فســـخ عقـــد البيـــع الدولـــى

للبضـــائع

وفقـــاً لاتفاقيـــة فيينـــا لعـــام 1980

الدكتـور

خــالد أحمــد عبــد الحميــد

المستشـار بمحكمـة النقـض

الطبعـــة الثانيـــة

2001



 

 

 

 

 

  إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً 1  ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبِكَ
وما تأخر ويُتم نعمتهُ عليك ويهديكَ صراطاً مستقيماً 2    

 

 



تنويــــــــه

كان هذا المؤلف موضوعاً لرسالة قدمت للحصول على درجة الدكتوراه فى الحقوق من كلية الحقوق جامعة القاهرة.

وتمت مناقشتها بتاريخ 20/12/2000، وشكلت لجنة المناقشة والحكم من الدكتور محمود سمير الشرقاوى أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - مشرفاً ورئيساً، والدكتور أبو زيد رضوان أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة عين شمس - عضواً، والدكتور رضا عبيد أستاذ القانون التجارى بكلية الحقوق جامعة القاهرة - فرع بنى سويف - عضواً.

وقد حصلت الرسالة على تقدير ممتاز والتوصية بتبادلها مع الجامعات العربية والأجنبية.

 

 



M

1- بدأت علاقات التجارة الدولية تبتعد منذ وقت غير قريب عن سيطرة وسطوة القوانين الداخلية، لتحكم أو تنظم عن طريق قواعد ذات طابع مهنى وقواعد عرفية لا تنتمى بأصلها إلى قواعد مستمدة من قانون دولة ما، بقدر ما تستمد من واقع ما يمكن أن يطلق عليه "مجتمع التجار الدولى". وتعتبر هذه القواعد بمثابة قانون يعلو بالضرورة "فوق الدول" Supranational أو هو "قانون غير وطنى" A national، يجسد فى الواقع قانون التجارة الدولية القديم والمعروف باسم Lex mercatoria[1].

ويرجع سبب اللجوء إلى هذه القواعد العرفية أن القوانين الوطنية كانت تعجز فى كثير من الحالات عن متابعة تطورات التجارة الدولية[2]. حتى قيل بأن التجارة الدولية لا تجد أحسن الظروف لنموها إلا إذا أفلتت من قيود واختلاف التشريعات والقوانين الوطنية، والتى تجعل القلق وعدم الأمان ملازماً للعقود الدولية التى تخضع لها[3].

كما أن تحديد القانون الوطنى الواجب التطبيق يرجع فيه إلى قواعد القانون الدولى الخاص المتعلقة بتنازع القوانين، وهى قواعد عسيرة الفهم على رجال القانون أنفسهم، وهى تختلف من دولة إلى أخرى مما يثير الكثير من الشك
حول القانون الذى سوف يحكم النزاع[4]. فإذا لم يحدد المتعاقدان هذا القانون فى عقدهما، تعذر عليهما معرفة القانون الذى سوف يطبقه القاضى إذا ثار نزاع بينهما[5]. وأدى ذلك إلى إشاعة القلق فى التعامل التجارى الدولى، وإلى استشعار رجال التجارة الدولية الحاجة إلى قواعد قانونية جديدة تكون أكثر مناسبة لظروفهم.

2- وتجد هذه القواعد العرفية للتجارة الدولية مصدرها فى العقود النموذجية Contrats-Types أو الشروط العامة Conditions Générales، وهى شروط يتفق عليها تجار سلعة معينة فى منطقة جغرافية معينة ويلتزمون بإرادتهم الحرة باتباعها فيما يبرمونه من صفقات تتعلق بهذه السلعة. وتحرر هذه الشروط عادة من نماذج مختلفة، يراعى فى كل نموذج منها ظروف تجار السلعة فى منطقة معينة، ويختار المتعاقدان النموذج الذى يتفق وظروفهم الخاصة، وقد ذاعت هذه الشروط العامة فى الوقت الحاضر حتى صارت تشمل أنواعاً عديدة من السلع وتغطى مناطق جغرافية شاسعة، ومثالها الشروط العامة التى وضعتها جمعية لندن لتجارة الغلال The London Corn Trade Association، والشروط العامة التى وضعتها اللجنة الاقتصادية الأوروبية بشأن توريد الأدوات والآلات اللازمة لتجهيز المصانع La fourniture des matériels d'équipement.[6]

