البضاعة لحساب المشترى منذ شحنها، إلا أنه لا يمكن القول أن المشترى قد قام باستلامها فعلياً. إذ لا يتم التسليم الفعلى له إلا فى ميناء الوصول عندما يصبح قادراً على فحصها [1261] . ويحق للمشترى فى هذه الحالة رفض البضاعة عند وصولها على أساس عدم مطابقتها لما تم الاتفاق عليه بينه وبين البائع [1262] .

 327- ولا يعتد بالظروف التى قد تمنع الفحص أو تؤدى إلى تأجيله إذا كانت خاصة بالمشترى أو تابعيه، إذا يظل من الواجب على المشترى القيام بالفحص رغم ذلك فى الميعاد المحدد. أما إذا كانت الظروف التى تحول دون الفحص عامة، كإضراب عام، فإنه يجوز فى هذه الحالة تأجيل الفحص حتى تسمح الظروف بالقيام به [1263] .

 وإذا قام البائع بتسليم البضاعة إلى المشترى قبل الميعاد المتفق عليه فى العقد، فإن الاتفاقية لم تحدد متى يبدأ ميعاد الفحص في هذه الحالة، وهل يبدأ من تاريخ التسليم الفعلى أو من التاريخ الذى كان يجب التسليم فيه وفقاً للعقد [1264] . وإن كنا نرى أن ميعاد الفحص فى هذه الحالة يبدأ من التاريخ المحدد للتسليم فى العقد، إذ لا يلتزم المشترى بفحص البضاعة قبل ذلك لأنه قد لا يكون مستعداً للقيام بالفحص فى هذا التاريخ، إلا إذا كان هناك اتفاق بينهما على هذا التسليم المبكر [1265] .  

- تأجيل الفحص:

 328- إذا كانت الاتفاقية قد حددت ميعاد الفحص بأنه أقرب ميعاد ممكن تسمح به الظروف، فإنه قد يحدث أن تسمح الظروف بالفحص لكن القيام به يسبب إرهاقاً للمشترى أو يكلفه نفقات لا لزوم لها. لذلك أجازت الاتفاقية تأجيل الفحص فى حالتين: الأولى إذا تضمن العقد نقل البضاعة، بأن كانت البضاعة سوف يتم نقلها إلى مكان آخر خلاف المكان الذى توجد به مؤسسة البائع. والثانية إذا تم تغيير وجهة البضاعة فى الطريق أو إعادة إرسالها إلى مكان آخر بعد وصولها.

أولاً: تضمن العقد نقل البضاعة:

 329- إذا تضمن عقد البيع نقل البضاعة فإن تنفيذ البائع لالتزامه بالتسليم يكون بتسليمها إلى الناقل الذى يتولى توصيلها إلى المشترى [1266] . وكان مؤدى ذلك أن فحصها يجب أن يتم فى أقرب وقت ممكن تسمح به الظروف بعد هذا التسليم. إلا أن ظروف المشترى أو طريقة حزم البضاعة أو كميتها قد لا تسمح بفحصها فى ذلك الوقت، مما يحسن معه الانتظار حتى تصل إلى المشترى وتصير فى حيازته [1267] . لذلك أجازت اتفاقية فيينا تأجيل الفحص فى هذه الحالة لحين وصول البضاعة [1268] .

 وترجع علة تأجيل الفحص فى هذه الحالة إلى أن البضاعة غالباً ما يتم تسليمها بعد تعبئتها وحزمها بالطريقة التى تتناسب مع نقلها وتكفل الحفاظ عليها خلال فترة النقل، إلا إذا كان هناك عرف بالنسبة لنوع معين من البضاعة بتسليمها بغير حزم en vrac. فلا يتصور أن يكلف المشترى فى هذه الحالة بفحص البضاعة مع ما يستتبعه ذلك من ضرورة فك حزمها ثم إعادة تعبئتها مرة أخرى بعد إتمام الفحص، إلا إذا كان الفحص متعلقاً بكيفية تعبئتها. أضف إلى ذلك أنه إذا كان تسليم البضاعة للناقل دون تواجد المشترى أو وكيله، فلن يتيسر إجراء الفحص، إذ قد لا تتوافر لدى هذا الناقل الإمكانيات أو الكفاءة اللازمة للقيام بالفحص، كما أنه لا يكون دائماً من اختيار المشترى، فلا يتصور أن يترك الفحص لناقل ليس من اختياره [1269] .

 330- ويقصد بتضمن العقد نقل البضاعة أن يتفق فيه على التزام أحد المتعاقدين بإبرام عقد نقل لنقل البضاعة إلى المشترى، فلا يطبق الحكم إذا كان المشترى هو الذى سينقل البضاعة بنفسه [1270] . ولا يشترط أن يتفق فى العقد على كيفية النقل، إنما يطبق الحكم أيضاً إذا تم تسليم البضاعة في منشأة البائع وظل المشترى حراً فى التعاقد مع الناقل لرفع البضاعة بالوسيلة التى يختارها [1271] .

 ويستوى أن يكون النقل بأى وسيلة، برية أو بحرية أو جوية، إذ لم تقصر الاتفاقية حكمها على وسيلة منها [1272] . لكن المنازعات غالباً ما تنشأ فى حالة النقل البحرى نظراً لطول المدة التى تستغرقها الرحلة البحرية، وما يترتب على ذلك من احتمال تعرض البضاعة للهلاك أو التلف.

 ومكان الوصول الذى يعتد به لبدء ميعاد الفحص فى هذه الحالة هو المكان المتفق فى العقد على إرسال البضاعة إليه، فإذا لم يحدد هذا المكان فى العقد فيكون مكان الوصول هو منشأة المشترى أو المكان الذى ينوى استعمال البضاعة فيه.

 وجعلت الاتفاقية فحص البضاعة عند وصولها جائزاً للمشترى، فلم تلزمه بذلك، وإنما هو بالخيار إما أن يقوم بالفحص عند تسليم البضاعة للناقل، أو يقوم بذلك عند بلوغها مكان الوصول. وفى الحالتين يجب عليه إجراء الفحص فى أقرب وقت ممكن تسمح به الظروف من الخيار الذى يفضله [1273] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد أوجبت على المشترى، فى حالة تعرض البضاعة لعملية نقل، أن يقوم بفحصها فى مكان الوصول، فلم تجعله خياراً له وإنما واجب عليه. فيتعين عليه القيام بفحص البضاعة عند وصولها حتى ولو سمحت له الظروف بفحصها قبل ذلك [1274] .

 وإذا كان الحل الذى أخذت به اتفاقية فيينا بتأجيل الفحص إلى مكان الوصول عند نقلها، تحاول فيه التوفيق بين مصالح البائع والمشترى فلا تعفى المشترى من القيام بفحص البضاعة، ولا ترهقه بتكليفه بالقيام بذلك فى ظروف غير ميسرة له أو تكلفة أعباء كثيرة. لكن المنازعات قد تنشأ بسبب ذلك بين المتعاقدين حول طبيعة العيوب التى قد تكتشف فى البضاعة وما إذا كانت قد حدثت أثناء النقل أو قبل ذلك والمسئول عنها. لذلك يحسن، لتفادى هذه المنازعات، تكليف شركة متخصصة بالقيام بالفحص المبدئى للبضاعة قبل تسليمها للناقل [1275] ، على أن يحق للمشترى القيام بالفحص النهائى والشامل عند وصولها إليه. وقد يصلح لذلك شهادة النوع التى يلتزم البائع بتقديمها لتأكيد حالة البضاعة ومطابقتها لما تم الاتفاق عليه فى العقد.

ثانياً: تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها:

 331- يحدث كثيراً فى التجارة الدولية أن يقوم المشترى بإعادة بيع البضاعة أثناء النقل، ويصدر أمره إلى الناقل بتغيير وجهته إلى مكان المشترى الجديد، فلا يتمكن بذلك من فحصها. كما قد يعيد إرسال البضاعة بعد وصولها إلى مشتر ثان دون أن يقوم بفحصها [1276]  وقد يتحقق ذلك إذا أراد المشترى الأصلى استعمال البضاعة فى مكان غير المكان المصدرة إليه فيأمر الناقل بتوجيهها إلى المكان الجديد، أو أن يكون هذا المشترى وكيلاً بالعمولة ويرغب فى توجيه البضاعة إلى موكله مباشرة بدلاً من وصولها إليه أولاً [1277] .

 وقد واجهت اتفاقية فيينا هذا الفرض فأجازت تأجيل الفحص إلى حين وصول البضاعة إلى مكان وصولها الجديد [1278] . وكانت اتفاقية لاهاى قد تناولت هذه المسألة وأجازت تأجيل الفحص إلى أن تبلغ البضاعة مكان الوصول الجديد إذا أعاد المشترى تصديرها إلى مكان آخر دون إخراجها من وسيلة النقل التى تحتويها، وكان البائع يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم بذلك [1279] . فاقتصر حكمها على حالة تغيير وجهة البضاعة أثناء النقل، ولم تتعرض لحالة إعادة إرسال البضاعة بعد وصولها والتى أضافتها اتفاقية فيينا إلى حكمها [1280] .

 وجعلت اتفاقية فيينا تأجيل الفحص فى هاتين الحالتين جوازياً، أى أن المشترى هو الذى يختار وقت الفحص، فإما أن يقوم بذلك عند تسليمها للناقل أو يؤجل الفحص إلى حين وصول البضاعة إلى مكان وصولها الجديد. لكنها اشترطت لذلك توافر شرطين، الأول ألا تتاح للمشترى فرصة معقولة للفحص، والثانى أن يعلم البائع أو كان من واجبه أن يعلم وقت انعقاد العقد باحتمال تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها.

- شروط تأجيل الفحص فى حالة تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها:

 1  توافر فرصة معقولة للفحص:

 332- يجب لكى يستفيد المشترى من إمكانية تأجيل الفحص فى حالة تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها، ألا يكون قد أتيحت فرصة معقولة لفحص البضاعة، فإذا أتيحت له مثل هذه الفرصة فلا يحق له تأجيل الفحص.

 فنجد أن المشترى إذا غير وجهة البضاعة بسبب إعادة بيعها أو بسبب تغيير المكان الذى سوف يستعملها فيه، وأصدر أوامره إلى الناقل بذلك، فالغالب ألا تتاح له فرصة لفحصها لأن البضاعة بذلك لن تدخل فى حيازته شخصياً وإنما ستكون تحت يد الناقل حتى تبلغ مكان وصولها الجديد [1281] .

 أما إذا أعاد المشترى إرسال البضاعة بعد وصولها، فإن إتاحة الفرصة للفحص سوف تتوقف على المدة التى تظل فيها البضاعة فى حيازة المشترى قبل إعادة إرسالها. فإذا كانت هذه المدة طويلة يستطيع خلالها القيام بالفحص فلا يجوز له تأجيل ذلك. أما إذا تم إعادة الإرسال سريعاً فلن تسمح له المدة التى تمكثها البضاعة لديه بالقيام بالفحص [1282] .

 وقد يؤثر فى تحديد مدى إمكانية الفحص طريقة تعبئة البضاعة أو حزمها، فقد يتعذر فحص البضاعة إلا إذا تم فض الأوعية أو الصناديق أو الأغلفة الموضوعة بها واللازمة لحمايتها ونقلها. أو يستلزم الفحص إزالة العلامة التجارية الموجودة على البضاعة والدالة على مصدرها وشرعية إنتاجها. ففى هذه الأحوال لا تتاح للمشترى فرصة الفحص ويلزم تأجيله حتى بلوغ البضاعة مكان وصولها الجديد [1283] .

 وقد تتاح الفرصة للمشترى لفحص البضاعة لكنها تسبب إرهاقاً له لما تحتاجه من وقت ونفقات. كأن تكون البضاعة كبيرة الحجم أو مشحونة فى حاويات، أو آلات وأجهزة مفككة يحتاج فحصها إلى تركيبها لتجربتها. ففى هذه الأحوال لا تعد الفرصة المتاحة للمشترى معقولة، ويحق له بالتالى تأجيل الفحص [1284] .

 2  علم البائع أو وجوب علمه بتغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها:

 333- يجب لتأجيل الفحص أن يعلم البائع أو كان من واجبه أن يعلم، وقت انعقاد العقد باحتمال تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها. ويرجع ذلك إلى أن تأجيل الفحص يترتب عليه تأخير علم المشترى بعيب المطابقة وتوجيه الإخطار بذلك، مما يضر بالبائع الذى يحتاج إلى أن يعلم باحتمال هذا التأخير حتى يرتب أوضاعه على ذلك [1285] .

  ويتحقق علم البائع بتغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها إذا اتفق على ذلك صراحةً فى العقد، أو أخطره المشترى بذلك وقت التعاقد [1286] . ولا يعتد بهذا الإخطار إذا تم بعد التعاقد، ولا يجوز للمشترى أن يؤجل الفحص فى هذه الحالة إلا إذا وافقه البائع على ذلك [1287] .

 وقد يكون تغيير وجهة البضاعة مفهوماً ضمناً عند التعاقد، من طبيعة  عمل المشترى كأن يكون تاجراً يحترف هذا النوع من الأعمال أو وسيطاً تجارياً، أو من تعدد منشآته وأماكن تواجدها وعدم تحديد المنشأة التى يتعلق بها عقد البيع، مما يتصور معه إمكان توجيه البضاعة إلى أى واحدة منها [1288] . كما قد يستنتج ذلك من المعاملات السابقة بين الطرفين [1289] .

 ولا يلزم العلم الفعلى للبائع، وإنما ما يجب أن يعلمه شخص سوى الإدراك من صفته إذا وجد فى مثل ظروفه. فإذا وقع البيع فى ظروف يمكن معها لمثل هذا البائع أن يتوقع تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها جاز تأجيل الفحص. وليس المطلوب هو العلم بحدوث تغيير الوجهة أو إعادة الإرسال فعلاً، وإنما العلم باحتمال حدوث ذلك [1290] .

 ويجب أن يتعلق علم البائع باحتمال تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها، أما إذا علم باحتمال إعادة بيعها فقط فإن ذلك لا يكفى لتأجيل الفحص، إلا إذا كانت إعادة البيع تتضمن حتماً تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها. فإذا لم تتضمن ذلك فلا يجوز التأجيل استناداً إلى هذا الحكم. لكن التأجيل يمكن أن يتم وفقاً للقاعدة العامة التى وضعتها الاتفاقية للفحص وهى أنه يجب أن يتم فى أقرب وقت ممكن تسمح به الظروف. فإذا سمحت الظروف للمشترى بالقيام بالفحص قبل إعادة البيع فيتعين عليه القيام بذلك [1291] . أما إذا لم تسمح الظروف فإن الفحص يؤجل إلى حين وصول البضاعة إلى المشترى الجديد، والذى يجب عليه القيام بالفحص فى أقرب وقت ممكن، وإلا لن يتمكن من توجيه إخطار عدم المطابقة فى الميعاد ويفقد حقه هو والمشترى الأصلى فى التمسك بعيب المطابقة [1292] .

 وإذا كان تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها بسبب قوة قاهرة، فإن تأجيل الفحص فى هذه الحال سوف يستند إلى عدم سماح الظروف به، وفقاً للقاعدة العامة سالفة البيان، فيتأجل الفحص إلى أن تسمح الظروف بإجرائه [1293] .

 334- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن تنظيم اتفاقية فيينا لمسألة فحص البضاعة يظهر منه تطبيقها لأحد المبادئ العامة التى أخذت بها فى العديد من أحكامها، وهو الحرص على استقرار التجارة الدولية. بأن تتحدد مواقف المتعاقدين فى البيع الدولى بصورة واضحة، فيعرف كل واحد منهما في أسرع وقت ممكن ما له من حقوق وما عليه من التزامات.

  فأوجبت على المشترى القيام بفحص البضاعة فى أسرع وقت ممكن تسمح به الظروف، حتى يعلم البائع سريعاً بما قد يكون موجوداً فى البضاعة من عيوب فيتمكن من وضع الحلول المناسبة لمواجهة ذلك. ولم تحدد كيفية الفحص وتركت ذلك لاتفاق المتعاقدين ولما تقضى به الأعراف الدولية المطبقة فى هذا الشأن.

 وجعلت الاتفاقية ميعاد الفحص مرناً يسمح بمراعاة الظروف التى قد تؤدى إلى تأجيل الفحص. بل إنها سمحت بتأجيل الفحص صراحةً فى حالتين، أولهما عندما يتضمن العقد نقل البضاعة، والثانية عند تغيير وجهة البضاعة أو إعادة إرسالها.

المبحث الثانى

إخطار عدم المطابقة

 335- أهمية إخطار عدم المطابقة: إذا أسفر الفحص الذى قام به المشترى عن اكتشاف عيب بالبضاعة المسلمة إليه، فإن الاتفاقية قد أوجبت  عليه أن يوجه إخطاراً إلى البائع يحدد فيه طبيعة العيب خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشفه فيها أو كان من واجبه اكتشافه وإلا فقد حقه فى التمسك بهذا العيب [1294] . وإذا حدث تعرض له من الغير يستند إلى حق أو إدعاء على البضاعة المبيعة فإنه يجب عليه أيضاً أن يوجه إخطاراً إلى البائع يحدد فيه طبيعة هذا الحق أو الإدعاء فى ميعاد معقول من اللحظة التى علم فيها به أو كان من واجبه أن يعلم به وإلا فقد حقه فى مطالبة البائع بالضمان عن هذا التعرض [1295] .

 ويهدف توجيه الإخطار إلى تمكين البائع من إعادة فحص البضاعة بنفسه للتحقق من وجود العيب المدعى به، واتخاذ الإجراءات المناسبة لذلك بإصلاح العيب أو استبدال بضاعة مطابقة بالبضاعة غير المطابقة [1296] . وقد يعترض البائع على وجود هذا العيب ويحتاج إلى مناقشة المشترى فى شأنه، وجمع الأدلة على سلامة البضاعة من العيب لتقديمها فى أى نزاع محتمل مع المشترى حول هذا الأمر [1297] .

 كما يعد توجيه الإخطار ضرورياً لتمكين البائع من اتخاذ الإجراءات الضرورية اللازمة للرجوع على التاجر الذى ورد إليه البضاعة، أو الناقل الذى تسبب فى حدوث هذا العيب أثناء النقل [1298] .

 وإذا كان الإخطار متعلقاً بحق أو إدعاء للغير على البضاعة المبيعة، فإن البائع يحتاج إلى هذا الإخطار لوضع نهاية سريعة لهذا التعرض ودفعه إذا كان قادراً على ذلك، إما بإقامة دعوى قضائية على المتعرض أو التدخل في الدعوى المقامة فى هذا الشأن وتقديم ما لديه من أدلة على عدم صحة هذا الإدعاء. وإذا كان المتعرض محقاً فى طلباته فإنه يحتاج إلى الاتفاق مع المشترى على التسويات المناسبة لذلك [1299] .

