فســـخ عقـــد البيـــع الدولـــى

للبضـــائع

وفقـــاً لاتفاقيـــة فيينـــا لعـــام 1980

الدكتـور

خــالد أحمــد عبــد الحميــد

المستشـار بمحكمـة النقـض

الطبعـــة الثانيـــة

2001



 

 

 

 

 

  إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً 1  ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبِكَ
وما تأخر ويُتم نعمتهُ عليك ويهديكَ صراطاً مستقيماً 2    

 

 



تنويــــــــه

كان هذا المؤلف موضوعاً لرسالة قدمت للحصول على درجة الدكتوراه فى الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة.

وتمت مناقشتها بتاريخ 20/12/2000، وشكلت لجنة المناقشة والحكم من الدكتور محمود سمير الشرقاوى أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - مشرفاً ورئيساً، والدكتور أبو زيد رضوان أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة عين شمس - عضواً، والدكتور رضا عبيد أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - فرع بنى سويف - عضواً.

وقد حصلت الرسالة على تقدير ممتاز والتوصية بتبادلها مع الجامعات العربية والأجنبية.

 

 



M

1- بدأت علاقات التجارة الدولية تبتعد منذ وقت غير قريب عن سيطرة وسطوة القوانين الداخلية، لتحكم أو تنظم عن طريق قواعد ذات طابع مهنى وقواعد عرفية لا تنتمى بأصلها إلى قواعد مستمدة من قانون دولة ما، بقدر ما تستمد من واقع ما يمكن أن يطلق عليه "مجتمع التجار الدولى". وتعتبر هذه القواعد بمثابة قانون يعلو بالضرورة "فوق الدول" Supranational أو هو "قانون غير وطنى" A national، يجسد فى الواقع قانون التجارة الدولية القديم والمعروف باسم Lex mercatoria[1].

ويرجع سبب اللجوء إلى هذه القواعد العرفية أن القوانين الوطنية كانت تعجز فى كثير من الحالات عن متابعة تطورات التجارة الدولية[2]. حتى قيل بأن التجارة الدولية لا تجد أحسن الظروف لنموها إلا إذا أفلتت من قيود واختلاف التشريعات والقوانين الوطنية، والتى تجعل القلق وعدم الأمان ملازماً للعقود الدولية التى تخضع لها[3].

كما أن تحديد القانون الوطنى الواجب التطبيق يرجع فيه إلى قواعد القانون الدولى الخاص المتعلقة بتنازع القوانين، وهى قواعد عسيرة الفهم على رجال القانون أنفسهم، وهى تختلف من دولة إلى أخرى مما يثير الكثير من الشك
حول القانون الذى سوف يحكم النزاع[4]. فإذا لم يحدد المتعاقدان هذا القانون فى عقدهما، تعذر عليهما معرفة القانون الذى سوف يطبقه القاضى إذا ثار نزاع بينهما[5]. وأدى ذلك إلى إشاعة القلق فى التعامل التجارى الدولى، وإلى استشعار رجال التجارة الدولية الحاجة إلى قواعد قانونية جديدة تكون أكثر مناسبة لظروفهم.

2- وتجد هذه القواعد العرفية للتجارة الدولية مصدرها فى العقود النموذجية Contrats-Types أو الشروط العامة Conditions Générales، وهى شروط يتفق عليها تجار سلعة معينة فى منطقة جغرافية معينة ويلتزمون بإرادتهم الحرة باتباعها فيما يبرمونه من صفقات تتعلق بهذه السلعة. وتحرر هذه الشروط عادة من نماذج مختلفة، يراعى فى كل نموذج منها ظروف تجار السلعة فى منطقة معينة، ويختار المتعاقدان النموذج الذى يتفق وظروفهم الخاصة، وقد ذاعت هذه الشروط العامة فى الوقت الحاضر حتى صارت تشمل أنواعاً عديدة من السلع وتغطى مناطق جغرافية شاسعة، ومثالها الشروط العامة التى وضعتها جمعية لندن لتجارة الغلال The London Corn Trade Association، والشروط العامة التى وضعتها اللجنة الاقتصادية الأوروبية بشأن توريد الأدوات والآلات اللازمة لتجهيز المصانع La fourniture des matériels d'équipement.[6]

كذلك فإن القواعد الدولية لتفسير مصطلحات التجارة الدولية والمعروفة باسم Incoterms والصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس[7]، تعد أحد المصادر الأساسية لقواعد التجارة الدولية، ورغم أنها قواعد اختيارية يجب أن يتفق المتعاقدان على تطبيقها، إلا أنها تُعد تقنيناً يهتدى به للعرف الدولى فى البيوع التجارية الدولية، وتستخدمها فى الغالب الأعم العقود ذات الشكل النموذجى، بل ينظر إليها البعض باعتبارها المصدر الأساسى لقانون هذه البيوع الدولية.[8]

وقد تجد قواعد التجارة الدولية مصدرها فى الاتفاقيات الدولية التى تبرم بين عدد من الدول بقصد وضع قواعد موضوعية موحدة تسرى على المعاملات الدولية، فتلتزم الدول الموقعة عليها بتطبيق أحكامها. لكنها
لا يترتب عليها إلغاء القانون الوطنى فى شأن الموضوع الذى تتناوله الاتفاقية، وإنما ينكمش مفعول هذا القانون فى حدود الدولة فلا يسرى إلا على المعاملات الداخلية، أما المعاملات الدولية فتسرى عليها أحكام الاتفاقية[9].

3- وقد عملت بعض الهيئات الدولية على وضع قواعد موضوعية موحدة دولية تخضع لها مباشرة معاملات التجارة الدولية، منها المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص L'institut international pour L'unification de droit Privé[10]، والذى أولى اهتماماً لعدة مسائل فى القانون الخاص تتعلق بموضوعات التجارة الدولية من أهمها البيوع الدولية. وقد أسفرت جهوده فى هذا المجال عن توقيع اتفاقيتى لاهاى فى أول يوليو سنة 1964، واللتين تتضمنان قواعد موحدة للبيوع الدولية الأولى منهما تتعلق بالقانون الموحد للبيع الدولى للمنقولات المادية، والثانية تشتمل على قواعد موحدة خاصة
بتكوين هذا العقد. وقد دخلت الاتفاقيتان حيز التنفيذ منذ 18 و23 أغسطس سنة 1972 بالنسبة للدول التى صدقت عليهما[11].

ورغم الجهود التى بذلت فى إعداد اتفاقية لاهاى إلا أنها فشلت فى تحقيق الغرض المقصود منها، إذ لم يصدق عليها سوى عدد قليل من الدول[12]. ويرجع ذلك إلى أن الأعمال التحضيرية لهذه الاتفاقية شارك فيها عدد محدود من الدول غلبت عليه النزعة الأوروبية[13]، وتنتمى غالبيتها إلى النظام الرأسمالى مما أدى إلى إحجام الدول الاشتراكية فى ذلك الوقت ومنها
الاتحاد السوفيتى عن الانضمام إليها[14]. ونتيجة لذلك جاءت الاتفاقية معبرة فى بعض أحكامها عن وجهة نظر تنتمى إلى نظام قانونى واحد، فظهرت الحاجة إلى اتفاقية جديدة تتسع فيها المشاركة لتعبر عن كافة المصالح والأنظمة القانونية[15].

 4- وأنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 17 ديسمبر 1966 لجنة دائمة أسمتها "لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى"[16] United Nations Commission of International trade Law، بقصد تشجيع التنسيق والتوحيد التدريجى لقانون التجارة الدولية. وحدد قرار إنشائها نوعية الأعمال التى يتسنى للجنة القيام بها لتحقيق هذا الغرض، ومنها على وجه الخصوص إعداد مشروعات اتفاقيات دولية وقوانين نموذجية وقوانين موحدة جديدة، أو تشجيع الأخذ بهذه الأدوات، وتشجيع تدوين المصطلحات التجارية والقواعد والعادات والممارسات الخاصة بالتجارة الدولية ونشرها[17].

 وقد تصدت اللجنة لوضع اتفاقية جديدة للبيع الدولى بعد فشل اتفاقيتى لاهاى لسنة 1964، فشكلت مجموعة عمل لوضع مشروع الاتفاقية الجديدة اتخذت من اتفاقيتى لاهاى أساساً لها. وفى عام 1976 أتمت مجموعة العمل وضع مشروعى اتفاقيتين، الأولى لتكوين البيع والثانية لآثاره، وناقشت اللجنة المشروعين في دورة انعقادها عام 1978 وأقرتهما، لكنها أدمجتهما فى
مشروع اتفاقية واحدة خصصت الجزء الثانى منها لتكوين البيع والجزء الثالث لآثاره. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المشروع، وأحالته إلى مؤتمر دبلوماسى انعقد بمدينة فيينا عام 1980 والذى أقر هذا المشروع فى
11 إبريل 1980، وحملت الاتفاقية اسماً رسمياً هو "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع"[18].

ونصت الاتفاقية على أن يبدأ سريانها فى اليوم الأول من الشهر التالى لانقضاء اثنى عشر شهراً على تاريخ إيداع الوثيقة العاشرة من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام[19]، وقد اكتمل عدد التصديقات المطلوب
لنفاذ الاتفاقية بإيداع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا وثائق تصديقاتها فى 11 ديسمبر 1986[20]. وعلى ذلك بدأ نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدول التى صدقت عليها حتى 11 ديسمبر 1986 - ومنها مصر - من اليوم الأول من شهر يناير 1988[21]. وحظيت الاتفاقية بعد ذلك بقبول واسع، إذ صدق عليها حتى نهاية عام 1998 ثلاث وخمسون دولة، مما جعلها من
أكثر الاتفاقيات الدولية لتوحيد قواعد التجارة الدولية نجاحاً حتى الوقت الحاضر[22]، حتى قيل بأنها يمكن أن تُعد القانون الجديد للتجار
The new Lex mercatoria[23]. ونتناول فيما يلى تعريف عقد البيع الدولى، وتنظيم اتفاقية
فيينا له، ثم الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى، ونحدد أخيراً  موضوع دراستنا وخطة البحث.


أولاً: عقد البيع الدولى:

5- تعريف عقد البيع: يجرى النشاط التجارى الدولى - فى الأغلب -  على أساس من عقد بيع، يبرمه طرفان من دولتين مختلفين، على بضاعة سوف يجرى نقلها من البائع إلى المشترى، مقابل ثمن يتم تسديده بطرق معينة. فالبيع هو الأداة القانونية الفعلية التى يتحقق بها هذا النشاط الاقتصادى[24].

ولا تختلف التشريعات الوطنية كثيراً فى تعريفها لعقد البيع، إذ تعتمد فى تعريفها على ما يرتبه البيع من التزامات على طرفيه، وهى نقل ملكية  لبضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ثمن نقدى، وقد صار الالتزام بنقل
المكية فى القوانين الحديثة ليس من طبيعة البيع فحسب، بل من مستلزماته أيضاً، فكل عقد بيع لابد أن ينشئ التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى، ويتم تنفيذ هذا الالتزام فى بعض البيوع بمجرد العقد وبقوة القانون، بينما يقتضى البعض الآخر قيام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى تنفيذاً لالتزامه بذلك، أى قيامه بالأعمال اللازمة لذلك[25]. وترتب على ذلك اختلاف القوانين الوطنية فى شأن أثر البيع فى ملكية المبيع، فمنها ما رتب على مجرد انعقاد البيع انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشترى، ومنها ما لا يرتب على البيع إلا مجرد إنشاء التزام بنقل الملكية[26].


فنجد أن القانون المصرى يُعرف عقد البيع بأنه عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشترى ملكية شئ أو حقاً مالياً آخر فى مقابل ثمن نقدى[27]. فيركز هذا التعريف على صفة البيع كعقد ناقل للملكية، إذ يرتب التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى[28].

ويقترب تعريف القانون الإنجليزى لعقد البيع من هذا المفهوم، إذ يعرفه بأنه "عقد ينقل البائع بمقتضاه - أو يتعهد بنقل - ملكية البضاعة إلى المشترى نظير مقابل نقدى يسمى الثمن"[29]. فيجب أن يقدم كل طرف شيئاً فى مقابل
ما يحصل عليه، فيقدم البائع - أو يتعهد بتقديم - ملكية البضاعة، ويقدم المشترى أو يتعهد بتقديم نقود كثمن لها[30]. وعلى ذات النهج يُعرف القانون الأمريكى البيع بأنه "نقل ملكية البضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ما يدفعه الأخير من ثمن"[31].


أما القانون الفرنسى فقد ركز على الالتزام بالتسليم، إذ عرف عقد البيع بأنه "العقد الذى يلتزم بموجبه أحد الطرفين بتسليم شئ مقابل التزام الطرف الآخر بدفع الثمن"[32]. فتنتقل الملكية فى القانون الفرنسى بصفة أساسية بمجرد العقد، ولا تمثل التزاماً على عاتق البائع والذى لا يلتزم إلا بتسليم الشىء المبيع أى بنقل حيازته إلى المشترى[33].

وتختلف البيوع الدولية فى نظرتها لأثر البيع الناقل للملكية، إذ ينصرف نظر أصحابها إلى التسليم الموافق لشروط العقد وحده، باعتباره مركز الثقل فى هذه المعاملات، وتنتقل الملكية إلى المشترى بمجرد تمام هذا التسليم[34]. فأصبح الالتزام بالتسليم هو أساس العقد الدولى لبيع البضائع ومحور أحكامه، وأصبح يعنى فى الوقت الحاضر الالتزام بنقل الملكية، وذلك لصعوبة الفصل بين الالتزامين فى التعامل التجارى، لتعلق بيع البضائع فى الغالب بأشياء منقولة معينة بالنوع فلا تنتقل ملكيتها بمجرد التعاقد، كما هو شأن بيع المنقول المعين بالذات. ولذلك فإن الاتفاقيات الدولية التى نظمت عقد البيع الدولى لم تتعرض للالتزام بنقل الملكية، وإنما للالتزام بالتسليم وحده[35].

6- دولية عقد البيع: اختلف الرأى بصدد دولية عقد البيع، أى المعنى المقصود من "الدولية" فذهب القضاء الفرنسى إلى أن العقد يكون دولياً إذا كان يتصل بمصالح التجارة الدولية "Met en jeu les intérêts du commerce "international. إلا أن هذا التعريف لا يتسم بالوضوح، إذ لم يحدد كيف يكون اتصال العقد بالتجارة الدولية، فهو تعريف غامض لا يساعد على تحديد مدلول العقد الدولى. وهو ما دفع البعض إلى تقرير أن العنصر الحاسم في تحديد دولية البيع هو إقامة طرفى العقد فى دولتين مختلفتين[36]. بينما ذهب بعض آخر إلى الاعتداد باختلاف جنسية المتعاقدين[37].

لكن اختلاف جنسية المتعاقدين أو اختلاف محال إقامتهما قد يؤديان إلى إضفاء الصفة الدولية على عقود بيع لا تمت إلى التجارة الدولية بصلة، كالبيع الذى يبرم بين أجنبيين من جنسيتين مختلفتين يقيمان فى مصر مثلاً وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها إلى مكان آخر، أو البيع الذى يبرم فى مصر بين مصرى يقيم بمصر وفرنسى يقيم بفرنسا لكنه فى زيارة لمصر وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها وبثمن يدفع فى مصر وبالعملة المصرية، فالبيع فى الحالتين تغلب فيه الصفة الوطنية رغم اختلاف جنسية المتعاقدين ومحال إقامتهما[38].

 لذلك ذهب رأى إلى أن مجرد اختلاف جنسية أو موطن المتعاقدين لا يكفى لإضفاء صفه الدولية على عقدهما إذا لم يكن مكان إبرامه أو أعمال تنفيذه أو مكان وجود محله يهم أكثر من نظام قانونى، أى أكثر من قانون دولة واحدة. ويعرف العقد الدولى بالبناء على ذلك بأنه "العقد الذى يبرم بين مختلفى الجنسية أو متحديها إذا كان مكان إبرامه، أو أعمال تنفيذه، أو مكان وجود
محله يهم أكثر من نظام قانونى". ويقصد من هذا التعريف الإشارة إلى أن العقد لن يعتبر دولياً إلا إذا كان يتعلق بمعاملة دولية تقتضى تبادل بضائع أو أموال أو خدمات بين دول مختلفة، ولا يتوقف اعتباره دولياً على مجرد اختلاف
جنسية أو موطن أطرافه إن لم يقتض مثل هذا التبادل[39].

7- وتحدد الاتفاقيات الدولية التى تنظم البيع الدولى فى الغالب المقصود بالدولية، لأن أحكامها تتعلق بالبيع الدولى وحده فكان من اللازم بيان ضوابط الدولية التى يمكن على أساسها تحديد هذا البيع الدولى الخاضع لأحكامها.
فنجد أن اتفاقية لاهاى لسنة 1964 لم تعتد فى تحديد البيع الدولى الذى يخضع لأحكامها باختلاف جنسية المتعاقدين، إذ قد يُعد البيع دولياً ولو كان كل من البائع والمشترى من جنسية واحدة. وإنما جعلت العبرة باختلاف مراكز أعمال المتعاقدين أو محال إقامتهم العادية، واشترطت بالإضافة إلى هذا المعيار الشخصى أن يتوافر أحد معايير موضوعية ثلاثة:

الأول: هو وقوع البيع على سلع تكون عند إبرامه محلاً لنقل من دولة إلى أخرى، أو ستكون بعد إبرام البيع محلاً لمثل هذا النقل.

والثانى: هو صدور الإيجاب والقبول فى دولتين مختلفتين، ولا يشترط أن تكونا الدولتين اللتين يقع فيهما مركز أعمال المتعاقدين أو محل إقامتهما العادية، إذ المعتبر هو اختلافهما فحسب.

والثالث: هو تسليم المبيع فى دولة غير التى صدر فيها الإيجاب والقبول، ويكون البيع فى هذا الفرض دولياً ولو لم يقتض انتقال المبيع من دولة إلى أخرى[40].

ويعنى ذلك أنه يُشترط لكى يُعد البيع دولياً وفقاً لاتفاقية لاهاى أن يكون هناك عبور للحدود سواء من ناحية تكوين العقد أو من ناحية تنفيذه، بمعنى أن يتم تكوين العقد أو تنفيذه فى دول مختلفة. كما يعنى أن البيع يمكن أن يكون دولياً حتى لو كان المتعاقدان يحملان جنسية دولة واحدة ولكن يوجد مركز أعمال كل منهما فى دولة مختلفة، وأن البيع لا يكون دولياً إذا اختلفت جنسية المتعاقدين، ولكن كانت مراكز أعمالهما فى نفس الدولة[41].

 

 


ثانياً: تنظيم اتفاقية فيينا لعقد البيع الدولى:

8- ماهية عقد البيع فى اتفاقية فيينا: لم تُعرف اتفاقية فيينا لسنة 1980 عقد البيع واكتفت بتحديد الالتزامات الرئيسية لطرفيه، فنصت على أن البائع يجب عليه أن يُسلم البضائع والمستندات المتعلقة بها وأن ينقل ملكية البضائع على النحو الذى يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية[42]. كما نصت على أن المشترى يجب عليه أن يدفع ثمن البضائع وأن يستلمها[43].

لكن الاتفاقية تعرضت لنوعين من البيوع لما قد يثار من شك حول تكييفهما، الأول هو عقد البيع الذى يقترن به عملية مادية هى صنع السلعة وفقاً للمواصفات المطلوبة، فنصت على أن تعتبر بيوعاً عقود التوريد التى يكون موضوعها صنع بضائع أو إنتاجها إلا إذا تعهد الطرف الذى طلب البضائع بتوريد جزء هام من العناصر المادية اللازمة لصنعها أو إنتاجها[44].

فالأصل إذن فى البيوع المقترنة بطلب صنع السلعة أو إنتاجها أنها تعتبر بيوعاً خاضعة لأحكام الاتفاقية، إلا إذا تعهد طالب صنع السلعة أو إنتاجها بتقديم جزء جوهرى مما يلزم لصنعها أو إنتاجها، فيكون العقد فى هذه الحالة شيئاً آخر غير البيع كعقد مقاولة أو إستصناع، فلا يخضع لأحكام الاتفاقية. ويتوقف اعتبار العقد بيعاً على جوهرية العنصر الذى يتعهد طالب السلعة بتقديمه، أى على أهمية الدور الذى يقوم به فى تكوينها، ولو لم يكن أكثر العناصر عدداً أو أضخمها وزناً أو أكبرها حجماً[45].