كذلك فإن القواعد الدولية لتفسير مصطلحات التجارة الدولية والمعروفة باسم Incoterms والصادرة عن غرفة التجارة الدولية بباريس[7]، تعد أحد المصادر الأساسية لقواعد التجارة الدولية، ورغم أنها قواعد اختيارية يجب أن يتفق المتعاقدان على تطبيقها، إلا أنها تُعد تقنيناً يهتدى به للعرف الدولى فى البيوع التجارية الدولية، وتستخدمها فى الغالب الأعم العقود ذات الشكل النموذجى، بل ينظر إليها البعض باعتبارها المصدر الأساسى لقانون هذه البيوع الدولية.[8]

وقد تجد قواعد التجارة الدولية مصدرها فى الاتفاقيات الدولية التى تبرم بين عدد من الدول بقصد وضع قواعد موضوعية موحدة تسرى على المعاملات الدولية، فتلتزم الدول الموقعة عليها بتطبيق أحكامها. لكنها
لا يترتب عليها إلغاء القانون الوطنى فى شأن الموضوع الذى تتناوله الاتفاقية، وإنما ينكمش مفعول هذا القانون فى حدود الدولة فلا يسرى إلا على المعاملات الداخلية، أما المعاملات الدولية فتسرى عليها أحكام الاتفاقية[9].

3- وقد عملت بعض الهيئات الدولية على وضع قواعد موضوعية موحدة دولية تخضع لها مباشرة معاملات التجارة الدولية، منها المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص L'institut international pour L'unification de droit Privé[10]، والذى أولى اهتماماً لعدة مسائل فى القانون الخاص تتعلق بموضوعات التجارة الدولية من أهمها البيوع الدولية. وقد أسفرت جهوده فى هذا المجال عن توقيع اتفاقيتى لاهاى فى أول يوليو سنة 1964، واللتين تتضمنان قواعد موحدة للبيوع الدولية الأولى منهما تتعلق بالقانون الموحد للبيع الدولى للمنقولات المادية، والثانية تشتمل على قواعد موحدة خاصة
بتكوين هذا العقد. وقد دخلت الاتفاقيتان حيز التنفيذ منذ 18 و23 أغسطس سنة 1972 بالنسبة للدول التى صدقت عليهما[11].

ورغم الجهود التى بذلت فى إعداد اتفاقية لاهاى إلا أنها فشلت فى تحقيق الغرض المقصود منها، إذ لم يصدق عليها سوى عدد قليل من الدول[12]. ويرجع ذلك إلى أن الأعمال التحضيرية لهذه الاتفاقية شارك فيها عدد محدود من الدول غلبت عليه النزعة الأوروبية[13]، وتنتمى غالبيتها إلى النظام الرأسمالى مما أدى إلى إحجام الدول الاشتراكية فى ذلك الوقت ومنها
الاتحاد السوفيتى عن الانضمام إليها[14]. ونتيجة لذلك جاءت الاتفاقية معبرة فى بعض أحكامها عن وجهة نظر تنتمى إلى نظام قانونى واحد، فظهرت الحاجة إلى اتفاقية جديدة تتسع فيها المشاركة لتعبر عن كافة المصالح والأنظمة القانونية[15].

 4- وأنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة فى 17 ديسمبر 1966 لجنة دائمة أسمتها "لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى"[16] United Nations Commission of International trade Law، بقصد تشجيع التنسيق والتوحيد التدريجى لقانون التجارة الدولية. وحدد قرار إنشائها نوعية الأعمال التى يتسنى للجنة القيام بها لتحقيق هذا الغرض، ومنها على وجه الخصوص إعداد مشروعات اتفاقيات دولية وقوانين نموذجية وقوانين موحدة جديدة، أو تشجيع الأخذ بهذه الأدوات، وتشجيع تدوين المصطلحات التجارية والقواعد والعادات والممارسات الخاصة بالتجارة الدولية ونشرها[17].