 ويؤدى عدم توجيه الإخطار إلى عدم تمكن البائع من تقدير مدى أحقية المشترى فى ادعائه [1300] . وقد يضر ذلك بالمشترى، إذا أدعى البائع عدم مسئوليته عن العيب وأنه لم يكن موجوداً وقت انتقال تبعة الهلاك، وإنما يرجع إلى الاستعمال السيئ للبضاعة أو أسلوب تخزينها لدى المشترى. وقد تزداد المشكلة تعقيداً إذا كانت البضاعة قد استعملت أو أعيد بيعها [1301] .

 336- إخطار عدم المطابقة فى اتفاقية لاهاى: كانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت حكماً مماثلاً إذ أوجبت على المشترى أن يخطر البائع بالعيب فى المطابقة فى ميعاد قصير يبدأ من اللحظة التى يتحقق فيها من العيب أو كان من واجبه التحقق منه فيها وإلا فقد حقه فى التمسك بهذا العيب. وإذا كان العيب فى المطابقة مما لا يمكن كشفه بالفحص المعتاد للبضاعة، فإن المشترى رغم ذلك يستطيع التمسك بهذا العيب بشرط إخطار البائع به في ميعاد قصير بعد اكتشافه [1302]  ويواجه الجزء الأخير من هذا الحكم حالة العيب الخفى بالبضاعة المبيعة أو العيب المرتبط بطبيعة هذه البضاعة والذى لا يظهر إلا فى فترة لاحقة، ولا يمكن كشفه بالفحص المعتاد. فيحق للمشترى التمسك بعدم المطابقة فى هذه الحالة بشرط أن يخطر البائع فى ميعاد قصير من اكتشاف العيب [1303] .

 وقد أخذت اتفاقية فيينا بذات الحكم لكنها استبعدت هذا الجزء الأخير، والخاص بالعيوب التى لا يمكن كشفها بالفحص المعتاد، إذ اتجه الرأى إلى عدم الحاجة إلى هذا الحكم وأن حذفه لن يؤثر فى شىء [1304] .

 337- إخطار عدم المطابقة فى التشريعات الوطنية: يعد إجراء الإخطار بعدم المطابقة من الإجراءات التى يجرى عليها العمل فى التجارة الدولية، كما تتطلبها معظم التشريعات الوطنية [1305] . فنجد أن القانون التجارى الأمريكى الموحد قد أوجب على المشترى فى حالة قبول البضاعة أن يخطر البائع بأى مخالفة خلال فترة معقولة من تاريخ اكتشافه لها أو من التاريخ الواجب اكتشافها فيه، وإلا حرم من استعمال أى جزاء من الجزاءات المقررة لمصلحته [1306] .

 وتضمن قانون التجارة الألمانى نصاً يقضى بأنه إذا أدى فحص البضاعة إلى اكتشاف عيب بها، فيجب على المشترى أن يخطر البائع بذلك دون تأخير، فإذا أهمل القيام بذلك اعتبر أنه قد قبل البضاعة [1307] .

 وأوجب قانون الالتزامات السويسرى على المشترى إذا كشف الفحص وجود عيب فى البضاعة أن يخطر البائع بذلك دون تأخير، وإلا اعتبر قابلاً للبضاعة ويحرم من أى حق له بخصوص هذا العيب [1308] .

 وعرف القانون المصرى إخطار عدم المطابقة، فأوجب على المشترى إذا كشف عيباً يضمنه البائع، أن يخطره به خلال مدة معقولة، فإن لم يفعل اعتبر قابلاً للمبيع. أما إذا كان العيب مما لا يمكن الكشف عنه بالفحص المعتاد ثم كشفه المشترى، وجب عليه أن يخطر به البائع بمجرد ظهوره، وإلا اعتبر قابلاً للمبيع بما فيه من عيب [1309] . فالإخطار بالعيب يجب أن يوجه دون إبطاء، أو فى مدة معقولة يحددها المألوف فى التعامل بحسب الأحوال، وذلك من وقت تسلم المبيع تسلماً فعلياً لا حكمياً ولا يشترط شكل خاص فى هذا الإخطار، لكن يقع على المشترى عبء إثبات حصوله [1310] .

 كما أورد قانون التجارة المصرى الجديد حكماً يتعلق بإخطار عدم المطابقة، أوجب فيه على المشترى فى البيوع التجارية أن يخطر البائع بوجود النقص أو العيب أو عدم المطابقة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تسليم المبيع إليه تسليماً فعلياً، وعليه أن يقيم دعوى الفسخ أو إنقاص الثمن خلال ستين يوماً من تاريخ هذا التسليم. وإذا لم يقع الإخطار أو لم ترفع الدعوى خلال الميعاد المنصوص عليه سقط حق المشترى فى إقامتها إلا إذا أثبت الغش من جانب البائع [1311] .

 328- تقسيم: وقد وضعت الاتفاقية شروطاً للإخطار تتعلق بمضمونه ووسيلة إرساله وميعاده، ثم رتبت على عدم توجيه الإخطار أثراً هاماً هو أن يفقد المشترى حقه فى التمسك بالعيب فى المطابقة. فنتكلم عن هذه الموضوعات فى مطلبين، نخصص الأول منهما لشروط الإخطار، والثانى لأثر عدم توجيه الإخطار.

المطلب الأول

شروط الإخطار

 339- لم تترك الاتفاقية المشترى حراً فى توجيه الإخطار كما يشاء وإنما وضعت شروطاً يتعين عليه الالتزام بها حتى يحقق الإخطار الغرض منه فحددت المضمون الذى لابد أن يتضمنه الإخطار، ولم تحدد له شكلاً خاصاً لكنها تناولت فى أحكامها الوسيلة التى يتم إرساله بها. وحددن ميعاداً يتعين أن يلتزم المشترى بتوجيه الإخطار فيه ونتكلم عن هذه الموضوعات تباعاً.   1  مضمون الإخطار:

 340- أوجبت اتفاقية فيينا على المشترى أن يحدد فى الإخطار طبيعة العيب فى المطابقة الذى يشكو منه. فإذا كان القصد من توجيه الإخطار كما سبق أن ذكرنا أن يسارع البائع إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإصلاح العيب أو استبدال البضاعة، فإن تضمين الإخطار طبيعة العيب المدعى به يصبح أمراً ضرورياً حتى يتمكن البائع من تحديد الإجراء الذى سوف يقوم به لمواجهة هذا الموقف [1312] .

 كما يؤدى تحديد طبيعة العيب المدعى به إلى منع ما يقوم به بعض المشترين من الإدعاء بوجود عيوب فى البضاعة بصورة غامضة غير واضحة بقصد مساومة البائعين على تخفيض الثمن [1313] .

 341- المقصود بالعيب فى المطابقة: ويقصد بالعيب فى المطابقة الذى يتعين أن يتضمنه الإخطار، ما يكشفه المشترى في البضاعة من مخالفة للمواصفات المتفق عليها فى العقد. فيتحقق هذا العيب إذا كانت البضاعة التى تم تسليمها مخالفة لشروط العقد من ناحية كميتها ونوعيتها وأوصافها وكذلك تغليفها أو تعبئتها [1314] .

 فيعد عيباً فى المطابقة تسليم كمية من البضاعة تقل عن الكمية المتفق عليها فى العقد [1315] . وكذلك تسليم كمية تزيد عن الكمية المتفق عليها، إذ قد لا تتسع مخازن المشترى لاستيعاب هذا الجزء الزائد مما يحمله أعباء إضافية قد لا يرغب فى تحملها [1316] .

 ويعد عيباً فى المطابقة كذلك تسليم بضاعة غير صالحة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها بضاعة من نفس النوع، أو غير صالحة للاستعمال فى الأغراض الخاصة التى أحيط بها البائع علماً - صراحةً أو ضمناً - وقت انعقاد العقد [1317] .

 كما تنتفى المطابقة إذا كانت البضاعة المسلمة تختلف من ناحية صفاتها عن العينة أو النموذج الذى تم التعاقد على أساسه [1318] . وكذلك إذا كانت البضاعة غير معبأة أو مغلفة بالطريقة التى تستعمل عادة فى تعبئة أو تغليف البضاعة من نوعها، أو بالكيفية المناسبة لحفظها وحمايتها [1319] .

 وإذا كانت البضاعة المسلمة تختلف تماماً عن البضاعة المتفق عليها فى العقد، فإن المطابقة تنتفى ويتعين توجيه إخطار عدم المطابقة. لأن الاتفاقية لم تفرق بين تسليم بضاعة غير مطابقة وتسليم بضاعة مختلفة، وإنما جعلت وصف عدم المطابقة عاماً يشمل الحالتين [1320] .

 كما ينبغى أن يوجه المشترى الإخطار إلى البائع إذا تعرض الغير للبضاعة تعرضاً قانونياً، سواء كان هذا التعرض يستند إلى حق أم مجرد إدعاء. لأنه لن يتمكن فى هذه الحالة من الانتفاع بالبضاعة بصورة هادئة، وسوف يكون مهدداً بالدخول في منازعات قضائية. فيجب أن يخطر البائع بهذا التعرض، مبيناً طبيعة الحق أو الإدعاء الذى يتمسك به الغير، حتى يكون البائع على بينة من أمره ويتخذ التدابير المناسبة لمواجهته والرد عليه [1321] . ويجب أن يتضمن الإخطار أيضاً تحديداً لمن هو الغير الذى يطالب بهذا الحق أو الإدعاء، والأساس الذى يستند إليه، والبضاعة التى يوجه إليها هذه المطالبة [1322] .

 ويشمل العيب فى المطابقة أيضاً عدم مطابقة المستندات الممثلة للبضاعة، رغم أن نص الاتفاقية لم يتضمنه إذ تناول العيب في مطابقة البضاعة وحدها [1323] . إلا أن واجب توجيه الإخطار بالعيب فى مطابقة البضاعة سوف يمتد أيضاً ليشمل مطابقة المستندات بطريق القياس [1324] . ويرجع ذلك إلى أن الغالب فى البيوع الدولية أن يتم تسليم البضاعة بتسليم مستنداتها، فتعد مطابقة هذه المستندات جزءاً من التزام البائع بتسليم البضاعة، لأن المستندات إذا لم تكن مطابقة فلن يتمكن المشترى من استلام البضاعة. أضف إلى ذلك أن إصلاح أى عيب فى مطابقة المستندات [1325] ، باستكمال أى نقص فيها أو تعديل ما ورد بها من خطأ، لن يتأتى إلا إذا علم البائع بهذا العيب [1326] .

 342- تحديد العيب فى المطابقة فى الإخطار: ويجب أن يذكر المشترى فى الإخطار العيب المدعى به بالتحديد، فلا يكفى أن تأتى عباراته عامة تفيد وجود عيب فى البضاعة دون تحديد طبيعته وحدوده. وإذا اكتشف المشترى فى البضاعة أكثر من عيب، فإن الإخطار لابد أن يتضمن تحديداً لكل واحد منها وإلا اعتبر غير كاف ولا يؤدى الغرض المقصود منه [1327] .

 ويكفى أن يذكر المشترى فى الإخطار بيانات عامة عن العيب تمكن البائع من تكوين فكرة عامة عنه. فلا يلزم إعطاء وصف مفصل له، إذ قد لا تكون معالمه قد وضحت للمشترى بصورة كاملة. فإذا كان عيب المطابقة يتمثل فى فساد بعض عبوات المواد الغذائية التى تم توريدها، فيكفى ذكر مظاهر هذا الفساد وسببه إن كان معلوماً، دون حاجة إلى ذكر عدد العبوات التى لحقها الفساد أو أى تفاصيل أخرى لا علاقة لها بالعيب على نحو مباشر، كأثر هذا الفساد على الأوعية الموجودة بها [1328] .

 ويراعى فى ذلك كله الإمكانيات المتاحة للمشترى والتى تمكنه من إبداء رأيه بدقة بخصوص العيب فى المطابقة الذى تم كشفه. وعلى وجه العموم ينبغى على المشترى أن يمد البائع بكل المعلومات التى توافرت لديه والتى تمكنه من عمل تقدير تقريبى لطبيعة العيب المدعى به وحدوده حتى يتخذ الإجراءات التى تتناسب مع ذلك [1329] .

 ويجب أن تكون عبارات الإخطار واضحة الدلالة على طبيعة العيب المدعى به، إذ لا يتصور أن يفهم ذلك ضمناً من عبارات الإخطار. ذلك أن تحديد طبيعة العيب المدعى به يجب أن يكون صريحاً، حتى يتمكن البائع من تقدير مدى خطورته والإجراء اللازم لمواجهته.

 وإذا وجه المشترى إخطاراً إلى البائع دون أن يعين فيه العيب في المطابقة المدعى به، أو دون أن يحدده تحديداً كافياً، فإنه يستطيع أن يصلح هذا النقص فى الإخطار بتوجيه إخطار جديد يتضمن معلومات كافية. ويعد هذا الإخطار الأخير مقبولاً مادام قد تم توجيهه خلال الميعاد المعقول الذى اشترطت الاتفاقية توجيه الإخطار فيه [1330] .

 343- طلب حضور البائع أو مندوبيه: وكانت اتفاقية لاهاى قد أوجبت أن يشتمل الإخطار بالإضافة إلى طبيعة العيب على دعوة البائع للحضور بنفسه أو إرسال مندوب عنه لمعاينة البضاعة ليتحقق من وجود العيب [1331] . وقيل بأن هذه الإضافة مقبولة لأنها تضفى على الإدعاء بوجود العيب قدراً من الجدية، وتحول دون اتخاذ المشترى هذا الإدعاء وسيلة لمساومة البائع على تخفيض الثمن. لكن اتفاقية فيينا لم تنقل هذا الحل لأنه يفرض على المشترى واجباً لا توجد حاجة إليه [1332] ، كما اعتبر أن الإخطار يتضمن هذا الحل دائماً دون حاجة إلى ذكره صراحةً به [1333] .

 344- بيان طرق الفحص المتبعة والموقف من العيب: ويحسن أن يتضمن الإخطار بياناً بطرق الفحص التى اتبعها المشترى والتى أدت إلى كشف العيب والمكان الذى تم الفحص فيه [1334] .وذلك حتى يتمكن البائع من تقدير مدى إمكانية اكتشاف العيب المدعى به عن طريق هذا الفحص.

 ولا يلزم أن يذكر المشترى فى الإخطار القرار الذى سيطلب اتخاذه، وما إذا كان سيطلب إصلاح العيب أو استبدال البضاعة أو الفسخ أو غير ذلك. إذ يكفى أن يذكر فى الإخطار طبيعة العيب فى المطابقة، على أن يخطر البائع بأى قرار آخر يتخذه خلال فترة معقولة من تاريخ الإخطار [1335] .

 ورغم ذلك فإن حسن النية يوجب على المشترى لو كان يرغب فى فسخ العقد أن يسارع بإخطار البائع بذلك، وله أن يقوم بذلك فى إخطار عدم المطابقة نفسه لو كان متيقنا من جوهرية المخالفة. وذلك حتى لا يتحمل البائع أى نفقات فى سبيل إعادة فحص البضاعة أو استبدال بضاعة أخرى بها، إذ يقع عليه التزام باتخاذ التدابير المعقولة والملائمة للظروف للتخفيف من الخسارة الناجمة عن المخالفة التى ارتكبها الطرف الأخر. وإذا أهمل القيام بذلك يحق للطرف المخالف أن يطالب بتخفيض التعويض بقدر الخسارة التى كان يمكن تجنبها [1336] .

 2  شكل الإخطار ووسيلة إرساله:

 345- عدم استلزام شكل خاص: لم تستلزم اتفاقية فيينا شكلاً معيناً يتعين أن يفرغ فيه إخطار عدم المطابقة [1337] .وعلى ذلك فإن الإخطار يمكن أن يكون كتابياً أو شفهياً، إذ جاء لفظ الإخطار عاماً يطبق على جميع أنواع الإخطارات الكتابية والشفهية.

 وإذا كان الإخطار كتابياً، فإن مصطلح "الكتابة" وفقا لأحكام الاتفاقية يشمل الرسائل البرقية والتلكس [1338] . ذلك أن المعنى الحديث للكتابة فى قانون التجارة الدولية لا يقتصر فقط على المحرر المكتوب الذى يثبت أنه صادر عن أحد المتعاقدين ويحمل توقيعه، وإنما يشمل أيضاً أى محرر يثبت إرساله من أحد الطرفين إلى الآخر ولو لم يكن موقعاً بخط الصادر منه، كما هو الحال فى البرقية والتلكس [1339] .

 لكن المشكلة الأساسية التى يثيرها استخدام وسائل الاتصال الحديثة هى مشكلة إثبات فى المقام الأول، ذلك أن هذه الوسائل لا تترك أثراً مدوناً له نفس طبيعة الأثر الذى يتركه المحرر المكتوب التقليدى، وهى تقبل التعديل والتبديل دون أن يوجد دليل واحد على حدوث ذلك [1340] .

 346- الإخطار الشفهى: ويجوز أن يكون إخطار عدم المطابقة شفهياً، كأن يتم توجيهه عن طريق الهاتف. ويعد الإخطار على هذا النحو مقبولاً من الناحية النظرية لكنه يثير من الناحية العملية مشكلة كيفية إثباته. إذ يصعب على المشترى إثبات حدوث الاتصال على هذا النحو متضمناً تحديد العيب فى المطابقة، إلا إذا أقره البائع. لذلك فإنه يحسن توجيه الإخطار بالوسيلة التى يسهل إثباتها [1341] .

 وقد أقرت محكمة ألمانية إخطار عدم المطابقة الذى تم توجيهه عن طريق الهاتف، واعتبرته صحيحاً. لكن الإثبات فى هذه القضية كان ميسراً لأن البائع لم ينازع فى حدوث الاتصال وتحديد عيب المطابقة فيه [1342] .

 واشترطت أحكام أخرى أن يثبت المشترى على نحو واضح تاريخ الاتصال والطرف الآخر الذى تم التخاطب معه. لكن هذه الأحكام انتقدت لأن المشترى إذا لم يتمكن من إثبات تاريخ الاتصال، فإنه يستطيع أن يقدم أى دليل آخر يثبت به حدوث الاتصال ومضمونه [1343] .

 وذهب رأى إلى أنه لا حاجة لتوجيه إخطار بعدم المطابقة إذا تم فحص البضاعة فى حضور البائع أو مندوبيه فعلم بالعيوب التى ظهرت من هذا الفحص، استناداً إلى انتفاء العلة من توجيهه وإثبات حالة البضاعة فى محضر الفحص [1344] . لكننا نرى أن الإخطار فى هذه الحالة قد تم توجيهه فعلاً، لأن الاتفاقية لم تستلزم فيه شكلاً خاصاً، فأى إجراء يتم به إعلام البائع بعيب المطابقة يعد إخطاراً له به. فإذا حضر الفحص وشاهد بنفسه هذا العيب وأثبت أمامه فى تقرير الفحص، فإنه يكون قد علم يقيناً به. بل إن علمه بالعيب على هذا النحو يحقق الغرض المقصود من الإخطار على نحو أفضل.