والنوع الثانى من البيوع الذى تعرضت له الاتفاقية هو الذى يتضمن بالإضافة إلى توريد البائع للبضاعة التزامه بتقديم خدمات للمشترى، كالمساعدة فى تجميع الأجهزة وتشغيلها وتدريب عمال المشترى ومساعدتهم فى اكتساب المهارات الفنية. وقد عرفت التجارة الدولية هذه العقود منذ زمن بعيد، والغالب أن يسمى البائع فيها "المقاول" Constructeur[46]، ومن أمثلتها "عقد تسليم مفتاح" Contrat Clé en main والذى يلتزم فيه المقاول بإتمام عمليات إقامة الأبنية وتوريد الآلات والأجهزة وتركيبها وتجربتها وإعداد المصنع للتشغيل، وقد يعهد إليه بخدمات إضافية تتمثل فى تشغيل المصنع وتدريب العاملين المحليين حتى تكتمل قدراتهم على إنتاج السلعة بالمواصفات المطلوبة، ويطلق على العقد عندئذ اسم "عقد تسليم إنتاج" Contrat produit en main[47]. وقد نصت الاتفاقية على أنها لا تطبق على هذه العقود إذا كان الجزء الأساسى فيها يتضمن التزام الطرف الذى يقوم بتوريد البضائع تقديم اليد العاملة أو غير ذلك من الخدمات[48]. فشرط عدم خضوع هذه العقود  للاتفاقية أن يثبت أن الجزء الغالب من التزامات المقاول يتمثل فى تقديم عمل أو القيام بخدمة أخرى بحيث لا يعتبر توريد البضائع سوى أحد الالتزامات التابعة لالتزامات المقاول فى العقد. ويستعان فى إثبات ذلك بتقدير قيمة البضائع التى يتم توريدها مع مقارنتها بالأجر الذى سيدفع مقابل العمل أو الخدمة، فإذا كانت القيمة الأولى هى الغالبة بأن كانت أكثر من 50% من القيمة الكاملة للعقد، فإن العقد يُعد بيعاً خاضعاً لأحكام الاتفاقية وإلا فهو عقد مقاولة يستبعد من الخضوع لها[49].

9- البيوع المستبعدة: وإذا كانت اتفاقية فيينا تضع تنظيماً موحداً لعقد بيع البضائع، فإن مؤدى ذلك أن يستبعد من نطاق تطبيقها بيع العقار، لأن العقار لا يُعد من البضائع، وكذلك بيع المنقولات المعنوية كبراءات الاختراع والعلامات التجارية لأن لفظ البضائع يشير إلى المنقولات المادية بصفة خاصة. كما يرجح استبعاد المقايضة أيضاً من نطاق تطبيقها لأن
الاتفاقية أشارت صراحة إلى التزام المشترى بأداء الثمن والمقايضة هى مبادلة شىء بشىء[50].

واستبعدت الاتفاقية صراحةً أنواعاً أخرى من البيوع، فنصت على عدم سريان أحكامها على بيوع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده، ولا يفترض فيه أن يعلم، بأن البضائع أشتريت لاستعمالها فى أى وجه من الوجوه المذكورة[51]. وكان من اللازم النص صراحةً على استبعاد مثل هذه البيوع والتى تُعد بيوعاً استهلاكية، بعد أن نصت الاتفاقية صراحةً على عدم الاعتداد بالصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد، مما مؤداه أن تخضع هذه البيوع لأحكام الاتفاقية إذا لم تستبعد صراحةً من نطاقها[52].

ويرجع استبعاد هذه البيوع إلى أنها غالباً ما يتم تنظيمها فى القوانين الوطنية بقواعد آمرة تهدف إلى حماية المستهلكين، بالإضافة إلى انعدام الصلة بينها وبين التجارة الدولية. ويقع على المشترى عبء إثبات أن الشراء كان للاستعمال الشخصى، لأن الغالب أن يكون هو من يتمسك بتطبيق القانون الوطنى عليه، ويكون على البائع فى هذه الحالة إثبات أنه كان لا يعلم وقت التعاقد الغرض من الشراء ولم يكن فى إمكانه هذا العلم[53].

واستبعدت الاتفاقية من نطاق تطبيقها بيوع المزاد والبيوع التى تعقب الحجز أو غيرها من البيوع التى تتم بموجب أمر من السلطة القضائية[54]. ويرجع ذلك إلى أن بيوع المزاد لا يعرف فيها المشترى إلا لحظة رسو المزاد، فلا يمكن التعرف على دولية البيع ومدى خضوعه للاتفاقية قبل هذه اللحظة، ويكون الأولى إخضاع البيع لقانون الدولة التى يتم رسو المزاد بها. أما البيوع التى تتم بأمر من السلطة القضائية فالغالب أن يتم تنظيمها بقواعد آمرة فى القوانين الوطنية، فيتعين تركها لمثل هذا التنظيم[55].

واستبعدت الاتفاقية أيضاً من نطاق تطبيقها بيوع الأوراق المالية كالأسهم والسندات وشهادات الاستثمار، والأوراق التجارية كالكمبيالات والسندات الإذنية والشيكات، وبيع النقود أى عمليات الصرف الأجنبى[56]. وكذلك بيع السفن والمراكب والحوامات والطائرات[57]، وبيع الكهرباء[58]. ويرجع ذلك إلى أن هذه البيوع يتم تنظيمها فى الغالب فى القوانين الوطنية بأحكام خاصة تختلف عن أحكام البيع، وقد تكون آمرة. وفيما يتعلق ببيع النقود فإنه لا يستبعد من نطاق الاتفاقية إذا بيعت النقود بوصفها سلعة كبيع النقود الأثرية. أما بيع الكهرباء فيرجع استبعاده إلى الخلاف فى القوانين الوطنية حول ما إذا كانت الكهرباء منقولاً مادياً أم معنوياً، ويقتصر الاستبعاد على الكهرباء وحدها دون غيرها من مصادر الطاقة الأخرى[59].


10- ضابط الدولية فى اتفاقية فيينا: حددت اتفاقية فيينا متى يكون عقد البيع دولياً، فنصت على أن أحكامها تطبق على عقود بيع البضائع المعقودة بين أطراف توجد مراكز أعمالهم فى دول مختلفة[60]، دون اعتداد بجنسياتهم[61]. فوضعت الاتفاقية بذلك للدولية معياراً واحداً بسيطاً هو تواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دولتين مختلفتين، دون أن ينظر فى ذلك إلى مكان إبرام العقد أو تنفيذه أو جنسية المتعاقدين أو مكان وجود البضاعة موضوع عقد البيع[62].

ولم تُعرف الاتفاقية المقصود بمركز الأعمال[63]. فقد يكون المتعاقد شخصاً معنوياً أو فرداً، ويكفى فى الحالتين أن يوجد له مكان فى دولة معينة يمارس فيه عمله[64]. ويجب أن يكون هذا المكان دائماً، سواء كان مصنعاً أو محلاً تجارياً أو مكتباً أو وكالة، أما المنشآت العارضة فلا تؤخذ فى الاعتبار عند النظر فى تعيين نطاق تطبيق الاتفاقية[65].

لكن الاتفاقية اشترطت للاعتداد بتواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دول مختلفة أن يتبين ذلك من العقد أو من أى معاملات سابقة بين الأطراف، أو من المعلومات التى أدلى بها الأطراف قبل انعقاد العقد أو فى وقت انعقاده[66]. ويعنى ذلك أن يكون كل من الطرفين عالماً وقت التعاقد أن مركز أعمال الطرف الآخر يوجد فى دولة أخرى، فيدرك بذلك أن البضاعة سوف تتخطى حدود الدولة وأن ثمنها سوف يرتد فيما بعد من الخارج[67]. وقصد بهذا الحكم مواجهة الحالة التى يتم فيها التعاقد مع وكيل محلى لمنشأة أجنبية، دون أن تظهر هذه المنشأة فى العقد أو يعلم بها الطرف الآخر[68].

وإذا كان لأحد الطرفين أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانت محل نظر بينهما فى أى وقت قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده[69]. وإذا لم يكن لأحد الطرفين مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد[70]. وهو المكان الذى يقيم فيه الشخص عادة وإذا تركه مؤقتاً فإنه يعود إليه[71].

ولم تكتف الاتفاقية بتواجد مراكز أعمال المتعاقدين فى دول مختلفة إنما أضافت إلى ذلك ضرورة توافر أحد شرطين، الأول هو أن تكون هذه الدول التى توجد بها مراكز أعمال المتعاقدين دولاً متعاقدة[72]. فتطبق الاتفاقية إذا كانت مراكز أعمال المتعاقدين موجودة فى دول مختلفة متعاقدة، أى صدقت على الاتفاقية أو انضمت إليها وأصبحت جزءاً من قانونها
الوطنى، وذلك حتى لو أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة ثالثة[73].

والشرط الثانى الذى تُطبق أحكام الاتفاقية فى حالة تحققه، هو عندما تؤدى قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة[74].

ويعنى ذلك أن الاتفاقية قد وسعت من نطاق تطبيقها بصورة كبيرة،بحيث تطبق على عقود بيع لا يوجد مركز أعمال لأحد طرفيها فى دولة متعاقدة، أو حتى لا يوجد مركز أعمال لأى من طرفيها فى دولة متعاقدة، وإنما يكون تطبيقها فى هذه الحالة نتيجة تطبيق قواعد القانون الدولى الخاص[75]. فإذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص فى هذه الحالة إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة فإن الذى يطبق هو أحكام الاتفاقية وليس القانون الداخلى لهذه الدولة[76].

وقد اعترضت بعض الدول فى المؤتمر الدبلوماسى الذى ناقش مشروع اتفاقية فيينا، على هذا الحكم الأخير بحجة أن لديها تشريعات وضعت خصيصاً لمواجهة متطلبات التجارة الدولية وطلبت عدم إلزامها بتطبيق أحكام الاتفاقية إذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانونها[77]. ونتج عن ذلك أن أضيف حكم جديد إلى الاتفاقية يجيز لأى دولة متعاقدة أن تعلن وقت إيداع وثيقة تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها أنها لن تلتزم بأحكام البند  ب  من الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية[78].

11- موضوعات البيع المستبعدة: لم تنظم اتفاقية فيينا جميع موضوعات البيع فى العقود التى تخضع لأحكامها، وإنما قصرت تطبيقها على تكوين عقد البيع والحقوق والالتزامات التى ينشئها هذا العقد لكل من
البائع والمشترى[79].

ويرجع سبب قصر الاتفاقية على هاتين الناحيتين أنهما دون غيرهما من نواحى البيع الأخرى أطوع للتوحيد لخلوهما من المعوقات التى تحول دون بلوغه، كما أنهما أوثق النواحى صلة بالتجارة الدولية، إذ تدور حولهما فى أغلب الفروض المنازعات التى تنشأ عن البيع الدولى[80].

وذكرت الاتفاقية أمثلة لبعض المسائل التى لا تشملها أحكامها فنصت على أنها لا تتعلق على وجه الخصوص بصحة العقد أو شروطه أو الأعراف المتبعة فى شأنه[81]. وكذلك لا تتعلق بالآثار التى يحدثها العقد في شأن ملكية البضائع المبيعة[82]. كما نصت على أن أحكامها لا تسرى على مسئولية البائع الناتجة عن الوفاة أو الإصابات البدنية التى تحدث لأى شخص بسبب البضائع[83].


وأجازت الاتفاقية للطرفين استبعاد تطبيقها أو مخالفة نص من نصوصها أو تعديل آثاره[84]. فأحكام الاتفاقية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز استبعادها أو الاتفاق على مخالفتها[85].

فتعد الصفة التكميلية لأحكام الاتفاقية من خصائصها المميزة، فيستطيع المتعاقدان استبعاد تطبيقها سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً، لكن يجب أن يتفقا على ذلك صراحةً. ولا يكفى الاتفاق على تطبيق القانون الوطنى لإحدى الدول، لأن هذه الدولة إذا كانت متعاقدة فسوف تكون أحكام الاتفاقية هى الواجبة التطبيق، فيجب أن يذكر المتعاقدان صراحة استبعادهما
لأحكام الاتفاقية[86].


ثالثاً: الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى:

12- يُعد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين من المبادئ الأساسية المأخوذ بها فى التجارة الدولية، فيلتزم المتعاقدان بتنفيذ جميع ما اشتمل عليه العقد وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، حتى لو أصبح هذا التنفيذ مرهقاً لأحدهما، ولا يجوز لأى منهما تنفيذ العقد على نحو مختلف، أو تقديم بديل لهذا التنفيذ، أو إنهاء العقد بإرادته المنفردة. ورغم ذلك فإن تنفيذ العقد قد يتم على نحو معيب، أو لا يتم هذا التنفيذ على الإطلاق، وفى هذه الحالة يحق للطرف المضرور اللجوء إلى الجزاءات المقررة لمواجهة هذا الإخلال، ومن أهمها فسخ العقد[87].

ويمكن تعريف الفسخ "Résolution" بأنه حل الرابطة العقدية، بناء على طلب أحد طرفى العقد، إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته. فهو جزاء لإخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته، وبمقتضاه يستطيع الطرف الآخر حل الرابطة
العقدية حتى يتحرر نهائياً من الالتزامات التى يفرضها العقد عليه[88].


وقد عرفت القوانين الوضعية الفسخ، فجعله القانون المصرى جزاءً لعدم قيام أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه[89]. ورتب عليه إعادة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد[90]. وعبر عنه القانون الإنجليزى باصطلاح "رفض البضاعة" Rejection of Goods، إذ أعطى المشترى الحق فى رفض البضاعة إذا أخل البائع إخلالاً جسيماً بتنفيذ العقد[91]. ورتب على هذا
الرفض أحقية المشترى فى الامتناع عن دفع الثمن، أو استرداد هذا الثمن إذا كان قد دفعه[92].

كذلك يُعد الجزاء الرئيسى الذى خوله القانون الأمريكى للمشترى هو حقه فى رفض البضاعة غير المطابقة To reject non-Conforming goods، إذا كانت لا تطابق العقد بأى صورة من الصور[93]، أو فى حالة العقود التى
يتم تسليمها على دفعات إذا كانت تحرمه بشكل أساسى من قيمة الدفعة غير المطابقة المسلمة إليه ولم يكن من الممكن إصلاحها[94].


كما عرف القانون الأمريكى اصطلاحى "الإنهاء Termination"  و "الإلغاء Cancellation" وقصد بهما أن ينهى أحد المتعاقدين العقد لإخلال الطرف الآخر بالتزاماته أو للأسباب التى يحددها القانون، وينتج عن ذلك تحلل كل منهما من التزاماته[95].

13- ولا تختلف عقود البيع الدولية عن سائر العقود من حيث الجزاءات التى تطبق فى حالة إخلال أحد طرفيها بالتزاماته، ومنها الفسخ. وقد يكون أساس تطبيق هذا الجزاء هو القانون الوطنى الواجب التطبيق على هذا العقد الدولى أو اتفاق المتعاقدين إذا اتفقا عليه فى عقدهما كجزاء للإخلال ببعض الالتزامات، كما قد يكون إعماله تطبيقاً للاتفاقيات الدولية التى تنظمه ضمن أحكامها الموضوعية الخاصة بعقد البيع الدولى، كما هو الحال فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964 واتفاقية فيينا لسنة 1980.


وقد أوردت قواعد المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص Unidroit[96]جزاء الفسخ ضمن أحكامها، فأجازت لأى طرف إنهاء العقد إذا كان إخلال الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وقد استخدمت النسخة الفرنسية للتعبير عن ذلك اصطلاح "الفسخ" Résolution، بينما استخدمت النسخة الإنجليزية اصطلاح "الإنهاء" Termination، وتابعت الترجمة العربية النسخة الإنجليزية فاستخدمت اصطلاح "الإنهاء"[97].

14- لكن الفسخ فى العقود الدولية يُعد جزاءً قاسياً تتأذى التجارة الدولية من حدوثه لكل إخلال بالعقد أو مخالفة لأحكامه، إذ تتحقق مصلحتها فى الإبقاء عليه وإكمال تنفيذه ولو مع إخلال يمكن أن يجبره بالتعويض[98]. ذلك أن  الفسخ يدمر العقد والذى لا يتم غالباً إلا بعد مفاوضات شاقة مكلفة، ويترتب على حدوثه إعادة البضائع بعد إرسالها وما يصحب ذلك من نفقات جديدة للنقل والتأمين ومن إجراءات إدارية وصحية لازمة لدخول البضائع وخروجها ولإرسال الثمن ثم استرداده، فضلاً عن تعرض البضائع لمخاطر التلف والهلاك مرة أخرى[99].

أضف إلى ذك أن عقد البيع الدولى يتصل به اتصالاً لازماً بعض العقود الدولية الأخرى، مثل عقد نقل البضائع وعقد التأمين والاعتماد المستندى الذى يتم دفع الثمن عن طريقه، فهو يكون وحدة من العقود الدولية ترتبط معاً ككل[100]. فإذا فُسخ عقد البيع فإن ذلك سوف ينتج أثره على كافة العقود الأخرى التى ترتبط به إذا كانت لم يتم تنفيذها، مما يولد مشاكل وصعاب
عديدة، وهو ما يضفى أهمية كبيرة على الفسخ فى العقود الدولية، قد لا تتوفر له فى العقود الوطنية.


رابعاً: موضوع الدراسة وخطة البحث:

15- نظمت اتفاقية فيينا الفسخ، فأجازته لأى من الطرفين إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته، لكنها أظهرت عدم تفضيلها اللجوء إليه فوضعت شروطاً  ثقيلة تحد من استعماله، ومهدت الطريق لإنقاذ العقد من الفسخ بعد وقوع المخالفة التى تبرره وذلك بإتاحة الفرصة لإصلاحها.

ونظراً لأهمية الفسخ فى نطاق عقود البيع الدولية، وما يترتب عليه من آثار خطيرة فى التجارة الدولية، فقد اخترنا تنظيم اتفاقية فيينا له موضوعاً لهذه الدراسة، والتى نحاول فيها التعرف على ما بذلته الاتفاقية من جهد للحد من نطاق الفسخ وتقليل الآثار غير المرغوب فيها التى يمكن أن تنتج عنه ومدى نجاحها فى ذلك.

ونقسم دراستنا إلى قسمين، نتناول فى القسم الأول حالات الفسخ، وهى الحالات التى أجازت فيها الاتفاقية للمتعاقد فسخ العقد، والشروط اللازم توافرها فيها حتى يمكن للمتعاقد استخدام هذا الجزاء.

ونتناول فى القسم الثانى أحكام الفسخ وآثاره، فنبين كيف يتم الفسخ وفقاً لاتفاقية فيينا، والطريق الذى اختارته الاتفاقية لذلك، ثم نوضح القيود التى وضعتها الاتفاقية على استعمال حق الفسخ. ونتناول بعد ذلك الآثار التى تترتب على فسخ العقد فى حالة وقوعه.

 

القسم الأول

 

حالات الفسخ


16- تمهيد: إذا كان الأصل أن ينفذ المتعاقدان التزاماتهما المترتبة على العقد بطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، فتنقضى هذه الالتزامات بالوفاء بها، إلا أنه قد يخل أحدهما بالتزاماته، بأن يتخلف عن تنفيذها أو عن تنفيذ أحدها أو ينفذه على نحو معيب. وقد يصل هذا الإخلال إلى درجة تجعل الإبقاء على العقد أمراً غير مقبول، فيكون اللجوء إلى الفسخ متعيناً.

وقد حرصت اتفاقية فيينا على الحفاظ على عقد البيع وتقييد استعمال حق الفسخ، لما يترتب عليه فى مجال التجارة الدولية من آثار اقتصادية غير مرغوب فيها[101]، تتمثل فى نفقات إضافية يتحملها أحد الطرفين، ومخاطر جديدة تتعرض فيها البضاعة للهلاك[102].

لذلك قصرت الاتفاقية الفسخ على حالات محدودة، تتمثل أساساً في ارتكاب مخالفة على درجة كبيرة من الخطورة، وهى ما أطلقت عليه المخالفة الجوهرية Contravention Essentielle، فجعلت ارتكاب هذه المخالفة شرطاً أساسياً لفسخ العقد.