 وقد تصدت اللجنة لوضع اتفاقية جديدة للبيع الدولى بعد فشل اتفاقيتى لاهاى لسنة 1964، فشكلت مجموعة عمل لوضع مشروع الاتفاقية الجديدة اتخذت من اتفاقيتى لاهاى أساساً لها. وفى عام 1976 أتمت مجموعة العمل وضع مشروعى اتفاقيتين، الأولى لتكوين البيع والثانية لآثاره، وناقشت اللجنة المشروعين في دورة انعقادها عام 1978 وأقرتهما، لكنها أدمجتهما فى
مشروع اتفاقية واحدة خصصت الجزء الثانى منها لتكوين البيع والجزء الثالث لآثاره. وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة المشروع، وأحالته إلى مؤتمر دبلوماسى انعقد بمدينة فيينا عام 1980 والذى أقر هذا المشروع فى
11 إبريل 1980، وحملت الاتفاقية اسماً رسمياً هو "اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع"[18].

ونصت الاتفاقية على أن يبدأ سريانها فى اليوم الأول من الشهر التالى لانقضاء اثنى عشر شهراً على تاريخ إيداع الوثيقة العاشرة من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام[19]، وقد اكتمل عدد التصديقات المطلوب
لنفاذ الاتفاقية بإيداع كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وإيطاليا وثائق تصديقاتها فى 11 ديسمبر 1986[20]. وعلى ذلك بدأ نفاذ الاتفاقية بالنسبة للدول التى صدقت عليها حتى 11 ديسمبر 1986 - ومنها مصر - من اليوم الأول من شهر يناير 1988[21]. وحظيت الاتفاقية بعد ذلك بقبول واسع، إذ صدق عليها حتى نهاية عام 1998 ثلاث وخمسون دولة، مما جعلها من
أكثر الاتفاقيات الدولية لتوحيد قواعد التجارة الدولية نجاحاً حتى الوقت الحاضر[22]، حتى قيل بأنها يمكن أن تُعد القانون الجديد للتجار
The new Lex mercatoria[23]. ونتناول فيما يلى تعريف عقد البيع الدولى، وتنظيم اتفاقية
فيينا له، ثم الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى، ونحدد أخيراً  موضوع دراستنا وخطة البحث.


أولاً: عقد البيع الدولى:

5- تعريف عقد البيع: يجرى النشاط التجارى الدولى - فى الأغلب -  على أساس من عقد بيع، يبرمه طرفان من دولتين مختلفين، على بضاعة سوف يجرى نقلها من البائع إلى المشترى، مقابل ثمن يتم تسديده بطرق معينة. فالبيع هو الأداة القانونية الفعلية التى يتحقق بها هذا النشاط الاقتصادى[24].

ولا تختلف التشريعات الوطنية كثيراً فى تعريفها لعقد البيع، إذ تعتمد فى تعريفها على ما يرتبه البيع من التزامات على طرفيه، وهى نقل ملكية  لبضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ثمن نقدى، وقد صار الالتزام بنقل
المكية فى القوانين الحديثة ليس من طبيعة البيع فحسب، بل من مستلزماته أيضاً، فكل عقد بيع لابد أن ينشئ التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى، ويتم تنفيذ هذا الالتزام فى بعض البيوع بمجرد العقد وبقوة القانون، بينما يقتضى البعض الآخر قيام البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى تنفيذاً لالتزامه بذلك، أى قيامه بالأعمال اللازمة لذلك[25]. وترتب على ذلك اختلاف القوانين الوطنية فى شأن أثر البيع فى ملكية المبيع، فمنها ما رتب على مجرد انعقاد البيع انتقال ملكية المبيع من البائع إلى المشترى، ومنها ما لا يرتب على البيع إلا مجرد إنشاء التزام بنقل الملكية[26].


فنجد أن القانون المصرى يُعرف عقد البيع بأنه عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشترى ملكية شئ أو حقاً مالياً آخر فى مقابل ثمن نقدى[27]. فيركز هذا التعريف على صفة البيع كعقد ناقل للملكية، إذ يرتب التزاماً فى ذمة البائع بنقل ملكية المبيع إلى المشترى[28].

ويقترب تعريف القانون الإنجليزى لعقد البيع من هذا المفهوم، إذ يعرفه بأنه "عقد ينقل البائع بمقتضاه - أو يتعهد بنقل - ملكية البضاعة إلى المشترى نظير مقابل نقدى يسمى الثمن"[29]. فيجب أن يقدم كل طرف شيئاً فى مقابل
ما يحصل عليه، فيقدم البائع - أو يتعهد بتقديم - ملكية البضاعة، ويقدم المشترى أو يتعهد بتقديم نقود كثمن لها[30]. وعلى ذات النهج يُعرف القانون الأمريكى البيع بأنه "نقل ملكية البضاعة من البائع إلى المشترى مقابل ما يدفعه الأخير من ثمن"[31].