 347- توجيه الإخطار إلى البائع أو وكيله: ويجب أن يتم توجيه الإخطار إلى البائع نفسه أو وكيله. فإذا أرسل الإخطار إلى طرف ثالث لتوصيله إلى البائع، فإن المشترى يجب عليه أن يتأكد من استلام البائع للإخطار وإلا كان مخطئاً، إذ كان عليه أن يتوخى الحذر فى توجيه الإخطار حتى يضمن وصوله للبائع [1345] .

 وإذ صدر أى تصرف من المشترى يفهم منه ضمناً وجود عيب فى البضاعة، فإن هذا التصرف لا يعد كافياً للقول بأن البائع قد تم إخطاره بالعيب فى المطابقة، إذ اشترطت الاتفاقية توجيه إخطار إلى البائع بعيب المطابقة، ولا يعد هذا التصرف إخطاراً.

 ورغم ذلك فقد قضت محكمة ألمانية بأن إعادة البضاعة غير المطابقة إلى البائع يعد إخطاراً صحيحاً بالعيب فى المطابقة. لكن هذا الحكم يخالف صراحة نص الاتفاقية فى استلزام توجيه إخطار، ولأن إعادة البضاعة لا يمكن أن يفهم منه طبيعة العيب المدعى به والمقصود من هذه الإعادة وهل هو اعتراض على البضاعة نفسها أم لأى سبب آخر. لكن يخفف من أثر هذا الحكم أنه لم يعول على تقريره سالف الذكر فى حكمه، إذ قضى بعدم أحقية المشترى فى فسخ العقد لعدم التزامه بالإجراءات المنصوص عليها فى العقد [1346] .

 348- إرسال الإخطار بالوسيلة المناسبة: ويجب لكى يحدث إخطار عدم المطابقة أثره أن يتم إرساله إلى البائع بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف. فيلزم أن تتفق سرعة إجراء الاتصال مع مدى استعجال المعلومات المرسلة، فلا يصح أن يوجه الإخطار بالبريد إذا كان تأخر الإخطار فى الوصول سوف يترتب عليه زيادة تلف البضاعة وعدم إمكان تدارك هذا التلف بمعرفة البائع. ولا أن يرسل الإخطار بواسطة برقية إذا كان المشترى يعلم أن الخدمات البريدية فى بلد البائع معطلة بسبب إضراب عام. كما يجب أن يوضع فى الاعتبار وسائل الاتصال التى يملكها الطرفان، فلا يوجه الإخطار عن طريق التلكس أو الفاكس إذا كان البائع لا يملك الأجهزة اللازمة لاستقبال مثل هذا الإخطار [1347] .

 وإذا تم إرسال إخطار عدم المطابقة إلى البائع بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف على النحو سالف البيان، فإن أى تأخير أو خطأ فى إيصال هذا الإخطار وكذلك عدم وصوله لا يحرم المشترى من حقه فى التمسك به [1348] . ويرجع ذلك إلى أن المشترى إذا وجه إخطار عدم المطابقة إلى البائع، ثم طرأ حادث منع الإخطار من الوصول إليه، فإن استلزام وصول الإخطار حتى يحدث أثره سوف يترتب عليه حرمان المشترى من التمسك بعيب المطابقة وإلزامه بدفع الثمن كاملاً مقابل بضاعة غير مطابقة، رغم عدم صدور خطأ منه، وأنه الطرف المضرور من العيب. لذلك جاء الحل الذى أخذت به الاتفاقية حسناً إذ يحمل المرسل إليه مخاطر الإرسال، ويعطى للمشترى الحق فى التمسك بإخطار عدم المطابقة ولو تأخر فى الوصول أو لم يصل على الإطلاق، بشرط أن يتم إرساله بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف وألا يصدر خطأ عن المشترى فى هذا الشأن [1349] . 

 3  ميعاد الإخطار:

 349- الميعاد المعقول: أوجبت اتفاقية فيينا على المشترى أن يخطر البائع بعدم مطابقة البضاعة خلال فترة معقولة من اللحظة التى اكتشف فيها العيب أو كان من واجبه اكتشافه فيه، وإلا سقط حقه فى التمسك بهذا العيب [1350] . فجعلت بذلك تحديدها لهذا الميعاد مرناً يعطى قدراً من الحرية فى تقديره بحسب ظروف الحال [1351] .

 ويظهر من هذا التحديد أن الاتفاقية قد هجرت اصطلاح "الميعاد القصير" bref délai والذى كانت اتفاقية لاهاى قد أخذت به وأوجبت توجيه إخطار عدم المطابقة خلاله [1352] . وهو ميعاد جامد تعرض للنقد بسبب ما يثيره من صعوبات فى التطبيق.

 وقد أخذ القانون التجارى الأمريكى الموحد بذات الميعاد المعقول وأوجب إخطار البائع بأى مخالفة فى البضاعة خلاله [1353] . كما استخدم القانون المدنى المصرى ذات الاصطلاح فأوجب على المشترى إذا تسلم المبيع وكشف به عيباً يضمنه البائع أن يخطره به خلال مدة معقولة [1354] . وإن كان قانون التجارة المصرى قد حدد مدة الإخطار فى البيوع التجارية بالأيام وجعلها خمسة عشر يوماً تبدأ من تاريخ تسليم المبيع إلى المشترى تسليماً فعلياً [1355] .

 350- تقدير الميعاد المعقول: ويراعى فى تقدير الميعاد المعقول الذى يتعين توجيه الإخطار فيه الظروف الخاصة بكل حالة على حده، والتى توضح مدى الحاجة إلى الإسراع فى توجيه الإخطار. وتتعدد الظروف التى تؤثر فى تحديد هذا الميعاد، فمنها طبيعة البضاعة ومدى قابليتها للتلف السريع، ومدى حاجة البائع إلى أخذ عينات من البضاعة وإجراء فحص عليها والسرعة المطلوبة لذلك، ومدى إمكانية إصلاح العيب بمعرفة البائع [1356] .

 فنجد أن البضاعة سريعة التلف - كالمواد الغذائية - يجب أن يتم توجيه الإخطار بعدم المطابقة الخاص بالعيوب الموجودة بها فى أسرع وقت ممكن، بحيث لا يتعدى الميعاد المعقول بالنسبة لها يوماً أو يومين، وقد لا يتجاوز ساعات من تاريخ استلامها [1357] .وذلك حتى لا يزداد تلفها، وحتى يتمكن البائع من استرداد البضاعة وإعادة التصرف فيها بالسرعة اللازمة على أى نحو يراه بما يقلل من خسائره.

 وقد قضى بأن إخطار عدم المطابقة يعد مقبولاً لتوجيهه إلى البائع في ميعاد معقول، إذا كان المشترى قد قام بفحص البضاعة فى نفس يوم تسليمها وأرسل الإخطار فى اليوم التالى [1358] .

 وقد يؤثر فى تقدير المدة المعقولة للإخطار موقف المشترى من البضاعة غير المطابقة. ففى حالة رفض هذه البضاعة يجب أن يكون الإخطار سريعاً حتى يتمكن البائع من استبدال بضاعة أخرى بها خلال الميعاد المطلوب، وحتى يتمكن من المحافظة عليها وإعادة التصرف فيها [1359] .أما إذا كان المشترى يرغب فى استبقاء البضاعة لديه والمطالبة بتخفيض الثمن أو التعويضات، فقد ذهب رأى إلى أنه لا حاجة فى هذه الحالة للاستعجال فى توجيه الإخطار [1360] . وإن كنا نرى أن الإسراع فى توجيه الإخطار سوف يكون مطلوباً فى هذه الحالة أيضاً حتى يتمكن البائع من التحقق من العيوب المدعى بها فى البضاعة، لصعوبة ذلك إذا مر وقت كبير على اكتشافها [1361] . وحتى يمنع المشترى سيئ النية من استغلال ذلك لمساومة البائع للحصول على أكبر تخفيض للثمن.

 351- بداية الميعاد المعقول: ويبدأ الميعاد المعقول الذى يتعين توجيه إخطار عدم المطابقة فيه من الوقت الذى اكتشف فيه المشترى العيب، أو من الوقت الذى كان من واجبه اكتشافه فيه. ويرتبط تحديد هذا الوقت بالميعاد الذى حددته الاتفاقية لفحص البضاعة، وهو اقرب ميعاد ممكن تسمح به الظروف. لأن الفحص هو الذى سوف يمكن المشترى من اكتشاف العيب، أو يتم على أساسه تحديد الوقت الذى كان يجب عليه اكتشافه فيه [1362] .

 ويقصد بوقت اكتشاف المشترى للعيب الوقت الذى علم فيه المشترى بالعيب فعلا، فيبدأ ميعاد الإخطار من هذه اللحظة. ويرجع فى تقدير ذلك إلى المشترى نفسه وعلمه الشخصى بالعيب، ولا يشترط لذلك أن يفحص المشترى البضاعة إذ قد يكتشف العيب فيها دون أن يقوم بفحصها وقد يكتشفه حتى قبل استلامها. كأن يخطره بوجود العيب أحد عملاء البائع أو أحد العاملين لديه في منشأته أو الناقل الذى قام بنقلها لحساب البائع، أو يعلم بذلك بأية طريقة أخرى. وفى هذه الحالة لا يعتد بميعاد الفحص وإنما بالوقت الذى اكتشف فيه المشترى وجود هذا العيب فعلاً [1363] .

 لكن المشترى قد لا يعلم بعيب البضاعة بسبب عدم قيامه بفحصها أو تراخيه فى ذلك، أو عدم توافر الإمكانات الفنية لديه والتى تمكنه من اكتشاف هذا العيب. فلم تترك الاتفاقية ميعاد الإخطار يتأخر فى هذه الحالة إلى الوقت الذى يكتشف فيه المشترى العيب فعلاً، وأكدت أخذها بالمعايير الموضوعية فجعلت الميعاد المعقول للإخطار يبدأ فى هذه الحالة من الوقت الذى كان يجب على المشترى أن يكتشف العيب فيه. فيرجع فى تقدير ذلك إلى ما يجب أن يفعله شخص سوى الإدراك من صفة المشترى إذا وجد في نفس ظروفه [1364] .

 ويجب أن يراعى فى تحديد الوقت الواجب اكتشاف العيب فيه، الإمكانيات المتوافرة لدى المشترى، فقد يكون المشترى مؤهلاً للقيام بفحص آلات شديدة التعقيد فى حين أن مشترياً آخر قد لا يكون أهلاً لذلك ويحتاج إلى الاستعانة بخبير ليقوم بهذا الفحص، وقد لا يتواجد مثل هذا الخبير فى بلده مما يستلزم وقتاً طويلاً لحضوره والقيام بالفحص، فيتأخر فى اكتشاف العيب وتوجيه الإخطار [1365] .

 352- الوقت اللازم لاكتشاف العيب: ويختلف الوقت اللازم لاكتشاف العيب بحسب طبيعة العيب والفحص الذى تم بشأن البضاعة. فالعيوب الظاهرة يمكن كشفها بالفحص المعتاد الذى يقوم به المشترى فى مكان الوصول. إذ يمكن عن طريق هذا الفحص اكتشاف أى عيوب في البضاعة تتعلق بعددها وتغليفها أو تعبئتها وحالتها الظاهرة [1366] . فيبدأ  الميعاد المعقول للإخطار بهذه العيوب من وقت القيام بالفحص، لأنه الوقت الواجب اكتشافها فيه.

 وقد قضت محكمة سويسرية بأن تأخير المشترى فى توجيه إخطار عدم المطابقة بسبب قيامه ببيع البضاعة لأحد عملائه بعد استلامها دون أن يقوم بفحصها، وعدم اكتشافه ما بها من عيوب إلا بعد إعادتها إليه من المشترى الجديد، يعد غير مقبول. لأنه بذلك يكون قد تجاوز الميعاد المعقول الواجب توجيه الإخطار فيه [1367] .

 كما قضت محكمة ألمانية بأن الإخطار الذى وجهه المشترى إلى البائع بعيوب المطابقة يعد متأخراً عن الميعاد المعقول، لأن المشترى أهمل في فحص البضاعة عند وصولها فى 25 مايو 1988، واكتفى بفحص عينات منها، فلم يكتشف ما بها من عيوب إلا بعد تعدد الشكاوى الواردة إليه من عملائه، فوجه إخطار عدم المطابقة إلى البائع فى 10 يونيه 1988م. فاعتبرته المحكمة متأخراً لأنه لو قام بفحص البضاعة بدقة لاستطاع اكتشاف هذه العيوب وتوجيه الإخطار قبل ذلك [1368] .

 وقضت المحكمة العليا بألمانيا بأن توجيه إخطار عدم المطابقة بسبب عيب فى التغليف بعد أكثر من شهر على استلام البضاعة لا يكون مقبولاً، لأنه يكون بذلك قد تجاوز الميعاد المعقول اللازم توجيه الإخطار فيه. وفى هذه القضية كان المشترى الألمانى قد استلم البضاعة المتفق عليها، وهى نوع من المحار Mussels، من البائع السويسرى فى شهر يناير 1992، ووجه إليه البائع إخطاراً فى 15 يناير 1992م بضرورة دفع الثمن خلال أربعة عشر يوماً. وحدث خلاف بين الطرفين بشأن مطابقة البضاعة المسلمة للتشريعات الصحية فى دولة المشترى. وفى 3 مارس 1992م وجه المشترى إخطاراً إلى البائع بأنه عندما شرع في إعادة البضاعة إليه بسبب رفض السلطات البيطرية لها لاعتبارها ضارة بالصحة، اكتشف أن تغليفها يخالف ما تم الاتفاق عليه فى العقد لعدم مناسبته للأطعمة المجمدة. وخلصت المحكمة إلى أن المشترى كان يتعين عليه فحص البضاعة خلال أسبوع على الأكثر من تاريخ استلامها، وأن العيب فى التغليف كان يسهل اكتشافه بأى فحص ظاهرى. وإذا كانت المحكمة تعتبر أن متوسط الميعاد المعقول الذى يتعين توجيه الإخطار فيه هو شهر، فإن تجاوز هذا الميعاد لا يعد مقبولاً. فيكون الإخطار الذى تم توجيهه فى 3 مارس 1992م قد تجاوز فيه المشترى هذا الميعاد المعقول [1369] .

 353- العيوب الخفية: وإذا كانت العيوب الموجودة فى البضاعة خفية فإن وقت اكتشافها قد يكون هو وقت استعمال البضاعة أو وقت بدء تشغيلها أو حتى بعد ذلك [1370] .فإذا كانت البضاعة المبيعة قمحاً ولم يتبين المشترى وجود عيوب بها بالفحص المعتاد والذى قام به عند وصولها. لكنه عند إعادة بيعها اكتشف فساد بعض عبواتها، فإنه يظل رغم ذلك محتفظا بحقه فى توجيه الإخطار، ويبدأ التاريخ المعقول للإخطار من تاريخ اكتشافه العيب [1371] .   وإذا كان كشف العيب يستلزم فحصاً فنياً دقيقاً، فإن الوقت الواجب اكتشافه فيه لن يبدأ إلا إذا توافرت الإمكانيات اللازمة للقيام بهذا الفحص. وإذا احتاج الأمر إلى الاستعانة بخبير، فإن هذا الوقت لا يبدأ إلا بعد أن يقدم الخبير تقريره [1372] .

 وقد قضت محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس أن توجيه إخطار عدم المطابقة بعد ثمانية أيام من استلام تقرير الخبير بشأن فحص البضاعة يُعد مقبولاً، ويكون المشترى قد التزم بالميعاد المعقول فى توجيهه [1373] .

 وإذا تأخر الفحص فى الحالات التى يجوز فيها ذلك، فإن الميعاد المعقول للإخطار بعدم المطابقة لا يبدأ إلا من الوقت الذى يتمكن فيه المشترى من فحص البضاعة واكتشاف العيب، مادام أنه لم يكن من الواجب عليه اكتشاف العيب قبل ذلك. وكذلك لو حالت ظروف قهرية، كاضطراب عام، بين المشترى والقيام بالفحص، فلن يبدأ هذا الميعاد إلا من الوقت الذى يتمكن فيه المشترى من القيام بالفحص[1374].  وقد قضى بأن توجيه الإخطار بعد أكثر من عشرين يوماً على استلام البضاعة يعد مقبولا، إذا كان الفحص قد تأخر بسبب إعادة بيع البضاعة فور وصولها. وكانت البضاعة موضوع عقد البيع قد تم نقلها بطريق البحر ووصلت إلى المشترى فى 15 يونيه 1992، وقام المشترى على الفور بإعادة إرسالها إلى المشترى الجديد الذى اشتراها. وعند فحصها لدى المشترى الجديد تبين عدم مطابقتها، فوجه المشترى إخطاراً بعدم المطابقة إلى البائع فى 8 يوليه 1992. وقد اعتبرت المحكمة أن هذا الإخطار قد تم توجيهه فى ميعاد معقول [1375] . 

- مدة سقوط حق المشترى فى التمسك بعيب المطابقة:

  354- ويفقد المشترى حق التمسك بالعيب فى مطابقة البضاعة إذا لم يخطر البائع بذلك خلال فترة أقصاها سنتان من تاريخ تسلم المشترى للبضائع فعلاً [1376] . فلا يحق له بعد هذه المدة مطالبة البائع بأى ضمان عن العيب فى المطابقة سواء ظهر خلال هذه المدة وتأخر المشترى فى توجيه الإخطار أم ظل خافياً حتى انقضائها [1377] .  وقد ثارت مناقشات طويلة حول هذه المدة حتى تم التسليم بها في نهاية الأمر، وذلك بسبب أن ميعاد التقادم المتعلق بالعيوب في مطابقة البضاعة يكون قصيراً نسبياً فى التشريعات الوطنية المختلفة بحيث يصعب التوفيق بينه وبين حكم الاتفاقية [1378] . فنجد على سبيل المثال أن هذه المدة فى القانون السويسرى سنة واحدة وفى القانون الألمانى ستة أشهر تبدأ  من تاريخ الاستلام [1379] .  وجعل القانون المدنى المصرى مدة تقادم دعوى الضمان سنة تبدأ من وقت تسليم المبيع [1380] .إلا أن قانون التجارة المصرى الجديد وضع حكماً آخر يتعلق بالبيع التجارى نص فيه على أن دعوى الفسخ أو إنقاص الثمن بسبب ما اكتشف فى المبيع من نقص أو عيب أو عدم مطابقة يجب أن يقيمها المشترى خلال ستين يوماً من تاريخ تسليم المبيع إليه تسليماً فعلياً، وفى جميع الأحوال تسقط الدعوى بانقضاء ستة أشهر من تاريخ التسليم الفعلى [1381] .  وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم الذى أخذت به اتفاقية فيينا فحددت للمشترى مدة سنتين من وقت التسليم لا يجوز له بعدها التمسك بعدم المطابقة. لكنها حددت مدة سقوط أخرى فى حالة إخطار البائع بعدم المطابقة فى الميعاد المقرر. إذ أوجبت على المشترى فى هذه الحالة استعمال الحقوق المخولة له بموجب الاتفاقية خلال سنة من تاريخ الإخطار وإلا فقد حقه في استعمالها، إلا إذا كان تأخيره ناشئاً عن غش من البائع [1382] .  وحددت اتفاقية التقادم بشأن البيع الدولى للبضائع والموقعة فى نيويورك فى 14 يونيه 1974 مدة التقادم بالنسبة لهذه البيوع وجعلتها أربع سنوات تبدأ فى حالة عدم المطابقة من التاريخ الذى يتسلم فيه المشترى البضاعة استلاماً فعلياً أو يتم فيه عرض البضاعة عليه فيرفضها [1383] .