لكن الاتفاقية مع ذلك أجازت الفسخ رغم أن المخالفة الجوهرية لم ترتكب بعد، وإنما ظهر بوضوح ما يؤكد أنها سوف ترتكب، وهى حالة الفسخ المبتسر للعقد، كما تعرضت الاتفاقية للحالة التى يكون فيها تأثير المخالفة قاصراً على جزء فقط من العقد، وهى حالة الفسخ الجزئى للعقد.

وعلى ذلك نتناول فى هذا القسم حالات الفسخ فى بابين: الأول يتعلق بالفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية، والثانى يتعلق بالفسخ المبتسر والجزئى.


الباب الأول

الفسخ لارتكاب مخالفة جوهرية

17- تمهيد وتقسيم: أعطت اتفاقية فيينا لطرفى عقد البيع الدولى الحق فى فسخه إذا أخل الطرف الآخر بالتزاماته المتعلقة به، لكنها قيدت هذا الحق باشتراط أن يكون الإخلال المرتكب على درجة من الخطورة تبرر اللجوء إلى الفسخ، وذلك حرصاً منها على تجنب الفسخ ومحاولة الحفاظ على العقد.

وأخذت الاتفاقية، فى تحديد مدى خطورة المخالفة، بمعيار يقوم على التفرقة بين المخالفة الجوهرية للعقد Contravention Essentielle والمخالفة غير الجوهرية، وأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة المرتكبة جوهرية بينما منعته إذا كانت المخالفة غير جوهرية.

لكن ارتكاب مخالفة غير جوهرية لا يحرم الطرف المضرور من فسخ العقد فى جميع الأحوال، إذ وضعت الاتفاقية نظاماً تتحول بموجبه المخالفة غير الجوهرية إلى مخالفة جوهرية، وهو النظام الخاص بمنح مهلة إضافية لتنفيذ الالتزام، ويطلق على المخالفة الجوهرية فى هذه الحالة المخالفة الجوهرية المكتسبة تمييزاً لها عن المخالفة الجوهرية الأصلية.

وعلى ذلك نتكلم فى فصل أول عن المخالفة الجوهرية الأصلية، وفى فصل ثان عن المخالفة الجوهرية المكتسبة.


الفصل الأول

المخالفة الجوهرية الأصلية

18- أصل فكرة المخالفة الجوهرية: تُعد فكرة المخالفة الجوهرية من الأفكار الأساسية التى استخدمتها اتفاقية فيينا في أحكامها الخاصة بالجزاءات[103]، خاصة ما تعلق منها بالفسخ. وهذه الفكرة غير معروفة في دول عديدة[104]، ومنها مصر والدول التى تأخذ بنظام القانون المدنى Civil Law. وهى تجد أصلها فى اتفاقية لاهاى لسنة 1964، والتى كانت قد استلهمتها من التفرقة فى القانون الإنجليزى بين الشرط Condition والضمان Warranty [105] . كما أن اصطلاح المخالفة الجوهرية نفسه كان قد شاع استعماله فى دول القانون المشترك Common law[106].

لكن اتفاقية فيينا مع ذلك أقامت لهذه الفكرة نظاماً جديداً ومبتكراً، يتعين التعرف عليه وحده دون تأثر بمصدره [107] . ومن ثم نعرض فى فرع أول للإخلال المبرر للفسخ فى بعض الأنظمة القانونية، وفى فرع ثان للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى، وفى فرع ثالث للمخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا.


الفرع الأول

الإخلال المبرر للفسخ
فى بعض الأنظمة القانونية

19- تقسيم: عرفت الأنظمة القانونية المختلفة الفسخ كجزاء لعدم تنفيذ الالتزامات المترتبة على العقد، لكنها اختلفت فى تحديدها للشروط التى يتعين توافرها لتطبيقه. فنعرض لموقف القانون الإنجليزى باعتبار أن اتفاقية فيينا قد استلهمت منه فكرة المخالفة الجوهرية. ثم نعرض لموقف القانون المصرى وشروط الإخلال المبرر للفسخ فيه.

المبحث الأول

القانون الإنجليزى

20- من المقرر فى القانون الإنجليزى أن شروط العقد ليست على درجة واحدة من الأهمية، وإنما تختلف من حيث أهميتها وبالتالى من حيث الأثر المترتب على الإخلال بها[108]. والتفرقة الأساسية فيه هى بين الشرط Condition والضمان Warranty، فلا يسمح قانون البيع الإنجليزى[109]، بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة لشرط، أما مخالفة الضمان فلا تخول للطرف المضرور إلا الحصول على التعويضات[110]. وهو نفس ما ذهبت إليه اتفاقية فيينا، ومن قبلها اتفاقية لاهاى، من عدم السماح بفسخ العقد إلا إذا ارتكب المتعاقد مخالفة جوهرية، أما المخالفة غير الجوهرية فإن ارتكابها لا يؤدى إلى السماح بالفسخ.

21- تعريف الشرط والضمان: يمكن تعريف الشرط condition بأنه اشتراط عقدى له أهمية حيوية لاتصاله بالغرض الأساسى من العقد، ويترتب على الإخلال به حق الطرف الآخر فى فسخ العقد. أما الضمان Warranty فيعرف بأنه اشتراط عقدى مكمل ليس له فى ذاته إلا أهمية ثانوية، ولا يترتب على الإخلال به سوى حق المتعاقد الآخر فى المطالبة بالتعويضات[111].

وتعتمد التفرقة بين الشرط والضمان أساساً على تفسير بنود العقد للوصول إلى قصد المتعاقدين من كل بند فيه فى ضوء الظروف والملابسات المحيطة به[112]، دون تقيد بوصفهما لهذا البند أو ذاك[113].

وعلى سبيل المثال، يُعد الزمن دائماً، فيما يتعلق بالتزامات البائع، من الأمور الجوهرية فى العقد، أى أنه يُعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [114] . وكذلك تُعد شروطاً وفقاً لقانون بيع البضائع الإنجليزى التزامات البائع التى تتعلق بنوعية البضاعة وصلاحيتها ومطابقتها للوصف المتفق عليه، مما يعنى أن البائع يجب أن ينفذ هذه الالتزامات بدقة وأن أى إخلال بها يجيز للمشترى عدم قبول البضاعة [115] . وفيما يتعلق بالتزامات المشترى، يعد التزامه بقبول البضاعة أو استلام المستندات وفقاً للبيع سيف c.i.f. أمراً  جوهرياً فى العقد، أى أنه يعد شرطاً. أما وقت سداد الثمن فليس جوهرياً، فلا يعد شرطاً ما لم يتفق على خلاف ذلك [116] .

22- الشروط الجوهرية والشروط المتوسطة: وبالإضافة إلى التقسيم التقليدى للالتزامات العقدية فى القانون الإنجليزى إلى شروط وضمانات، ذهبت أحكام قضائية عديدة فى إنجلترا فى الخمسينات والستينات إلى أن هناك التزامات عقدية أخرى تفوق أهميتها الشروط تسمى الشروط الجوهرية Fundamental terms، كما أن هناك التزامات أخرى تأتى فى مرتبة وسط
بين الشروط والضمانات تسمى الشروط المتوسطة أو التى لا يمكن تصنيفها
intermediate or innominate terms [117] .

23- أثر الإخلال بشرط متوسط: والإخلال بشرط من الشروط المتوسطة لا يعطى الحق فى فسخ العقد إلا إذا وصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ، وقد استخدم لوصف هذا الإخلال الجسيم اصطلاح المخالفة الجوهرية Fundamental breach. وهذه المخالفة الجوهرية يجب أن يترتب عليها حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية من كل المنفعة
التى يقصد الطرفان حصوله عليها من تنفيذ الالتزام. لذلك نجد أن القضايا التى حكم فيها بأن المخالفة المرتكبة لشرط متوسط هى مخالفة جوهرية عددها قليل للغاية [118] .

ويمكن أن تتضح فكرة الشروط المتوسطة أو غير المصنفة بالرجوع إلى قضية: Cehave N.V.v. Bremer Handelsgesellschaft m.b.H, The Hans Nord والتى تخلص وقائعها فى أن شركة Bremer Handelsgesellschaft الألمانية باعت كمية من حبوب البرتقال الأمريكى U.S. orange pellets إلى شركة Cehave الهولندية، تسليم سيف c.i.f. ميناء روتردام Rotterdam، لاستعمالها فى صناعة طعام للماشية، وتضمن العقد شرط "تسليم البضاعة بحالة مطابقة" Shipment to be made in good condition. وتم تسليم البضاعة فعلاً مطابقة للعقد لكن جزءاً صغيراً منها تعرض للتلف، فرفضت الشركة المشترية البضاعة كلها وتم بيعها بطريق المزاد العلنى فى روتردام، وفى هذا المزاد قامت الشركة المشترية بشراء البضاعة بثمن أقل من سعر الشراء الأصلى، واستعملت البضاعة فى صناعة طعام الماشية بمصانعها. وقد قضت محكمة الاستئناف عام 1975 أن الاتفاق فى العقد على أن الشحنة لابد أن تصل فى حالة مطابقة لا يعنى أن هذا البند
يعد شرطاً
Condition وفقاً لقانون بيع البضائع، ولكنه يعد من الشروط غير المصنفة Innominate term. وقال فى ذلك Lord Denning: "إذا كان عدم المطابقة يتعلق فقط بجزء صغير من البضاعة، فإن مواجهتها تكون بإنقاص الثمن. ولا يكون للمشترين الحق فى رفض البضاعة بأكملها إلا إذا كان عدم المطابقة جوهرياً" [119] . وقضت المحكمة بالبناء على ذلك بعدم أحقية المشترين فى رفض البضاعة بأكملها [120] .

24- أثر الإخلال بشرط جوهرى: أما الإخلال بالشرط الجوهرى فيجيز فسخ العقد كالإخلال بالشرط condition، لكن الأول يتميز بأنه لا يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسئولية عنه. فشرط الإعفاء من المسئولية، مهما كانت
درجة اتساعه لا يعفى الطرف المخالف من مسئوليته عن الإخلال بشرط جوهرى فى العقد [121] . فالقصد من ابتكار هذه التفرقة هو مواجهة تزايد شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة وغير المقبولة [122] .

لكن هذه التفرقة تم هجرها الآن بعد صدور تشريعات قصد منها حماية المتعاقد من شروط الإعفاء من المسئولية غير العادلة [123] . وتمكن القضاء عن طريقها من مواجهة هذه الشروط دون حاجة إلى اللجوء إلى
التفرقة الأولى [124] .

25- تغير الظروف وأثره فى تنفيذ الالتزام: وإذا كان المتعاقد يعد مسئولاً عن عدم تنفيذ التزامه، فيفسخ العقد إذا كان عدم التنفيذ لشرط فى العقد أو كان عدم التنفيذ جوهرياً لشرط من الشروط المتوسطة، أو يقضى عليه بالتعويض فقط إذا كان عدم التنفيذ لضمان. فإنه يمكن أن يعفى من تنفيذ التزامه وفقاً لنظرية Frustration، إذا تغيرت الظروف التى يتم تنفيذ العقد فيها بصورة كلية وجازمة، إلى درجة تؤثر بشدة فى اقتصاديات العقد. ففى هذه الحالة لا تصبح التزامات المتعاقد واجبة التنفيذ، وتقدر المحكمة الموقف بالبناء على ذلك [125] .

والحادث الذى يترتب عليه تطبيق نظرية Frustration هو الذى يؤدى إلى استحالة تنفيذ الالتزام. وكان القضاء الإنجليزى يرتب عليه انقضاء الالتزام بخصوص الجزء منه الذى لم يتم تنفيذه، أما ما تم تنفيذه قبل ذلك فيظل صحيحاً.

فلا يؤدى هذا الحادث إلى انقضاء الالتزام كله إلا إذا وقع قبل البدء فى تنفيذه. ولكن نظراً لما كان يؤدى إليه هذا الحكم من الإخلال بتوازن العقد، حيث يعفى المدين من التزامه ولا ينظر إلى ما قد يكون الدائن قد نفذه من التزاماته أو أنفقه فى سبيل ذلك. فصدر لمعالجة هذا العيب فى عام 1943 قانون عرف باسم Frustrated contracts act، والذى منح القاضى سلطة تقديرية لتوزيع تبعة الحادث الطارئ بين طرفى العقد، بحيث يعيد التوازن بينهما [126] .

وقد تضمن قانون بيع البضائع الإنجليزى لعام 1979 حكماً واحداً بخصوص استحالة التنفيذ بسبب هلاك البضاعة، نص فيه على أن العقد إذا كان خاصاً ببيع بضائع معينة بالذات ثم هلكت، دون أى خطأ ينسب إلى
البائع أو المشترى، وكان ذلك قبل انتقال تبعتها إلى المشترى، فإن العقد يفسخ بسبب ذلك [127] .

وهذا الحكم لا يطبق إلا فى نطاق ضيق نسبياً، إذ يقصر على عقود بيع البضائع المعينة بالذات والتى لم تنتقل تبعة هلاكها إلى المشترى [128] ، لكن ما يميزه أنه لم يكتف بتقرير أن البائع هو الذى يتحمل مسئولية هلاك البضاعة إذا لم تنتقل تبعتها إلى المشترى، وإنما أضاف أن العقد يتم فسخه فى هذه الحالة، مما يعنى إعفاء كل طرف من التزاماته، فلا يكون المشترى مسئولاً
عن دفع الثمن فى مواجهة البائع، ولا يكون البائع مسئولاً عن التسليم فى مواجهة المشترى [129] .

26- الخلاصة: نخلص من ذلك إلى أن القانون الإنجليزى يفرق فى نطاق الالتزامات العقدية بين الشرط condition والضمان warranty، ويسمح بالفسخ فى حالة الإخلال بشرط بينما لا يسمح سوى بالتعويض إذا كان
الإخلال بضمان. وقد يسمح بالفسخ أيضاً إذا كان الإخلال جوهرياً بشرط من الشروط المتوسطة أو غير المصنفة
intermediate or innominate terms. ويعفى المتعاقد من تنفيذ التزاماته، فلا يتحمل أى مسئولية قبل المتعاقد الآخر، إذا توافرت شروط تطبيق نظرية Frustration، فيعيد القضاء توزيع التبعات بين الطرفين. بل قد يؤدى تطبيق هذه النظرية إلى فسخ العقد، كما فى حالة بيع بضائع معينة بالذات وهلاكها قبل انتقال التبعة إلى المشترى.


المبحث الثانى

القانون المصرى

27- أجاز القانون المصرى، فى العقود الملزمة للجانبين، للمتعاقد أن يطالب بفسخ العقد، إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزامه [130] . ولم يحدد القانون درجة الجسامة التى ينبغى أن يصل إليها عدم التنفيذ تاركاً ذلك لسلطة القاضى التقديرية. فإخلال المدين بالتزامه الناشئ من العقد هو الشرط الأساسى للفسخ، سواء كان هذا الإخلال كلياً بأن يمتنع المدين عن الوفاء بالتزامه كله، أو جزئياً بأن يوفى بجزء من الالتزام ويمتنع عن الوفاء بجزء آخر، وكل ما يشترط فى هذا الإخلال أن يكون قد وقع فعلاً [131] .

بل قد يتحقق الإخلال قبل حلول أجل الالتزام إذا أعلن المدين بصورة جازمة أنه لن ينفذ التزامه عند حلول أجله [132] .

28- الفسخ القضائى: وإذا طلب الفسخ من القضاء، فإن القاضى ليس ملزماً بإجابة هذا الطلب، فقد يحكم بالفسخ إذا اتضح له تعمد المدين عدم تنفيذ التزامه أو إهماله فى ذلك إهمالاً واضحاً رغم إعذار الدائن له، وقد يرفض الفسخ كليةً ويستبقى العقد إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته، وقد لا يحكم بالفسخ ويعطى المدين أجلاً لتنفيذ التزامه
إذا وجد له عذراً فى تأخره عن تنفيذه [133] .

ولا يكفى للحكم بالفسخ أن يكون الفسخ وارداً على عقد ملزم للجانبين، وأن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى غير السبب الأجنبى، وإنما يشترط أيضاً أن يكون طالب التنفيذ مستعداً للقيام بالتزامه الذى نشأ عن العقد والمتفق
على المبادرة إلى تنفيذه من يوم تحريره، فإذا كان قد أخل هو بالتزامه هذا فلا يحق له أن يطلب فسخ العقد لعدم قيام الطرف الآخر بتنفيذ ما فى ذمته من الالتزام [134] .

ويتعين لإجابة طلب الفسخ أن يظل الطرف الآخر متخلفاً عن الوفاء بالتزامه حتى صدور الحكم النهائى، وله أن يتوقى صدور هذا الحكم بتنفيذ التزامه إلى ما قبل صدوره، ويستوى فى ذلك أن يكون حسن النية أو سيئ  النية إذ محل ذلك لا يكون إلا عند النظر فى دعوى التعويض عن التأخير فى تنفيذ الالتزام [135] .

لكن سلطة القاضى التقديرية فى القضاء بالفسخ لا تثبت له إذا كان عدم التنفيذ كلياً، فإذا طلب الدائن الفسخ فى هذه الحالة يتعين على القاضى أن يستجيب لطلبه ما دام المدين مصراً على عدم التنفيذ [136] .

29- معيار عدم التنفيذ الموجب للفسخ: ولم يحدد القانون المعيار الذى يستند إليه القاضى لتقدير عدم التنفيذ وما إذا كان موجباً للحكم بالفسخ أم لا، وقد ظهر فى الفقه معياران: الأول هو المعيار الشخصى والذى يقوم على الاعتداد بنية الدائن بخصوص الالتزام الذى لم يتم تنفيذه، فإذا أدى عدم التنفيذ إلى ضياع المنفعة التى يبتغيها الدائن من تنفيذه التزامه أصبح الحكم
بالفسخ واجباً [137] .

والمعيار الثانى هو المعيار الموضوعى، وهو لا يبحث فى نية العاقدين، ولكن يقوم عند البعض على الاعتداد بكمية ما تم تنفيذه، فإذا كان ما تخلف المدين عن تنفيذه من ناحية الكم يصل إلى درجة من الأهمية بحيث يترتب عليه فوات المنفعة من العقد كان للقاضى أن يحكم بالفسخ [138] . بينما يقوم عند البعض الآخر على التفرقة بين الالتزامات الجوهرية والالتزامات التبعية، والالتزامات الجوهرية هى التى يكون وجودها لازماً لوجود العقد، أو التى تعتبر وسائل أساسية لتحقيق النتيجة المبتغاة من العقد، وما عدا ذلك تعد التزامات تبعية. ويؤدى الإخلال بالالتزامات الجوهرية إلى القضاء بالفسخ، بينما لا يؤدى إلى ذلك الإخلال بالتزامات تبعية [139] .

30- موقف القانون المصرى من المعيارين الشخصى والموضوعى: أخذ القانون المصرى بالمعيار الموضوعى والمتمثل فى كمية ما تم تنفيذه عندما أجاز للقاضى رفض الفسخ إذا كان ما لم يوف به المدين قليل الأهمية بالنسبة إلى الالتزام فى جملته [140] . ولإجراء هذا التناسب ينظر إلى الالتزامات كلها التى يفرضها العقد على المدين، فإذا كان ما لم يف به المدين منها قليل الأهمية كان للقاضى أن يرفض الفسخ، كما إذا تخلف المشترى عن دفع جزء قليل من الثمن، أو سلم البائع جزءاً ضئيلاً من البضاعة غير مطابق، أو كان المتعاقد قد وفى بكل التزاماته الأساسية ولم يتخلف إلا عن الوفاء بالتزام تبعى [141] .

لكن رغم ذلك نجد أن القانون المصرى قد أورد نصوصاً أخرى يظهرمنها أخذه بالمعيار الشخصى المتمثل فى البحث عن نية المتعاقد، فالمشترى لا يجوز له أن يطلب فسخ العقد لنقص فى المبيع إذا عين فى العقد مقداره إلا
إذا أثبت أن هذا النقص من الجسامة بحيث لو أنه كان يعلمه لما أتم العقد [142] . ولا يستطيع المشترى أن يطلب فسخ البيع، إذا  نقصت قيمة المبيع قبل التسليم لتلف أصابه، إلا إذا كان النقص جسيماً بحيث لو طرأ قبل العقد
لما أتم البيع [143] . وفى حالة الاستحقاق الجزئى للمبيع لا يحق للمشترى المطالبة بالمبالغ التى حددها القانون [144] ، إلا إذا كانت خسارته من ذلك قد بلغت قدراً لو عمله لما أتم العقد [145] .