أما القانون الفرنسى فقد ركز على الالتزام بالتسليم، إذ عرف عقد البيع بأنه "العقد الذى يلتزم بموجبه أحد الطرفين بتسليم شئ مقابل التزام الطرف الآخر بدفع الثمن"[32]. فتنتقل الملكية فى القانون الفرنسى بصفة أساسية بمجرد العقد، ولا تمثل التزاماً على عاتق البائع والذى لا يلتزم إلا بتسليم الشىء المبيع أى بنقل حيازته إلى المشترى[33].

وتختلف البيوع الدولية فى نظرتها لأثر البيع الناقل للملكية، إذ ينصرف نظر أصحابها إلى التسليم الموافق لشروط العقد وحده، باعتباره مركز الثقل فى هذه المعاملات، وتنتقل الملكية إلى المشترى بمجرد تمام هذا التسليم[34]. فأصبح الالتزام بالتسليم هو أساس العقد الدولى لبيع البضائع ومحور أحكامه، وأصبح يعنى فى الوقت الحاضر الالتزام بنقل الملكية، وذلك لصعوبة الفصل بين الالتزامين فى التعامل التجارى، لتعلق بيع البضائع فى الغالب بأشياء منقولة معينة بالنوع فلا تنتقل ملكيتها بمجرد التعاقد، كما هو شأن بيع المنقول المعين بالذات. ولذلك فإن الاتفاقيات الدولية التى نظمت عقد البيع الدولى لم تتعرض للالتزام بنقل الملكية، وإنما للالتزام بالتسليم وحده[35].

6- دولية عقد البيع: اختلف الرأى بصدد دولية عقد البيع، أى المعنى المقصود من "الدولية" فذهب القضاء الفرنسى إلى أن العقد يكون دولياً إذا كان يتصل بمصالح التجارة الدولية "Met en jeu les intérêts du commerce "international. إلا أن هذا التعريف لا يتسم بالوضوح، إذ لم يحدد كيف يكون اتصال العقد بالتجارة الدولية، فهو تعريف غامض لا يساعد على تحديد مدلول العقد الدولى. وهو ما دفع البعض إلى تقرير أن العنصر الحاسم في تحديد دولية البيع هو إقامة طرفى العقد فى دولتين مختلفتين[36]. بينما ذهب بعض آخر إلى الاعتداد باختلاف جنسية المتعاقدين[37].

لكن اختلاف جنسية المتعاقدين أو اختلاف محال إقامتهما قد يؤديان إلى إضفاء الصفة الدولية على عقود بيع لا تمت إلى التجارة الدولية بصلة، كالبيع الذى يبرم بين أجنبيين من جنسيتين مختلفتين يقيمان فى مصر مثلاً وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها إلى مكان آخر، أو البيع الذى يبرم فى مصر بين مصرى يقيم بمصر وفرنسى يقيم بفرنسا لكنه فى زيارة لمصر وموضوعه سلع موجودة بمصر وليس فى النية نقلها وبثمن يدفع فى مصر وبالعملة المصرية، فالبيع فى الحالتين تغلب فيه الصفة الوطنية رغم اختلاف جنسية المتعاقدين ومحال إقامتهما[38].

 لذلك ذهب رأى إلى أن مجرد اختلاف جنسية أو موطن المتعاقدين لا يكفى لإضفاء صفه الدولية على عقدهما إذا لم يكن مكان إبرامه أو أعمال تنفيذه أو مكان وجود محله يهم أكثر من نظام قانونى، أى أكثر من قانون دولة واحدة. ويعرف العقد الدولى بالبناء على ذلك بأنه "العقد الذى يبرم بين مختلفى الجنسية أو متحديها إذا كان مكان إبرامه، أو أعمال تنفيذه، أو مكان وجود
محله يهم أكثر من نظام قانونى". ويقصد من هذا التعريف الإشارة إلى أن العقد لن يعتبر دولياً إلا إذا كان يتعلق بمعاملة دولية تقتضى تبادل بضائع أو أموال أو خدمات بين دول مختلفة، ولا يتوقف اعتباره دولياً على مجرد اختلاف
جنسية أو موطن أطرافه إن لم يقتض مثل هذا التبادل[39].