  355- تحديد مدة السنتين وبدايتها: وجعلت اتفاقية فيينا تحديدها لمدة السنتين تحكمياً، إذ لم تنظر فيه إلى طبيعة البضاعة موضوع عقد البيع. فقد تكون هذه المدة طويلة بالنسبة للبضاعة التى لا تتجاوز صلاحيتها للاستعمال سوى مدة قصيرة عن ذلك، كالمواد الغذائية ومنتجات الألبان. أما إذا كانت صلاحية البضاعة تستمر مدة أكثر من ذلك، كالآلات والمعدات الثقيلة، فإن مدة السنتين تعد قصيرة بالنسبة لها. لكن هذا التحديد كان ضرورياً لوضع حد للمنازعات بشأن مطابقة البضاعة، بحيث يستطيع البائع أن يعرف الوقت الذى ينتهى عنده حق المشترى فى توجيه أى مطالبة إليه فى هذا الخصوص. كما أنه من المتعذر تحديد ميعاد لكل نوع من أنواع البضاعة يتوافق مع طبيعتها والصفات الخاصة بها [1384] .   وتبدأ مدة السنتين من تاريخ التسليم الفعلى للبضاعة إلى المشترى. والمقصود بالتسليم هنا هو المناولة، أى التسليم الذى تصير به البضاعة فى حيازة المشترى فعلا، لأنه وحدة التسليم الذى يهيئ للمشترى الفرصة لإجراء الفحص الجدى ثم عمل إخطار عدم المطابقة إذا أظهر الفحص عيباً فى البضاعة. أما إذا كان التسليم بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى أو بمناولتها إلى الناقل فلا تبدأ مدة السنتين [1385] . كما لا تبدأ باستلام المشترى للمستندات الممثلة للبضاعة [1386] .  وإذا قام المشترى بتغيير وجهة البضاعة قبل وصولها، فلن تبدأ مدة السنتين إلا بعد أن تبلغ البضاعة مكان وصولها الجديد ويتسلمها المشترى فعلياً. وإذا كان تغيير وجهة البضاعة بسبب إعادة بيعها لمشتر آخر، فإن مدة السنتين تبدأ من تاريخ وصول البضاعة إلى المشترى الجديد واستلامه لها فعلياً [1387] .  أما إذا كان المشترى قد أعاد تصدير البضاعة، أو أعاد بيعها بعد استلامه لها فعليا، فإن مدة السنتين تبدأ من تاريخ هذا الاستلام الفعلى [1388] . ولا يؤثر فى ذلك كونه لم يقم بفحص البضاعة فى ذلك الوقت أو لم يتمكن من ذلك. فتبدأ مدة السنتين فى هذه الأحوال قبل حلول الوقت الذى يجب عليه القيام بالفحص فيه [1389] . بل إن هذه المدة قد تنقضى قبل أن يتمكن المشترى من فحص البضاعة. فيظهر بذلك حرص الاتفاقية على وضع حد للمنازعات التى يمكن أن تثار بشأن مطابقة البضاعة وعدم اعتدادها بأى ظروف قد تؤثر فى ذلك [1390] .

  356- كيفية حساب مدة السنتين: ولم تحدد الاتفاقية كيفية حساب مدة السنتين من ناحية أيامها وهل يدخل فى حساب هذه المدة اليوم الأول الذى يبدأ الميعاد فيه واليوم الأخير الذى ينتهى عنده أم لا ؟ ومتى ينتهى الميعاد إذا تصادف وجود عطلات رسمية فى نهايته وهل يمتد بقدرها أم لا ؟ فلم تتضمن الاتفاقية أية قواعد يمكن على أساسها الإجابة على هذه التساؤلات فيترك ذلك للقانون الوطنى الواجب التطبيق وفقاً لقواعد القانون الدولى الخاص [1391] .   لكن الاتفاقية جعلت هذه المدة هى مدة سقوط وليست تقادم، فلا تقبل الوقف أو الانقطاع [1392] . إذ جعلتها ميعاداً حتمياً لابد أن يتم العمل المعين فيه، وهو الإخطار بعدم المطابقة، وإلا كان باطلاً [1393] . وعلى ذلك لا تقف هذه المدة إذا لم يتمكن المشترى من إجراء الفحص كما سبق القول، حتى لو كان ذلك لأسباب خارجة عن إرادته. ولا تنقطع بأى إجراء يتخذه المشترى أو البائع.   ولا تؤثر مدة السنتين فى المدة المعقولة للإخطار بعدم المطابقة إذا كانت هذه المدة المعقولة تنتهى قبل انقضاء مدة السنتين. فيجب على المشترى الذى يكتشف عيباً ظاهراً فى البضاعة بمجرد استلامه لها أن يبادر بتوجيه إخطار عدم المطابقة للبائع خلال مدة معقولة وإلا سقط حقه فى التمسك بهذا العيب. فلا تمتد مدة الإخطار إلى نهاية السنتين إلا بالنسبة للعيوب الخفية التى يتأخر كشفها، أو إذا توافر عذر منع القيام بالفحص واكتشاف العيب لفترة طويلة. ففى هذه الأحوال يجب أن يتم توجيه الإخطار قبل انقضاء مدة السنتين وإلا لم يعتد به ولم يرتب أى أثر، حتى ولو كانت المدة المعقولة للإخطار تمتد إلى ما بعد ذلك [1394] .  ولا تطبق مدة السنتين على إخطار عدم المطابقة القانونية، إذ قصرت الاتفاقية حكمها فى ذلك على مطابقة البضاعة وحدها [1395] . ذلك أن التعرض الصادر من الغير لا يرتبط باستلام المشترى البضاعة فعلياً، إذ قد يتأخر عن ذلك، ولا يوجد ما يبرر تحمل المشترى وحدة نتائج تأخر هذا التعرض [1396] . وعلى ذلك فإن المشترى لا يلتزم فى إخطاره البائع بالتعرض الصادر من الغير إلا بالمدة المعقولة التى تبدأ من وقت علمه بوقوع التعرض أو من الوقت الذى كان ينبغى أن يعلم به فيه وإلا سقط حقه فى الضمان [1397] .   ونلاحظ أن مدة السنتين خصصتها الاتفاقية للإخطار بالعيوب فى مطابقة البضاعة فقط، فلا علاقة لها بتقادم الدعاوى والمطالبات القضائية، فإذا كان تقادم هذه الدعاوى يخضع لاتفاقية نيويورك لسنة 1974 والتى جعلته أربع سنوات، فإن المشترى سوف يلتزم بتوجيه إخطار عدم المطابقة قبل انقضاء مدة السنتين المنصوص عليها في اتفاقية فيينا، لكنه يستطيع إقامة دعواه بعد ذلك بشرط ألا يتجاوز مدة الأربع سنوات المنصوص عليها فى اتفاقية نيويورك [1398] .  

357- أثر مدة الضمان المتفق عليها على مدة السنتين: ولا تطبق مدة السنتين إذا كانت لا تتفق مع مدة الضمان التى نص عليها فى العقد [1399] . فإذا تضمن العقد شرط ضمان يقضى بضمان البائع لكل عيب أو لعيوب معينة لمدة تزيد على مدة السنتين أو تنقص عنها فإن هذا الشرط هو الذى يطبق ويظل البائع ضامناً للعيب المدة المنصوص عليها في العقد [1400] .   ويرجع ذلك إلى أن الاتفاقية قد أجازت للمتعاقدين الاتفاق على ما يخالف أى نص من نصوصها أو تعديل آثاره [1401] . فيدخل فى ذلك حكم الإخطار بعدم المطابقة، والذى يجوز للمتعاقدين تعديله أو الاتفاق على ما يخالفه. فإذا اتفق المتعاقدان على مدة للضمان العقدى، فإن الضمان الاتفاقى هو الذى يكون واجب التطبيق [1402] .   فإذا اتفق فى العقد على أن البائع يضمن عمل الماكينة موضوع عقد البيع لمدة خمس سنوات من تاريخ تسليمها، فإن المشترى يستطيع أن يطالب البائع بتنفيذ هذا الالتزام إذا اكتشف أى نقص فى كفاءة تشغيل الماكينة خلال فترة الضمان دون تأثر بمدة السنتين المنصوص عليها فى الاتفاقية [1403] .  وإذا اتفق فى العقد على أن المشترى يجب عليه إخطار البائع بأى عيب فى مطابقة البضاعة خلال مدة التسعين يوماً التالية للتسليم [1404] ، أو أن البائع يضمن استبدال بضاعة جديدة بأى جزء معيب من البضاعة إذا أخطره المشترى بذلك خلال ثلاثين يوماً من تاريخ استلامه البضاعة [1405] ، فإن مدة الضمان العقدى القصيرة على هذا النحو هى التى تطبق ويتعين توجيه الإخطار المطلوب خلالها حتى ينفذ البائع الضمان دون نظر إلى مدة السنتين.   وإذا كان الضمان العقدى يغطى بعض العيوب فى المطابقة فقط وكانت مدته أقل من سنتين، فإن مدة الضمان تقتصر على العيوب المذكورة فى العقد وحدها. وإذا ظهرت عيوب أخرى لا يغطيها الضمان، يظل للمشترى الحق فى توجيه الإخطار بها حتى انقضاء السنتين [1406] .  وإذا اتفق المتعاقدان فى العقد على ميعاد يتعين إقامة الدعوى أو تقديم طلب التحكيم فيه فى حالة حدوث خلاف بينهما، فإن هذا الميعاد لا يؤثر في مدة السنتين لأنه لا يعد بمثابة مدة للضمان العقدى. وقد أثيرت هذه المسألة أمام محكمة التحكيم بغرفة التجارة الدولية بباريس، وكان المتعاقدان قد اتفقا بعقدهما على شرط للتحكيم تضمن ضرورة أن يتم إحالة النزاع إلى التحكيم خلال ثلاثين يوماً تبدأ من التاريخ الذى يتفقا فيه على فشل المفاوضات الودية بينهما. وقد دفع المدعى عليه بأن مدة الثلاثين يوماً المتفق عليها تعكس نية الطرفين فى عدم تطبيق مدة السنتين المنصوص عليها فى اتفاقية فيينا فيما يتعلق بضمان عيوب عدم المطابقة. لكن محكمة التحكيم رفضت هذا الدفع تأسيساً على أن مدة السنتين تتعلق بإخطار عدم المطابقة ولا علاقة لها بالدعاوى التى تقام أمام القضاء أو التحكيم والميعاد اللازم لذلك، وأن مدة الثلاثين يوماً المتفق عليها فى العقد قاصرة على تقديم طلب التحكيم فقط ولا علاقة لها بمدة الضمان العقدى، فلا يمكن التعويل عليها للقول بأن المدعى عليه قد ضمن مطابقة البضاعة المبيعة لمدة ثلاثين يوماً تبدأ من تاريخ استلام المدعى لها، خاصة أن الطرفين قد اتفقا على أن مدة الثلاثين يوماً تبدأ بعد فشلهما فى حل النزاع ودياً [1407] .  

358- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا قد وضعت أحكاماً تنظم بها كيفية توجيه الإخطار بالعيب فى مطابقة البضاعة، بقصد الإسراع فى حسم المنازعات التى قد تنشأ بين المتعاقدين لتحقيق استقرار التجارة الدولية.   فاشترطت أن يتضمن الإخطار بياناً لطبيعة العيب المدعى به، حتى يتمكن البائع من التحقق من وجوده فعلاً وتحديد الإجراء الذى سيتخذه لمواجهته. ولم تستلزم فى الإخطار شكلاً معيناً، فقد يكون كتابياً أو شفهياً، لكنه لا يجوز أن يفهم ضمناً من أى تصرف للمشترى. ويجب أن يتم إرساله بالوسيلة التى تتناسب مع الظروف حتى يحدث أثره، ويتحمل المرسل إليه مخاطر إرساله.   وأوجبت الاتفاقية أن يتم توجيه الإخطار خلال فترة معقولة تبدأ من اللحظة التى اكتشف فيها المشترى العيب أو كان من واجب اكتشافه فيها. فراعت المرونة فى تحديد هذا الميعاد حتى يتناسب مع الظروف الخاصة بكل حالة. وأظهرت بذلك ترجيحها للضوابط الموضوعية، فلم تعول على العلم الشخصى للمشترى وإنما بما يجب أن يعلمه، فيعتمد فى تقدير ذلك على علم شخص سوى الإدراك من صفته إذا وجد فى نفس ظروفه.

 وحرصت الاتفاقية على عدم ترك باب المنازعات مفتوحاً، فوضعت حداً أقصى لا يجوز توجيه إخطار عدم المطابقة بعده هو مدة سنتين تبدأ من  تاريخ استلام المشترى البضاعة فعلاً. وهى مدة سقوط لا تقبل الوقف أو الانقطاع. لكن هذه المدة لا تطبق إذا كانت لا تتفق مع مدة الضمان المنصوص عليها فى العقد.

المطلب الثانى

أثر عدم توجيه الإخطار

 - سقوط حق المشترى فى التمسك بعيب المطابقة:

 359- حرصت اتفاقية فيينا على تحقيق الاستقرار فى التجارة الدولية، فقصدت من الأحكام التى وضعتها بشأن فحص البضاعة المبيعة وإخطار البائع بعدم المطابقة، حث المشترى على كشف العيب الذى قد يكون موجوداً فى البضاعة وإعلان البائع به واتخاذ موقف حاسم فى شأنه، وذلك فى وقت قصير حتى تستقر المراكز القانونية للمتعاقدين ولا يستمر القلق على مصير العقد فترة طويلة [1408] .

 لذلك وضعت الاتفاقية جزاءً يوقع على المشترى الذى يهمل القيام بالواجبات الملقاة على عاتقه، فلا يوجه إخطاراً إلى البائع بالعيب الذى يكتشفه فى مطابقة البضاعة، وجعلت هذا الجزاء هو أن يفقد حقه فى التمسك بالعيب، فلا يحق له استعمال أى وسيلة من الوسائل التى منحتها له الاتفاقية لمواجهة إخلال البائع بالتزامه، سواء كانت طلب التنفيذ العينى أو تخفيض الثمن أو الفسخ أو التعويض، وعليه أن يستبقى البضاعة غير المطابقة ويدفع ثمنها كاملاً رغم عدم مطابقتها [1409] .  ويرجع ذلك إلى أن عدم قيام المشترى بإخطار البائع بالعيب فى المطابقة يدل إما على إهماله وعدم استحقاقه الحماية التى كفلتها له الاتفاقية بأحكامها، وإما على قبوله البضاعة وأنه قد رضى ما بها من عيوب [1410] .

 كما يهدف هذا الجزاء إلى منع المشترى سيئ النية من المضاربة على حساب البائع بأن يتمسك بالعيب ويفسخ العقد لهبوط سعر البضاعة فى السوق [1411] . أو أن يستغل وجود العيب ويتعمد عدم إخطار البائع حتى لا يتمكن من إصلاحه وتتفاقم حالته وتتحقق جوهرية المخالفة التى تبرر له فسخ العقد، وذلك بسبب رغبته فى التخلص منه بعد أن أصبح لا يحقق الفائدة التى كان يرجوها منه [1412] .

- الاستثناءات المقررة على هذا الجزاء:

 360- وقد اعترض على الجزاء سالف البيان ممثلو الدول النامية أثناء مناقشة مشروع الاتفاقية بالمؤتمر الدبلوماسى، لما اتسم به من قسوة. فقيل بأن فقد المشترى حقه فى التمسك بعيب المطابقة يعنى أنه سوف يلزم بدفع الثمن كاملاً مقابل بضاعة معيبة. وأنه قد يصعب التحقق من عيوب البضاعة خاصة إذا كانت آلات معقدة التركيب يتم تصديرها لدولة نامية، وقد لا يعلم المشترى بحكم الاتفاقية بخصوص الإخطار والجزاء المترتب على عدم توجيهه [1413] .

 وأدت هذه المناقشات إلى إضافة حكم جديد إلى الاتفاقية يقضى بحق المشترى فى طلب تخفيض الثمن والتعويضات رغم عدم توجيه إخطار عدم المطابقة، إذا كان لديه سبب معقول يبرر عدم قيامه بذلك. كما أعطت الاتفاقية الحق للمشترى فى التمسك بحقوقه كاملة رغم عدم توجيه الإخطار بعدم المطابقة، إذا كان البائع يعلم بهذا العيب أو لا يمكن أن يجهله ولم يخبر به المشترى. ونتكلم عن هذين الموضوعين تباعاً. 

 1  توافر سبب معقول لعدم توجيه الإخطار:

 361- حاولت الاتفاقية تخفيف قسوة الجزاء الذى قررته فى حالة عدم توجيه الإخطار، فأضافت حكماً يقضى بأنه رغم حكم الفقرة الأولى من المادة 39 والفقرة الأولى من المادة 43، وهى الخاصة بتوجيه إخطار عدم المطابقة خلال فترة معقولة، فإن المشترى يجوز له أن يخفض الثمن وفقاً  لأحكام المادة 50 أو أن يطلب تعويضات، عدا ما يتعلق منها بالكسب الذى فاته، وذلك إذا كان لديه سبب معقول يبرر عدم قيامه بتوجيه الإخطار [1414] .

 وجعلت الاتفاقية هذا الحكم عاماً يطبق على إخطار عدم المطابقة، سواء كان هذا الإخطار قد تم توجيهه بسبب عيب في المطابقة المادية للبضاعة أم بسبب عيب فى مطابقتها القانونية. يدل على ذلك ما أشار إليه الحكم من أنه استثناء على حكم الفقرة الأولى من المادة 39 وهو الخاص بإخطار عدم المطابقة المادية، وحكم الفقرة الأولى من المادة 43 وهو الخاص بإخطار عدم المطابقة القانونية. ولم تكن اتفاقية لاهاى قد تضمنت حكماً مماثلاً لهذا الحكم [1415] .

 362- المقصود بالسبب المعقول: ولم تحدد الاتفاقية المقصود بالسبب المعقول excuse raisonnable [1416]  الذى يمكن أن يبرر عدم قيام المشترى بتوجيه الإخطار، فيتم تقديره بالنظر إلى كل حالة على حده. وقد يجد البعض فى هذا الحكم مبرراً للاحتجاج بالظروف الشخصية للمشترى والصعوبات الخاصة التى قد يواجهها، كعدم خبرته بالتجارة الدولية أو نقص ثقافته القانونية أو إضراب عماله وقت استلام البضاعة، لكن يصعب قبول مثل هذه الأسباب أو وصفها بالمعقولية [1417] . فنرى أنه لابد أن يتوافر فيها قدر من الموضوعية بحيث يتم تقدير معقولية السبب على أساس ما يمكن أن يصدر من شخص سوى الإدراك من صفة المشترى إذا وجد فى نفس ظروفه.