31- ووضع القانون التجارى المصرى الجديد ضابطاً للقضاء بالفسخ فى حالة عدم مطابقة البضاعة، يتمثل فى عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه. فإذا تبين بعد تسليم المبيع أن كميته أو صنفه أقل مما هو متفق عليه أو أن به عيباً أو أنه غير مطابق للشروط أو العينة التى تم العقد بمقتضاها، فلا يقضى للمشترى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضى بوجوب الفسخ [146] .

32- ونخلص إلى القول بأن القانون المصرى لم يقتصر على الأخذ بالمعيار الموضوعى وحده فى تقدير جسامة عدم التنفيذ الجزئى للالتزام، وإنما أوجب أيضاً الأخذ بالمعيار الشخصى والذى يعتد فيه بنية المتعاقدين. وفى كل الأحوال يجب على القاضى سواء أخذ بالمعيار الموضوعى أو الشخصى أن يأخذ فى الاعتبار مصلحة الدائن ومدى تأثير عدم التنفيذ على هذه المصلحة [147] .

33- استحالة تنفيذ الالتزام وأثرها: وإذا استحال على المتعاقد تنفيذ التزامه بسبب أجنبى لا يد له فيه انقضى هذا الالتزام [148] . وإذا انقضى الالتزام على هذا النحو بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة
له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه [149] .

فعقد البيع ينفسخ حتماً من تلقاء نفسه بسبب استحالة تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه بسبب أجنبى، ويترتب على الانفساخ ما يترتب على الفسخ من عودة المتعاقدين إلى الحالة التى كانا عليها قبل العقد، ويتحمل تبعة الاستحالة في هذه الحالة المدين بالالتزام الذى استحال تنفيذه عملاً بمبدأ تحمل التبعة في العقد الملزم للجانبين [150] .

والمقصود بالاستحالة التى ينقضى بها الالتزام هو الاستحالة المطلقة لطروء قوة قاهرة أو حادث طارئ لا قبل للملتزم بدفعه أو توقعه [151] .


وعلى ذلك يشترط لإنفساخ العقد فى هذه الحالة أن يقع حادث يترتب عليه أن يصير تنفيذ الالتزام مستحيلاً، أما إذا اقتصر أثره على جعل التنفيذ مرهقاً للمدين فلا ينفسخ العقد. ويشترط ثانياً أن يكون هذا الحادث بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه، ويكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين إذا وقع بقوة قاهرة أو بفعل الغير أو بخطأ الدائن. ويجب لاعتبار الحادث قوة قاهرة اجتماع صفتين فيه: أن يكون مما لا يمكن توقعه وقت التعاقد، وأن يكون من غير الممكن دفعه. فإذا توافرت هذه الشروط ترتب على استحالة التنفيذ انقضاء الالتزام [152] .

ولا تتوافر الاستحالة إذا كان محل الالتزام شيئاً معيناً بالنوع، إذا يمكن دائماً توفير بضاعة من نفس النوع الذى هلك. لكن إذا كانت هذه البضاعة غير موجودة فى الأسواق، كما لو كان قد صدر قرار بحظر استيرادها، فإن الاستحالة تتوافر. كما تتوافر الاستحالة أيضاً إذا اشترط أن تكون البضاعة المعينة بالنوع من مصدر معين وتعذر بصورة مطلقة الحصول عليها من هذا المصدر [153] .

ولا يترتب على استحالة التنفيذ انفساخ العقد إلا إذا كانت نهائية، أما إذا كانت مؤقتة فإن العقد لا ينفسخ وإنما يقف تنفيذه حتى تزول هذه الاستحالة. ويترتب على وقف العقد عدم تنفيذه خلال فترة الاستحالة، فإذا زالت عاد تنفيذه كما كان. فالوقف هنا لا يمس العقد فى وجوده، وإنما يصيب الالتزامات الناشئة عنه فيوقف تنفيذها [154] .

34- الدفع بعدم التنفيذ: وقد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه، ولا تترتب مسئوليته عن هذا الامتناع، إذا كان بسبب عدم قيام المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [155] . فيكون للمتعاقد فى العقود الملزمة للجانبين، إذا كانت الالتزامات المتقابلة مستحقة الوفاء، الحق فى الامتناع عن تنفيذ التزامه إذا لم يقم المتعاقد الآخر بتنفيذ ما التزم به [156] .

ويشترط لاستعمال الدفع بعدم التنفيذ فى هذه الحالة أن يكون الالتزام الذى يدفع بعدم تنفيذه مستحق الوفاء، أى واجب التنفيذ حالاً، فإذا كان العقد يوجب على أحد العاقدين أن يبدأ بتنفيذ التزامه قبل المتعاقد الآخر فلا يحق للمتعاقد المكلف بالتنفيذ أولاً أن ينتفع بهذا الدفع [157] .

ولا يمنع حلول الالتزام أن يكون القاضى قد منح المدين نظرة ميسرة délai de grâce، فللبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفى الثمن من المشترى حتى ولو منح القاضى المشترى أجلاً لدفع الثمن، ولا يمتنع الحبس إلا إذا كان الأجل ثابتاً باتفاق الطرفين [158] .

ويتعين للتمسك بالدفع بعدم التنفيذ فى العقود الملزمة للجانبين ألا يكون المتمسك به قد أخل بالتزامه عمداً أو قصر فى الوفاء به وجحد تعهده وأعرب فى جلاء ووضوح عن نيته فى عدم الوفاء به عيناً [159] .

ويترتب على التمسك بالدفع بعدم التنفيذ وقف تنفيذ التزام الطرف المتمسك به، لكن العقد يظل باقياً، فيمتنع المشترى عن دفع الثمن حتى ينفذ البائع التزامه بالتسليم. ويظل العقد موقوفاً حتى ينفذ المتعاقد الآخر التزامه المقابل، لكنه إذا رفض واستمر فى عدم تنفيذه لالتزامه كان من حق المتعاقد المتمسك بالدفع المطالبة بفسخ العقد [160] .

35- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن القانون المصرى لا يعرف فكرة مماثلة لفكرة المخالفة الجوهرية التى أخذت بها اتفاقية فيينا. وقد أجاز الفسخ فى حالة عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، وترك للقاضى السلطة التقديرية للحكم بالفسخ أو رفضه. ولم يحدد المعيار الذى يتبعه القاضى فى ذلك، لكنه أورد نصوصاً أخذ فى بعضها بالمعيار الموضوعى وفى بعض آخر بالمعيار الشخصى، مما يدل على ضرورة استعانة القاضى بالمعيارين معاً. وقد يكون عدم التنفيذ مؤدياً إلى انفساخ العقد بقوة القانون إذا كان بسبب أجنبى لا يد للمدين فيه. كما قد يمتنع المدين عن تنفيذ التزامه إذا كان المتعاقد الآخر لم ينفذ الالتزام المقابل له، وإما أن يؤدى ذلك إلى تنفيذ الالتزام أو فسخ العقد.


الفرع الثانى

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيـة لاهـاى

36- ابتكرت اتفاقية لاهاى لسنة 1964 فكرة المخالفة الجوهرية، ووضعت لها نظاماً قانونياً ربطت فيه بين ارتكابها وفسخ العقد. فأجازت الفسخ إذا كانت المخالفة جوهرية، بينما منعته واكتفت بتعويض الطرف المضرور إذا كانت المخالفة غير جوهرية [161] .

وقد اتجه الرأى فى البداية إلى ربط الفسخ بالإخلال بالتزام جوهرى فى العقد، وهذا الالتزام هو الذى بدونه ما كان المتعاقد ليبرم العقد. لكن تم العدول عن هذا الرأى بعد أن ساد اتجاه بأن الأوفق هو النظر إلى جسامة الإخلال وليس إلى أهمية الالتزام الذى حدث الإخلال به، فقد يكون الالتزام جوهرياً  لكن لا يترتب على الإخلال به سوى ضرر يسير لا يبرر الفسخ [162] .

وأخذاً بهذا الاتجاه عرفت اتفاقية لاهاى المخالفة الجوهرية بنصها على أن "تكون مخالفة العقد جوهرية فى حكم هذا القانون إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها" [163] .

فاعتمد تعريف المخالفة الجوهرية بذلك على عناصر ثلاثة: الأول هو أن يصدر إخلال بالعقد من أحد المتعاقدين، والثانى هو أن يترتب على هذا  الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، والثالث هو العلم بهذه المخالفة وآثارها وقت إبرام العقد.

عناصر المخالفة الجوهرية:

37-  1  الإخلال بالعقد: فيجب أولاً أن يصدر عن أحد المتعاقدين إخلال بالعقد، ويتمثل هذا الإخلال فى عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه أو تنفيذه على نحو معيب يخالف ما اتفق عليه فى العقد. فلا يلزم إذن أن يصدر عن الطرف المخالف خطأ لترتيب مسئوليته عما حدث من إخلال، وإنما يكفى إثبات وجود هذا الإخلال المتمثل فى عدم تنفيذ العقد، فلا تأخذ اتفاقية لاهاى على هذا  النحو بفكرة إثبات الخطأ التى تأخذ بها بعض التشريعات الوطنية ومنها القانون الألمانى، حيث يُعد الخطأ فيه كقاعدة عامة شرطاً جوهرياً لانعقاد مسئولية البائع ما لم ينص على خلاف ذلك [164] .

لكن اتفاقية لاهاى أخذت مع ذلك بفكرة الخطأ فيما يتعلق بمسئولية البائع عن العيب بعد انتقال تبعة الهلاك، فيكون البائع مسئولاً عن آثار عدم المطابقة الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك إذا أمكن نسبة هذا العيب إلى فعل البائع أو إلى فعل الأشخاص الذين يسأل عنهم [165] . والقصد من ذلك عدم تحميل البائع المسئولية عن عيوب تظهر بعد تسليم المبيع دون أن يثبت أنها عيوب قديمة منسوبة إليه أو إلى فعل مستخدميه، إذ قد تكون عيوباً حديثة نشأت بفعل المشترى نفسه أو بفعل مستخدميه [166] . فعادت بذلك اتفاقية لاهاى إلى فكرة الخطأ والتى تقوم على ضابط شخصى يتمثل فى إثبات صدور خطأ ينسب إلى البائع أو أحد تابعيه [167] .

38-  2  الضرر: ويجب ثانياً أن يترتب على هذا الإخلال ضرر يلحق بالمتعاقد الآخر، ويتمثل هذا الضرر فى أن يفقد الطرف المضرور كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة التى ارتكبت، بحيث أنه ما كان ليرضى بإبرام العقد لو علم بهذه المخالفة وآثارها لأنه كان يعلق على تنفيذ العقد أهمية خاصة [168] .

3 -  3  العلم بالمخالفة: ويجب ثالثاً أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها. فلم تكتف الاتفاقية هنا بالعلم الحقيقى للطرف المخالف وإنما أضافت إليه العلم المفترض والذى يستخلص من ظروف التعاقد [169] .

واستعانت الاتفاقية بالإضافة إلى هذا الضابط الشخصى المتمثل فى علم الطرف المخالف، بضابط موضوعى يتمثل فى علم الشخص العاقل Personne raisonnable الذى يكون من صفة المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ وفى نفس مركزه. فإذا كان الطرف المخالف يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم أن مثل هذا الشخص ما كان ليرضى بالتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها جاز الفسخ، وإلا
كان الفسخ غير جائز [170] .

وإذا كان التعويل على معيار الشخص العاقل فى هذا التعريف قد أكسبه قدراً من الموضوعية، إلا أنه أخذ عليه اشتراط البحث عن علم الشخص العاقل وقت إبرام العقد، دون نظر إلى المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة وتؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، مما يجعل إعمال القاضى لهذا المعيار أمراً صعباً [171] . كما أنه لا يتصور أن يقدم تاجر على إبرام عقد بيع مع آخر، سواء كان بائعاً أو مشترياً، وهو يعلم أن إخلالاً بتنفيذ العقد سوف يحدث، إذ لو توقع هذا الإخلال لما أقدم على التعاقد أصلاً [172] .

40- مثال للمخالفة الجوهرية: وتطبيقاً لتعريف المخالفة الجوهرية سالف البيان، فإنه إذا تعاقد شخص يعمل فى تجارة السلع الغذائية على شراء وحدات إضاءة كهربائية لاستعمالها فى إنارة معرض يقوم بتنظيمه خلال فترة معينة، وذكر ذلك فى العقد، ثم تأخر البائع فى توريد هذه الوحدات إلى ما بعد انتهاء فترة المعرض، فإن المخالفة التى ارتكبها البائع فى هذه الحالة تُعد مخالفة جوهرية، لأنه يعلم يقيناً أن المشترى لو كان يعلم بهذا التأخير عند التعاقد لما أبرم العقد، ولا يمكن أن يقدم على ذلك أى شخص عاقل من صفة المشترى إذا وجد فى نفس ظروفه، لأنه لن يستفيد من الوحدات المبيعة بعد انقضاء فترة المعرض، كما أنه لن يستطيع تصريفها لأن ليس بائعاً لمثل هذا الصنف [173] .

41- أثر الإخلال الجوهرى بالالتزام بمكان التسليم والمطابقة: وإذا كانت اتفاقية لاهاى قد وضعت بذلك قاعدة عامة للفسخ مفادها أن الإخلال الجوهرى بأى التزام من الالتزامات يجيز للطرف المضرور اعتبار العقد مفسوخاً، إلا أنها خرجت على هذا الأصل فى حالتين هما: الإخلال بالالتزام بتسليم المبيع فى المكان المتفق عليه، والإخلال بالالتزام بالمطابقة. فالإخلال الجوهرى بمكان التسليم لم ترتب عليه الاتفاقية الحق فى فسخ العقد إلا إذا صاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [174] . وكذلك الإخلال بالالتزام بالمطابقة لا يكفى وحده لإعمال حق الفسخ إذا كان جوهرياً وإنما يجب أن يصاحبه إخلال جوهرى بميعاد التسليم [175] .

ويرجع ذلك إلى أن الإخلال بمكان التسليم يمكن دائماً تداركه بإعادة المبيع إلى المكان المتفق عليه فى العقد، أما إذا صاحب ذلك إخلال بميعاد التسليم فإن هذه الإعادة تتعذر لفوات الميعاد المتفق عليه ولما قد يترتب عليها من تأخير غير معقول ولا مقبول [176] . كما أن الإخلال بالالتزام بالمطابقة حتى لو كان جوهرياً فإنه يمكن إصلاحه، أما إذا صاحبه إخلال بميعاد التسليم فإن هذا الإصلاح لن يكون مجدياً [177] .

42- إعفاء الطرف المخالف من المسئولية: يعفى المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إذا أثبت أن عدم التنفيذ راجع إلى ظروف لم يكن من واجبه - وفقاً لمقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد - توقعها أو توقيها أو تخطيها، وإذا تعذر استظهار مقاصد المتعاقدين وقت إبرام العقد كانت العبرة بما يقصده عادة أشخاص عقلاء Personnes raisonnables من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف [178] .

وهذا الإعفاء هو تطبيق لمبدأ القوة القاهرة La force majeurs المعروف فى التشريعات المختلفة، لكن اتفاقية لاهاى لم تستخدم أحداً من الاصطلاحات المعروفة فى هذه التشريعات لعدم التأثر بمفهومها فيها، وتناولت هذا الموضوع تحت مسمى "الإعفاء"l'exonération.

ويشترط فى الحادث الذى يؤدى إلى الإعفاء من المسئولية أن يكون غير متوقع وقت إبرام العقد، أى لا يتصور المتعاقدان حدوثه وأنه سوف يؤثر على علاقتهم العقدية. وأن يتعذر على المتعاقدين تجنبه، فإذا أمكن لأيهما منع وقوع الحادث أو تفادى آثاره على العلاقة التعاقدية فلا يكون مؤدياً إلى الإعفاء من المسئولية. كما يشترط أخيراً أن يتعذر التغلب على الحادث أو تخطيه، أى أن يبذل المتعاقد جهده لمواجهة الحادث وتنفيذ التزاماته [179] .

ويجب لتقدير توافر حالة الإعفاء الرجوع إلى ما قصده المتعاقدان وقت إبرام العقد، فإذا تعذر معرفة قصد المتعاقدين فى ذلك الوقت يرجع إلى ما قد يقصده أشخاص عقلاء من صفة المتعاقدين إذا وجدوا فى نفس الظروف، والأشخاص العقلاء هم التجار متوسطو الحرص الذين يمارسون نفس التجارة بأمانة وشرف [180] .

والأصل أن الظروف التى يترتب عليها الإعفاء من المسئولية إذا كانت مؤقتة، فإن المتعاقد لا يعفى من المسئولية نهائياً وإنما يوقف التنفيذ حتى تنتهى هذه الظروف فيعود واجباً كما كان. لكن هذه الظروف المؤقتة مع ذلك قد تؤدى إلى إعفاء المتعاقد كليةً من التنفيذ إذا كان تأجيل تنفيذ الالتزام يحدث تغييراً جوهرياً فيه بحيث يصير مختلفاً تماماً عن التنفيذ المنصوص
عليه فى العقد [181] .

ولا يترتب على توافر هذه الظروف سوى إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، لكنها لا تمنع فسخ العقد أو استعمال أى من الحقوق الأخرى التى قررتها الاتفاقية فى حالة التخلف عن التنفيذ، إلا إذا كانت الظروف التى حالت دون التنفيذ قد نتجت عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذين يسأل عنهم [182] .

43- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية لاهاى اشترطت ارتكاب مخالفة جوهرية للسماح بفسخ العقد، واعتبرت أن المخالفة تكون جوهرية إذا كان المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ يعلم أو كان ينبغى له أن يعلم وقت إبرام العقد أن شخصاً عاقلاً من صفة المتعاقد الآخر وفى مركزه ما كان ليرضى بإبرام العقد إذا علم بالمخالفة وآثارها. وقد انتقد هذا التعريف لغلبة الطابع الشخصى عليه ولاشتراط البحث عن العلم بالمخالفة وآثارها وقت التعاقد. ورتبت اتفاقية لاهاى على ارتكاب المخالفة الجوهرية فسخ العقد فى جميع الأحوال، حتى ولو كان عدم تنفيذ الالتزام بسبب استحالة تنفيذه، إذ كل ما يترتب على استحالة التنفيذ هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض، إلا إذا كانت هذه الاستحالة ناتجة عن فعل هذا المتعاقد أو الأشخاص الذى يسأل عنهم.


الفرع الثالث

المخالفــــــة الجوهريــــة
فـى اتفاقيــة فيينــا

44- تمهيد وتقسيم: تعرض تعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى لانتقادات شديدة، إذ اعتبر المعيار الذى اعتمدت عليه شديد الشخصية [183] . لذلك كان هذا التعريف من أكثر الموضوعات التى أثارت مناقشات طويلة على مدى عشر سنوات من الأعمال التحضيرية [184] . ووصل الأمر أخيراً إلى التعريف الذى تبنته اتفاقية فيينا والذى جاء كحل وسط للتوفيق بين الاقتراحات العديدة التى قدمت فى هذا الشأن [185] .

ووفقاً للتعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا تكون مخالفة العقد من جانب أحد الطرفين جوهرية "إذا نتج عنها ضرر للطرف الآخر يحرمه بشكل أساسى substantiellement مما كان من حقه أن يتوقع الحصول عليه من إبرام العقد، إلا إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة وما كان ليتوقعها أى شخص سوى الإدراك Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف de même qualité إذا وجد فى نفس الظروف [186] .

ونتكلم فى مبحث أول عن عناصر المخالفة الجوهرية فى اتفاقية فيينا، وفى مبحث ثان عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية، وفى مبحث ثالث نتكلم عن تقدير فكرة المخالفة الجوهرية.

المبحث الأول

عناصر المخالفة الجوهرية
فى اتفاقية فيينا

45- يستخلص من التعريف الذى أخذت به اتفاقية فيينا للمخالفة الجوهرية أنه يشترط للقول بارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة جوهرية للعقد توافر ثلاثة عناصر: الأول أن يرتكب هذا المتعاقد مخالفة للعقد، والثانى أن ينتج عن هذه المخالفة ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر، والثالث أن يكون هذا الضرر متوقعاً. ونتكلم عن هذه العناصر تباعاً.