7- وتحدد الاتفاقيات الدولية التى تنظم البيع الدولى فى الغالب المقصود بالدولية، لأن أحكامها تتعلق بالبيع الدولى وحده فكان من اللازم بيان ضوابط الدولية التى يمكن على أساسها تحديد هذا البيع الدولى الخاضع لأحكامها.
فنجد أن اتفاقية لاهاى لسنة 1964 لم تعتد فى تحديد البيع الدولى الذى يخضع لأحكامها باختلاف جنسية المتعاقدين، إذ قد يُعد البيع دولياً ولو كان كل من البائع والمشترى من جنسية واحدة. وإنما جعلت العبرة باختلاف مراكز أعمال المتعاقدين أو محال إقامتهم العادية، واشترطت بالإضافة إلى هذا المعيار الشخصى أن يتوافر أحد معايير موضوعية ثلاثة:

الأول: هو وقوع البيع على سلع تكون عند إبرامه محلاً لنقل من دولة إلى أخرى، أو ستكون بعد إبرام البيع محلاً لمثل هذا النقل.

والثانى: هو صدور الإيجاب والقبول فى دولتين مختلفتين، ولا يشترط أن تكونا الدولتين اللتين يقع فيهما مركز أعمال المتعاقدين أو محل إقامتهما العادية، إذ المعتبر هو اختلافهما فحسب.

والثالث: هو تسليم المبيع فى دولة غير التى صدر فيها الإيجاب والقبول، ويكون البيع فى هذا الفرض دولياً ولو لم يقتض انتقال المبيع من دولة إلى أخرى[40].

ويعنى ذلك أنه يُشترط لكى يُعد البيع دولياً وفقاً لاتفاقية لاهاى أن يكون هناك عبور للحدود سواء من ناحية تكوين العقد أو من ناحية تنفيذه، بمعنى أن يتم تكوين العقد أو تنفيذه فى دول مختلفة. كما يعنى أن البيع يمكن أن يكون دولياً حتى لو كان المتعاقدان يحملان جنسية دولة واحدة ولكن يوجد مركز أعمال كل منهما فى دولة مختلفة، وأن البيع لا يكون دولياً إذا اختلفت جنسية المتعاقدين، ولكن كانت مراكز أعمالهما فى نفس الدولة[41].

 

 


ثانياً: تنظيم اتفاقية فيينا لعقد البيع الدولى:

8- ماهية عقد البيع فى اتفاقية فيينا: لم تُعرف اتفاقية فيينا لسنة 1980 عقد البيع واكتفت بتحديد الالتزامات الرئيسية لطرفيه، فنصت على أن البائع يجب عليه أن يُسلم البضائع والمستندات المتعلقة بها وأن ينقل ملكية البضائع على النحو الذى يقتضيه العقد وهذه الاتفاقية[42]. كما نصت على أن المشترى يجب عليه أن يدفع ثمن البضائع وأن يستلمها[43].

لكن الاتفاقية تعرضت لنوعين من البيوع لما قد يثار من شك حول تكييفهما، الأول هو عقد البيع الذى يقترن به عملية مادية هى صنع السلعة وفقاً للمواصفات المطلوبة، فنصت على أن تعتبر بيوعاً عقود التوريد التى يكون موضوعها صنع بضائع أو إنتاجها إلا إذا تعهد الطرف الذى طلب البضائع بتوريد جزء هام من العناصر المادية اللازمة لصنعها أو إنتاجها[44].

فالأصل إذن فى البيوع المقترنة بطلب صنع السلعة أو إنتاجها أنها تعتبر بيوعاً خاضعة لأحكام الاتفاقية، إلا إذا تعهد طالب صنع السلعة أو إنتاجها بتقديم جزء جوهرى مما يلزم لصنعها أو إنتاجها، فيكون العقد فى هذه الحالة شيئاً آخر غير البيع كعقد مقاولة أو إستصناع، فلا يخضع لأحكام الاتفاقية. ويتوقف اعتبار العقد بيعاً على جوهرية العنصر الذى يتعهد طالب السلعة بتقديمه، أى على أهمية الدور الذى يقوم به فى تكوينها، ولو لم يكن أكثر العناصر عدداً أو أضخمها وزناً أو أكبرها حجماً[45].