 وقد يعد من الأسباب المعقولة التى تبرر عدم توجيه الإخطار توافر ظرف عام يمكن وصفه بالقوة القاهرة حال بين المشترى وتوجيه الإخطار، كإضراب عام فى دولته. وقد يكون عدم توجيه الإخطار مبرراً إذا كان العيب فى بدايته تافها يمكن التغاضى عنه، لكنه تفاقم بعد ذلك بحيث تعذر قبول البضاعة مع وجوده، فيوجه الإخطار عند ذلك لكنه يكون بعد انقضاء الميعاد المعقول [1418] . كما يمكن أن يكون سبباً معقولاً عدم تمكن مشتر من دولة نامية من تعيين طبيعة العيب إلا بالاستعانة بخبير يستقدمه من بلد أجنبى فيستغرق ذلك وقتاً طويلاً ويتأخر فى توجيه الإخطار [1419] .

 والسبب المعقول يمكن أن يبرر عدم توجيه الإخطار كما يمكن أن يبرر توجيه إخطار لا يحوى البيانات اللازمة، بأن لم يذكر فيه المشترى طبيعة العيب الموجود بالبضاعة أو طبيعة الحق أو الإدعاء المدعى به من جانب الغير [1420] .إذ قد يرجع ذلك إلى عدم تبين العيب بصورة واضحة عند توجيه الإخطار.

  ونلاحظ أنه كلما طال الوقت عقب اكتشاف العيب سوف يصعب على المشترى تبرير عدم توجيه الإخطار، كما سوف يصعب عليه نسبة العيب الموجود فى البضاعة إلى البائع [1421] . لذلك يحسن الإسراع فى توجيه إخطار عدم المطابقة بمجرد زوال السبب الذى كان يعوق توجيهه.

 ويقع على المشترى عبء إثبات توافر السبب المعقول الذى حال بينه وبين إخطار البائع بعدم المطابقة [1422] . فيتعين عليه أن يثبت وجود هذا السبب والأثر الذى ترتب على وجوده. إذ قد يثبت المشترى إضراب عمال البريد فى دولته، لكن هذا السبب لن يمنعه من توجيه الإخطار بوسيلة أخرى.

 363- أثر توافر السبب المعقول: وإذا توافر السبب المعقول الذى يبرر للمشترى عدم قيامة بتوجيه الإخطار، فلن يترتب على ذلك سوى حق المشترى فى تخفيض الثمن والمطالبة بالتعويضات. لكنه سوف يظل محروماً من طلب استبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة أو إصلاح ما بها من عيب أو فسخ العقد. وعلى ذلك فإن المشترى الذى لا يوجه إخطار عدم المطابقة فى الميعاد المحدد سوف يظل فى جميع الأحوال فى مركز أقل من المشترى الذى وجه الإخطار حتى لو توافر له سبب معقول لعدم توجيهه [1423] .

 وإذا طلب المشترى تخفيض الثمن، فإن هذا التخفيض يكون بمقدار الفرق بين قيمة البضاعة التى تم تسليمها فعلاً وقت التسليم، وقيمة البضاعة المطابقة فى ذلك الوقت. وإن كان هذا التخفيض غير جائز إذا قام البائع بإصلاح الخلل فى تنفيذ التزاماته وفقاً لأحكام الاتفاقية فى المادتين 37 و48، أو إذا رفض المشترى أن يقوم البائع بذلك [1424] .

 ولا يغطى التعويض الذى يحق للمشترى المطالبة به سوى الخسارة التى لحقته بسبب العيب فى البضاعة دون الكسب الذى فاته [1425] . بل إن هذا التعويض يمكن أن يتم تخفيضه بقدر الخسارة التى لحقت بالبائع من جراء تأخر المشترى فى توجيه الإخطار بعدم المطابقة. إذ قد يتسبب ذلك فى حرمانه من الرجوع على الناقل أو المورد الذى ورد إليه البضاعة، كما قد يحرمه من إقامة دعواه قبل من يدعى حقاً على البضاعة أو التدخل فى الدعوى المقامة لهذا السبب للدفاع عن مصالحه [1426] .

 وتتحقق النتيجة سالفة البيان إذا أدى توافر السبب المعقول إلى التأخر فى توجيه الإخطار عن الميعاد المعقول الذى كان يتعين عليه توجيه الإخطار فيه. أما إذا تجاوز التأخير هذا الميعاد بأن انقضت مدة سنتين من تاريخ استلام المشترى البضاعة فعلياً دون توجيه الإخطار، فإن حقه المتعلق بالعيوب فى المطابقة المادية للبضاعة يسقط ولا يجديه فى هذه الحالة توافر أى أسباب معقولة أو غير معقولة [1427] .

 2  علم البائع بالعيب:

 364- إذا كانت الاتفاقية قد وضعت قيوداً على استعمال المشترى حقه فى فسخ العقد فى حالة عدم مطابقة البضاعة، تمثلت في إيجاب قيامه بفحص البضاعة وإخطار البائع بأى عيب فى المطابقة يكتشفه، بقصد الحفاظ على العقد وعدم استمرار قلق البائع بشأن البضاعة طويلاً. فإن البائع الذى يستحق هذه الرعاية هو البائع حسن النية الذى يجهل وجود أى عيب فى البضاعة. أما إذا كان سيئ النية أخفى العيب عن المشترى رغم علمه به، فهو غير جدير بالرعاية. فلا يحق له التمسك بإهمال المشترى في إجراء الفحص أو عمل الإخطار [1428] .

 لذلك أوردت الاتفاقية حكماً يقضى بأن البائع ليس من حقه أن يتمسك بأحكام المادتين 38 و 39 وهى الخاصة بفحص البضاعة وإخطار عدم المطابقة، إذا كان العيب فى المطابقة يتعلق بأمور كان يعلم بها أو كان لا يمكن أن يجهلها ولم يخبر بها المشترى [1429] . وكذلك لم تجز للبائع التمسك بحكم الفقرة الأولى من المادة 43، وهى الخاصة بالإخطار بحق أو إدعاء الغير، إذا كان يعلم بحق أو إدعاء الغير وطبيعة هذا الحق أو الإدعاء [1430] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت حكماً مماثلاً يقضى بأنه لا يجوز للبائع التمسك بأحكام المادتين 38 و39، وهى الخاصة أيضاً بفحص البضاعة وإخطار عدم المطابقة، إذا تعلق عدم المطابقة بوقائع كان يعلمها أو لم يكن من المتصور أن يجهلها وأخفاها عن المشترى [1431] .

 ويعد هذا الحكم تطبيقاً لمبدأ حسن النية الذى ينبغى أن يكون هو أساس تعاملات المتعاقدين فى عقد البيع الدولى، والذى اهتمت الاتفاقية بضمان احترامه فى التجارة الدولية [1432] . ويفرض هذا المبدأ التزاماً على عاتق البائع بأن يخطر المشترى بكل ما من شأنه أن يؤدى إلى عدم مطابقة البضاعة [1433] .

 وقصدت الاتفاقية بهذا الحكم تخفيف الجزاء الذى قررته فى حالة عدم توجيه الإخطار بعدم المطابقة. لأن البائع الذى يعلم بالعيب فى المطابقة لا يتوافر له سبب معقول لمطالبته المشترى بإخطاره بهذا العيب. وكذلك الحال إذا كان البائع يعلم بحق أو ادعاء الغير على البضاعة موضوع عقد البيع [1434] . فلا يتصور أن يستفيد البائع من خطئه فى تسليم بضاعة غير مطابقة إلى المشترى وهو يعلم بذلك، ونحرم المشترى من حقه فى التمسك بهذا العيب لمجرد صدور إهمال بسيط منه بعدم توجيه إخطار عدم المطابقة إلى البائع، رغم علم الأخير بهذا العيب [1435] .

 ويجب لتطبيق حكم الاتفاقية فى هذا الشأن أن يتوافر شرطان: الأول هو أن يعلم البائع أو كان ينبغى له أن يعلم بالعيب في المطابقة الذى يشكو منه المشترى. والثانى هو ألا يخطر البائع المشترى بهذا العيب الذى يعلم به [1436] .

 365- المقصود بعلم البائع بالعيب: ويقصد بعلم البائع بالعيب العلم الفعلى له بهذا العيب، سواء هو أو أحد تابعيه الذين يعد مسئولاً عنهم. أما إذا كان القائمون بتنفيذ عقد البيع يستقلون عن البائع ويمارسون أعمالهم باستقلال عنه، وتقتصر علاقتهم به على تنفيذ التعاقد المبرم بينهما، كالمورد من الباطن والناقل، فإن البائع لا يسأل عن علمهم بأى عيب [1437] .

 ويقع على المشترى عبء إثبات علم البائع بالعيب فى المطابقة. لكن لما كان إثبات العلم الفعلى للبائع بالعيب يعد أمراً عسيراً، فإن الاتفاقية يسرت ذلك على المشترى فلم تقصر حكمها على العيب الذى يعلم به البائع فعلاً، وإنما أضافت إليه العيب الذى لا يمكن أن يجهله. فيكفى أن يثبت المشترى أن العيب مما لا يخفى على أى بائع سوى الإدراك يتجر فى ذات البضاعة إذا وجد فى نفس ظروفه [1438] .

 ويعنى ذلك أن حكم الاتفاقية لا يتعلق فقط بغش البائع وتعمده إخفاء العيب عن المشترى، إنما يمتد ليشمل أيضاً إهماله الجسيم، بعلمه بالعيب أو افتراض ضرورة علمه به وتقصيره بعدم إخطار المشترى بذلك [1439] .

 لكن هذا العلم المفترض بالعيب فى مطابقة البضاعة، إذا كانت الاتفاقية قد اكتفت بإثباته فيما يتعلق بالمطابقة المادية للبضاعة. فإنها لم تكتف به فيما يتعلق بالمطابقة القانونية، وتطلبت ضرورة إثبات العلم الفعلى للبائع بحق أو إدعاء الغير [1440] .

 366- اختلاف الاتفاقية عن التشريعات الوطنية: ويظهر من عدم اشتراط الاتفاقية صدور غش من البائع، اختلافها عن العديد من التشريعات الوطنية التى لا تكتفى بعلم البائع بالعيب وإنما تتطلب أيضاً إثبات غشه وخداعه وقصده إخفاء هذا العيب عن المشترى، كما هو الحال فى القانون السويسرى والقانون الألمانى [1441] .

 كما نجد أن القانون المدنى المصرى بعد أن حدد ميعاد تقادم دعوى الضمان وجعلها سنة من وقت تسليم المبيع، لم يجز للبائع التمسك بهذا الميعاد للتقادم إذا ثبت تعمده إخفاء العيب غشاً منه [1442] . كما أجاز الاتفاق على زيادة الضمان أو إنقاصه أو حتى إسقاطه، لكنه أضاف حكماً يقضى بأن كل شرط يسقط الضمان أو ينقصه يقع باطلاً إذا كان البائع قد تعمد إخفاء العيب في المبيع غشاً منه [1443] . فلا يكفى أن يكون البائع عالماً بالعيب بل يجب أيضاً  أن يتعمد إخفاءه، فإذا كان البائع عالماً بالعيب ولم يتعمد إخفاءه عن المشترى واشترط عدم ضمانه لهذا العيب جاز شرط عدم الضمان [1444] .

 وتضمن قانون التجارة المصرى الجديد حكماً يقضى بأنه إذا لم يقع إخطار عدم المطابقة أو لم ترفع دعوى الفسخ أو إنقاص الثمن للعيب في مطابقة البضاعة خلال الميعاد المنصوص عليه سقط حق المشترى فى إقامتها إلا إذا أثبت الغش من جانب البائع [1445] . فاشترط أيضاً هنا لإعفاء المشترى من ميعاد الإخطار وإقامة الدعوى بسبب العيب فى المطابقة أن يثبت غش البائع، فلا يكفى إثبات علمه بالعيب.

 367- العيوب المفترض علم البائع بها: وتختلف العيوب التى يفترض أن يعلم البائع بها من حالة إلى أخرى، لكن يفترض أن يعلم البائع بالعيوب الجوهرية التى كانت ظاهرة عند خروج البضاعة من منشأته، ومثالها العيوب المتعلقة بكمية البضاعة وحالتها الظاهرة وإذا كان قد تم إنتاجها من صنف أو لون يخالف ما اتفق عليه فى العقد. إلا أنه إذا كان من المألوف أن يتم بيع البضاعة مغلقة ودون فض غلافها، وكان البائع قد اشتراها على هذا النحو قبل بيعها، فإنه لا يفترض علمه بالعيوب الموجودة بها، ويعد معذوراً إذا اكتفى بالبيانات الموضوعة على أغلفتها. كما لا يفترض علمه بالعيوب التى حدثت بعد تسليم البضاعة للناقل وقبل استلام المشترى لها [1446] .

  وتدخل درجة احتراف البائع التجارة فى تقدير ما لا يجوز أن يجهله من عيوب فى البضاعة، فالبائع الذى يحترف التجارة في هذا النوع من البضائع يفترض أن يعلم بالعيوب الموجودة بها والتى يمكن أن تخفى على بائع آخر يتجر فى أنواع مختلفة من البضائع. لكن ليس معنى ذلك أن يعد البائع المحترف سيئ النية بمجرد كشف عيب فى البضاعة التى قام ببيعها للمشترى، أو يفترض علمه بها، إذ أن الاتفاقية لم تقصد ذلك خاصة أنها لا تطبق إلا بين تجار يحترفون التجارة [1447] .

 وقد تعرضت محكمة هولندية لما يفترض أن يعلمه البائع من عيوب فى حكم لها بتاريخ 19/12/1991، تخلص وقائعه فى أن عقداً أبرم بين مشتر هولندى وبائع إيطالى على شراء جبن إيطالى مجمد، وعند وصول البضاعة إلى المشترى تبين فساد الجبن لإصابته بنوع من الفطريات. ورأت المحكمة أن تجميد الجبن لا يمنع فحص البضاعة، إذ يستطيع المشترى فك تجميد جزء منها لفحصها، ويجب أن يكون ميعاد إخطار عدم المطابقة قصيراً لأن الجبن من السلع الغذائية سريعة التلف. وما دام المشترى قد تأخر فى ذلك فإنه يحرم من حقه فى التمسك بعيب المطابقة. لكن المحكمة وجدت أن الفطريات أصابت الجبن قبل تجميده في إيطاليا، فيفترض أن يكون البائع عالماً بهذا العيب ويستحق المشترى لذلك تخفيض الثمن [1448] .

 368- عدم استلزام علم البائع بمدى العيب: ولا يلزم أن يعلم البائع بالمدى الذى وصل إليه العيب تحديداً، أو الذى يمكن أن يصل إليه. إذ يكفى أن يعلم بطبيعة العيب أو بالحقائق التى يمكن أن تؤدى عادة إليه [1449] . بل إنه لا يلزم أن يكون هناك عيب أصلاً، وإنما مجرد احتمال تعرضها للعيب، ويلتزم البائع مع ذلك بإخطار المشترى بهذا الاحتمال [1450] .

 وفى قضية توضح ذلك تعاقدت مؤسسة صينية على شراء ماكينة من صاحب مصنع أمريكى، وأثناء تصنيع الماكينة قام البائع بتركيب جزء بها يخالف الجزء الموجود بالتصميمات الخاصة بها، وكان يتعين تركيب هذا الجزء على نحو معين حتى يتوافق مع عمل الماكينة. ولم يقم البائع بإخطار المشترى بهذا التغيير ولا بالحاجة إلى الدقة فى تركيب هذا الجزء بطريقة معينة رغم اختلاف طريقة تركيبه عما هو موجود بالتصميمات الخاصة بها. وقام بشحن الماكينة مفككة إلى المشترى من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين، حيث تم تركيبها هناك دون أن يتنبه أحد إلى الجزء الجديد الذى تم استبداله، فلم يتم تركيبه على نحو صحيح. وبعد أربع سنوات من تاريخ الشحن تحطم هذا الجزء وتسبب فى أضرار كبيرة بالماكينة، فقام المشترى على الفور بإخطار البائع بذلك. ورفض البائع أية مسئولية عن هذا العيب. وعند طرح النزاع أمام محكمة التحكيم باستوكهلم قضت بمسئولية البائع عن العيب فى المطابقة لأنه كان يعلم بهذا الجزء المستبدل وضرورة تركيبه على نحو معين حتى تؤدى الماكينة عملها، ولم ينبه المشترى إلى ذلك. وقد جاء إخطار عدم المطابقة غير متأخر لأن المشترى لا يلتزم بمدة السنتين المنصوص عليها فى المادة 39/2 من اتفاقية فيينا، نظراً لعلم البائع بالعيب على هذا النحو [1451] .

 369- وقت علم البائع بالعيب: ويجب أن يتخلف البائع عن إخطار المشترى بالعيب الموجود بالبضاعة الذى يعلمه، أو بالعيب الذى يمكن أن يلحق بها. ولم تحدد الاتفاقية الوقت الذى يتعين فيه إخطار المشترى بالعيب. وإن كنا نرى أن هذا الوقت يرتبط بالوقت الذى يتوافر فيه لدى البائع العلم بالعيب أو باحتمال حدوثه.

 وقد ذهب رأى إلى أن الوقت الذى يعتد فيه بعلم البائع بالعيب هو وقت التسليم الفعلى للبضاعة إلى المشترى [1452]  بينما ذهب رأى آخر إلى أن وقت هذا العلم يمتد حتى انتهاء الفترة المحددة لتوجيه الإخطار بعدم المطابقة من جانب المشترى [1453] .

 ونرى أن علم البائع بالعيب قد يتحقق فى أى وقت حتى بعد تسليم البضاعة للمشترى فعلياً، وأن حسن النية يفرض على البائع إخطار المشترى بهذا العيب خلال ميعاد معقول من تاريخ علمه به مادام هذا الإخطار سوف يؤدى إلى أن ينتفع المشترى بالبضاعة المبيعة على نحو أفضل. فلو افترضنا أن البائع قد اكتشف عيباً فى تصنيع الماكينة التى أنتجها بعد استلام المشترى لها، وكان من شأن هذا العيب أن يؤدى إلى ضعف أداء الماكينة ما لم تتم معالجته على نحو معين، فإنه يتعين إخطار المشترى بذلك فور علمه به دون نظر إلى ميعاد معين.

  370- أثر علم البائع بالعيب: ويترتب على علم البائع بالعيب فى مطابقة البضاعة، أو باحتمال حدوث عيب بها، وعدم إخطاره المشترى بذلك، أن يوقع عليه جزاء يتمثل فى عدم استطاعته مطالبة المشترى بتنفيذ الواجبات الملقاة على عاتقه بخصوص هذا العيب، وعدم توقيع الجزاء المقرر فى هذا الشأن على المشترى.