المطلب الأول

الإخلال بالعقد

46- الأصل أن ينفذ كل متعاقد ما يقع على عاتقه من التزامات بموجب عقد البيع، لكن قد يخل أحدهما بالتزام من هذه الالتزامات، وفى هذه الحالة تنعقد مسئوليته عن هذا الإخلال. والإخلال بالالتزام إما أن يكون بعدم تنفيذ هذا الالتزام أصلاً كعدم قيام البائع بتسليم البضاعة المبيعة وعدم قيام المشترى بدفع الثمن المتفق عليه، وإما أن يكون بتنفيذ جزء من هذا الالتزام فقط كتسليم جزء من البضاعة المبيعة ودفع جزء من الثمن، أو أن يكون التنفيذ معيباً كتسليم بضاعة غير مطابقة لما اتفق عليه في العقد وسداد المشترى الثمن بغير النقد المتفق عليه فى العقد  [187] . كما يتحقق الإخلال فى حالة التنفيذ المتأخر، إذ أنه قد يؤدى إلى ضياع كل منفعة يقصدها المتعاقد من العقد [188] .

47- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى الأنظمة القانونية المختلفة: تختلف الأنظمة القانونية فيما يتعلق بالأساس الذى تبنى عليه مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالعقد، فبعضها يرتب مسئولية المتعاقد عن الإخلال بمجرد عدم قيامه بتنفيذ الالتزام دون أن تضع فى اعتبارها فكرة الخطأ Faute. ووفقاً لهذا الاتجاه يكون إثبات عدم التنفيذ كافياً لانعقاد مسئولية الطرف المخالف، والذى لا يجديه فى هذه الحالة أن يثبت عدم ارتكابه أى خطأ، ومن هذه القوانين القانون الإنجليزى.

أما فى أنظمة قانونية أخرى فإن المسئولية تقوم فيها على فكرة الخطأ، فلا يعد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سوى قرينة على هذا الخطأ، لكنها قرينة تقبل إثبات العكس، فيجوز للطرف المخالف إثبات أنه لم يرتكب أى خطأ، ويكفيه أن يستطيع نفى الخطأ عن نفسه حتى لا تنعقد مسئوليته. ومن هذه القوانين القانون الألمانى [189] .

48- أساس مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد فى اتفاقية فيينا: وقد أخذت اتفاقية فيينا بالاتجاه الأول، فلم تشترط صدور خطأ من الطرف المخالف، وإنما اكتفت بحدوث مخالفة للعقد، أى عدم تنفيذ المتعاقد لأحد التزاماته دون نظر إلى سبب هذه المخالفة [190] . فيكفى إذن إثبات عدم تنفيذ المتعاقد لالتزام من الالتزامات التى تقع على عاتقه بموجب عقد البيع على
النحو سالف البيان دون حاجة إلى إثبات صدور خطأ أو إهمال منه أدى إلى هذه المخالفة [191] .

وقد تبنت قواعد الـ Unidroit هذا المفهوم، واعتبرت أن عدم التنفيذ يعنى إخلال أحد المتعاقدين بتنفيذ أى التزام من التزاماته الواردة فى العقد، ويشمل ذلك التنفيذ المعيب أو التنفيذ المتأخر، ولم يفرق حكمها بين عدم التنفيذ بعذر أو بغير عذر [192] . وأجازت فسخ العقد ولو كان المدين معذوراً فى عدم تنفيذه لالتزامه [193] .

49- ويتفق هذا الاتجاه الذى أخذت به اتفاقية فيينا مع اتجاه القانون الإنجليزى والذى تقوم المسئولية فيه على أساس عدم تنفيذ الالتزام [194] .

فالإخلال بأحد التزامات العقد والذى يوصف بأنه شرط condition يرتب مسئولية المتعاقد المتخلف عن التنفيذ ويجيز للمتعاقد الآخر فسخ العقد، ولا يعفيه من هذه المسئولية سوى إثبات استحالة تنفيذ الالتزام وفقاً لنظرية Frustration [195] .

ويقترب هذا الحل من الحكم فى القانون المصرى، فالخطأ الذى يرتب المسئولية العقدية فى القانون المدنى المصرى هو عدم تنفيذ المدين لالتزامه الناشئ من العقد، يستوى فى ذلك أن يكون عدم التنفيذ راجعاً إلى تعمد المدين ذلك أو إهماله أو حتى دون عمد أو إهمال [196] . وقد أيدت محكمة النقض المصرية هذا الاتجاه واستقرت أحكامها على أن "عدم تنفيذ المدين لالتزامه التعاقدى يعتبر خطأ فى حد ذاته يرتب المسئولية" [197] .

50- وكانت اتفاقية لاهاى قد أخذت بذات الاتجاه فلم تستلزم صدور خطأ من المتعاقد لانعقاد مسئوليته عن الإخلال بالعقد، واعتبرت الإخلال متوافراً بمجرد عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه، ولم تشترط الخطأ إلا لانعقاد مسئولية البائع عن العيب الذى يحدث بعد انتقال تبعة الهلاك [198] . فأخذت فى هذا المقام بضابط شخصى يتمثل فى الخطأ الذى يمكن نسبته إلى البائع أو أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم كعماله وموظفيه، فلا يكون البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر أثره بعد انتقال تبعة الهلاك إلا إذا أثبت المشترى أنه منسوب إلى خطأ وقع من البائع أو من أحد الأشخاص الذين يسأل عنهم [199] .  وقد تفادت اتفاقية فيينا ما وجه إلى هذا الحكم من انتقاد بقصرها مسئولية البائع عن العيب فى المطابقة، الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى، على الحالة التى يمكن فيها نسبة هذا العيب إلى عدم تنفيذ أى من التزاماته [200] . ولا يعد نصها على مسئولية البائع عن الإخلال "بأى ضمان يقضى ببقاء البضائع خلال مدة معينة صالحة للاستعمال العادى أو للاستعمال الخاص أو محتفظة بصفاتها أو بخصائصها" رجوعاً منها إلى ضابط الخطأ [201] ، إذ أن النص لم يتطلب لانعقاد مسئولية البائع فى هذه الحالة سوى عدم تنفيذه لالتزامه بالضمان دون اشتراط الخطأ.

فيعد البائع مسئولاً عن العيب الذى يظهر بعد انتقال تبعة الهلاك إلى المشترى مادام قد ثبت أنه لم ينفذ التزامه بالضمان خلال الفترة المتفق عليها، كأن لم يرسل مهندسيه للكشف على الأجهزة المبيعة أو لإجراء الصيانة اللازمة لها، ولا يجديه فى هذه الحالة نفى الخطأ عن نفسه، وإنما يتعين لكى ينفى مسئوليته عن العيب أن يثبت أنه يرجع إلى قوة قاهرة أو إلى خطأ المشترى نفسه والذى قد يتمثل فى استعمال الأجهزة المبيعة بطريقة خاطئة أو إهمال صيانتها.

لكن اتفاقية فيينا عادت إلى ضابط الخطأ عندما قررت أن الهلاك أو التلف الذى يحدث للبضائع بعد انتقال التبعة إلى المشترى لا يجعله فى حل من التزامه بدفع الثمن ما لم يكن الهلاك أو التلف ناتجاً عن فعل البائع أو تقصيره [202] . فيتحمل المشترى الهلاك أو التلف الذى يحدث بعد انتقال التبعة إليه، فيلتزم بأداء الثمن إذا كان لم يسدده ولا يحق له استرداده
إذا كان قد أداه. ولا يستطيع أن يدفع هذه النتيجة إلا إذا أثبت خطأ غير عقدى من جانب البائع يجعله مسئولاً عن تعويضه وفقاً لأحكام المسئولية غير العقدية فى القانون الواجب التطبيق [203] .

51- مصدر التزامات المتعاقدين: يتحقق الإخلال بالعقد بعدم تنفيذ أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق المتعاقدين. وقد تجد هذه الالتزامات مصدرها فى العقد نفسه، كما قد تجد مصدرها فى الأعراف والعادات، وكذلك فى أحكام الاتفاقية [204] .

فقد يكون مصدر الالتزام هو العقد الذى أبرمه المتعاقدان، وهذا هو الأصل. إذ يلتزم المتعاقدان بتنفيذ ما اتفقا عليه فى العقد، ويعد عدم تنفيذ أى منهما لالتزامه فى هذه الحالة إخلالاً منه بالعقد.

 كما يلتزم الطرفان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [205] . فإذا اتفق المتعاقدان على تطبيق المصطلحات التجارية الدولية Incoterms والمتعلقة بالبيع سيف c.i.f أو فوب f.o.b، فإن تطبيق قواعد البيع المتعلقة بذلك تصبح التزاماً على عاتق الطرفين [206] . وإذا اعتاد الطرفان فى تعاملهما على تعبئة البضاعة بطريقة معينة، كوضعها فى أوعية خاصة على سبيل المثال، واستقرت هذه العادة بينهما، فإنها تصبح التزاماً  على عاتق البائع فلا يجوز له تسليم البضاعة إلا بعد تعبئتها على هذا النحو [207] . فيلتزم المتعاقدان بالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، إلا إذا قام الدليل على أنهما أرادا عدم تطبيق هذه العادات على العقد الذى أبرماه بينهما [208] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين الأعراف السائدة فى مجال التجارة الدولية، إذ يفترض أن الطرفين قد طبقا ضمناً على عقدهما كل عرف كانا يعلمان به أو كان ينبغى أن يعلما به متى كان معروفاً على نطاق واسع ومراعى بانتظام فى التجارة الدولية بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة، ما لم يتفقا على خلاف ذلك [209] .

فيشترط لتطبيق العرف على المتعاقدين وإلزامهما بمضمونه أن يعلما بوجوده، سواء كان هذا العلم حقيقياً أو مفترضاً إذا كان من غير المتصور أن يجهله تاجر سوى الإدراك يعمل فى ذات نوع التجارة. وأن يكون هذا العرف معروفاً على نطاق واسع فى محيط التجارة الدولية، وأن يطبق بانتظام على العقود المماثلة التى تبرم فى نفس نوع التجارة [210] .

وقد يكون مصدر التزام المتعاقدين هو أحكام الاتفاقية، إذا أحال المتعاقدين صراحة إليها فى تحديد التزاماتهما كلها أو بعضها، أو إذا كان هذا الالتزام لم ينظمه المتعاقدان فى عقدهما وكانت الاتفاقية هى الواجبة التطبيق على هذا العقد، ولم يكن هناك عرف مطبق بينهما بالمخالفة لها.

52- فإذا تحددت التزامات الطرفين على النحو سالف البيان، فإن الإخلال بأى من هذه الالتزامات يرتب مسئولية المتعاقد الذى ارتكب هذا الإخلال بصرف النظر عما إذا كان الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى [211] . إذ أن الاتفاقية لم تضع في اعتبارها سوى حجم الضرر الذى ترتب على المخالفة وليس نوع الالتزام الذى تمت مخالفته.

 ويستوى أن يصدر الإخلال من البائع أو المشترى، إذ أن تعريف المخالفة الجوهرية لم يفرق بينهما، كما أن اتفاقية فيينا قد حرصت على المساواة بينهما فى جميع أحكامها.

 53- الإعفاء من المسئولية عن عدم تنفيذ الالتزام: إذا كانت اتفاقية فيينا قد أقامت مسئولية الطرف المخالف فى عقد البيع على مجرد عدم تنفيذه لالتزامه على النحو سالف البيان، فإنها مع ذلك أعفته من المسئولية رغم عدم تنفيذه لالتزامه فى حالتين: الأولى هى حالة عدم التنفيذ بسبب استحالته لقوة قاهرة، والثانية هى حالة عدم التنفيذ بسبب فعل صدر من المتعاقد الآخر، لكنها لم تجعل الأثر المترتب على عدم التنفيذ فى الحالتين واحداً، ونتكلم عن هاتين الحالتين تباعاً.

أولاً: عدم التنفيذ بسبب قوة قاهرة:

54- قد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى قوة قاهرة Force majeure أو ما أطلقت عليه اتفاقية فيينا "عائق" Un empêchement، وهو ما يعوق تنفيذه لالتزامه ويكون خارجاً عن إرادته ولم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذه في اعتباره أو يمكن تجنبه أو التغلب عليه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليها وقت انعقاد العقد [212] .  وقد حرصت الاتفاقية على البعد عن استخدام أى من المصطلحات المستخدمة فى التشريعات الوطنية لوصف القوة القاهرة، واختارت مصطلحاً جديداً هو العائق empêchement [213] . ويرجع ذلك إلى رغبتها فى عدم التأثر بمفهوم هذه المصطلحات فى الدول التى تأخذ بها عن تفسير محاكمها للحكم الذى أخذت به الاتفاقية، وحرصاً على الطابع الدولى للاتفاقية ومحاولة منه اللاقتراب من تفسير موحد تجتمع عليه كافة الدول الأعضاء فى الاتفاقية [214] .

شروط العائق:

وفقاً للتعريف الذى أخذت به الاتفاقية، يتعين أن يتوافر فى الحادث الذى يعد عائقاً ثلاثة شروط: الأول أن يكون خارجاً عن إرادة المدين، والثانى أن يكون غير متوقع، والثالث ألا يمكن تجنبه أو التغلب عليه هو أو آثاره [215] .

55-  1  الحادث خارج عن إرادة المدين: فيجب أولاً أن يكون الحادث أجنبياً عن فعل المدين، وهو ما عبرت عنه الاتفاقية باشتراطها كونه خارجاً عن إرادته indépendant de sa volonté.

ويعنى ذلك ألا يمكن نسبته إلى فعل صادر من المدين، كأن يتعذر على البائع تسليم البضاعة لعدم حصوله على التراخيص اللازمة لتصديرها، أو يتعذر على المشترى سداد الثمن لعدم استخراجه الأذن اللازم للحصول على النقد الأجنبى [216] .

ويقترب هذا الشرط من السبب الأجنبى المنصوص عليه فى القانون المصرى والذى يؤدى تحققه إلى انقضاء الالتزام إذا استحال الوفاء به بسببه [217] .

ولا يتوافر هذا الشرط إذا كان الحادث راجعاً إلى فعل تابعى المدين، كعماله وموظفيه، والذى صدر عنهم أثناء تنفيذهم العقد، كترتيب الأجهزة المبيعة بصورة خاطئة أو عدم فحص البضاعة قبل تسليمها. أما إذا كان فعل هؤلاء التابعين لا علاقة له بالعقد، كإضرابهم عن العمل أو حدوث حريق بسبب إهمال أحدهم، فإن الحادث فى هذه الحالة يكون خارجاً عن إرادة المدين [218] .

ولا يعد إفلاس المتعاقد الذى يمنعه عن التنفيذ حادثاً خارجاً عن إرادته، ولكنه قد يعد كذلك إذا كان سببه غير راجع إليه، كصدور قرارات من الدولة بمصادرة أراض يقيم عليها مصانعه [219] .

56-  2  الحادث غير متوقع: ويجب ثانياً أن يكون الحادث غير متوقع imprévisible، وعبرت عن ذلك الاتفاقية بألا يكون من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ المتعاقد العائق فى الاعتبار وقت انعقاد العقد، سواء من ناحية حدوثه أو وقت هذا الحدوث [220] . ويرجع ذلك إلى أن الحادث لو كان متوقعاً فإن المدين سوف يقبل تحمل تبعته وما يترتب على عدم تنفيذه الالتزام
من آثار [221] .

واشتراط المعقولية raisonnablement فى التوقع يؤدى بنا إلى القول بأن المعيار الذى يعول عليه فى تقدير التوقع هو معيار موضوعى يتمثل فى توقع الشخص المعتاد سوى الإدراك الذى يكون من صفة المدين إذا وجد
فى نفس ظروفه [222] .

وتختلف اتفاقية فيينا فى هذا الشرط عن اتفاقية لاهاى والتى كانت تتطلب الرجوع إلى مقاصد المتعاقدين وقت التعاقد لتقدير التوقع، ولا يتم الرجوع إلى معيار الشخص العاقل إلا إذا تعذر الوصول إلى مقاصد المتعاقدين [223] .

والوقت الذى يتم تقدير التوقع فيه هو وقت انعقاد العقد. ويترتب على ذلك أن وقوع الحادث لابد أن يكون تالياً على هذا التاريخ، أما إذا كان سابقاً له فإنه لا يعد عائقاً يمنع التنفيذ ما دام المتعاقدان قد قبلا التعاقد مع علمهما بوجوده [224] .

57-  3  الحادث غير ممكن دفعه: ويجب ثالثاً أن يكون الحادث غير ممكن دفعه irrésistible، بأن يكون المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ غير قادر على تجنبه أو التغلب عليه، أو تجنب آثاره أو التغلب عليها. فيجب أن يحاول المدين منع وقوع الحادث بقدر إمكانه، فإذا وقع رغم ذلك تعين عليه بذل الجهد اللازم للتغلب عليه، فإن لم يستطع كان عليه محاولة تجنب آثار الحادث بمنع وصولها إليه أو التقليل منها، فإذا بذل كل ذلك الجهد ولكن الحادث منعه رغم ذلك من تنفيذ التزامه، فإن الشرط يكون متحققاً [225] .

وتقدير هذا الشرط يكون أيضاً بالرجوع إلى معيار الشخص المعتاد، فينظر إلى تصرف الشخص المعتاد - الذى يكون من صفة المدين ويمارس ذات تجارته - فى مواجهة مثل هذا الحادث، مع الوضع فى الاعتبار كافة الظروف الملابسة له، أى أن يكون تقدير تصرف الشخص المعتاد إذا وجد فى نفس ظروف المدين [226] .

58- عبء إثبات توافر شروط العائق: ويقع عبء إثبات توافر هذه الشروط على الطرف الذى تخلف عن التنفيذ [227] . ولا يكفى أن يثبت أن هذا الحادث خارج عن إرادته وأنه غير متوقع ولا يمكن دفعه، وإنما يجب أن يثبت أيضاً أن هذا الحادث هو السبب المباشر لعدم التنفيذ، فإذا ثبت أن عدم التنفيذ يرجع إلى هذا الحادث بالإضافة إلى فعل صادر عنه فإنه لا يمكن استبعاد مسئوليته عن ذلك [228] .

59- مسئولية المتعاقد عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه: وقد يعهد أحد المتعاقدين إلى الغير بتنفيذ جزء من التزامه، كتكليف مقاول من الباطن بصنع الأجهزة المبيعة أو أجزاء منها أو تكليفه بتجميعها أو تركيبها، أو تكليف ناقل بنقل البضاعة إلى المكان المتفق عليه، أو تكليف أحد المختصين بالتخليص الجمركى على البضاعة أو بحفظها فى مخازنه حتى يتسلمها المشترى، وقد يكون الغير هو البنك الذى يتفق على دفع الثمن عن طريقه [229] .

ويستوى أن يكون هذا الغير قد اختاره المتعاقد، أو فرضه عليه المتعاقد الآخر، كما يحدث إذا حدد المشترى للبائع شركة معينة لنقل البضاعة إليه. أو كان سداد الثمن عن طريق اعتماد مستندى وحدد البائع للمشترى البنك الذى سيتم فتح الاعتماد لديه.

والأصل أن يكون المتعاقد مسئولاً عن عدم تنفيذ هذا الغير لالتزامه [230] . سواء كان هو الذى اختاره أو اختاره المتعاقد الآخر، إذ أنه قبل التعاقد وتنفيذ التزاماته على هذا الأساس، فيكون مسئولاً عن عدم تنفيذها ولو نسب ذلك إلى الغير الذى اختاره المتعاقد الآخر [231] .

لكن الاتفاقية مع ذلك أعفت المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ الغير لالتزامه إذا توافر شرطان: الأول أن تتوافر شروط العائق سالفة البيان بالنسبة للمتعاقد الأصلى، بأن يكون عدم تنفيذ الغير لالتزامه خارجاً عن إرادته هو فلا يمكن نسبته إليه وأن يكون من غير الممكن توقعه أو دفعه. والشرط الثانى أن تتوافر شروط العائق بالنسبة للغير فى علاقته بالمتعاقد الأصلى، بحيث يكون هو نفسه معفياً من المسئولية عن عدم تنفيذه التزامه فى مواجهته [232] .