والنوع الثانى من البيوع الذى تعرضت له الاتفاقية هو الذى يتضمن بالإضافة إلى توريد البائع للبضاعة التزامه بتقديم خدمات للمشترى، كالمساعدة فى تجميع الأجهزة وتشغيلها وتدريب عمال المشترى ومساعدتهم فى اكتساب المهارات الفنية. وقد عرفت التجارة الدولية هذه العقود منذ زمن بعيد، والغالب أن يسمى البائع فيها "المقاول" Constructeur[46]، ومن أمثلتها "عقد تسليم مفتاح" Contrat Clé en main والذى يلتزم فيه المقاول بإتمام عمليات إقامة الأبنية وتوريد الآلات والأجهزة وتركيبها وتجربتها وإعداد المصنع للتشغيل، وقد يعهد إليه بخدمات إضافية تتمثل فى تشغيل المصنع وتدريب العاملين المحليين حتى تكتمل قدراتهم على إنتاج السلعة بالمواصفات المطلوبة، ويطلق على العقد عندئذ اسم "عقد تسليم إنتاج" Contrat produit en main[47]. وقد نصت الاتفاقية على أنها لا تطبق على هذه العقود إذا كان الجزء الأساسى فيها يتضمن التزام الطرف الذى يقوم بتوريد البضائع تقديم اليد العاملة أو غير ذلك من الخدمات[48]. فشرط عدم خضوع هذه العقود  للاتفاقية أن يثبت أن الجزء الغالب من التزامات المقاول يتمثل فى تقديم عمل أو القيام بخدمة أخرى بحيث لا يعتبر توريد البضائع سوى أحد الالتزامات التابعة لالتزامات المقاول فى العقد. ويستعان فى إثبات ذلك بتقدير قيمة البضائع التى يتم توريدها مع مقارنتها بالأجر الذى سيدفع مقابل العمل أو الخدمة، فإذا كانت القيمة الأولى هى الغالبة بأن كانت أكثر من 50% من القيمة الكاملة للعقد، فإن العقد يُعد بيعاً خاضعاً لأحكام الاتفاقية وإلا فهو عقد مقاولة يستبعد من الخضوع لها[49].

9- البيوع المستبعدة: وإذا كانت اتفاقية فيينا تضع تنظيماً موحداً لعقد بيع البضائع، فإن مؤدى ذلك أن يستبعد من نطاق تطبيقها بيع العقار، لأن العقار لا يُعد من البضائع، وكذلك بيع المنقولات المعنوية كبراءات الاختراع والعلامات التجارية لأن لفظ البضائع يشير إلى المنقولات المادية بصفة خاصة. كما يرجح استبعاد المقايضة أيضاً من نطاق تطبيقها لأن
الاتفاقية أشارت صراحة إلى التزام المشترى بأداء الثمن والمقايضة هى مبادلة شىء بشىء[50].

واستبعدت الاتفاقية صراحةً أنواعاً أخرى من البيوع، فنصت على عدم سريان أحكامها على بيوع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده، ولا يفترض فيه أن يعلم، بأن البضائع أشتريت لاستعمالها فى أى وجه من الوجوه المذكورة[51]. وكان من اللازم النص صراحةً على استبعاد مثل هذه البيوع والتى تُعد بيوعاً استهلاكية، بعد أن نصت الاتفاقية صراحةً على عدم الاعتداد بالصفة المدنية أو التجارية للأطراف أو للعقد، مما مؤداه أن تخضع هذه البيوع لأحكام الاتفاقية إذا لم تستبعد صراحةً من نطاقها[52].

ويرجع استبعاد هذه البيوع إلى أنها غالباً ما يتم تنظيمها فى القوانين الوطنية بقواعد آمرة تهدف إلى حماية المستهلكين، بالإضافة إلى انعدام الصلة بينها وبين التجارة الدولية. ويقع على المشترى عبء إثبات أن الشراء كان للاستعمال الشخصى، لأن الغالب أن يكون هو من يتمسك بتطبيق القانون الوطنى عليه، ويكون على البائع فى هذه الحالة إثبات أنه كان لا يعلم وقت التعاقد الغرض من الشراء ولم يكن فى إمكانه هذا العلم[53].

واستبعدت الاتفاقية من نطاق تطبيقها بيوع المزاد والبيوع التى تعقب الحجز أو غيرها من البيوع التى تتم بموجب أمر من السلطة القضائية[54]. ويرجع ذلك إلى أن بيوع المزاد لا يعرف فيها المشترى إلا لحظة رسو المزاد، فلا يمكن التعرف على دولية البيع ومدى خضوعه للاتفاقية قبل هذه اللحظة، ويكون الأولى إخضاع البيع لقانون الدولة التى يتم رسو المزاد بها. أما البيوع التى تتم بأمر من السلطة القضائية فالغالب أن يتم تنظيمها بقواعد آمرة فى القوانين الوطنية، فيتعين تركها لمثل هذا التنظيم[55].