 فإذا لم يقم المشترى بفحص البضاعة، أو لم يقم بتوجيه إخطار إلى البائع بالعيب الذى يكتشفه فيها فى ميعاد معقول من اللحظة التى اكتشف فيها العيب أو كان من واجبه اكتشافه فيها، فإنه رغم ذلك لا يفقد حقه فى التمسك بهذا العيب فى مواجهة البائع.

 وإذا تأخر المشترى فى توجيه إخطار عدم المطابقة حتى انقضت مدة سنتين من تاريخ استلامه البضاعة فعلاً، فإنه يستطيع رغم ذلك التمسك بالعيب فى المطابقة.

 كما يستطيع أيضاً التمسك بالعيب فى المطابقة القانونية للبضاعة، إذا لم يقم بإخطار البائع بحق أو إدعاء الغير على البضاعة فى ميعاد معقول من اللحظة التى علم فيها بهذا الحق أو الإدعاء أو كان من واجبة أن يعلم به.

 ويحق للمشترى فى الأحوال سالفة البيان أن يستعمل كافة الوسائل التى قررتها له الاتفاقية لمواجهة العيب فى المطابقة، كاستبدال البضاعة وتخفيض الثمن والفسخ والتعويض [1454] .وذلك عكس الحال فى حالة توافر سبب معقول لعدم توجيه الإخطار، والذى لا يعطى المشترى سوى الحق فى تخفيض الثمن والمطالبة بالتعويضات.

 371- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن الاتفاقية حاولت التوفيق بين مصالح كل من البائع والمشترى فى عقد البيع الدولى. فإذا كانت قد فرضت جزاءً يوقع على المشترى الذى يهمل القيام بالواجبات الملقاة على عاتقه، فلا يوجه إخطاراً إلى البائع بالعيب الذى يكتشفه فى البضاعة، هو حرمانه من استعمال الوسائل التى قررتها لمواجهة هذا العيب ومنها فسخ العقد، فإنها رفعت عنه هذا الجزاء بصورة جزئية إذا توافر سبب معقول حال بينه وبين توجيه الإخطار، فسمحت له فى هذه الحالة بطلب تخفيض الثمن والحصول على التعويضات عن الضرر الذى لحقه فقط. كما رفعت عنه الجزاء تماماً إذا صدر غش أو إهمال من جانب البائع بأن كان يعلم بالعيب فى المطابقة ولم يخطر المشترى به، فحققت بذلك قدراً من التوازن بين الطرفين.

الفرع الثانى

إصلاح الخلل فى التنفيذ

 372- تمهيد وتقسيم: تنظر اتفاقية فيينا إلى عقد البيع الدولى باعتباره علاقة تقوم على التعاون بين طرفين، يتبادلان الرأى والمشورة لكى يحصل كل منهما على ما يبتغيه من العقد دون إضرار بمصالح الطرف الآخر. ويظهر ذلك واضحاً فى أحكام عديدة أوردتها الاتفاقية، وعلى وجه الخصوص الأحكام التى تنظم إصلاح الخلل فى التنفيذ.

 وتعد هذه الأحكام تطبيقاً للمبدأ الأساسى الذى أخذت به الاتفاقية، وهو الحفاظ على العقد والعمل على تجنب فسخه كلما كان ذلك ممكناً. فقيدت حق المشترى فى فسخ العقد بما قررته من حق للبائع فى إصلاح ما صدر عنه من خلل فى تنفيذ التزاماته. وفرقت الاتفاقية فى نطاق هذا الحق بين الإصلاح الذى يتم فى حالة تسليم البضاعة قبل الميعاد المتفق عليه فى العقد والإصلاح الذى يتم بعد تاريخ التسليم.   وعلى ذلك نقسم هذا الفرع إلى مبحثين، نتكلم فى الأول منهما عن إصلاح الخلل فى التنفيذ قبل ميعاد التسليم، وفى الثانى عن إصلاح الخلل فى التنفيذ بعد تاريخ التسليم.

المبحث الأول

إصلاح الخلل فى التنفيذ قبل ميعاد التسليم

 373- إذا كان الأصل أن يلتزم البائع بتسليم البضاعة فى الميعاد المتفق عليه فى العقد، فإنه من الجائز أن يقوم بتسليمها قبل هذا التاريخ. وفى هذه الحالة يحق للمشترى أن يوافق على استلامها أو يرفض ذلك [1455] .

 فإذا وافق المشترى على استلام البضاعة فى هذا الميعاد المبكر ثم اكتشف عدم مطابقتها، فلا يحق له أن يعدل عن هذه الموافقة ويعيد البضاعة. إنما أعطت الاتفاقية فى هذه الحالة للبائع حق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضاعة المسلمة أو توريد بضائع بديلة للبضائع غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب فى مطابقة البضاعة، وذلك حتى الميعاد الذى كان محدداً أصلا للتسليم، بشرط ألا يترتب على استعماله هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة. مع احتفاظ المشترى بحقه فى طلب تعويضات وفقاً لأحكام الاتفاقية [1456] .

 كما أعطت الاتفاقية للبائع ذات الحق فى حالة تسليمه المستندات المتعلقة بالبضاعة قبل الميعاد المتفق عليه، فله حتى ذلك الميعاد أن يصلح أى نقص فى مطابقة المستندات، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة. ويحتفظ المشترى أيضا فى هذه الحالة بالحق فى طلب تعويضات وفقاً لأحكام الاتفاقية [1457] .

 374- وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم إذ نصت على أنه إذا وقع التسليم قبل الميعاد المعين له وكان المبيع غير مطابق للعقد، ظل البائع حتى حلول الميعاد الأصلى للتسليم محتفظاً بحق إصلاح عدم المطابقة بتكملة كمية المبيع أو باستبدال غيره به أو بإصلاح ما طرأ عليه من خلل، بشرط ألا يترتب على ذلك مضايقة للمشترى أو تحميله مصروفات باهظة [1458] . لكن على خلاف اتفاقية فيينا لم يتعرض هذا الحكم لحق المشترى فى طلب تعويضات، فلم يظهر واضحاً موقفه من ذلك [1459] .

 وتضمن القانون التجارى الأمريكى الموحد حكماً مماثلاً إذ نص على أنه إذا كان المشترى قد رفض استلام البضاعة بسبب عدم مطابقتها، ولم يكن ميعاد التسليم قد انقضى، فإن البائع يجوز له فى هذه الحالة أن يخطر المشترى برغبته فى الإصلاح، ويستطيع بذلك أن يقوم بالإصلاح خلال ميعاد التسليم المتفق عليه [1460] . لكن القانون الأمريكى اختلف عن الاتفاقية فى استلزامه أن يوجه البائع إخطاراً إلى المشترى برغبته فى الإصلاح، فلم تلزم الاتفاقية البائع بذلك [1461] .

 375- التسليم قبل الميعاد: وتشترط اتفاقية فيينا لتطبيق حكمها بخصوص إصلاح الخلل فى التنفيذ هنا، أن يكون التسليم قد تم قبل الميعاد المحدد له فى العقد. سواء كان هذا الميعاد تاريخاً محدداً، كيوم 20 يناير مثلاً، فيقوم البائع بالتسليم قبل هذا التاريخ، أو أن يكون ميعاد التسليم فترة زمنية معينة كأن يتفق على أن يتم التسليم خلال شهر يناير فيقوم بالتسليم قبل بدء هذه الفترة. كما يلزم أن يكون المشترى قد وافق على قبول هذا التسليم المبكر، فيفترض الحكم أن هذه الموافقة قد تمت فعلاً لأن المشترى لا يكون ملزماً بذلك [1462] .

 وإذا تم الاتفاق بين المتعاقدين على تعديل ميعاد التسليم، ليكون قبل الميعاد المتفق عليه فى العقد، فإن الميعاد الجديد يصبح هو ميعاد التسليم. ويكون التسليم الموافق له تسليماً فى الميعاد وليس قبله فلا يطبق حكم الاتفاقية بخصوص الإصلاح قبل ميعاد التسليم، وإنما يطبق حكمها الخاص بالإصلاح بعد ميعاد التسليم [1463] .

 376- العيوب الجائز إصلاحها: وأعطت الاتفاقية للبائع، فى حالة التسليم قبل الميعاد، الحق فى إصلاح العيوب فى مطابقة البضاعة من ناحية كميتها ونوعيتها وأوصافها وتغليفها وتعبئتها، كما أعطت له الحق فى إصلاح أى نقص فى مطابقة المستندات المتعلقة بالبضاعة. لكن هذا الحق لا يمتد إلى ضمان البائع للتعرض الصادر من الغير إذا أدعى هذا الغير حقاً على البضاعة، فلم تشمله الاتفاقية فى حكمها. وقد يرجع ذلك إلى أن تعرض الغير لا يحدث غالباً إلا بعد حلول الميعاد الأصلى للتسليم [1464] .

 لكن ليس هناك ما يمنع من أن يقوم البائع باتخاذ التدابير المناسبة لمواجهة أى تعرض من الغير يتعلق بالبضاعة موضوع عقد البيع إذا علم بوقوع هذا التعرض قبل حلول ميعاد التسليم. يؤيد هذا الرأى أن الاتفاقية قد أجازت ذلك إذا وقع التعرض بعد ميعاد التسليم كما سنرى، فالأولى إجازته إذا تم التسليم قبل حلول هذا الميعاد. كما أن إجازة هذا الإصلاح يتفق مع حرص الاتفاقية على الحفاظ على العقد وعدم اللجوء إلى فسخه إذا أمكن إصلاحه [1465] .

 ويستوى أن تكون العيوب المطلوب إصلاحها جوهرية أو غير جوهرية إذ لم تفرق الاتفاقية بينهما. ذلك أن البائع إذا طلب إصلاح العيب فى المطابقة قبل ميعاد التسليم، فإن المشترى لا يستطيع أن يعارض هذا الحق حتى لو شكل العيب مخالفة جوهرية للعقد [1466] . ولا يحق له إعلان فسخ العقد إلا إذا ظهر واضحاً أن البائع لن يقوم بإصلاح البضاعة حتى حلول الميعاد المحدد للتسليم [1467] .

 377- إخطار المشترى بالرغبة فى الإصلاح: ويجب لكى يستطيع البائع أن يمارس حقه فى إصلاح العيب فى مطابقة البضاعة أن يعلم بهذا العيب. وقد يتحقق هذا العلم بأى طريق، كأن يخطره به المشترى عقب قيامه بفحص البضاعة، أو يعلم به من الناقل الذى قام بنقلها إلى المشترى. كما قد يكون عالماً بالعيب عند تسليم البضاعة دون أن يخطره أحد بذلك، ويحدث ذلك إذا تعلق هذا العيب على سبيل المثال بنقص كمية البضاعة المسلمة [1468] .

 ولم تشترط الاتفاقية أن يوجه البائع إخطاراً إلى المشترى برغبته فى الإصلاح، على خلاف القانون الأمريكى الذى استلزم ذلك صراحة. ومع ذلك فإن توجيه الإخطار قد يكون ذا أهمية للمشترى، فيرفض الإصلاح دون إخطار مسبق لما قد يسببه ذلك له من مضايقات غير معقولة. كما أن حسن النية يفرض على البائع فى هذه الحالة أن يخطر المشترى بالمعلومات الضرورية التى يحتاجها [1469] .

 وقد تظهر أهمية الإخطار بالنظر إلى نوعية الإصلاح الذى سيقوم به البائع. وحددت الاتفاقية أن الإصلاح يكون بتسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضاعة المسلمة أو توريد بضائعة بديلة للبضاعة غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب في المطابقة نفسه. ولا يعد إخطار المشترى لازماً إذا قام البائع بتسليم الكمية الناقصة من البضاعة، لأن تمكينه من ذلك يعد أمراً بديهياً لا يحتاج إلى موافقة المشترى، أما استبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة أو إصلاح العيب فى المطابقة فيلزم فيهما الإخطار، لأن البضاعة تكون فى حيازة المشترى بعد استلامه لها ولن يستطيع البائع القيام بالإصلاح على هذا النحو إلا إذا مكنه المشترى من ذلك [1470] .

 378- شروط الإصلاح: واشترطت الاتفاقية لإعطاء البائع الحق في إصلاح العيب فى المطابقة حتى ميعاد التسليم الأصلى، ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [1471] . فالعبرة هنا بوصف عدم المعقولية الذى توصف به المضايقة أو النفقات التى يمكن أن يتحملها المشترى [1472] .

 وتعد المضايقة غير معقولة إذا كان من شأنها أن تفسد على المشترى سير الشئون العادية لتجارته [1473] ، أو إذا نتج عنها ضرر له أو أدت إلى تحميله أعباء لا يمكن له تحملها. كأن يكون الاتفاق على تسليم البضاعة فى منشأة البائع، وبعد استلامها عرض البائع تسليم الأجزاء الناقصة منها فى ذات المكان فلم يستطع المشترى اتخاذ الترتيبات اللازمة لاستلامها ونقلها في وقت مناسب [1474] . وكذلك إذا تعذر ترتيب إعادة البضاعة إلى البائع لإصلاحها، وكان إصلاحها فى منشأة المشترى يتعارض مع العمل القائم بها ويؤدى إلى تعطيله [1475] .

 وتكون نفقات الإصلاح غير معقولة إذا كانت باهظة، كأن يضطر المشترى إلى غلق مصانعه لفترة طويلة حتى يتم البائع إصلاح عيب الآلات، أو يضطر إلى إقامة حوائط لفصل أجزاء المصنع التى يجرى فيها إصلاح الأجهزة [1476] .

 فلا يحق للبائع أن يطالب المشترى بتقديم نفقات من هذا القبيل للإصلاح، بل إنه لا يحق له مطالبته بأى نفقات على الإطلاق إلا إذا كان سيردها إليه، لأن البائع هو الذى يلتزم بدفع كافة نفقات الإصلاح [1477] .

 وقد تكون المضايقة التى يتحملها المشترى معقولة، لكنها إذا استمرت فترة طويلة يستلزمها الإصلاح توصف بعدم المعقولية. كما قد يتمكن المشترى من تحمل المضايقة إذا أخطره البائع قبل بدء الإصلاح لاتخاذ الترتيبات اللازمة لقيامه به. فى حين أنه إذا أراد القيام بالإصلاح دون إخطار مسبق سوف يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة [1478] .

 وإذا كان إصلاح العيب فى مطابقة البضاعة أو استبدالها لا يتيسر للبائع إلا إذا أعيدت البضاعة إلى منشأته، فإن ذلك قد يلحق ضرراً غير معقول بالمشترى. لأنه قد يكون فى حاجة إليها بمنشأته، كما أنه لن يضمن إعادتها إليه مرة أخرى أو حتى استرداد الثمن الذى دفعه. لذلك يحق له فى هذه الحالة رفض إعادة البضاعة إلى البائع إلا إذا التزم الأخير باستبدال بضاعة جديدة بها على الفور أو تقديم ضمان كاف لإعادتها إليه وتعويضه عن أى أضرار تلحق به من جراء ذلك [1479] .

 وإذا اختلف المتعاقدان فيما يتعلق بمعقولية الضرر الذى يلحق المشترى، فإن تقدير المعقولية فى هذه الحالة سوف يكون للقاضى أو المحكم إذا طرح النزاع أمامه [1480] . فإذا ثبت أن رفض المشترى الإصلاح لم يكن يستند إلى سبب معقول، وأن هذا الإصلاح كان سيؤدى إلى إعادة البضاعة إلى حالتها المطابقة، فإن المشترى فى هذه الحالة لن يستطيع التمسك بهذا العيب للمطالبة بأى حقوق له.

 379- أثر الإصلاح فى رفع الضرر عن المشترى: وذهب رأى إلى أنه يتعين حتى يقوم البائع بإصلاح العيب فى المطابقة أن يتوافر شرط لم تذكره الاتفاقية صراحةً لكنه يفهم ضمناً من نصوصها، هو أن يؤدى الإصلاح إلى إعادة البضاعة إلى حالتها المطابقة بصورة كاملة [1481] .

 لكن هذا الرأى يصعب التسليم به، إذ أن كل ما تطلبته الاتفاقية هو ألا يلحق المشترى مضايقات أو يحمله نفقات غير معقولة، بل إنها قررت احتفاظ المشترى بحقه فى طلب تعويضات، مما مؤداه التسليم بأن الإصلاح لن يؤدى إلى رفع الضرر عن المشترى بصورة كاملة. فإذا كان موضوع العقد على سبيل المثال مائة عبوة من السكر من صنف معين، قام البائع بتسليمها قبل الميعاد فاكتشف المشترى عدم مطابقتها وأنها من نوع ردىء لا يصلح للبيع، فاستبدل البائع بها مائة عبوة أخرى تبين مطابقة تسعة وتسعين منها ووجدت عبوة واحدة غير مطابقة وأنها من صنف أقل وغير مطابق لما اتفق عليه فى العقد. فإن المشترى لا يحق له فى هذه الحالة رفض استلام البضاعة الجديدة لعدم مطابقتها مطابقة تامة للعقد، إذ أن استلامه لها لن يسبب له مضايقات غير معقولة لأن القدر الموجود من عدم المطابقة يمكن تسويته بتخفيض الثمن أو التعويضات [1482] .

 380- المدة المقررة للإصلاح: ويمتد حق البائع فى الإصلاح إلى التاريخ المحدد أصلاً للتسليم، فيستطيع حتى ذلك التاريخ تسليم البضاعة الناقصة أو استبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة أو إصلاح العيب فى المطابقة، ما دام لا يسبب أى مضايقات للمشترى أو يحمله نفقات غير معقولة، ودون أن يحق للمشترى معارضته فى ذلك. فإذا حل تاريخ التسليم خضع للشروط التى وضعتها الاتفاقية للإصلاح بعد ميعاد التسليم وأهمها ألا يكون المشترى قد بادر إلى فسخ العقد [1483] .

 ويظهر بذلك الفارق بين حكم الإصلاح قبل ميعاد التسليم وحكم الإصلاح بعده، ففى الحالة الأولى لا يستطيع المشترى أن يرفض الإصلاح ما دام لا يسبب له مضايقة أو مصاريف غير معقولة، حتى ولو كانت المخالفة المرتكبة جوهرية. فإذا طلب البائع الإصلاح لا يستطيع المشترى إعلان فسخ العقد إلا إذا حل ميعاد التسليم الأصلى أو تعذر على البائع القيام بالإصلاح. أما الإصلاح بعد ميعاد التسليم فقد تحفظت الاتفاقية بشأن فسخ العقد، فإذا كانت المخالفة جوهرية وبادر المشترى إلى إعلان فسخ العقد فلا يحق للبائع القيام بأى إصلاح [1484] .

المبحث الثانى

إصلاح الخلل فى التنفيذ بعد ميعاد التسليم

   381- إذا كانت اتفاقية فيينا قد أعطت للبائع الحق فى إصلاح العيب في مطابقة البضاعة إذا قام بتسليمها قبل الميعاد المحدد للتسليم، على النحو سالف البيان، فإنها أرادت أن تكمل الصورة بتمكين البائع من استعمال هذا الحق بعد الميعاد المعين للتسليم، وذلك إعمالاً لمبدأ من المبادئ الأساسية التى أقامت عليها أحكامها، وهو اتقاء الفسخ كلما كان ذلك مستطاعاً [1485] .

 فأجازت الاتفاقية للبائع، مع عدم الإخلال بأحكام المادة 49، ولو بعد تاريخ التسليم أن يصلح على حسابه كل خلل فى تنفيذ التزاماته بشرط ألا يترتب على ذلك تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى، ومع ذلك يحتفظ المشترى بحق المطالبة بالتعويضات المنصوص عليها فى الاتفاقية [1486] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد أعطت للبائع ذات الحق فى الأحوال التى لا يجوز فيها للمشترى استعمال حقه فى فسخ العقد بسبب إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة [1487] . فنصت على أنه فى هذه الأحوال يحتفظ البائع بعد انقضاء الميعاد المعين للتسليم بحق إصلاح عدم المطابقة بتكملة نقص المبيع أو باستبدال غيره به أو بإصلاح العيب، بشرط ألا يترتب على ذلك مضايقات للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [1488] .

 لكن اتفاقية لاهاى خالفت اتفاقية فيينا إذ أضافت حكماً تمنع به تراخى البائع فى استعمال حقه فى الإصلاح، فأجازت للمشترى أن يعين للبائع ميعاداً إضافياً délai supplementaire بشرط أن يكون معقولاً، ليقوم خلاله بإصلاح عدم المطابقة. فإذا لم يقم بذلك حتى انقضاء ذلك الميعاد جاز للمشترى طلب التنفيذ العينى أو تخفيض الثمن، كما يجوز له إعلان فسخ العقد بشرط أن يقوم بذلك فى ميعاد قصير [1489] .

 ويماثل هذا الحكم حكم المهلة الإضافية فى اتفاقية فيينا، لكنه يمتد هنا ليشمل إخلال البائع بالتزامه بالمطابقة، فى حين أن اتفاقية فيينا قصرته على الإخلال بالالتزام بالتسليم فقط.

 382- إصلاح العيب فى المطابقة فى القانون الأمريكى: وقد أقرت بعض القوانين الوطنية حق البائع فى الإصلاح، ومنها القانون التجارى الأمريكى الموحد والذى أجاز للبائع فى حالة رفض المشترى قبول عرض البضاعة غير المطابقة، رغم توافر أسباب معقولة لاعتقاده بقبولها مع تخفيض الثمن أو بغير ذلك، أن يحصل على وقت إضافى معقول يقوم خلاله باستبدال بضاعة مطابقة بالبضاعة غير المطابقة بشرط إخطاره المشترى بذلك [1490] .

 ويظهر من ذلك أن حق البائع فى الإصلاح بعد ميعاد التسليم فى القانون الأمريكى أضيق نطاق منه فى اتفاقية فيينا. إذ لا يحق للبائع القيام به إلا فى حالة رفض عرض البضاعة غير المطابقة rejection of non-conforming tender، فلا يطبق فى حالة سحب القبول revocation of acceptance. ويشترط لاستخدام البائع هذا الحق أن يتوافر لديه أسباب معقولة للاعتقاد بقبول المشترى للبضاعة حتى لو كان ذلك مقابل حصوله على تخفيض للثمن، وأن يوجه للمشترى إخطاراً بذلك. فإذا كان المشترى محقاً فى رفض البضاعة وقام البائع بالإصلاح، يمتنع على المشترى فسخ العقد حتى ولو لم يكن راضياً عن هذا الإصلاح. أما إذا رفض المشترى البضاعة وأراد الفسخ دون تمكين البائع من الإصلاح رغم إخطاره، فيعد ذلك إخلالاً منه بالعقد إذ لا يجوز له حرمان البائع من حقه فى إصلاح عدم المطابقة [1491] .

 383- إصلاح العيب فى المطابقة فى قواعد الـ Unidroit: وأخذت بحكم إصلاح الخلل فى التنفيذ أيضاً قواعد الـ Unidroit فأجازت للمدين أن يقوم على نفقته الخاصة بإصلاح عدم التنفيذ أياً كان، لكنها اشترطت لذلك أن يوجه - دون تأخير غير مبرر - إخطاراً يشير فيه إلى الأسلوب المقترح للإصلاح وتوقيته، وأن يكون الإصلاح مناسباً للظروف، وأن لا يكون للدائن مصلحة مشروعة فى رفض الإصلاح، وأن يتم هذا الإصلاح على الفور. فإذا توافرت هذه الشروط استطاع المدين أن يطيل مدة التنفيذ لمدة قصيرة تتجاوز المدة المتفق عليها فى العقد وذلك ما لم يكن العقد أو كانت الظروف تفيد أن إتمام التنفيذ في الميعاد لازماً [1492] .

 384- العيوب الجائز إصلاحها: وجعلت اتفاقيه فيينا حق البائع فى إصلاح العيب فى مطابقة البضاعة بعد ميعاد التسليم يغطى كل خلل يقع فى تنفيذ البائع لأى التزام من التزاماته، فيشمل ذلك جميع التزامات البائع بما فى ذلك الالتزام بالتسليم والالتزام بالمطابقة. لكن يفترض أن يكون هذا الخلل ممكناً إصلاحه، إذ لا مجال لإصلاح الخلل فى التنفيذ إذا كان مما لا يمكن إصلاحه. ويقع ذلك على وجه الخصوص فى حالة التأخير فى التسليم، إذا كان لميعاد التسليم أهمية خاصة عند المشترى، إذ يتعذر فى هذه الحالة إعادة الوقت الذى انقضى. لكن لا يعنى ذلك استبعاد الالتزام بالتسليم من نطاق الإصلاح، إذ يظل موجوداً كلما كان من الممكن إصلاح ما وقع من خلل فى تنفيذه، وهو ما يحدث عندما لا يمثل ميعاد التسليم أهمية خاصة للمشترى [1493] .

 ويحق للبائع إصلاح الخلل فى تنفيذ التزامه بالمطابقة سواء تعلق ذلك بالمطابقة المادية والمتمثلة فى كمية البضاعة ونوعيتها وأوصافها وتغليفها وتعبئتها، أو تعلق بالمطابقة القانونية والمتمثلة فى ضمان البائع التعرض الصادر من الغير للبضاعة، إذ جاء النص عاماً ليشمل جميع التزامات البائع. فقد يكون إصلاح العيب فى المطابقة باستبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة إذا تعلق الأمر بالمطابقة المادية للبضاعة. كما قد يكون فى حالة المطابقة القانونية باتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع أى قيود قانونية فرضت على المشترى تمنعه من التصرف فى البضاعة، كأن يقوم بسداد الدين الذى عليه للغير الذى يحتفظ بحق عينى على البضاعة فيسترد بذلك المشترى حريته فى التصرف فيها [1494] .

 كما جاء نص الاتفاقية من الاتساع بحيث يشمل إصلاح أى نقص فى مطابقة المستندات المسلمة [1495] . وكانت الاتفاقية قد أعطت البائع هذا الحق صراحةً فى حالة تسليم المستندات قبل الميعاد المتفق عليه، كما سبق البيان، فيحق له حتى ذلك الميعاد إصلاح أى نقص فى مطابقة المستندات [1496] .

 385- التعارض بين الإصلاح والفسخ: ويجب ألا يتعارض حق البائع فى الإصلاح مع استعمال المشترى حقه فى الفسخ، فإذا كان المشترى قد فسخ العقد فلا مكان للإصلاح. ويظهر ذلك واضحاً فى التحفظ الذى استهلت به الاتفاقية حكمها الخاص بإصلاح الخلل فى التنفيذ بعد ميعاد التسليم فى المادة 48، والذى نصت فيه على أنه "مع عدم الإخلال بأحكام المادة 49"، وهى المادة التى تتناول حق المشترى فى إعلان الفسخ [1497] .

 لكن المشترى إذا لم يكن قد فسخ العقد، فإن التساؤل يثور حول تأثير حق البائع فى الإصلاح على حق المشترى فى الفسخ. فإذا قام البائع بتسليم الماكينة موضوع عقد البيع فى الميعاد وعند تشغيلها فى منشأة المشترى تبين تعطلها عن العمل مما يشكل مخالفة جوهرية للعقد. فهل يستطيع المشترى فسخ العقد فوراً أم ينتظر إمكانية الإصلاح من البائع؟ ويرجع سبب التساؤل إلى أن مصالح الطرفين قد تتعارض فى هذا الشأن، فقد يجد المشترى مصلحته في فسخ العقد فوراً دون نظر إلى قدرة البائع على الإصلاح أو رغبته فى ذلك. وقد يجد البائع مصلحته فى منع المشترى من الفسخ حتى يحدد موقفه من الإصلاح وما إذا كان يقدر عليه ويرغب فيه أم لا [1498] .

 ونرى أن حق البائع فى الإصلاح سوف تكون له الأولوية على حق المشترى فى الفسخ، فإذا عرض البائع إصلاح العيب في المطابقة أو علم المشترى من تجاربه السابقة معه أنه قادر على ذلك، فإنه لا يجوز له فسخ العقد حتى ولو كانت المخالفة جوهرية، وإنما عليه الانتظار حتى يقوم البائع بالإصلاح أو يظهر عجزه عن ذلك [1499] . ويتفق هذا الرأى مع رغبة الاتفاقية في الحفاظ على العقد وعدم اللجوء إلى فسخه إذا كان الحفاظ عليه ممكناً.

 فينبغى على المشترى ألا يتعجل إعلان فسخ العقد بمجرد تحققه من جوهرية المخالفة وإنما عليه الانتظار مادام الإصلاح متوقعاً [1500] . ذلك أن تقدير جوهرية المخالفة سوف يتوقف على إمكانية إصلاح العيب فى المطابقة، فإذا كان الإصلاح ممكناً وملائماً للمشترى ومتوقعاً من البائع فإن المخالفة لن تكون جوهرية [1501] . فيقتضى حسن النية من المشترى أن يترك للبائع مهلة من الوقت للتفكير فى إصلاح ما صدر عنه من إخلال، ولا يستعمل حقه فى الفسخ إلا إذا انقطع أمله فى قيام البائع بالإصلاح [1502] .

 فنجد على سبيل المثال أنه إذا اتفق على تسليم البضاعة فى شهر يناير، ولم يقم البائع بالتسليم حتى 31 يناير، فاعتبر المشترى ذلك مخالفة جوهرية للعقد، لكن البائع أخطره أنه سوف يكون قادراً على تسليم البضاعة في 5 فبراير، فإن المخالفة المرتكبة لن تكون بذلك سوى التأخير البسيط في التسليم والذى لا يجيز للمشترى فسخ العقد. وكذلك إذا سلم البائع للمشترى ماكينة تبين أنها لا تعمل على الإطلاق، لكن البائع عرض إصلاح ما بها من عيوب أو استبدال واحدة جديدة بها، فإن المخالفة بذلك لا تكون جوهرية [1503] .

 ويمكن للمتعاقدين إزالة أى شك حول إمكانية الإصلاح بالاتصالات التى يتبادلونها فى هذا الشأن [1504] . فيرسل المشترى إلى البائع إخطاراً بالعيب الذى اكتشفه فى البضاعة ويسأله عن إمكانية إصلاحه، ويبادر البائع فور علمه بالعيب بالرد على المشترى لتوضيح مدى قدرته على الإصلاح ورغبته فى ذلك. وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت حكماً يمكن المشترى من تفادى القلق بشأن قيام البائع بالإصلاح، أجازت له بمقتضاه منح البائع مهلة إضافية للقيام بهذا الإصلاح، فإذا لم يقم به خلالها كان له استخدام الوسائل التى قررتها الاتفاقية لمواجهة هذا الإخلال ومنها فسخ العقد، إذ اعتبرت المخالفة فى هذه الحالة قد أصبحت جوهرية [1505] .

 وتجيز الأحكام العامة فى اتفاقية فيينا منح هذه المهلة الإضافية للبائع لإصلاح العيب فى المطابقة، لكن انقضاء هذه المهلة لا يترتب عليه تحول المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية تجيز الفسخ، لأن هذا الأثر مقصور على التخلف عن تنفيذ الالتزام بالتسليم فقط [1506] .

 386- كيفية إصلاح العيب فى المطابقة: ويتحقق إصلاح الخلل في التنفيذ بأى إجراء يكون من شأنه إعادة البضاعة إلى حالتها المطابقة للعقد، ويتوقف ذلك على طبيعة الإخلال الذى صدر عن البائع وطبيعة البضاعة موضوع عقد البيع. والغالب أن يتم هذا الإصلاح باستبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة، أو بإصلاح العيب الموجود بالبضاعة، أو بتسليم الكميات الناقصة منها. ولا يلزم أن يؤدى هذا الإصلاح إلى إعادة المطابقة التامة للبضاعة، إذ أن عدم المطابقة البسيط الذى قد يبقى في البضاعة يمكن أن يتسامح فيه [1507] . كما أن الإصلاح بعد ميعاد التسليم سوف ينتج عنه دائماً ضرر يتحمله المشترى يتمثل في التنفيذ المتأخر للالتزام. وهو ما دفع الاتفاقية إلى النص على احتفاظ المشترى بحقه فى المطالبة بالتعويضات [1508] .

 وإذا كان إخلال البائع يتمثل فى تأخيره فى تسليم البضاعة، فإن هذا الإخلال يصعب إصلاحه كما سبق القول. لكن ميعاد التسليم إذا لم يكن من جوهر العقد، فإن تنفيذ البائع لهذا الالتزام حتى ولو كان متأخراً يُعد علاجاً لما صدر عنه من إخلال ويمنع وصف المخالفة بالجوهرية ويمنع بالتالى المشترى من فسخ العقد [1509] . ويلتزم المشترى فى هذه الحالة بقبول البضاعة ولا يكون له إلا المطالبة بالتعويضات عما لحقه من ضرر من جراء ذلك.

 وإذا اختلف المتعاقدان بشأن كيفية إصلاح الخلل فى التنفيذ فرأى المشترى أن هذا الإصلاح يكون باستبدال بضاعة جديدة بالبضاعة غير المطابقة، بينما رأى البائع أن إصلاح العيب فى المطابقة نفسه سوف يكون مناسباً. فإن ترجيح رأى أى منهما على الآخر سوف يتوقف على النفقات التى يستلزمها كل إجراء منها، فإذا كانت تكلفة الاستبدال تزيد كثيراً عن تكلفة الإصلاح فإن المشترى لا يجوز له فى هذه الحالة طلب الاستبدال، ويتفق هذا الحل مع الالتزام الذى يقع على عاتق المتعاقدين فى المادة 77 من الاتفاقية باتخاذ الإجراءات المعقولة والملائمة للتخفيف من الخسارة الناجمة عن المخالفة [1510] . لكن ينبغى أن يراعى في ذلك المضايقة التى يمكن أن يتعرض لها المشترى بسبب الإصلاح وما إذا كانت معقولة أو غير معقولة كما سنرى.

 ونلاحظ أن حق المشترى فى أن يطلب من البائع تسليم بضاعة بديلة قيدته الاتفاقية بارتكاب مخالفة جوهرية، فلا يجوز للمشترى أن يطلب ذلك من البائع إلا إذا كان العيب فى المطابقة يشكل مخالفة جوهرية للعقد. ويجب عليه فى هذه الحالة أن يطلب تسليم البضاعة البديلة فى نفس الوقت الذى يخطر فيه البائع بعدم المطابقة وفقاً للمادة 39 أو فى ميعاد معقول من وقت هذا الإخطار [1511] .

 وإذا حدث الفرض العكسى وهو أن يطلب المشترى من البائع إصلاح العيب فى المطابقة فى حين يطلب البائع الاستبدال، وهو أمر يتصور حدوثه إذا وجد البائع أن تكلفة الاستبدال أقل من الإصلاح، فإن الاتفاقية وضعت حلاً لذلك أجازت فيه للمشترى أن يطالب بإصلاح العيب فى المطابقة بشرط ألا يشكل هذا الإصلاح عبئاً غير معقول على البائع مع مراعاة ظروف الحال، وأن يقدم المشترى طلب الإصلاح فى نفس الوقت الذى يخطر فيه البائع بعدم المطابقة وفقاً للمادة 39 أو فى ميعاد معقول من وقت هذا الإخطار [1512] . فإذا توافرت هذه الشروط تعين على البائع إجابة طلب المشترى بالإصلاح.

 387- شروط الإصلاح: ويشترط لكى يحق للبائع إصلاح الخلل فى تنفيذ التزاماته ألا يترتب على ذلك تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً حول قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [1513] . وتجمع هذه الشروط عبارة واحدة هى المضايقات غير المعقولة inconvénients déraisonnables [1514] . ويعد التأخير غير المعقول والشكوك حول استرداد المشترى لما أنفقه أمثلة للمضايقات غير المعقولة التى يمكن أن يتعرض لها المشترى [1515] .

 ويصعب وضع تعريف للمضايقة غير المعقولة، إذ أن تحديدها سوف يختلف من حالة إلى أخرى بحسب ظروف الحال [1516] . ويمكن أن يعد من هذا القبيل أن يترتب على إصلاح عيب الآلة أو الجهاز مثلاً تعطيل العمل فى منشأة المشترى فترة طويلة [1517] . لكن لا ينبغى أن ينظر إلى ظروف المشترى الشخصية وحدها، وإنما يجب أن يتم تقدير هذه الظروف على ضوء ما يمكن أن يصدر من شخص سوى الإدراك من صفته إذا وجد فى مثل هذه الظروف. ذلك أن إضافة "غير معقول" إلى المضايقة يضفى قدراً من الموضوعية على تقديرها [1518] .

 ويكون التأخير غير معقول إذا كان يصل إلى درجة المخالفة الجوهرية، ففى هذه الحالة لا يحق للبائع إصلاح الخلل فى التنفيذ إلا إذا وافق المشترى على ذلك [1519] . لكن التأخير يمكن ألا يشكل مخالفة جوهرية ويكون رغم ذلك غير معقول [1520] .

 ويلتزم البائع بأن يرد إلى المشترى المصاريف التى أنفقها لمواجهة الخلل فى التنفيذ، كالنفقات التى تحملها فى محاولة الإصلاح قبل تولى البائع هذا الأمر أو نفقات إعادة البضاعة إلى البائع للقيام بالإصلاح. وكل شك جدى حول رد البائع لهذه النفقات يبرر للمشترى رفض طلب الإصلاح [1521] .

 ويجب أن تؤدى هذه الشكوك إلى مضايقات غير معقولة حتى تبرر للمشترى رفض طلب الإصلاح، إذ أن هذا الرفض يصبح أمراً غير مبرر إذا كانت النفقات التى يطلب المشترى استردادها قليلة لا تمثل ضرراً به. ولا يشترط أن تثار هذه الشكوك بسبب تعرض البائع لأزمة مالية أو لخطر إشهار إفلاسه، إذ يكفى أن يثار أى شك جدى حول قدرة البائع على رد هذه النفقات أو حتى حول رغبته فى ذلك [1522] .

 ويحتفظ المشترى بحقه فى المطالبة بالتعويضات المنصوص عليها فى الاتفاقية، فلا يؤدى إصلاح البائع الخلل فى التنفيذ إلى حرمان المشترى من حقه فى ذلك. إذ أن قدراً من الضرر لابد أن يلحق المشترى فى جميع الأحوال بسبب تأخر البائع فى تنفيذ التزامه. كما قد يؤدى الإصلاح نفسه إلى إلحاق ضرر به كأن يترتب عليه توقف العمل بمنشأة المشترى لفترة من الوقت حتى يتم البائع الإصلاح [1523] .

 388- طريق آخر لإصلاح العيب فى المطابقة: وإذا لم تتوافر شروط الإصلاح التى تطلبتها الاتفاقية على النحو سالف البيان، فإن البائع يجوز له أن يسلك طريقاً آخر للوصول إلى إصلاح العيب فى المطابقة. ويكون ذلك بأن يطلب من المشترى أن يعلمه بما إذا كان يقبل التنفيذ أم لا، ويحدد له ميعاداً لذلك. فإذا لم يرد المشترى فى ميعاد معقول جاز للبائع تنفيذ التزاماته فى الميعاد الذى حدده فى طلبه [1524] .

 ولا يلزم أن يتضمن الإخطار الموجه من البائع إلى المشترى طلب أن يعلمه بقراره وما إذا كان يقبل التنفيذ أم لا، لأن الإخطار الذى يحدد فيه ميعاداً للتنفيذ يعد متضمناً له فى جميع الأحوال ولو لم يذكر صراحةً به [1525] .

 ولا يحدث هذا الطلب أو الإخطار أثره إلا إذا وصل إلى المشترى خلافاً للقاعدة التى وضعتها الاتفاقية فى المادة 27 والتى تجعل مخاطر الإرسال على عاتق المرسل إليه. ويبرر ذلك بأن البائع الذى يوجه الطلب هو الطرف المخالف هنا، وقد أعطى فرصة لتدارك ما صدر عنه من تقصير، فينبغى عليه أن يوجه قدراً من العناية والاهتمام للطلب الذى يرسله إلى المشترى حتى يضمن وصوله إليه ويحقق الغرض منه [1526] .

 فإذا وصل الطلب إلى المشترى فرفضه أو أسرع إلى استعمال حقه فى الفسخ، لتقديره أن المخالفة جوهرية لا يجدى معها الإصلاح، فإن النزاع سوف يثور بين الطرفين فى هذه الحالة حول أثر الإصلاح على المخالفة المرتكبة. فإذا ثبت أن الإصلاح كان من شأنه لو تم أن يرفع عن المخالفة وصف الجوهرية فإن المشترى لا يكون محقاً فى رفضه ويتعين عليه قبول الإصلاح [1527] . لكن ينبغى أن يتوافر فى الإصلاح الشروط سالفة الذكر بألا يؤدى القيام به إلى مضايقات غير معقولة للمشترى وإلا جاز له رفضه [1528] .

 ويخضع الرد الذى يرسله المشترى إلى البائع برفض عرضه في الإصلاح للقواعد العامة، فيتحمل المرسل إليه مخاطر إرساله وفقاً للمادة 27  من الاتفاقية، وأى تأخير أو خطأ فى إيصاله وكذلك عدم وصوله لا يحرم المشترى من حقه فى التمسك به [1529] .

 وإذا لم يرد المشترى على الطلب الموجه إليه من البائع، فإن الاتفاقية اعتبرت امتناعه عن الرد قبولاً، وأجازت للبائع فى هذه الحالة تنفيذ التزاماته فى الميعاد الذى حدده فى طلبه. ولا يجوز للمشترى قبل انقضاء هذا  الميعاد استعمال أى حق يتعارض مع تنفيذ البائع لالتزاماته [1530] ، ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد. ويأخذ ذات الحكم أن يرد المشترى على عرض البائع بالقبول [1531] .

 والميعاد المعقول الذى يتعين أن ينتظره البائع حتى يبدأ فى الإصلاح إذا لم يرد المشترى خلاله يجب أن يكون أقصر من الميعاد الذى حدده للإصلاح فى طلبه، حتى يستطيع القيام بالإصلاح خلاله. فيجب على المشترى أن يرد على طلب البائع على الفور حتى يسمح له بتقدير موقفه على ضوء هذا الرد [1532] .

 ولا يشترط لقيام البائع بالإصلاح فى حالة عدم رد المشترى أن تتوافر الشروط التى تطلبتها الاتفاقية فى الفقرة الأولى من المادة 48، وهى ألا يترتب على الإصلاح مضايقات غير معقولة للمشترى. إذ أن حكم الإصلاح الوارد فى الفقرة الثانية من المادة 48 ليس مماثلاً لحكم الفقرة الأولى، فلا يتقيد البائع بما ورد فى هذا الحكم الأخير من شروط. فإذا عرض البائع على سبيل المثال إصلاح العيب فى المطابقة خلال أسبوعين، فإن المشترى إذا لم يرد على هذا العرض لا يستطيع المجادلة بعد ذلك بأن هذا الميعاد سوف يؤدى إلى تأخير غير معقول فى التنفيذ مما يسبب له مضايقة غير معقولة [1533] .

 وعلى ذلك فإن المشترى لا يستطيع التمسك بالشروط التى وضعتها الاتفاقية للإصلاح فى الفقرة الأولى من المادة 48، إذا لم يرد على طلب البائع فى ميعاد معقول. أما إذا رد على هذا الطلب بالرفض، فإن رفضه يمكن أن يؤسس على عدم توافر هذه الشروط.

 389- الخلاصة: نخلص مما تقدم، إلى أن رغبة اتفاقية فيينا فى الحفاظ على العقد وتجنب فسخه ظهرت واضحة فى أحكامها بخصوص إصلاح العيب فى المطابقة، والتى قيدت بها استعمال هذا الحق كلما كان من الممكن إصلاح ما حدث من خلل. فمنعت المشترى من استخدام حقه فى فسخ العقد، وألزمته بقبول إصلاح العيب فى المطابقة فى حالة تسليم البضاعة قبل الميعاد، إذا عرض البائع هذا الإصلاح ولم يترتب عليه مضايقة له أو تحميله نفقات غير معقولة حتى ولو كانت المخالفة المرتكبة جوهرية، وذلك حتى الميعاد الذى كان محدداً أصلاً للتسليم.

 كما أجازت هذا الإصلاح فى حالة التسليم فى الميعاد المتفق عليه، إذا كان لا يترتب عليه تأخير غير معقول أو مضايقة غير معقولة للمشترى أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها. ورغم أنها لم تجز الإصلاح إلا إذا كان المشترى لم يبادر إلى فسخ العقد، فإنها جعلت تقدير جوهرية المخالفة متوقفاً على إمكانية الإصلاح، فإذا كان هذا الإصلاح ممكناً وملائماً للمشترى ومتوقعاً من البائع فلن تكون المخالفة جوهرية. وإذا لم يكن المشترى قد فسخ العقد، فإن الأولوية سوف تكون لحق البائع في الإصلاح إذا توافرت الشروط التى تطلبتها.

 وتبنت الاتفاقية الاتجاه الذى يرجح أن عقد البيع الدولى هو علاقة تعاون بين طرفين يعمل كل منهما جاهداً على عدم الإضرار بالآخر. فسمحت لهما بإزالة أى شك حول إمكانية الإصلاح بالاتصالات التى يتبادلونها بينهما والتى يوضح كل واحد منهما فيها موقفه ليكون الآخر على بينة من أمره. كما جعلت هذه الاتصالات أساساً لطريق آخر للإصلاح، بأن يطلب البائع من المشترى إعلامه بما إذا كان يقبل التنفيذ فى ميعاد يحدده لذلك. وسمحت له بأن يقوم بالتنفيذ فى هذا الميعاد الذى حدده إذا لم يرد المشترى عليه فى ميعاد معقول. مما يدل على حرص الاتفاقية على أن يكون التعامل بين الطرفين بحسن نية وأن يراعى كل منهما ظروف الآخر، ويعمل على الحفاظ على العقد كلما كان ذلك ممكناً.

الباب الثانى

آثــــار الفســــخ

 390- تمهيد وتقسيم: يترتب على وقوع الفسخ أثران أساسيان، الأول بالنسبة للمستقبل وهو انحلال العقد، أى زواله، وإبراء المتعاقدين مما يرتبه عليهما من التزامات. والثانى بالنسبة للماضى وهو أن يعود الطرفان إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد، فيرد كل منهما ما حصل عليها بموجبه. وقد وضعت الاتفاقية أحكاماً تنظم بها انقضاء التزامات الطرفين والرد.

 ولا تتناول الاتفاقية الآثار التى يمكن أن تترتب على الفسخ بالنسبة للغير، ذلك أن تطبيقها يقتصر على تكوين عقد البيع والحقوق والالتزامات التى ينشئها هذا العقد لكل من البائع والمشترى [1534] . أما أثر الفسخ على الغير الذى تلقى حقاً على البضاعة موضوع العقد من أحد الطرفين فينطبق فى شأنه القانون الوطنى واجب التطبيق وفقاً لقواعد القانون الدولى الخاص.

 وأجازت الاتفاقية الجمع بين الفسخ والتعويض، وجعلت التعويض جزاءً تكميلياً يحصل بموجبه الطرف المضرور على ما يعوضه عن الضرر الذى لحقه بسبب إخلال الطرف الآخر بالتزاماته والذى أدى به إلى إعلان فسخ العقد. ووضعت أحكاماً خاصة تنظم بها التعويض الذى يحصل عليه فى حالة الفسخ.

 وعلى ذلك نتناول فى هذا الباب ثلاثة موضوعات تمثل آثار الفسخ، الأول هو انقضاء التزامات المتعاقدين، والثانى حق الاسترداد، والثالث التعويض الذى يستحق للطرف الذى أعلن الفسخ.

الفصل الأول

انقضاء التزامات المتعاقدين

 391- الأصل أن يؤدى الفسخ إلى زوال العقد. ومؤدى زوال العقد بالنسبة للمستقبل أن يتحلل المتعاقدان من التزاماتهما التى لم يتم تنفيذها، فلا يحق لأى واحد منهما طلب تنفيذها أو التمسك بأى شرط من شروط العقد. ويرجع ذلك إلى أن المتعاقد الذى أعلن فسخ العقد كان بالخيار بين الفسخ واستبقاء العقد. فإذا اختار استبقاء العقد كان له المطالبة بتنفيذه أو اللجوء إلى أى وسيلة أخرى لمواجهة الإخلال الذى صدر من المتعاقد الآخر. أما إذا اختار الفسخ فلا محل بعد ذلك للمطالبة بهذا التنفيذ أو التمسك بأى شرط من شروط العقد، لأن ذلك يعنى التمسك مرة أخرى بالعقد وهو الخيار الذى رفضه بإعلان الفسخ [1535] .

 وقد أخذت اتفاقية فيينا بهذه القاعدة العامة فقررت أنه بفسخ العقد يصبح الطرفان فى حل من الالتزامات التى يرتبها عليهما العقد، مع عدم الإخلال بأى تعويض مستحق [1536] . وكانت اتفاقية لاهاى قد تضمنت ذات الحكم فحددت أثر الفسخ بأنه إبراء المتعاقدين من التزاماتهما بموجب العقد عدا التعويضات التى قد يحكم بها [1537] .

  وإذا كانت الالتزامات الرئيسية للبائع هى تسليم البضاعة والمستندات المتعلقة بها ونقل ملكيتها، والالتزامات الرئيسية للمشترى هى دفع الثمن واستلام البضاعة فإن هذه الالتزامات إذا لم يكن قد تم تنفيذها فلا يجوز لأى متعاقد منهما طلب هذا التنفيذ [1538] .

 ويطبق هذا الحكم سواء كان سبب الفسخ هو إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته أو قوة قاهرة، وهو ما أطلقت عليه الاتفاقية لفظ "عائق" empêchement [1539] . ذلك أن الاتفاقية لم تفرق بينهما ولم تجعل للعائق سوى أثر واحد هو الإعفاء من التعويض [1540] .

 كما يطبق هذا الحكم على جميع حالات الفسخ، فيستوى أن يكون الفسخ كلياً أو جزئياً، كما يستوى أن يكون بعد حلول ميعاد تنفيذ العقد أو مبتسراً. وإذا كان عقد البيع على دفعات فإنه يستوى أن يتعلق الفسخ بدفعة واحدة منه أو بالدفعات المستقبلة وحدها أو يمتد إلى العقد كله.

 لكن الفسخ إذا كان جزئياً، فإن تحلل المتعاقدين من التزاماتهما لا يكون إلا بالنسبة للالتزامات المتعلقة بالجزء من العقد الذى تم فسخه. فلا يلتزم البائع بتسليم الجزء من البضاعة الذى تعلق به الفسخ، ولا يلتزم المشترى بدفع ثمن هذا الجزء [1541] .

 392- استبقاء الحق فى التعويضات: فلا يؤثر الفسخ فى حق كل من الطرفين فى الاستناد إلى العقد الذى فسخ لمطالبة الطرف الآخر بالتعويض المستحق بسبب الفسخ. فإذا أعلن البائع فسخ العقد بسبب تخلف المشترى عن دفع الثمن أو استلام البضاعة، فإن هذا الفسخ لا يحول دون البائع ومطالبة المشترى بتعويض الضرر الذى لحقه بسبب هذا الإخلال. وكذلك إذا أعلن المشترى فسخ العقد بسبب إخلال البائع بالتزامه بالتسليم أو المطابقة، فلا يحول ذلك دونه ومطالبة البائع بالتعويض عن هذا الإخلال [1542] .

 وقد أكدت اتفاقية فيينا هذه القاعدة فى أحكام أخرى، فأجازت للمشترى استعمال الحقوق المقررة له إذا لم ينفذ البائع التزاماً مما يرتبه عليه العقد أو هذه الاتفاقية ومنها حقه فى إعلان الفسخ، وصرحت بأنه لا يفقد بسبب ذلك حقه فى طلب التعويضات [1543] . كما أعطت ذات الحق للبائع إذا استعمل حقاً من الحقوق المقررة له فى حالة عدم تنفيذ المشترى التزاماً مما يرتبه عليه العقد أو الاتفاقية [1544] . بل إنها وضعت أحكاماً خاصة لتقدير التعويض فى حالة فسخ العقد [1545] .

 يتضح بذلك أن اتفاقية فيينا أجازت الجمع بين الفسخ والتعويض، واعتبرت التعويض فى هذه الحالة جزاءً تكميلياً، على خلاف بعض القوانين الوطنية التى لا تجيز ذلك [1546] . فنجد أن القانون الإنجليزى على سبيل المثال يعتبر التعويض هو الجزاء الأصلى عند إخلال البائع بتنفيذ التزامه بالتسليم، أما التنفيذ العينى والفسخ فيعتبر كل منهما جزاءً استثنائياً [1547] .

 لكننا نجد تشريعات وطنية عديدة تجيز الجمع بين الفسخ والتعويض، وتعتبر التعويض فى هذه الحالة جزاءً تكميلياً. ففى القانون المصرى إذا أخل البائع بالتزامه بالتسليم جاز للمشترى أن يطالبه بالتنفيذ العينى أو فسخ العقد، وللقاضى سلطه تقديرية فى إجابته إلى طلبه، وله أن يطلب فى الحالتين تعويضاً عما عسى أن يكون قد أصابه من الضرر من جراء إخلال البائع بالتزامه [1548] .

 وقضت محكمة النقض المصرية أن للدائن الذى أجيب إلى فسخ عقده أن يرجع بالتعويض على المدين إذا كان عدم قيام المدين بتنفيذ التزامه راجعاً إلى خطئه بإهمال أو تعمد. وينبنى التعويض على أساس المسئولية التقصيرية وليس على أحكام المسئولية العقدية، ذلك أن العقد بعد أن يفسخ لا يصلح أساساً لطلب التعويض وإنما يكون أساسه هو خطأ المدين [1549] .

 وأجاز القانون التجارى الأمريكى الموحد الحصول على التعويض إلى جانب إنهاء العقد، فإذا أخل البائع بالعقد وقام المشترى بشراء بضاعة بديلة دون تأخير غير معقول، جاز للمشترى بالإضافة إلى إنهاء العقد الحصول على تعويض يتمثل فى الفرق بين ثمن الشراء الجديد والثمن المتفق عليه فى العقد. فإذا لم يكن قد قام بالشراء فإن التعويض يتم تقديره على أساس الفرق بين سعر السوق وقت علمه بالمخالفة والسعر المتفق عليه فى العقد [1550] . كما نص صراحةً على أن إنهاء العقد لا يعنى الإعفاء من المطالبة بالتعويضات عن الإخلال الذى حدث [1551] .

 وأوردت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً نصت فيه على أن إنهاء العقد يترتب عليه تحلل الأطراف مستقبلاً من التزاماتهم المتقابلة، ولا يحول هذا الإنهاء دون المطالبة بالتعويض عن عدم التنفيذ [1552] . فأجازت بذلك الجمع بين إنهاء العقد وطلب التعويض عن الأضرار التى نتجت عن هذا الإنهاء والإخلال الذى أدى إليه.

 393- ويشترط وفقاً لأحكام اتفاقية فيينا لاستبقاء الحق فى التعويضات بعد فسخ العقد أن يقع الفسخ بسبب إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته. أما إذا كان الفسخ بسبب قيام عائق حال بين المتعاقد وتنفيذ التزاماته، فإن هذا العائق سوف يؤدى إلى الإعفاء من التعويضات فلا يحق للمتعاقد فى هذه الحالة سوى أن يفسخ العقد ويسترد ما سبق أن أداه دون أن يكون له الحق في أى تعويضات [1553] .

 فإذا قام العائق بالنظر إلى البائع على سبيل المثال، فتعذر عليه تسليم البضاعة بعد أن يكون المشترى قد عجل له الثمن أو بعضاً منه، كان من حق هذا المشترى أن يعلن الفسخ ثم يسترد الثمن المدفوع دون تعويض على البائع. وإذا قام العائق بالنظر إلى المشترى فاستحال عليه دفع الثمن بعد أن يكون البائع قد سلمه البضاعة أو بعضاً منها، كان من حق هذا البائع أن يعلن الفسخ ثم يسترد البضاعة دون تعويض على المشترى [1554] .

 394- استبقاء شروط تسوية المنازعات: وإذا كان مؤدى الفسخ أن يتحرر المتعاقدان من الالتزامات التى تقع على عاتق كل منهما بسبب العقد، فإن ذلك لا يعنى إبراء المتعاقدين من جميع التزاماتهما أو انقضاء كافة شروط العقد، إذ تظل بعض الشروط قائمة وواجبة النفاذ رغم الفسخ [1555] ، وقد ذكرت الاتفاقية ذلك صراحةً فنصت على أن الفسخ لا يؤثر على أى من شروط العقد المتعلقة بتسوية المنازعات أو أى من أحكامه الأخرى التى تنظم حقوق الطرفين والتزاماتهما المترتبة على فسخ العقد