ولا يعد المورد Le fournisseur الذى يتعاقد معه البائع على توريد البضاعة محل عقد البيع من الغير وفقاً للمفهوم سالف البيان، لأنه لم يكلف بتنفيذ جزء من العقد إذ الغالب ألا تربطه أى علاقة بالعقد الأصلى، كما يمكن فى غالب الأحوال تدبير الحصول على البضاعة من مورد آخر [233] . لكن عدم تنفيذ المورد لالتزامه يمكن مع ذلك أن يعفى المتعاقد الأصلى من المسئولية عنه، إذا توافرت شروط العائق سالفة البيان بالنسبة لكل واحد منهما، وقد يحدث ذلك إذا كان المورد هو المحتكر للبضاعة موضوع عقد البيع [234] .

ولا يعد تابعو المتعاقد الأصلى، كعماله وموظفيه، من الغير فى هذا النطاق، لأنهم فى تنفيذهم العقد يعملون تحت إشرافه وهو المسئول عن أعمالهم. إلا إذا كان ما صدر عنهم وأدى إلى عدم تنفيذ العقد توافرت فيه شروط العائق كما سبق القول [235] .

60- أثر توافر شروط العائق: وإذا توافرت شروط العائق على النحو سالف البيان، فإن الأثر الذى رتبته الاتفاقية على ذلك هو إعفاء المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ من التعويض وحده، فيظل الالتزام قائماً لا ينقضى رغم استحالة تنفيذه، ويحق للمتعاقد الآخر استعمال جميع حقوقه التى كفلتها له الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد، بما فيها حقه فى إعلان فسخ العقد، ولكن
لا يحق له المطالبة بأى تعويضات [236] .

ويماثل هذا الحكم ما أخذت به اتفاقية لاهاى والتى أعفت المتعاقد الذى يتخلف عن التنفيذ بسبب قوة قاهرة من التعويض وحده ولم تمنع استعمال أى من الحقوق الأخرى [237] . ولكنه يخالف الحكم فى القانون المصرى والذى رتب على استحالة تنفيذ الالتزام لسبب أجنبى انقضاء هذا الالتزام، وبالتالى انقضاء الالتزامات المقابلة له وانفساخ العقد من تلقاء نفسه [238] .

ولا يعفى المتعاقد الذى تخلف عن التنفيذ إلا من التعويضات التى قد يقضى بها وفقاً لأحكام الاتفاقية، أما ما قد يتفق عليه فى العقد من تعويضات - كالشرط الجزائى - فيرجع فى شأنه إلى أحكام العقد والقانون الواجب التطبيق [239] . كذلك لا يدخل فى نطاق التعويضات التى يعفى منها الفوائد والتى يجوز المطالبة بها مقابل التأخير فى دفع الثمن أو أى مبالغ أخرى مستحقة [240] ، لأن الفائدة وفقاً لأحكام الاتفاقية لا تعتبر تعويضاً وإنما هى مقابل حبس النقود فقط [241] .

61- العائق المؤقت: وإذا كان العائق مؤقتاً فإن الإعفاء لا يسرى إلا خلال المدة التى يبقى فيها العائق قائماً [242] ، فيلتزم المتعاقد بالاستمرار في التنفيذ بمجرد زواله، وهو ما يتفق مع المبدأ الذى أخذت به الاتفاقية وهو تفضيل الحفاظ على العقد عن اللجوء إلى فسخه [243] .

لكن التراخى فى تنفيذ الالتزام بعد زوال العائق يرتب مسئولية المتعاقد عن ذلك ولا يعفى من تعويض المتعاقد الآخر عن الضرر الذى لحقه من هذا التأخير [244] .


وقد يعد عدم التنفيذ المؤقت للالتزام مخالفة جوهرية، كما إذا كان لتاريخ تنفيذ الالتزام أهمية خاصة للمتعاقد، وفى هذه الحالة يحق لهذا المتعاقد إعلان فسخ العقد فور تخلف المتعاقد الآخر عن تنفيذ التزامه فى الميعاد المتفق عليه بسبب حدوث العائق [245] .

وإذا كان العائق دائماً وأدى إلى عدم التنفيذ الكلى للالتزام فإن المتعاقد الآخر لا يكون أمامه إلا إعلان فسخ العقد، ولا يحق له المطالبة بأى تعويضات [246] .

أما إذا كان عدم التنفيذ الذى أدى إليه العائق جزئياً، كان للمتعاقد المطالبة بالتنفيذ الجزئى للالتزام بعد زوال العائق وتخفيض الثمن بقدر الجزء الذى لم يتم تنفيذه، كما أن له إعلان فسخ العقد إذا شكل عدم تنفيذ هذا الجزء من العقد مخالفة جوهرية [247] .

62- الإخطار بالعائق: ويجب على المتعاقد الذى تخلف عن تنفيذ التزامه بسبب العائق، أن يوجه إلى المتعاقد الآخر إخطاراً بالعائق وأثره فى قدرته على التنفيذ [248] . وقد قصد بذلك تمكين المتعاقد الآخر من تحديد موقفه من العقد، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحه، بأن يتخذ قراراً بشأن العقد إما الإبقاء عليه والانتظار حتى زوال العائق، أو إعلان فسخه والبحث عن مصدر آخر للحصول على ما تعاقد من أجله [249] . لذلك يجب أن يتضمن الإخطار توضيحاً لهذا العائق، وما إذا كان سيؤدى إلى تأخير التنفيذ فقط أم سيصبح التنفيذ مختلفاً عما كان قد اتفق عليه فى العقد [250] .

ويجب أن يتم توجيه هذا الإخطار خلال مدة معقولة بعد أن يكون هذا الطرف الذى تخلف عن التنفيذ قد علم بالعائق أو كان من واجبه أن يعلم به. وإذا لم يصل الإخطار خلال هذه المدة المعقولة كان مسئولاً عن التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم وصول هذا الإخطار، أى أن العائق يحدث أثره فيما يتعلق بإعفاء المتعاقد من التعويض عن عدم تنفيذه التزامه، لكنه يتحمل التعويضات عن الأضرار التى لحقت المتعاقد الآخر من جراء عدم وصول الإخطار إليه فى الميعاد المناسب [251] .

ومؤدى ذلك أن المتعاقد الذى يرسل الإخطار هو الذى يتحمل تبعة عدم وصوله، وهو ما يخالف القاعدة التى وضعتها الاتفاقية من تحمل المرسل إليه تبعة ذلك [252] . ويرجع ذلك إلى أنه فى حالة وجود عائق وعدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه فإنه يكفى المتعاقد الآخر ما يتحمله من أضرار بسبب عدم تنفيذ الالتزام، فلا يتصور تحميله أيضاً تبعة عدم وصول الإخطار [253] .

ثانياً: عدم التنفيذ بسبب فعل المتعاقد الآخر:

63- وقد يرجع عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه إلى فعل أو إهمال صدر من المتعاقد الآخر جعل تنفيذه للالتزام متعذراً، وفى هذه الحالة لا يجوز مطالبته بهذا التنفيذ أو تحميله مسئولية ذلك. وقد أوردت اتفاقية فيينا هذا الحكم بنصها على أنه "لا يجوز لأحد الطرفين أن يتمسك بعدم تنفيذ الطرف الآخر لالتزاماته فى حدود ما يكون عدم التنفيذ بسبب فعل أو إهمال من جانب الطرف الأول" [254] .

وهذا الحكم هو تطبيق للمبدأ الذى وضعته الاتفاقية لتفسير أحكامها، وهو ضرورة أن يراعى فى هذا التفسير "ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية" [255] . ولم تكن هناك حاجة للنص عليه لأن المبادئ العامة توجبه، لذلك لم يرد بمشروع الاتفاقية المقدم للمؤتمر الدبلوماسى، وإنما أضيف أثناء مناقشته بناء على اقتراح من ألمانيا الديمقراطية [256] .

ولم تتضمن اتفاقية لاهاى حكماً مماثلاً، إذ لم يرد بها ما يفيد إعفاء المدين من التزامه إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى فعل الدائن [257] . أما القانون المصرى فقد اعتبر خطأ الدائن سبباً أجنبياً لا يد للمدين فيه يترتب عليه انقضاء الالتزام [258] .

64- شروط عدم التنفيذ: ويلزم لتطبيق هذا الحكم توافر ثلاثة شروط: الأول عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه، والثانى صدور فعل أو إهمال من المتعاقد الآخر، والثالث أن تتوافر علاقة سببية بين هذا الفعل أو الإهمال وعدم التنفيذ [259] .

 1  تخلف المدين عن تنفيذ التزامه: فيجب أولاً أن يتخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزامه، على ألا يرجع ذلك إلى وجود عائق حال دون التنفيذ مما يرتب الإعفاء من التعويض [260] . ويستوى أن يصدر عدم التنفيذ من البائع أو المشترى، وبصدد أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق أى واحد منهما، وسواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، إذ لا أهمية لمدى جسامة الإخلال المرتكب [261] .

 2  صدور فعل أو إهمال من الدائن: ويجب ثانياً أن يصدر عن الطرف الدائن فى الالتزام فعل أو إهمال يترتب عليه عدم استطاعة الطرف المدين تنفيذ التزامه. ومثال ذلك عدم تنفيذ البائع التزامه بتسليم البضاعة بسبب تخلف المشترى عن إرسال المواصفات أو الرسومات الضرورية التى يلزمه العقد بتقديمها للبائع حتى يقوم بالتنفيذ على أساسها، أو تخلف المشترى عن دفع الثمن بسبب امتناع البائع عن تحديد البنك الذى سيودع الثمن فيه وفقاً لما اتفق عليه فى العقد [262] .

ولا يشترط أن يوصف ما صدر عن الدائن أنه خطأ، وإنما يكفى أن يكون فعلاً أو إهمالاً يمكن نسبته إليه أو إلى أحد تابعيه [263] . ولكن يجب أن يكون هذا الفعل مؤدياً إلى تعذر تنفيذ المدين لالتزامه، أما إذا استطاع تنفيذه رغم ذلك فإن هذا الشرط لا يعد متوفراً، ومثال ذلك إذا امتنع المشترى عن تعيين شكل البضاعة ومقاييسها والصفات الأخرى المميزة لها ولم يقدم هذه المواصفات فى الميعاد المتفق عليه، فإن البائع يستطيع رغم ذلك أن يحدد هذه المواصفات بنفسه وفقاً لحاجات المشترى التى يمكن له معرفتها [264] .

 3  علاقة السببية: ويجب ثالثاً أن توجد علاقة سببية بين ما صدر عن الدائن من فعل أو إهمال وعدم تنفيذ المدين لالتزامه. ويقع على المدين الذى تخلف عن التنفيذ عبء إثبات ذلك [265] .


65- أثر عدم التنفيذ: والنتيجة التى رتبتها الاتفاقية على صدور فعل أو إهمال من جانب الدائن أدى إلى عدم تنفيذ المدين لالتزامه، هى إعفاء المدين من تنفيذ هذا الالتزام، فلا يكون مسئولاً عن عدم التنفيذ فى هذه الحدود ولا يحق للدائن استعمال أى من الحقوق التى نصت عليها الاتفاقية ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد [266] .

وعلى ذلك فإن الإعفاء لا يقتصر على التعويض، كما هو الحال إذا كان عدم التنفيذ راجعاً إلى عائق وفقاً للمادة 79 من اتفاقية فيينا، ولكنه يمتد ليشمل كافة الجزاءات التى قررتها الاتفاقية فى حالة الإخلال بالعقد [267] .

وتطبيقاً لذلك فإن المشترى لا يستطيع أن يتمسك بمسئولية البائع عن تسليم بضاعة غير مطابقة ويعلن فسخ العقد، إذا كانت عدم المطابقة راجعة إلى صدور تعليمات خاطئة أو غير كافية منه للبائع [268] . بل يستطيع البائع فى هذه الحالة مطالبة المشترى بالتعويض عن أى ضرر لحقه من جراء ما صدر عنه من فعل أو إهمال [269] .

66- الخلاصة: خلاصة ما تقدم، أن اتفاقية فيينا لم تستلزم لتقرير مسئولية المتعاقد عن الإخلال بالعقد سوى ثبوت عدم تنفيذه لالتزامه، دون اشتراط نسبة خطأ إليه. فيكفى أن يثبت عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه سواء كان عدم التنفيذ كلياً أو جزئياً، كما يتحقق فى حالة التنفيذ المعيب والتنفيذ المتأخر.

ويستوى أن يكون مصدر الالتزامات التى يحدث الإخلال بها هو العقد أو الأعراف والعادات أو أحكام الاتفاقية. كما يستوى أن يكون الإخلال بالتزام جوهرى أو ثانوى، وسواء صدر من البائع أو المشترى.

ولم تقرر الاتفاقية إعفاء المتعاقد من المسئولية عن عدم تنفيذ التزامه إلا فى حالتين، الأولى هى حالة حدوث عائق يكون خارجاً عن إرادته وغير ممكن توقعه أو دفعه، وهى ذات شروط القوة القاهرة. والثانية هى صدور فعل من المتعاقد الآخر أو إهمال يمنعه من التنفيذ. لكنها رتبت على تحقق شروط الحالة الأولى الإعفاء من التعويض وحده، بحيث يحق للمتعاقد الآخر استعمال كافة حقوقه الأخرى ومنها حقه فى إعلان فسخ العقد. بينما رتبت على الحالة الثانية إعفاء المتعاقد من تنفيذ الالتزام نفسه، وعدم أحقية المتعاقد الآخر فى استعمال أى من الجزاءات التى قررتها الاتفاقية.


المطلب الثانى

الضــرر الجوهــرى

67- يعد الضرر شرطاً لازماً لقيام المسئولية، فلا يسأل المتعاقد عن إخلاله بتنفيذ الالتزام إلا إذا ترتب على هذا الإخلال ضرر [270] . وقد أخذت اتفاقية فيينا بهذا المبدأ فاشترطت لتقرير مسئولية المتعاقد عن إخلاله بالتزامه والسماح للمتعاقد الآخر بفسخ العقد أن يترتب على هذا الإخلال ضرر. لكنها لم تكتف بذلك وإنما أضافت إليه اشتراطها أن يكون هذا الضرر جوهرياً، بأن يصل إلى درجة كبيرة من الجسامة تبرر الفسخ. وجعلت المعيار الذى يمكن على أساسه تقرير ما إذا كان الضرر جوهرياً من عدمه هو الحرمان من منفعة العقد، بأن يترتب على الضرر حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد [271] .

68- ظهور فكرة الضرر الجوهرى: تعد فكرة الضرر الجوهرى Préjudice substantiel [272]  فكرة جديدة ابتكرتها اتفاقية فيينا، إذ ظهرت أثناء المناقشات لإعداد الاتفاقية بناء على اقتراح من الوفد المكسيكى. ورغم الانتقاد الذى وجه إلى هذه الفكرة باعتبارها غير موضوعية وشديدة الغموض، فإنه بعد جدل طويل ظهرت الصياغة التى أخذت بها الاتفاقية بعد ذلك، والتى اعتبرت أن الضرر يكون جوهرياً "إذا أدى إلى حرمان الطرف المضرور بصفة أساسية مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد" [273] .


- الضرر فى اتفاقية لاهاى: لم يرد بتعريف المخالفة الجوهرية فى اتفاقية لاهاى اشتراط أن يكون الضرر جوهرياً، بل إنها لم تتكلم عن الضرر أصلاً [274] . وإنما أقامت تعريفها للمخالفة الجوهرية على فكرة أساسية هى أن يفقد المتعاقد الذى يلجأ إلى الفسخ كل مصلحة له فى العقد بسبب المخالفة، بحيث أنه ما كان ليتعاقد لو علم بالمخالفة وآثارها [275] . وهو مفهوم يقترب من فكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، لكنه يختلف عنها من ناحية الصياغة.

- الضرر الجوهرى فى قواعد الـ Unidroit: وقد تضمنت قواعد الـ Unidroit حكماً مماثلاً لفكرة الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا، إذ أجازت للمتعاقد فسخ العقد إذا كان إخلال المتعاقد الآخر بتنفيذ التزامه يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد. وأوردت عدداً من الظروف التى يمكن على أساسها تحديد ما إذا كان عدم التنفيذ يعد جوهرياً، منها أن يؤدى عدم التنفيذ إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه بموجب العقد [276] .


69- فكرة "النقصان الجوهرى" فى القانون التجارى الأمريكى الموحد: وتماثل فكرة الضرر الجوهرى إلى حد كبير فكرة "النقصان الجوهرى" substantial impairment فى القانون التجارى الأمريكى الموحد U.C.C. [277] . إذ يستطيع المشترى رغم قبوله البضاعة، أن يسحب هذا القبول، إذا استطاع أن يثبت أن عدم مطابقة البضاعة قد حرمه بصفة أساسية من منفعتها بالنسبة له [278] . بشرط أن يقيم الدليل على وجود عذر دفعه إلى قبول البضاعة، وأن يقوم بسحب القبول خلال مدة معقولة من التاريخ الذى اكتشف فيه - أو كان من واجبه أن يكتشف فيه - الأسباب التى دفعته لسحب القبول [279] .

كما يستطيع المشترى فى عقود البيع على دفعات أن يرفض أى دفعة غير مطابقة من هذه الدفعات، إذا كانت عدم المطابقة تحرمه بصفة أساسية من منفعة هذه الدفعة بالنسبة له وكان من غير الممكن إصلاحها [280] . وإذا كانت عدم المطابقة فيما يتعلق بدفعة أو أكثر من هذه الدفعات تحرمه بصفة أساسية من منفعة العقد كله فإنه يكون هناك إخلال بالعقد كله [281] .

70- القانون المصرى وفكرة فقدان المنفعة من العقد: وقد أخذ القانون المصرى بفكرة فقدان المنفعة من العقد وجعلها من العناصر التى تجيز للقاضى الحكم بالفسخ فى حالات معينة، وقد عبر عن فقدان المنفعة باشتراطه أن يصل الضرر إلى درجة لو علمها المتعاقد لما أتم العقد. فيجب لفسخ العقد فى حالة نقص المبيع إذا عين فى العقد مقداره، وفى حالة نقص قيمة المبيع
قبل التسليم لتلف أصابه، أن يكون النقص من الجسامة بحيث لو أن المشترى كان يعلمه لما أتم العقد [282] .

كذلك تعد فكرة فقدان المنفعة من العقد متوافرة فى المعيار الذى أخذ به قانون التجارة الجديد للقضاء بالفسخ فى حالة نقص كمية المبيع أو وجود عيب به أو عدم مطابقته، إذ لا يقضى بالفسخ إلا إذا نشأ عن النقص أو العيب أو عدم المطابقة عدم صلاحية المبيع للغرض الذى أعده له المشترى أو صعوبة تصريفه [283] .

شروط الضرر الجوهرى فى اتفاقية فيينا:

 71-  1  حرمان الطرف المضرور من المنفعة المتوقعة من العقد: يجب لكى يعد الضرر جوهرياً وفقاً للمعيار الذى أخذت به اتفاقية فيينا أن يترتب عليه حرمان الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد. فلا ينظر إلى ما يتوقعه المتعاقد من العقد وفقاً لتقديره الشخصى، وإنما إلى ما يحق له أن يتوقعه منه. فالمعيار هنا معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه شخص سوى الإدراك من صفة المتعاقد إذا وجد فى نفس ظروفه [284] .

- اتفاق المتعاقدين على المنفعة المقصودة من العقد: وقد يظهر ما يحق للمتعاقد أن يتوقعه من العقد فى العقد نفسه [285] ، بأن يتفق فيه على الغرض الأساسى من إبرام العقد والمنفعة التى تعود على المتعاقدين منه، فإذا لم يتحقق هذا الغرض اعتبر الضرر جوهرياً. ومثال ذلك أن يتم التعاقد على شراء زهور ويتفق فى العقد على أن القصد من شرائها هو بيعها فى أعياد الميلاد ورأس السنة، فإذا تأخر البائع فى تسليمها حتى انتهاء هذه الأعياد اعتبر الضرر جوهرياً لأنه يحرم المشترى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بتفسير ما صدر عن المتعاقدين من بيانات وتصرفات: وإذا لم يتفق المتعاقدان صراحة فى العقد على المنفعة التى يقصدها كل واحد منهما من التعاقد، فإنه يرجع فى تحديد ذلك إلى ما قد يصدر عنهما من بيانات أو تصرفات قبل إبرام البيع أو وقت انعقاده أو بعده، ويشمل ذلك المراسلات المتبادلة بينهما وما قد يقدمه المتعاقدان من إيضاحات خاصة بشروط العقد، وما يصدر عنهما من أعمال أو تصرفات بخصوصه أو ما يتخذانه من مواقف بشأن تنفيذه [286] .

 وتفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما قصده المتعاقد الذى أصدرها، متى كان المتعاقد الآخر يعلم بهذا القصد بأن كان قد أبلغ به صراحة، أو كان من الوضوح بحيث يمكن افتراض أنه لا يجهله. فإن تعذر الوصول إلى هذا القصد فإن البيانات والتصرفات تفسر وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من صفة الطرف الآخر إذا وجد فى نفس ظروفه، وفى جميع الأحوال يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع ظروف العقد بما فى ذلك المفاوضات السابقة على انعقاده والعادات التى استقر عليها التعامل بين الطرفين والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [287] .

- تحديد المنفعة المقصودة من العقد بالرجوع إلى طبيعة المبيع: فإذا لم يرد بالعقد ذكر للمنفعة التى تعود على المتعاقد منه وما يتوقعه كل منهما من إبرامه، وتعذر الوصول إلى ذلك عن طريق تفسير ما صدر عنهما من بيانات وتصرفات، فإنه يمكن تحديد ذلك بالرجوع إلى طبيعة المبيع، فما يتوقع الحصول عليه عادة من هذا المبيع يعد هو المنفعة المقصودة من المبيع. وإذا تحدد غرض خاص أعد المبيع له، فإن هذا الغرض الخاص هو الذى يرجع إليه لتحديد المنفعة الأساسية المقصودة من المبيع. فإذا كان المبيع خيولاً  أعدت للسباق، فإن تسليم خيول غير معدة لذلك يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة الأساسية التى قصدها من البيع [288] .

وإذا كان المبيع ماشية فإن الغرض المعتاد من شرائها هو بيعها للمستهلكين أو ذبحها وبيع لحومها، ولكن قد يتفق فى عقد البيع على غرض خاص للشراء هو استخدامها لإجراء التجارب اللازمة لإنتاج الأمصال والمستحضرات الطبية، ويتحدد بالعقد مواصفات خاصة لابد من توافرها لتحقيق هذا الغرض، فإن عدم تحقق هذه المواصفات يرتب ضرراً جوهرياً للمشترى لحرمانه من المنفعة التى قصدها من العقد.

وقد بالغت محكمة ألمانية فى تحديد المقصود من فقدان المنفعة من العقد، واعتبرت أن ذلك لا يتحقق إلا إذا كان المبيع لا يصلح لأى استعمال [289] . وتخلص وقائع هذه القضية فى أن عقداً قد أبرم فى يناير 1991 بين شركة إيطالية وأخرى ألمانية على أن تبيع الأولى للثانية أحذية نسائية Women's shoes، وقامت البائعة بتسليم الأحذية المبيعة للمشترية التى رفضت دفع الثمن بحجة أن الأحذية غير مطابقة للموصفات المتفق عليها. وقضت محكمة استئناف فرانكفورت الألمانية بعدم أحقية المشترية فى فسخ العقد وألزمتها بسداد ثمن البضاعة والفوائد على هذا الثمن، وأسست حكمها على أن المشترية عجزت
عن إقامة الدليل على عدم مطابقة الأحذية بصورة كبيرة، وأن المشترى وفقاً لاتفاقية فيينا يتعين عليه قبول البضاعة غير المطابقة إذا كان يمكن استعمالها بأى صورة من الصور على أن يتمسك بأى جزاءات أخرى لمواجهة هذه العيوب خلاف الفسخ كتخفيض الثمن والتعويض [290] .

72-  2  وجود الضرر فعلاً واستمراره: ويجب فى جميع الأحوال أن يتحقق وجود الضرر فعلاً، ولا يكفى احتمال تحققه، كما يجب أن يستمر وجوده حتى إعلان فسخ العقد [291] . ذلك أن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه لا ينتج عنه بالضرورة ضرر للمتعاقد الآخر، فقد يهمل البائع فى تنفيذ التزامه بتعبئة البضاعة أو التأمين عليها ولكنها تصل رغم ذلك سالمة فلا يلحق المشترى ضرر من جراء ذلك، لكن إذا ترتب على هذا الإهمال ألا يتمكن المشترى من إعادة بيعها ففى هذه الحالة يكون قد لحقه ضرر جوهرى تحقق وجوده فعلاً [292] .

ونرى أنه لا يوجد ما يمنع أن يكون الضرر مستقبلاً، بشرط أن يكون محقق الوقوع فى المستقبل. فإذا اشترى تاجر بضاعة لبيعها بعد فترة زمنية لوجود مخزون لديه لم يتصرف فيه بعد، فإن البائع إذا تخلف عن تسليم البضاعة له أو سلمها غير مطابقة لن يلحقه بسبب ذلك ضرر حال، وإنما سيتحقق وقوع هذا الضرر عندما يحين موعد التصرف فى البضاعة، لكنه مع ذلك ضرر محقق الوقوع فى المستقبل [293] . فيعد ضرراً جوهرياً يعطى للمشترى الحق فى فسخ العقد.

73- تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع: ويعد تقدير جوهرية الضرر مسألة واقع question de fait يرجع فيها إلى كل حالة على حده [294] . فقد يكون إخلال المتعاقد بتنفيذ التزامه فى بعض الأحوال متسامحاً فيه، فى حين قد يؤدى ذات الإخلال إلى ضرر جوهرى فى أحوال أخرى. فعلى سبيل المثال لا يعد التأخير اليسير من البائع فى تسليم البضاعة لمدة يوم أو يومين مؤدياً  إلى ضرر جوهرى للمشترى وفقاً للظروف العادية، لكن هذا التأخير يلحق بالمشترى ضرراً جوهرياً إذا كان القصد من التعاقد هو عرض البضاعة فى معرض يستمر لمدة يومين واستمر التأخير حتى انتهاء فترة المعرض [295] .

وقد يكون الضرر منذ بدايته جوهرياً، وقد يبدأ بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت أو مع استمرار المخالفة [296] . كما يحدث لو كان المبيع آلات يظهر عيب بسيط بها عند بدء تشغيلها ثم يزداد هذا العيب مع استمرار التشغيل، أو كان المبيع مواداً غذائية لا يظهر فسادها إلا بعد مرور فترة زمنية معينة بعد تسليمها. ويحدث أيضاً إذا كان الإخلال بالالتزام بالضمان، فيتقاعس البائع عن إرسال مهندسيه لإجراء الصيانة الدورية للجهاز المبيع، وبمرور الوقت يتوقف الجهاز عن العمل بسبب عدم إجراء هذه الصيانة له.

ويظهر من اشتراط الاتفاقية جوهرية الضرر وحده، أنها لم تدخل فى اعتبارها طبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته، فتستوى مخالفة أى التزام من الالتزامات التى تقع على عاتق طرفى عقد البيع [297] . كالتزام البائع بالتسليم والمطابقة والتزام المشترى بدفع الثمن وتسلم البضاعة، وكذا أى التزام تابع لهذه الالتزامات كالالتزام بإبرام عقد النقل والتأمين على البضاعة وفتح
اعتماد مستندى.

74- أثر علاج الإخلال فى تقدير جوهرية الضرر: وينبغى أن يدخل فى تقدير جوهرية الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج هذا الضرر وإزالة آثار المخالفة التى ارتكبها [298] . فقد يكون من شأن ما عرضه رفع الضرر الذى لحق بالطرف الآخر أو جزء كبير منه، بحيث لا يعد الضرر الذى يبقى بعد ذلك جوهرياً. فالمخالفة لا تكون جوهرية إذا أمكن علاجها [299] . لأنها بإتمام علاجها لن يترتب عليها ضرر جوهرى، وقد لا يترتب عليها ضرر على الإطلاق.

وقد يكون العلاج بعد تاريخ التسليم بأن يصلح البائع على نفقته كل خلل فى تنفيذ التزاماته، بشرط ألا يترتب على ذلك تأخير غير معقول ولا يسبب للمشترى مضايقة غير معقولة أو شكوكاً فى قيام البائع بدفع المصاريف التى أنفقها المشترى [300] . كما قد يكون العلاج فى حالة تسليم البضاعة قبل الميعاد، إذ يحتفظ البائع حتى حلول الميعاد المحدد للتسليم بحق تسليم الجزء أو الكمية الناقصة من البضاعة المسلمة أو توريد بضاعة بديلة للبضاعة غير المطابقة لما جاء فى العقد أو إصلاح العيب في مطابقة البضاعة، بشرط ألا يترتب على استعمال هذا الحق مضايقة للمشترى أو تحميله نفقات غير معقولة [301] .

 3  اشتراط أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر: ويتعين لكى يكون الضرر جوهرياً أن يكون الفسخ هو العلاج الوحيد لرفع الضرر الذى لحق بالمتعاقد نتيجة المخالفة التى ارتكبها المتعاقد الآخر، أما إذا أمكن رفع هذا الضرر عن طريق آخر فإن الضرر بذلك لا يعد جوهرياً كما لو كان دفع التعويضات أو تخفيض الثمن يعد علاجاً كافياً وملائماً لهذا الضرر [302] .

75- السماح بالفسخ رغم عدم جوهرية الضرر: وقد يكون الضرر غير جوهرى ويسمح مع ذلك بالفسخ، وذلك فى حالتين: الأولى إذا اتفق المتعاقدان على ذلك صراحة فى عقدهما، والثانية إذا جرى بذلك العرف الذى اتفق عليه المتعاقدان صراحةً أو ضمناً.

76- أولاً: اتفاق المتعاقدين على الفسخ: فالقاعدة أن المتعاقدين يجوز لهما استبعاد تطبيق الاتفاقية، كما يجوز لهما مخالفة أى نص من نصوصها أو تعديل آثاره [303] . فأحكام الاتفاقية هى أحاكم مكملة لإرادة المتعاقدين لا تطبق إلا إذا لم يتفق المتعاقدان على ما يخالفها [304] . فقد جعلت الاتفاقية من إرادة المتعاقدين المصدر الأول لعقد البيع، وكل شرط يضمناه عقدهما يحددان به حقوقهما والتزاماتهما تكون له الأولوية فى التطبيق على أحكام الاتفاقية [305] .

وعلى ذلك يجوز للمتعاقدين أن يضمنا عقدهما أن أضراراً معينة تعد جوهرية إذا نتجت عن إخلال أحدهما بالتزاماته، حتى ولو كانت هذه الأضرار لا تعد كذلك وفقاً لأحكام الاتفاقية. كأن يتفق المتعاقدان على أن أى عيب مهما كانت درجته يظهر عند تشغيل الجهاز المبيع يتحمل البائع مسئوليته ويلتزم باستبدال جهاز جديد به وإلا فسخ البيع.

77- ثانياً: الفسخ إذا جرى العرف بذلك: ويلتزم المتعاقدان بالأعراف التى اتفقا عليها وبالعادات التى استقر عليها التعامل بينهما [306] . فإذا تضمنت هذه الأعراف أو العادات المستقر عليها ما يحدد الأضرار التى تعد جوهرية وتجيز فسخ العقد، فإنها تكون واجبة التطبيق حتى ولو كانت هذه الأضرار غير جوهرية وفقاً لأحكام الاتفاقية، بأن كانت لا تحرم المتعاقد مما كان يحق له أن يتوقعه من العقد.

وهذا الحكم لا يقدم جديداً لأن الأعراف التى اتفق عليها المتعاقدان قد أصبحت باتفاقهما جزءاً من العقد يلتزما به كالتزامهما بباقى أجزائه. أما العادات التى استقر عليها التعامل بينهما، فإنها تطبق باعتبارها قرينة على أن الطرفين قد أرادا تطبيقها، ما لم يقم الدليل على أنهما قد أرادا استبعادها من نطاق عقد معين أبرماه بينهما [307] .

وإذا كان المتعاقدان لم يتفقا على تطبيق عرف معين على عقدهما، لكن هذا العرف كانا يعلمان به - أو كان ينبغى لهما أن يعلما به - وكان معروفاً على نطاق واسع فى التجارة الدولية ويراعى بانتظام فيها بين الأطراف فى العقود المماثلة السارية في نفس فرع التجارة، فإنه يفترض أن الطرفين قد طبقا هذا العرف ضمناً على عقدهما [308] . وما دام هذا العرف قد اعتبر أنه مطبق ضمناً على هذا العقد، فإنه يأتى فى مرتبة مساوية لمرتبة الاتفاق ويسبق وبالتالى فى التطبيق أحكام الاتفاقية [309] .

وعلى ذلك إذا جرى هذا العرف بالنسبة إلى بعض أنواع البيوع - كالبيع سيف c.i.f. - على امتناع المشترى عن تسلم المستندات إذا لم تكن مطابقة تماماً للعقد ولو كان عدم المطابقة طفيفاً، فإن العرف هو الذى يرجح ويتعين تطبيقه رغم مخالفته لأحكام الاتفاقية [310] .

78- الخلاصة: ونخلص مما تقدم إلى أن اتفاقية فيينا رغبة منها في تقييد الحق فى الفسخ اشترطت لكى تكون المخالفة جوهرية أن يترتب عليها ضرر جوهرى للمتعاقد الآخر، وحددت الضرر الجوهرى بأنه الذى يحرم الطرف المضرور بشكل أساسى من المنفعة التى كان يحق له توقع الحصول عليها من العقد.

ومعيار تقدير جوهرية الضرر هو معيار موضوعى يرجع فيه إلى ما يمكن أن يتوقعه من العقد شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المضرور إذا وجد فى نفس ظروفه. وهذه التوقعات قد تظهر فى العقد نفسه، أو فيما يصدر عن الطرفين من بيانات وتصرفات، وإلا تعين الرجوع إلى طبيعة المبيع والغرض الخاص الذى أعد له.

والضرر يجب أن يكون موجوداً وقت الفسخ، ولا يكفى احتمال تحققه، وقد يكون مستقبلاً بشرط أن يكون محقق الوقوع في المستقبل. ويرجع فى تقدير الضرر إلى كل حالة على حده، وقد يكون الضرر جوهرياً منذ بدايته كما قد يكون بسيطاً ثم تزداد حدته مع الوقت واستمرار المخالفة. ولا عبرة بطبيعة الالتزام الذى تمت مخالفته. وينبغى أن يدخل فى تقدير الضرر ما يعرضه الطرف المخالف لعلاج المخالفة ورفع آثار الضرر.

ويعتد فى تقدير جوهرية الضرر بما اتفق عليه المتعاقدان، وبما ضمناه عقدهما من أعراف وبما استقر عليه التعامل بينهما. وكذا يعتد بالأعراف التى يعلمان بها أو يجب عليهما العلم بها متى كانت معروفة على نطاق واسع فى التجارة الدولية وتراعى باستمرار بها.


المطلب الثالث

توقــــع الضــــرر

79- إذا أخل المتعاقد بتنفيذ التزاماته وترتب على هذا الإخلال ضرر جوهرى بالمتعاقد الآخر. فإن المخالفة رغم ذلك لا  تكون جوهرية إلا إذا كان هذا الضرر متوقعاً Prévisible، بأن يتوقع الطرف المخالف حدوثه وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه [311] .

ويعد اشتراط توقع الضرر أمراً يتسم بالعدالة، إذ ليس من العدل أن يتحمل المتعاقد نتيجة لا يمكن أن يتوقع حدوثها. فإذا كان تاريخ التسليم يمثل أهمية خاصة للمشترى، فإنه يتعين عليه أن يخطر البائع بذلك أو ينص عليه في العقد. فإذا لم يقم بذلك وتأخر البائع فى التسليم تأخراً يسيراً جرى العرف عادة على التسامح فيه، فلا يتصور محاسبته على هذا التأخير ولو ترتب عليه ضرر جوهرى للمشترى، لأن البائع لم يتوقع هذه النتيجة ولم يتجاوز تأخيره الحد المقبول عادة، فلا توصف المخالفة فى هذه الحالة بأنها جوهرية [312] .

80- توقع الضرر فى قواعد الـ Unidroit: وقد أخذت قواعد الـ Unidroit بشرط التوقع أيضاً، فاعتبرت أن عدم تنفيذ الالتزام يرتقى إلى مرتبة الإخلال الجوهرى بالعقد إذا أدى إلى حرمان الدائن بشكل أساسى مما كان يحق له توقع الحصول عليه بموجب العقد، إلا إذا كان الطرف الآخر لم يتوقع أو كان من غير المعقول أن يتوقع هذه النتيجة [313] . فلا يحق للدائن
فسخ العقد إذا أثبت المدين أنه لم يتوقع، ولم يكن من المعقول له أن يتوقع، أن عدم التنفيذ سيكون جوهرياً بالنسبة للدائن. وأوردت مثالاً لذلك: إذا التزام  أ  بأن يجمع المخلفات من الموقع المملوك لـ  ب  خلال عام 1992، واستأجر  ب  حفارات بتكلفة عالية لتعمل فى الموقع اعتباراً من 2 يناير لكنه لم يخطر  أ  بذلك، فلا يحق لـ  ب  فسخ العقد بسبب عدم إخلاء  أ  الموقع في 2 يناير [314] . ذلك أن  أ  لم يكن فى إمكانه توقع الأضرار التى تلحق  ب  من جراء ذلك.

- توقع الضرر فى اتفاقية لاهاى: وكانت اتفاقية لاهاى قد ضمنت تعريف المخالفة الجوهرية بها شرط توقع الضرر ولكن بعبارات مختلفة، إذ اشترطت أن يعلم الطرف المخالف - أو كان ينبغى له أن يعلم - أن المتعاقد الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم وقت التعاقد بالمخالفة وآثارها [315] . فلو كان الطرف المخالف يستطيع أن يعلم وقت التعاقد أن الإخلال الذى سيصدر عنه وما يترتب عليه من آثار، يمكن أن يؤدى إلى امتناع المتعاقد الآخر عن التعاقد لم علم به، فإن المخالفة تكون جوهرية. أو بعبارة أخرى تكون المخالفة جوهرية إذا استطاع الطرف المخالف أن يتوقع وقت التعاقد ما يترتب على هذا الإخلال من ضرر بالمتعاقد الآخر.

81- التوقع فى القانون المصرى: ولم يشترط القانون المصرى لفسخ العقد أن يكون الضرر الناتج عن الإخلال متوقعاً، وإنما ترك تقدير أسباب الفسخ للقاضى الذى له أن يحكم به أو يرفضه [316] . لكن توقع الضرر يعد شرطاً للحكم بالتعويض، فإذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلتزم المدين الذى لم يرتكب غشاً أو خطأ جسيماً إلا بتعويض الضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد [317] .

ويبرر قصر التعويض على الضرر المتوقع، أن توقع الضرر يعد هنا شرطاً اتفاقياً مفترضاً يعدل من مقدار المسئولية، فقد افترض القانون أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت إلى جعل المسئولية العقدية عن الضرر مقصورة على المقدار الذى يتوقعه المدين، فهذا هو المقدار الذى يمكن أن يفترض افتراضاً معقولاً أن المدين قد ارتضاه، ويكون هذا الافتراض بمثابة شرط اتفاقى يعدل من مقدار المسئولية بقصرها على مقدار معين هو مقدار الضرر المتوقع. لكن هذا الشرط يعد باطلاً فى حالتى غش المدين وخطأه الجسيم، فيلتزم فى هاتين الحالتين بالتعويض عن كل الضرر متوقعاً أو غير متوقع، لأنه رجع إلى الأصل بعد إبطال الشرط الاتفاقى الذى يعدل من مقدار المسئولية [318] .

والضرر الذى يمكن توقعه عادة وقت التعاقد، يقاس بمعيار موضوعى لا بمعيار شخصى، أى بالضرر الذى يتوقعه الشخص المعتاد فى مثل الظروف التى يوجد بها المدين لا الضرر الذى يتوقعه هذا المدين بالذات [319] .

82- معيار تقدير التوقع فى اتفاقية فيينا: وعلى ذلك، فإن اتفاقية فيينا قد استعبدت وصف المخالفة بالجوهرية، رغم صدور الإخلال وترتب ضرر جوهرى عليه، إذا كان الطرف المخالف لم يتوقع مثل هذه النتيجة التى سببها الإخلال الصادر عنه للمتعاقد الآخر [320] . أى أن عدم التوقع يُعد شرطاً لإعفاء الطرف المخالف من نتائج عدم تنفيذه لالتزامه [321] .

لكن تقدير التوقع يصعب التعويل فيه على المعلومات الشخصية للطرف المخالف وحدها، ذلك أن معلوماته فى هذا الشأن وتقديره لهذه المعلومات يمكن أن يتأثر بعوامل كثيرة: فقد يمتنع الطرف المضرور بقصد أو بدون قصد عن إخطاره ببعض التوقعات أو المعلومات الضرورية، وقد يهمل طرف ثالث فى توصيل هذه المعلومات إليه، وقد تصل كل المعلومات الضرورية إليه لكنه يعجز عن ترتيبها أو تفسيرها أو تقديرها على النحو الصحيح لنقص إدراكه أو خبرته. أضف إلى ذلك صعوبة إقامة الدليل على مثل هذه الأمور الشخصية، ولو أقيم الدليل على وجودها فإن تقديرها يختلف من شخص إلى آخر. الأمر الذى أصبح معه التعويل على المعيار الشخصى وحده غير متناسب مع احتياجات التجارة الدولية، وأصبح البحث عن معيار موضوعى يضاف إليه أمراً لازماً [322] .

83- وعثرت اتفاقية فيينا على هذا المعيار الموضوعى متمثلاً فى علم شخص عاقل Personne raisonnable من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه، فشرط التوقع يكون متوافراً إذا كان الطرف المخالف يتوقع فعلاً هذه النتيجة، كما يكون متوافراً أيضاً ولو لم يتوقعها إذا كان من الممكن لشخص عاقل سوى الإدراك من صفة الطرف المخالف وفى نفس ظروفه أن يتوقعها [323] . أى أن الاتفاقية قد أخذت بتوقع الطرف المخالف للنتيجة، أو بقدرته على هذا التوقع، حتى ولو لم يتوقعها فعلاً [324] .

 وكانت اتفاقية لاهاى قد اقتربت من هذا المعيار، إذ رغم أنها لم تعتد إلا بعلم الطرف المخالف وحده أو إمكانية علمه [325] ، إلا أنها فسرت اصطلاح "يعلم أو ينبغى له أن يعلم"، بأن العبرة تكون عندئذ "بما كان ينبغى أن يعلمه شخص عاقل من ذات الصفة إذا وجد فى نفس الظروف" [326] .

 وقد عرف القانون المصرى هذا الشخص الوهمى وأطلق عليه "الشخص العادى أو المعتاد" [327] . أما فى القانون الإنجليزى والقوانين التى أخذت عنه فقد أطلق عليه "الشخص العاقل" reasonable person، وهو تعبير شائع فى هذه القوانين [328] ، وقد أخذت الاتفاقية بهذا التعبير الأخير فى نسختها الإنجليزية وفى نسخها بجميع اللغات الأخرى، حيث أطلق عليه بالفرنسية Personne raisonnable، وتمت ترجمته فى النسخة العربية إلى "شخص سوى الإدراك"، وهى ترجمة تعبر بدقة عن المعنى الذى قصدته الاتفاقية [329] .

 84- والشخص سوى الإدراك الذى اعتمدت الاتفاقية على علمه، لتقدير توقع الطرف المخالف للنتيجة المترتبة على مخالفته، يجب أن يتوافر فيه أمران: الأول: أن يكون من نفس صفة الطرف المخالف de même qualité [330] ، أى أن يكون تاجراً يمارس التجارة الدولية فى نفس نوع التجارة التى يمارسها الطرف المخالف، وأن يكون فى نفس ظروفه الاجتماعية والاقتصادية، ويشمل ذلك اللغة والدين والمستوى المهنى العام [331] , وأن يكون وسطاً فى إدراكه وخبرته فى مدى حرصه ويقظته [332] .

 والأمر الثانى: أن يكون فى نفس ظروف الطرف المخالف dans la même situation [333] . ويعتد فى ذلك بكافة الظروف المحيطة والتى ترجع إلى ظروف السوق العالمى أو المحلى والتشريعات والسياسات والمناخ، وكل ما يتعلق بالحالة موضوع البحث [334] .

 وقد أرادت الاتفاقية بأخذها بهذا المعيار تأكيد ترجيحها للضوابط الموضوعية، وكانت قد جعلته القاعدة العامة فى تفسير البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين إذا تعذر معرفة قصده منها أو كان الطرف الآخر لا يعلم بهذا القصد ولم يكن فى استطاعته هذا العلم، إذ تفسر هذه البيانات والتصرفات وفقاً لما يفهمه شخص سوى الإدراك من نفس صفة الطرف الآخر إذا وضع فى نفس الظروف [335] . وفى هذه الحالة يجب أن يؤخذ فى الاعتبار جميع الظروف المتصلة بالحالة، لاسيما المفاوضات التى تكون قد تمت بين الطرفين والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما والأعراف وأى تصرف لاحق صادر عنهما [336] .

 ويقع عبء إثبات عدم التوقع على عاتق الطرف المخالف، ويجب عليه إثبات أمرين: الأول أنه هو نفسه لم يتوقع بأى حال من الأحوال الضرر الجوهرى الذى تسبب فى إحداثه، والثانى أنه لا يوجد شخص سوى الإدراك من نفس صفته وفى نفس ظروفه يمكن أن يتوقع مثل هذا الضرر [337] .

 85- وقت التوقع: ولم تحدد الاتفاقية الوقت الذى يتعين أن يتوافر فيه توقع الطرف المخالف لنتيجة مخالفته، هل هو وقت التعاقد أم وقت ارتكاب المخالفة؟. وكان قد قدم أثناء مناقشة مشروع الاتفاقية اقتراحاً بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد"، لكن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً فتم استبعاده [338] ، وترك هذا الأمر لكى يحسمه القضاء إذا ثار نزاع بشأنه أمامه [339] .

 86- ذهب رأى إلى أن بحث توافر هذا التوقع يجب أن يكون وقت إبرام العقد، وأنه كان منطقياً إضافة هذه العبارة إلى نص المادة لتقدير توقع الطرف المخالف [340] . إذ أن العقد الذى لا يتفق فيه على اعتبار تاريخ التسليم أمراً جوهرياً، لا يتصور أن يتحول فيه هذا التاريخ لكى يصبح من جوهر العقد إذا علم البائع بعد ذلك أن المشترى ألزم نفسه ببيع البضاعة فى هذا الوقت [341] .

 وقد يحتج أصحاب هذا الرأى بأن اتفاقية لاهاى كانت قد تطلبت توافر شرط العلم بالمخالفة وآثارها وقت إبرام العقد [342] . فيؤخذ بذات الحكم في اتفاقية فيينا مادامت لم تخالفه صراحة.

 كما يمكن لهم الاحتجاج بأن اتفاقية فيينا قد اعتدت بوقت انعقاد العقد فى حالتين: الأولى عندما أجازت للمشترى فى عقد البيع الذى يتضمن تسليم البضاعة على دفعات إذا أعلن فسخ العقد بالنسبة لإحدى الدفعات أن يعلن فى نفس الوقت فسخ العقد بالنسبة للدفعات التى تم استلامها أو بالنسبة للدفعات المقبلة إذا كان لا يمكن استعمال هذه البضائع فى الأغراض التى أرادها الطرفان وقت انعقاد العقد بسبب عدم قابليتها للتبعيض [343] .

 والحالة الثانية عندما لم تسمح بأن يتجاوز التعويض قيمة الخسارة والربح الضائع التى توقعها الطرف المخالف أو التى كان ينبغى له أن يتوقعها وقت انعقاد العقد فى ضوء الوقائع التى كان يعلم بها أو التى كان من واجبه أن يعلم بها كنتائج متوقعة لمخالفة العقد [344] .

 فتقدير الأغراض التى أراد الطرفان استعمال البضاعة فيها، وتقدير توقع الطرف المخالف للخسارة اللاحقة والكسب الفائت لتحديد قيمة التعويض يرجع فيهما إلى وقت انعقاد العقد. لذلك يمكن القول بأنه يتعين دائماً الرجوع إلى وقت انعقاد العقد لتقدير توقع الضرر قياساً على هذين الحكمين [345] .

 87- لكن اتفاقية لاهاى إذا كانت قد عولت على وقت إبرام العقد لتقدير توافر العلم بالمخالفة وآثارها، فإن هذا الحكم قد انتقد لأن المتغيرات التى قد تحدث وقت ارتكاب المخالفة قد تؤدى إلى اختلاف ظروف السوق عن وقت إبرام العقد، وبالتالى يختلف التقدير فى هذا الوقت عن ذاك [346] . وكذلك لصعوبة تصور أن يقدم أحد على التعاقد إذا علم فى ذلك الوقت أن من سوف يتعاقد معه سوف يرتكب مخالفة للعقد ولو كانت بسيطة، إذ المنطقى أن يحجم عن التعاقد معه ليلجأ إلى آخر يلتزم بما يتم الاتفاق عليه [347] .

 أضف إلى ذلك أن اتفاقية فيينا قد خلت من حكم مماثل، ولا يعنى ذلك أنها أرادت متابعة اتفاقية لاهاى فى ذات الحكم، إذ أن الاقتراح الذى قدم بإضافة عبارة "وقت إبرام العقد" قد تم رفضه صراحة.

  ولا يصح القياس على الحكمين اللذين أوردتهما الاتفاقية واعتدت فيهما بوقت إبرام العقد، لاختلاف موضوعهما عن الموضوع الماثل، إذ أنهما يتعلقان بغرض الطرفين من البضاعة وتقدير التعويض، بينما نحن هنا بصدد توقع الضرر باعتباره أحد عناصر المخالفة الجوهرية [348] . ولأنه لو أرادت الاتفاقية تعميم هذا الحكم لذكرت ذلك صراحة.

 كما أن مؤدى الأخذ بوقت إبرام العقد أن يتعذر إجراء أى تعديل لما تم الاتفاق عليه فى العقد، ولا يعتد بأى تغير يطرأ في الظروف بعد إبرامه. فإذا أخطر المشترى البائع بعد إبرام العقد بضرورة تسليم البضاعة كاملة دون نقص لاحتياجه الشديد إلى ذلك، لكن البائع سلم البضاعة وبها نقص جرى العرف على التسامح فيه، فإن المخالفة هنا لا تكون جوهرية حتى ولو لحق المشترى بسببها ضرر جوهرى، لأن البائع لا يمكن له توقع مثل هذه النتيجة وقت إبرام العقد إذا لم يخطره المشترى بها إلا بعد ذلك [349] .

 88- لذلك نرى أن تقدير توقع الطرف المخالف للضرر الجوهرى الذى لحق الطرف الآخر يكون وقت ارتكاب المخالفة التى أدت إلى هذا الضرر. إذ يصعب على المتعاقد أن يقدر وقت إبرام العقد المتغيرات التى قد تحدث بعد ذلك وتؤدى به إلى ارتكاب مخالفة للعقد [350] .

 ويؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى تغيرات تطرأ على ظروف السوق بعد إبرام العقد وتؤدى إلى تغير موقف أحد الطرفين. فلو حدثت تقلبات اقتصادية فى دولة المشترى يعلمها البائع أدت إلى وجوب الالتزام بدقة بوقت التسليم المتفق عليه وإلا تعرض المشترى لخسائر فادحة، فإن أى تأخير فى التسليم عن هذا الوقت ولو كان مما يتسامح فيه عادة يعد مخالفة جوهرية لأن البائع يجب أن يتوقع ما يترتب عليه من ضرر جوهرى للمشترى.

 كما يؤدى الأخذ بهذا الرأى إلى وجوب الاعتداد بأى معلومات إضافية تصل إلى علم أحد الطرفين بعد إبرام العقد، مادام لا يوجد ما يحول دون تنفيذه لما هو مطلوب منه بموجبها، ولا يمثل ذلك عبئاً جديداً عليه. فلو تعاقد طرفان على بيع سلعة اتفق على تغليفها حتى يتمكن المشترى من إعادة بيعها، وبعد وقت قصير من إبرام العقد علم البائع أنه يجب وضع بيان معين على الغلاف وأن ذلك يعد شيئاً جوهرياً لإمكان إعادة البيع فى بلد المشترى، فإن عدم قيام البائع بذلك سوف يشكل مخالفة جوهرية ولا يحق له التمسك بعدم توقعه الضرر الذى لحق المشترى من جرائها [351] .

  89- الخلاصة: نخلص مما تقدم إلى أن الاتفاقية رغبة منها فى تقييد الحق فى فسخ العقد لم تكتف باشتراط ارتكاب أحد المتعاقدين مخالفة للعقد ترتب ضرراً جوهرياً للمتعاقد الآخر، ولكنها أضافت إلى ذلك اشتراط أن يكون هذا الضرر متوقعاً بأن يتوقعه الطرف المخالف وكذلك يتوقعه كل شخص سوى الإدراك من صفته وفى نفس ظروفه.

 وأظهرت الاتفاقية ترجيحها للضوابط الموضوعية بقياسها توقع الضرر بمعيار موضوعى يتمثل فى علم شخص عاقل أو وفقاً لتعبير الاتفاقية سوى الإدراك - من صفة الطرف المخالف إذا وجد فى نفس ظروفه. ويقع على الطرف المخالف عبء إثبات هذا التوقع.

 ويتم تقدير التوقع وقت ارتكاب المخالفة، على خلاف ما ذهب إليه البعض من أن هذا التقدير يكون وقت إبرام العقد.

المبحث الثانى

تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية

 90- تمهيد: يجب للتحقق من عدم تنفيذ الالتزام المقارنة بين حدود الالتزام كما نشأ والكيفية التى تم التنفيذ عليها [352] . والأصل أن حدود الالتزام يوضحها ما تم الاتفاق عليه فى العقد، أى إرادة المتعاقدين، فهى المرجع الأساسى للتعرف على هذه الحدود. وكما قيل بأن المتعاقدين هما أفضل قضاة لتحديد ما فرض عليهما من التزامات [353] .

 فإذا خلا العقد من بيان لهذه الالتزامات يرجع إلى الأعراف التى اتفق عليها الطرفان والعادات التى استقر عليها التعامل بينهما، وكذلك إلى الأعراف المعروفة على نطاق واسع وتراعى بانتظام فى التجارة الدولية فى العقود المماثلة السارية فى نفس فرع التجارة مادام قد علم بها الطرفان أو كان ينبغى عليهما أن يعلما بها [354] .

 ويرجع أخيراً إلى أحكام الاتفاقية إذا اتفق المتعاقدان صراحة على ذلك، أو لتكملة ما اعترى عقدهما من نقص بخصوص موضوعات سكتا عنها ولم ينظماها، إذ أن الصفة التكميلية للاتفاقية هى أحد خصائصها الرئيسية [355] .

 91- الالتزام بتحقيق نتيجة والالتزام ببذل عناية: ولتحديد ما إذا كان المتعاقد قد قام بتنفيذ التزامه وفقاً لحدوده سالفة البيان، ينبغى التفرقة بين الالتزام بتحقيق نتيجة obligation de résultat والالتزام ببذل عناية obligation de moyens [356] . فالالتزام بتحقيق نتيجة لا يكون تنفيذه إلا بتحقيق نتيجة معينة هى محل الالتزام، فإذا لم تتحقق هذه النتيجة بقى الالتزام غير منفذ. أما الالتزام ببذل عناية فهو التزام ببذل الجهد للوصول إلى غرض معين تحقق هذا الغرض أو لم يتحقق. فيجب أن يبذل المدين مقداراً معيناً من العناية، هو ما يبذله الشخص العادى، ومتى بذل هذه العناية المطلوبة منه يكون قد نفذ التزامه حتى ولو لم يتحقق الغرض المقصود [357] .

 والغالب أن تكون التزامات المتعاقدين الأساسية فى عقد البيع هى التزامات بتحقيق نتيجة، ما لم يتفق على خلاف ذلك، إذ أن المشترى لا يتعاقد إلا بقصد الوصول إلى نتيجة معينة هى حصوله على البضاعة المبيعة، ولا يتعاقد البائع إلا للحصول على مقابل هذه البضاعة. ومن ثم لا يكون البائع قد نفذ التزاماته الرئيسية فى عقد البيع إلا إذ قام بتسليم البضاعة والمستندات مطابقة لما اتفق عليه فى العقد، ولا يجديه القول بأنه بذل جهداً لتحقيق هذه النتيجة ولم يستطع. ولا يكون المشترى قد نفذ التزاماته الرئيسية فى العقد إلا إذا قام فعلاً باستلام البضاعة المبيعة ودفع ثمنها للبائع، ولا يجديه أن يبذل جهده فى ذلك دون أن تتحقق هذه النتيجة.

 92- تحديد المخالفة الجوهرية: ويجب للقول بأن عدم تنفيذ المتعاقد لالتزامه يشكل مخالفة جوهرية أن يوضع تعريف المخالفة الجوهرية جنباً إلى جنب مع الالتزام المدعى الإخلال به ومع أحكام الاتفاقية الخاصة بعلاج الإخلال، وذلك لمعرفة ما إذا كان قد حدث إخلال فعلاً فى تنفيذ هذا الالتزام، ومدى إمكان علاج هذا الإخلال. لأن المخالفة الجوهرية إذا أمكن علاجها لا تعد جوهرية [358] .

 ويجب أن نضع فى اعتبارنا المبدأ العام الذى وضعته الاتفاقية، وهو تقييد الحق فى الفسخ وعدم اللجوء إليه إلا فى أضيق الحالات [359] . فيستبعد الفسخ كلما كان من الممكن إصلاح ما ألم بالعقد من عيب أو قصور، وكذلك يستبعد الفسخ إذا كان هناك جزاء آخر يمكن عن طريقه مواجهة ما صدر عن المتعاقد من إخلال كتخفيض الثمن والتعويض.

 والالتزامات الأساسية التى يتحمل بها البائع فى عقد البيع الدولى، والتى نظمتها الاتفاقية فى أحكامها، هى التزامه بتسليم البضائع والمستندات، والتزامه بالمطابقة. بينما تتمثل التزامات المشترى فى التزامين رئيسيين هما التزامه باستلام البضاعة والتزامه بدفع الثمن.

 فنتكلم عن تطبيقات لفكرة المخالفة الجوهرية على هذه الالتزامات، ونتناول أولاً التزامات البائع ثم التزامات المشترى.

المطلب الأول

التزامـــات البـــائع

 93- تتمثل التزامات البائع الأساسية فى عقد البيع فى التزامه بتسليم البضاعة، وتسليم المستندات المتعلقة بها، ونقل ملكيتها على النحو الذى يقتضيه العقد وأحكام الاتفاقية [360] . وإذا كانت اتفاقية فيينا لم تشر صراحة إلى الالتزام بالمطابقة كالتزام مستقل عن الالتزام بالتسليم [361] . فإنها قد أفردت له أحكاماً مستقلة مما يرجح القول باتجاه واضعى الاتفاقية إلى اعتباره التزاماً مستقلاً عن الالتزام بالتسليم [362] .

 وإذا كان البائع ملزماً بنقل ملكية البضاعة المبيعة إلى المشترى، فإن الآثار التى قد يحدثها العقد فى شأن ملكية هذه البضاعة لم تنظمها الاتفاقية بل استبعدتها صراحة من نطاق تطبيقها [363] . ويرجع ذلك إلى اختلاف التشريعات الوطنية بشأن هذه المسألة بحيث يصعب توحيد الحكم فيها فى نطاق اتفاقية دولية [364] .

 ونتكلم فيما يلى عن التزام البائع بتسليم البضاعة، والتزامه بتسليم المستندات، ثم التزامه بالمطابقة.  أولاً: الالتزام بتسليم البضاعة:

 94- التسليم الفعلى والتسليم الحكمى: لم تعرف اتفاقية فيينا الالتزام بالتسليم تاركة ذلك للفقه، نظراً للانتقادات التى تعرض لها تعريف التسليم فى اتفاقية لاهاى [365] . وقد اتجه الفقه إلى أن التسليم قد يكون فعلياً وقد يكون حكمياً.

 ويكون التسليم الفعلى بمناولة البضاعة من البائع إلى المشترى [366] . أى أن تتصل البضاعة بالمشترى اتصالاً مادياً وتدخل تحت سيطرته الفعلية هو أو من ينوب عنه [367] . فإن تعذر ذلك يكون التسليم الفعلى بوضع البضاعة تحت تصرف المشترى