واستبعدت الاتفاقية أيضاً من نطاق تطبيقها بيوع الأوراق المالية كالأسهم والسندات وشهادات الاستثمار، والأوراق التجارية كالكمبيالات والسندات الإذنية والشيكات، وبيع النقود أى عمليات الصرف الأجنبى[56]. وكذلك بيع السفن والمراكب والحوامات والطائرات[57]، وبيع الكهرباء[58]. ويرجع ذلك إلى أن هذه البيوع يتم تنظيمها فى الغالب فى القوانين الوطنية بأحكام خاصة تختلف عن أحكام البيع، وقد تكون آمرة. وفيما يتعلق ببيع النقود فإنه لا يستبعد من نطاق الاتفاقية إذا بيعت النقود بوصفها سلعة كبيع النقود الأثرية. أما بيع الكهرباء فيرجع استبعاده إلى الخلاف فى القوانين الوطنية حول ما إذا كانت الكهرباء منقولاً مادياً أم معنوياً، ويقتصر الاستبعاد على الكهرباء وحدها دون غيرها من مصادر الطاقة الأخرى[59].


10- ضابط الدولية فى اتفاقية فيينا: حددت اتفاقية فيينا متى يكون عقد البيع دولياً، فنصت على أن أحكامها تطبق على عقود بيع البضائع المعقودة بين أطراف توجد مراكز أعمالهم فى دول مختلفة[60]، دون اعتداد بجنسياتهم[61]. فوضعت الاتفاقية بذلك للدولية معياراً واحداً بسيطاً هو تواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دولتين مختلفتين، دون أن ينظر فى ذلك إلى مكان إبرام العقد أو تنفيذه أو جنسية المتعاقدين أو مكان وجود البضاعة موضوع عقد البيع[62].

ولم تُعرف الاتفاقية المقصود بمركز الأعمال[63]. فقد يكون المتعاقد شخصاً معنوياً أو فرداً، ويكفى فى الحالتين أن يوجد له مكان فى دولة معينة يمارس فيه عمله[64]. ويجب أن يكون هذا المكان دائماً، سواء كان مصنعاً أو محلاً تجارياً أو مكتباً أو وكالة، أما المنشآت العارضة فلا تؤخذ فى الاعتبار عند النظر فى تعيين نطاق تطبيق الاتفاقية[65].

لكن الاتفاقية اشترطت للاعتداد بتواجد مراكز عمل المتعاقدين فى دول مختلفة أن يتبين ذلك من العقد أو من أى معاملات سابقة بين الأطراف، أو من المعلومات التى أدلى بها الأطراف قبل انعقاد العقد أو فى وقت انعقاده[66]. ويعنى ذلك أن يكون كل من الطرفين عالماً وقت التعاقد أن مركز أعمال الطرف الآخر يوجد فى دولة أخرى، فيدرك بذلك أن البضاعة سوف تتخطى حدود الدولة وأن ثمنها سوف يرتد فيما بعد من الخارج[67]. وقصد بهذا الحكم مواجهة الحالة التى يتم فيها التعاقد مع وكيل محلى لمنشأة أجنبية، دون أن تظهر هذه المنشأة فى العقد أو يعلم بها الطرف الآخر[68].

وإذا كان لأحد الطرفين أكثر من مكان عمل واحد، فيقصد بمكان العمل المكان الذى له صلة وثيقة بالعقد وبتنفيذه، مع مراعاة الظروف التى يعلمها الطرفان أو التى كانت محل نظر بينهما فى أى وقت قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده[69]. وإذا لم يكن لأحد الطرفين مكان عمل، وجب الأخذ بمكان إقامته المعتاد[70]. وهو المكان الذى يقيم فيه الشخص عادة وإذا تركه مؤقتاً فإنه يعود إليه[71].

ولم تكتف الاتفاقية بتواجد مراكز أعمال المتعاقدين فى دول مختلفة إنما أضافت إلى ذلك ضرورة توافر أحد شرطين، الأول هو أن تكون هذه الدول التى توجد بها مراكز أعمال المتعاقدين دولاً متعاقدة[72]. فتطبق الاتفاقية إذا كانت مراكز أعمال المتعاقدين موجودة فى دول مختلفة متعاقدة، أى صدقت على الاتفاقية أو انضمت إليها وأصبحت جزءاً من قانونها
الوطنى، وذلك حتى لو أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة ثالثة[73].

والشرط الثانى الذى تُطبق أحكام الاتفاقية فى حالة تحققه، هو عندما تؤدى قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة[74].

ويعنى ذلك أن الاتفاقية قد وسعت من نطاق تطبيقها بصورة كبيرة،بحيث تطبق على عقود بيع لا يوجد مركز أعمال لأحد طرفيها فى دولة متعاقدة، أو حتى لا يوجد مركز أعمال لأى من طرفيها فى دولة متعاقدة، وإنما يكون تطبيقها فى هذه الحالة نتيجة تطبيق قواعد القانون الدولى الخاص[75]. فإذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص فى هذه الحالة إلى تطبيق قانون دولة متعاقدة فإن الذى يطبق هو أحكام الاتفاقية وليس القانون الداخلى لهذه الدولة[76].

وقد اعترضت بعض الدول فى المؤتمر الدبلوماسى الذى ناقش مشروع اتفاقية فيينا، على هذا الحكم الأخير بحجة أن لديها تشريعات وضعت خصيصاً لمواجهة متطلبات التجارة الدولية وطلبت عدم إلزامها بتطبيق أحكام الاتفاقية إذا أدت قواعد القانون الدولى الخاص إلى تطبيق قانونها[77]. ونتج عن ذلك أن أضيف حكم جديد إلى الاتفاقية يجيز لأى دولة متعاقدة أن تعلن وقت إيداع وثيقة تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو انضمامها أنها لن تلتزم بأحكام البند  ب  من الفقرة الأولى من المادة الأولى من الاتفاقية[78].

11- موضوعات البيع المستبعدة: لم تنظم اتفاقية فيينا جميع موضوعات البيع فى العقود التى تخضع لأحكامها، وإنما قصرت تطبيقها على تكوين عقد البيع والحقوق والالتزامات التى ينشئها هذا العقد لكل من
البائع والمشترى[79].

ويرجع سبب قصر الاتفاقية على هاتين الناحيتين أنهما دون غيرهما من نواحى البيع الأخرى أطوع للتوحيد لخلوهما من المعوقات التى تحول دون بلوغه، كما أنهما أوثق النواحى صلة بالتجارة الدولية، إذ تدور حولهما فى أغلب الفروض المنازعات التى تنشأ عن البيع الدولى[80].

وذكرت الاتفاقية أمثلة لبعض المسائل التى لا تشملها أحكامها فنصت على أنها لا تتعلق على وجه الخصوص بصحة العقد أو شروطه أو الأعراف المتبعة فى شأنه[81]. وكذلك لا تتعلق بالآثار التى يحدثها العقد في شأن ملكية البضائع المبيعة[82]. كما نصت على أن أحكامها لا تسرى على مسئولية البائع الناتجة عن الوفاة أو الإصابات البدنية التى تحدث لأى شخص بسبب البضائع[83].


وأجازت الاتفاقية للطرفين استبعاد تطبيقها أو مخالفة نص من نصوصها أو تعديل آثاره[84]. فأحكام الاتفاقية لا تتعلق بالنظام العام فيجوز استبعادها أو الاتفاق على مخالفتها[85].

فتعد الصفة التكميلية لأحكام الاتفاقية من خصائصها المميزة، فيستطيع المتعاقدان استبعاد تطبيقها سواء كان ذلك كلياً أو جزئياً، لكن يجب أن يتفقا على ذلك صراحةً. ولا يكفى الاتفاق على تطبيق القانون الوطنى لإحدى الدول، لأن هذه الدولة إذا كانت متعاقدة فسوف تكون أحكام الاتفاقية هى الواجبة التطبيق، فيجب أن يذكر المتعاقدان صراحة استبعادهما
لأحكام الاتفاقية[86].


ثالثاً: الفسخ كجزاء للإخلال بتنفيذ عقد البيع الدولى:

12- يُعد مبدأ العقد شريعة المتعاقدين من المبادئ الأساسية المأخوذ بها فى التجارة الدولية، فيلتزم المتعاقدان بتنفيذ جميع ما اشتمل عليه العقد وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن