تفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود

البيع الدولى للبضائع

 

 

 

دكتور

حسام الدين عبد الغنى الصغير

 أستاذ ورئيس قسم القانون التجارى والبحرى

كلية الحقوق جامعة المنوفية

 

 

2001

 

دار النهضة العربية

32 شارع عبد الخالق ثروت, القاهرة

 

حقوق الطبع و النشر محفوظة للمؤلف

 

 


تنبيه

 

 أدخلت بعض تعديلات محدودة على المؤلف لأغراض النشرالإلكترونى

 

لايجوز عمل أى نسخة من هذا المؤلف أو جزء منه إلا بترخيص من المؤلف

 

 

 
بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيــــد :

1- لا شك أن اختلاف التشريعات الوطنية وتباينها فى تنظيمها للمعاملات التجارية الدولية من شأنه إشاعة القلق وعدم الاستقرار فى التعامل على المستوى الدولى ، مما يعوق تدفق التجارة الدولية ويمنع ازدهارها . فتباين الأحكام الموضوعية وقواعد التنازع التى تضعها التشريعات الوطنية من شأنه جهل أطراف العلاقات الدولية بالقواعد القانونية التى تخضع لها المعاملات ، مما يعرضهم - إذا ما نشب نزاع فيما بينهم - لمفاجآت تنجم عن تطبيق قواعد تنازع القوانين المختلفة نتيجة لتباين القواعد الموضوعية التى تضعها التشريعات الوطنية فى تنظيمها للمعاملات التجارية الدولية واختلافها([1]) .

        ولذلك فقد اتجهت الجهود التى تبذل على المستوى الدولى منذ زمن بعيد إلى العمل على توحيد القواعد التى تحكم المعاملات التجارية الدولية بهدف تنمية التعامل التجارى بين الدول وحماية أطراف المعاملات من المخاطر التى تنجم عن تطبيق القوانين الوطنية المختلفة التى يجهلون أحكامها.

اهتمام المنظمات الدولية بتوحيد أحكام البيع الدولى للبضائع :

2- ولقد كان من الطبيعى أن تتجه الجهود، منذ بداية ظهور حركة توحيد القانون الخاص، نحو توحيد أحكام البيع الدولى للبضائع، لما لعقد البيع من أهمية خاصة فى مجال التجارة الدولية تفوق أهمية أى عقد آخر. وسارت جهود المنظمات الدولية المهتمة بتنمية التجارة الدولية فى اتجاهين : الأول هو توحيد قواعد تنازع القوانين عن طريق وضع قواعد إسناد موحدة ، أما الاتجاه الثانى فيتضمن وضع قواعد موضوعية موحدة تسرى على البيوع الدولية للبضائع، فتقضى على التنازع بين القوانين، ونوضح ذلك على التفصيل التالى :

(أ‌)         توحيد قواعد تنازع القوانين :

3-  تولى مؤتمر لاهاى للقانون الدولى الخاص    The Hague Conference of Private International Law

العمل فى مجال توحيد قواعد تنازع القوانين ([2]) . وأسفرت الجهود التى بذلها عن إبرام اتفاقيتين دوليتين ([3]) فى مجال البيوع الدولية هما :

(1) اتفاقية لاهاى بشأن القانون الواجب التطبيق على البيع الدولى للمنقولات المادية المبرمة فى 15 يونيو 1955.

La Convention de La Haye du 15 Juin, 1955 Sur La Loi Applicable aux Ventes à Caractère International d’Objets Mobiliers Corporels وقد صدقت على هذه الاتفاقية تسع دول هى : بلجيكا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وإيطاليا والنيجر والنرويج والسويد وسويسرا ([4]) وأصبحت نافذة منذ أول سبتمبر 1964 ([5]) .

        وحلت محل هذه الاتفاقية اتفاقية أخرى هى اتفاقية لاهاى المبرمة فى 22 ديسمبر 1986 بشأن القانون الواجب التطبيق على البيع الدولى للمنقولات المادية ([6]) .

La Convention de La Haye du 22 Decembre 1986 Sur La Loi Applicable aux Ventes Internationales de Mechandises.

(2) اتفاقية لاهاى المبرمة فى 15 ابريل 1958 بشأن القانون الواجب التطبيق على انتقال الملكية فى البيع الدولى للمنقولات المادية .

La Convention de La Haye du 15 Avril 1958 Sur La Loi Applicable aux Transferts de Propriété en Cas de Vente à Caractère International d’Objets Mobiliers Corporels.

    وهى لم تدخل حيز النفاذ بعد ([7]) .

(ب‌)     توحيد القواعد الموضوعية التى تحكم عقود البيع الدولى للبضائع :

4- وتولى المعهـد الدولى لتوحــيد القانـون الخــاص (رومــا )

 International Institute for the Unification of Private Law (Unidroit)  العمل على توحيد القواعد الموضوعية لعقود البيع الدولى للبضائع . وبدأ العمـل سنة 1931 بإنشاء لجنة خاصة لوضع مشروع موحد للبيع الدولى . وبعد الانتهاء من صياغة المشروع المقترح أرسلته عصبة الأمم إلى حكومات الدول المختلفة لاستطلاع الرأى سنة 1935، ثم عدلت صياغة المشروع على ضوء ما ورد إليها من ملاحظات . غير أن العمل فى المشروع توقف بعد ذلك على أثر اندلاع الحرب العالمية الثانية . وبعد ما انتهت الحرب تبين أن المشروع لم يعد صالحا لمواجهة التغيرات الاقتصادية التى أحدثتها الحرب العالمية . ورأى معهد روما ضرورة عقد مؤتمر دولى لإعادة النظر فى المشروع من جديد ووضع الأسس التى يقوم عليها . وعقد المؤتمر بمساعدة الحكومة الهولندية فى مدينة لاهاى فى الفترة من 1 إلى 10 نوفمبر 1951 ([8]) ، وشاركت فى أعمال المؤتمر وجلساته 21 دولة ([9]) . ووضع المؤتمر الأسس التى يجب أن يقوم عليها مشروع الاتفاقية كما أنشأ لجنة خاصة لإعداده، وانتهت اللجنة من عملها فى سنة 1956 وقدمت تقريرا تم نشره مع المشروع الذى أعدته. وأرسلت الحكومة الهولندية المشروع مرفقا به تقرير اللجنة إلى الدول المختلفة وغرفة التجارة الدولية لإبداء الرأى فيه . وفى خلال فترة استطلاع الرأى انتهى المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص (معهد روما) من إعداد مشروع اتفاقية أخرى فى شأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع وأرسله إلى حكومات الدول لاستطلاع الرأى . ثم عقدت اللجنة آخر اجتماع لها سنة 1962 لدراسة المقترحات والملاحظات التى وردت إليها ، وأدخلت التعديلات اللازمة فى ضوء ما ورد إليها من مقترحات ([10]) .

5- وفى أبريل 1964 عقد مؤتمر دبلوماسى بمدينة لاهاى برعاية الحكومة الهولندية شاركت فيه 28 دولة ورأسه السفير Schurmann لمناقشة المشروعين . وأسفر المؤتمر عن إبرام اتفاقيتين دوليتين هما :

(1) اتفاقية تحتوى على قانون موحد بشأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع

Convention relating to a Uniform Law on the Formation of Contracts for International Sale of Goods 1964 [ULF]

(2) اتفاقية تحتوى على قانون موحد بشأن البيع الدولى للبضائع

Convention relating to a Uniform Law on the International Sale of Goods 1964 [ULIS]

وقد بدأ سريان أحكام الاتفاقيتين فى 1972 بعد التصديق عليهما من 5 دول أغلبها أوروبية ([11]) .

إحجام الدول عن الانضمام إلى اتفاقيتى لاهاى 1964:

6-  وعلى الرغم من الجهود المتواصلة التى بذلت على المستوى الدولى منذ سنة 1930 لتوحيد القواعد التى تحكم عقود البيع الدولى للبضائع ، والتى أسفرت عن إبرام اتفاقيتى لاهاى 1964، إلا أن هذه الجهود لم تحقق التوحيد المنشود لإحجام غالبية الدول على الانضمام إليهما ، فلم ينضم إلى كلا الاتفاقيتين منذ إبرامهما سوى ثمان دول هى : بلجيكا وألمانيا الاتحادية وجامبيا والمملكة المتحدة وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا وسان مارينو . وانضمت إسرائيل إلى اتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع ولكنها لم تنضم الى اتفاقية لاهاى 1964 بشأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع ([12]) . ويرجع السبب الرئيسى فى إحجام غالبية الدول عن الانضمام إلى الاتفاقيتين إلى عدم الاشتراك فى إعدادهما. فلم يشارك فى إعداد الاتفاقيتين وصياغتهما سوى عدد محدود من الدول معظمها دول أوروبية ، ولذلك ساد الاعتقاد لدى غالبية الدول – وخاصة الدول النامية والدول الاشتراكية – بأن نصوص اتفاقيتى لاهاى لا تخدم سوى مصالح الدول الغربية ([13]) .

إنشاء لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية ( اليونسترال ):

7-  وتبذل هيئة الأمم المتحدة نشاطا واسع النطاق فى مجال توحيد قانون التجارة الدولية منذ انشاء لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى (اليونسترال ) United Nations Commission on International Trade Law (UNCITRAL) . وقد أنشئت هذه اللجنة بقرار صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها الحادية والعشرين فى 17 ديسمبر 1966 ([14]) بغرض تنسيق وتوحيد قانون التجارة الدولية ، وذلك بعد أن ناقشت الجمعية العامة التقرير الذى أعدته الأمانة العامة بالاستعانة بأحد كبار أساتذة قانون التجارة الدولية وهو الفقيه الإنجليزى Schmitthof ، ورأى لجنة خاصة قامت بتشكيلها من خمسة أشخاص وبملاحظات بعض المنظمات الدولية التى طلب منها الرأى ([15]) .

ويرجع الفضل لحكومة المجر فى جذب الانتباه لأهمية توحيد أحكام قانون التجارة الدولية بعد أن لوحظ كثرة عدد المنظمات الدولية التى تعمل فى هذا الميدان ، وانعدام التعاون والتنسيق فيما بينها، حيث طرحت حكومة المجر فى الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة فى دورتها العشرين هذا الموضوع ، واقترحت ضرورة توجيه جهود الأمم المتحدة نحو توحيد أحكام قانون التجارة الدولية . وبعد أن ناقشت الجمعية العامة هذا الاقتراح أحالت الموضوع إلى الأمانة العامة لإعداد تقرير فى هذا الشأن . وقدم هذا التقرير فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى دورتها التالية ، وهى الدورة الحادية والعشرين ، وبعد مناقشة الموضوع اتخذت الجمعية العامة القرار رقم 2205 بإنشاء لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولى ( اليونسترال) للعمل على تطوير وتنسيق وتوحيد أحكام قانون التجارة الدولية .

 

اهتمام اللجنة بتوحيد أحكام البيع الدولى للبضائع:

8-  وعقدت لجنة اليونسترال أول دوراتها فى عام 1968 لوضع خطة عملها فى السنوات المقبلة ، ووقع اختيارها على عدة موضوعات لدراستها والعمل على توحيد أحكامها. وتصدر البيع الدولى للبضائع قائمة الموضوعات التى أعطتها اللجنة أولوية خاصة فى عملها ([16]) .

مراحل إعداد اتفاقية فيينا 1980:

9-  وكان يجب على اللجنة أن تحدد موقفها من اتفاقيتى لاهاى 1964، وكان أمامها الخيار بين أمرين : أن تقصر عملها على تعديل اتفاقيتى لاهاى 1964 وتطوير أحكامهما لجذب الدول إلى الانضمام إليهما ، وهو الأسلوب الذى اتبع من قبل بصدد اتفاقية نيويورك 1958 فى شأن الاعتراف وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية ، أو تعمل على إعداد اتفاقية جديدة.

        ووضعت اللجنة فى اعتبارها أن تعديل اتفاقيتى لاهاى 1964 ربما لا يؤدى الى عدول الدول عن موقفها الرافض للانضمام إليهما ، ولذلك طلبت اللجنة من السكرتير العام للأمم المتحدة إرسال اتفاقيتى لاهاى 1964 وتعليق الأستاذ Tunc  عليهما الى حكومات الدول لاستطلاع نواياها فى الانضمام الى الاتفاقيتين وبيان موقفها. وجاءت الردود توضح أن غالبية الدول ترفض الانضمام إلى الاتفاقيتين بسبب عدم اشتراكها فى مراحل إعدادهما ، وانفراد عدد ضئيل من الدول معظمها دول غرب أوروبا باعداد الاتفاقيتين وصياغتهما . ولذلك أنشأت لجنة اليونسيترال مجموعة عمل تتكون من مندوبى 14 دولة تمثل الاتجاهات والمذاهب السياسية والاقتصادية والقانونية المختلفة برئاسة الأستاذ Jorge Barrera Graf المكسيكى لإعداد نصوص  جديدة تحل محل اتفاقيتى لاهاى 1964 ([17]) .

          واستغرقت اجتماعات مجموعة العمل تسع دورات سنوية أتمت فيها إعداد مشروعى اتفاقيتين . ففى سنة 1976 أتمت مجموعة العمل وضع مشروع اتفاقية لتحل محل اتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع (ULIS) ، وفى سنة 1978 أتمت وضع مشروع اتفاقية أخرى لتحل محل اتفاقية لاهاى 1964 بشأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع (ULF ). وفى يونيه 1978 عرض المشروعين على لجنة اليونسيترال فوافقت عليهما ولكنها قررت ضمهما معا فى مشروع واحد لاتفاقية دولية ، وتناول هذا المشروع فى الجزء الثانى منه تكوين العقد ، وتناول فى الجزء الثالث حقوق والتزامات كل من البائع والمشترى . وقد عرض المشروع بعد ذلك على الجمعية العامة للأمم المتحدة فوافقت عليه وقررت عقد مؤتمر دبلوماسى لإقراره ([18]).

10-  وعقد المؤتمر الدبلوماسى فى الفترة من 10 مارس الى 11 أبريل 1980 ، ووافقت الدول التى اشتركت فى هذا المؤتمر ([19]) على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع بعد إدخال بعض التعديلات على المشروع  (اتفاقية فيينا 1980) ، وعرضت الاتفاقية للتوقيع عليها من الدول فى الجلسة الختامية للمؤتمر فى 11 أبريل 1980 وظلت معروضة للتوقيع فى مقر الأمم المتحدة بنيويورك حتى 30 سبتمبر 1981 ([20]) . وبدأ العمل بالاتفاقية اعتبارا من أول يناير  1988 ، وهو اليوم الأول من الشهر التالى لانقضاء اثنى عشر شهرا على تاريخ إيداع الوثيقة العاشرة من وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام للاتفاقية تطبيقا لحكم المادة  99/1 منها ([21]) .

        وعلى النقيض من اتفاقيتى لاهاى 1964 التى لم يشترك فى وضعهما سوى عدد ضئيل من الدول مما أدى الى إحجام غالبية الدول عن الانضمام إليهما ، فقد اشترك عدد كبير من الدول فى إعداد وصياغة نصوص اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ، وهذه الدول تمثل مختلف المذاهب السياسية والاقتصادية والقانونية السائدة فى العالم . وقد كان لذلك أثره فى قبول الاتفاقية وانضمام عدد كبير من الدول إليها بخطى سريعة .

أهمية دراسة الموضوع:

11-  لا شك أن الغرض الأسمى الذى تهدف اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع الى تحقيقه هو توحيد القواعد القانونية التى تحكم البيوع الدولية ، ولا يخفى على أحد أن التوحيد يؤدى الى نمو التجارة الدولية وانتعاشها.

        ولقد ذكرت ديباجة الاتفاقية هذا المعنى ، إذ قررت أن الدول الأطراف " … ترى أن اعتماد قواعد موحدة ، تنظم عقود البيع الدولى للبضائع وتأخذ فى الاعتبار مختلف النظم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، من شأنه أن يسهم فى إزالة الحواجز القانونية فى مجال التجارة الدولية وأن يعزز تنمية التجارة الدولية  …"

        وأخذت الاتفاقية فى الاعتبار أن وضع نصوص موحدة فى شأن البيع الدولى للبضائع لا يكفى لتحقيق التوحيد ، بل يتعين تفسير نصوصها فى مختلف الدول التى تنضم إليها بطريقة تكفل وحدة التفسير لبلوغ التوحيد فى تطبيقها. وقد خصصنا هذا البحث لدراسة قواعد التفسير التى وضعتها الاتفاقية. وهذا الموضوع له أهمية كبيرة لعدة أسباب أهمها :

(1)   أن البيع الدولى للبضائع هو عصب التجارة الدولية ومحورها ، إذ يدور حوله عدد كبير من العقود الأخرى كالتأمين والنقل والوكالة، مما يعطى أهمية خاصة لدراسة تفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع (اتفاقية فيينا 1980). وعلى الرغم من ثراء المكتبات الأجنبية بالمراجع والمؤلفات الفقهية التى تناولت كافة نصوص الاتفاقية بالبحث والتحليل إلا أن المكتبة العربية لا تحتوى إلا على عدد ضئيل من المؤلفات عن الاتفاقية ، بالإضافة الى ندرة الأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم التى طبقت الاتفاقية فى الدول العربية، فى الوقت الذى يتزايد فيه عدد الأحكام القضائية والتحكيمية المنشورة فى المراجع والدوريات والمجلات الأجنبية بكافة اللغات العالمية ( فيما عدا اللغة العربية ) حتى بلغ عدد أحكام القضاء وقرارات هيئات التحكيم التى طبقت الاتفاقية التى حصرها الأستاذ Michael R. Will فى مؤلفه الببليوجرافى Twenty Years of International Sales Law Under the CISG (1980-2000) حوالى 700 حكما ([22])  . ومما يضاعف من أهمية الدراسة التزايد المستمر فى عدد الدول التى تنضم الى الاتفاقية حتى بلغ عددها الآن 58 دولة ، يمثل حجم تجارتها ثلثى حجم التجارة العالمية .

(2) أن مبادئ التفسير التى ذكرتها المادة 7 فقرة (1) من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع أصبحت تشكل مبادئاً عامة لتفسير الاتفاقيات والقوانين النموذجية التى وضعت لتوحيد أحكام قانون التجارة الدولية . إذ نقلت كثير من الاتفاقيات الدولية والقوانين النموذجية المختلفة نص المادة 7/1 من اتفاقية فيينا 1980 حرفيا. وقد رددت المواد التالية حكمها :

- المادة 4 من اتفاقية الأمم المتحدة للسفاتج (الكمبيالات) الدولية والسندات الإذنية الدولية (1988)

   UN Convention on International Bills of Exchange and International Promissory Notes (1988)

- المادة 6 من اتفاقية المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص  (معهد روما ) بشأن التأجير التمويلى الدولى

 Unidroit Convention on International Financial leasing (Ottawa 1988)

- المادة 4 من اتفاقية المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص  (معهد روما ) بشأن عقد الشراء الدولى للحقوق

 .Unidroit Convention on International Factoring (1988)

- المادة 5 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الكفالات المستقلة وخطابات الاعتماد الضامنة (1995) .

UN Convention on Independent and Stand-by Letter of Credit (1995).

-  المادة 3 من القانون النموذجى لليونسترال فى شأن التجارة الإلكترونية (1996)

Uncitral Model Law on Electronic Commerce (1996).

-                 المادة 8 من القانون النموذجى للأمم المتحدة بشأن الإفلاس عبر الحدود (1997)

United Nations Model Law on Cross Border Insolvency (1997)

       وبالاضافة إلى ذلك فقد قننت مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles  التى وضعها معهد روما لتوحيد القانون الخاص سنة 1994 مبادئ التفسير التى قررتها المادة 7/1 من اتفاقية فيينا 1980 فيما عدا مبدأ حسن النية ([23]).

12 - ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( فيينا 1980) صدرت باللغات الرسمية الست للأمم المتحدة وهى : الأسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية . وقد ذيلت الاتفاقية بعبارة تتضمن أنها حررت باللغات الرسمية المتقدمة وأنها متساوية فى الحجية . وقد تبين لنا من مراجعة مواد النسخة العربية الرسمية للاتفاقية ومقارنتها بالمواد المقابلة فى النسختين الرسميتين الانجليزية والفرنسية عدم تطابق معانى النصوص فضلا عن عدم دقة الصياغة . وقد اصبحت النسخة العربية الرسمية للاتفاقية بما تتضمنه من اختلافات جزءا من القوانين الوطنية فى الدول العربية التى انضمت الى الاتفاقية . ففى جمهورية مصر العربية صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 471 بتاريخ 22 سبتبمر 1982 بشأن الموافقة على الاتفاقية ، ووافق عليها مجلس الشعب فى 19 اكتوبر  1982 وصدق عليها رئيس الجمهورية فى 22 اكتوبر 1982 ، غير أنها لم تنشر فى الجريدة الرسمية إلا فى 30 يناير 1997 ([24]) . وقد نشرت فى الجريدة الرسمية الوثيقة A/CONF , 97/18 (المرفق الأول) الصادرة من الأمم المتحدة، بما تحتويه من اختلافات . ولا شك أن هذا الوضع قد يؤدى الى مشكلات عملية متعددة ، ويؤثر سلبيا على تحقيق التوحيد المنشود فى تطبيق الاتفاقية . كما أن من العوامل التى تؤثر سلبيا على تحقيق التوحيد فى تطبيق الاتفاقية التحفظات التى تجيز الاتفاقية للدول أن تبديها ، لأنها تنال من وحدة النصوص وتفتح باب الاختلافات بين قوانين الدول التى تنضم إلى الاتفاقية مما يؤدى لوقوع التنازع فيما بينها .

 

خطــة البحــث :

13-  لقد خصصنا هذا البحث لدراسة قواعد تفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( اتفاقية فيينا 1980). وهذه القواعد ذكرتها المادة 7 من الاتفاقية .

        ومن الجدير بالذكر أن الفقرة الأولى من المادة 7 من الاتفاقية وضعت مجموعة من المبادئ ليسترشد بها المفسر قاضيا كان أو محكما عند تفسير نصوص الاتفاقية . أما الفقرة الثانية من المادة 7 فقد وضعت قواعداً لعلاج ما أغفلت الاتفاقية تنظيمه من مسائل، وتعرف هذه القواعد بقواعد سد النقص فى النصوص . وقد خصصنا فصلا مستقلا لشرح وتحليل كل فقرة من فقرتى المادة 7 .

        ولما كانت قواعد تفسير الاتفاقيات الدولية تختلف من بعض الوجوه عن قواعد تفسير القوانين الوطنية ، فقد رأينا أن نبدأ دراستنا بشرح للطبيعة القانونية الخاصة لاتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع للارتباط الوثيق بين طبيعتها القانونية ومسألة التفسير .

        ولذلك تنقسم دراستنا للموضوع إلى فصلين يسبقهما فصل تمهيدى على الترتيب التالى :

فصل تمهيـدى  :  الطبيعة القانونية لاتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع والأعمال التحضيرية للمادة 7 من الاتفاقية .

الفصــل الأول  :  مبادئ  تفسير الاتفاقية

الفصــل الثانى  :  سد النقص فى نصوص الاتفاقية


فصــل تمهيــدى

الطبيعة القانونية لاتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع

والأعمال التحضيرية للمادة 7 من الاتفاقية

تمهيـد وتقسـيم :

14-  وضعت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع أحكاما لتنظيم علاقة من علاقات القانون الخاص ذات طابع دولى ، إذ نظمت عقد البيع الدولى للبضائع من حيث تكوينه والتزامات كل من البائع والمشترى .

وتختلف اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع شأنها فى ذلك شأن الاتفاقيات الدولية الأخرى التى تنظم علاقة من علاقات القانون الخاص عن المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية التى تعقد لتنظيم العلاقات بين الدول أو غيرها من أشخاص القانون الدولى العام . وهذا الاختلاف له أثره على قواعد التفسير .

وقد خصصنا هذا الفصل لبيان الطبيعة القانونية لاتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع وقسمناه إلى ثلاثة مباحث كالآتى :

المبحث الأول : الطبيعة القانونية المميزة لاتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع

المبحث الثانى :  اتفاقية فيينا 1980 والقواعد المقررة فى القانون الدولى العام لتفسير المعاهدات الدولية

المبحث الثالث :  الأعمال التحضيرية للمادة 7 من الاتفاقية


المبحث الأول

الطبيعة القانونية المميزة لاتفاقية عقود البيع

الدولى للبضائع

تقســيم :

15-  تتميز اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع ( اتفاقية فيينا 1980) بعدة خصائص ، فهى اتفاقية ذات طبيعة مزدوجة ، كما أنها اتفاقية شارعة ، وذاتية التنفيذ . وسوف نوضح هذه الخصائص فى مطالب ثلاثة كالآتى :

        المطلب الأول :  الطبيعة المزدوجة للاتفاقية .

        المطلب الثانى :  اتفاقية فيينا 1980 اتفاقية شارعة .

        المطلب الثالث :  اتفاقية فيينا 1980 اتفاقية ذاتية التنفيذ .

المطلب الأول

الطبيعة المزدوجة للاتفاقيــة

16-  تنقسم الاتفاقيات الدولية من حيث طبيعة العلاقات القانونية التى تنظمها الى طائفتين: اتفاقيات دولية تبرم بين أشخاص القانون الدولى العام لتنظيم العلاقات الدولية فيما بينها ، مثل الاتفاقيات الدولية التى تعقد بين الدول لوضع الحدود فيما بينها، أو لتسليم المجرمين . وتنشئ هذه الطائفة من الاتفاقيات الدولية حقوقا أو تفرض التزامات على الدول الأطراف فى الاتفاقية لا على رعاياها ، وهذه هى الطائفة الأولى من الاتفاقيات الدولية . أما الطائفة الثانية فتتعلق بالاتفاقيات التى تبرم بين الدول بغرض التنسـيق بين التشريعات الوطنية التى تنظم علاقة من علاقات القانون الخاص . والهدف من إبرام هذه الاتفاقيات هو القضاء على التباين بين التشريعات الوطنية عن طريق وضع قواعد موحدة تنظم علاقة ما من علاقات القانون الخاص ، لتحل هذه القواعد محل القوانين الوطنية المتباينة فينقضى التنازع فيما بينها . وقد يستمد رعايا الدول الأطراف حقوقا مباشرة من نصوص الاتفاقيات التى تنتمى الى هذه الطائفة كما تفرض عليهم التزامات .

17-  فإذا استعرضنا اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع نجد أنها مقسمة الى أربعة أجزاء ، تناول الجزء الأول منها نطاق التطبيق وأحكاما عامة ( المواد من 1 13 )، أما الجزء الثانى فقد خصص لتكوين عقد البيع المواد من ( 14- 24 )، بينما تناول الجزء الثالث التزامات كل من البائع والمشترى ( المواد من 25- 88 ). وتناول الجزء الرابع وهو فى " الأحكام الختامية " قواعد الانضمام الى الاتفاقية ، والإعلانات والتحفظات التى أجازت للدول الأعضاء أن تبديها ، والانسحاب منها (المواد من 89-101 ) وقد فرضت هذه الأحكام الختامية التزامات على الدول المتعاقدة فيما بينها.

        ومن ثم نجد أمامنا فى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع (فيينا 1980) نوعين من القواعد :

1-                     قواعد تنظم تكوين عقد البيع الدولى وتحدد التزامات كل من البائع والمشترى . وهذه القواعد تنظم علاقة من علاقات القانون الخاص ذات طابع دولى ، وهى وثيقة الصلة بنظرية العقد فى القانون المدنى . وقد وردت هذه القواعد فى أجزاء الاتفاقية الثلاثة الأولى ( المواد من 1-88 ).

2-                     قواعد تنظم العلاقة بين الدول المتعاقدة وتتعلق بالانضمام الى الاتفاقية وإيداع وثائق التصديق والإعلانات والتحفظات والانسحاب منها . وهذه القواعد تفرض التزامات على الدول الأطراف ومن ثم فهى تدخل فى نطاق قواعد القانون الدولى العام. وقد وردت هذه القواعد فى الجزء الرابع فى " الأحكام الختامية " (المواد من 89-101) من الاتفاقية .

18-  ويتضح لنا من ذلك أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ذات طبيعة مزدوجة ، فهى تتضمن فى الأجزاء الثلاثة الأولى منها (المواد من 1 إلى 88) قواعداً موحدة تتناول تكوين عقد البيع الدولى للبضائع وآثاره، وهى قواعد وثيقة الصلة بالنظرية العقدية تدخل فى دائرة القانون الخاص ، بينما يتناول الجزء الرابع من الاتفاقية (المواد من 89 الى 101) قواعد تنظم العلاقة بين الدول المتعاقدة وتتعلق بالانضمام الى الاتفاقية وإيداع الوثائق والتصديق والإعلانات والتحفظات والانسحاب منها وهى تفرض التزامات على الدول المتعاقدة وتدخل فى نطاق قواعد القانون الدولى العام . وسوف نوضح فى المبحث الثانى من هذا الفصل أثر هذه الطبيعة المزدوجة على التفسير .

 

المطلب الثانى

اتفاقية فيينا 1980 اتفاقية شــارعة

19-  يقسم فقهاء القانون الدولى العام المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية إلى نوعين : الاتفاقيات العقدية Treaty-Contracts  ، والاتفاقيات الشارعة Law-Making Treaties ([25])

        والمقصود بالاتفاقية العقدية Treaty-Contract هى الاتفاقية الدولية التى تبرم بين دولتين أو عدد محدود من الدول ، مثل الاتفاقيات الثنائية التى تبرم بين دولتين لتعيين الحدود فيما بينهما ، واتفاقيات تسليم المجرمين . وهذه الاتفاقيات يقتصر تطبيقها على نطاق محدود ، إذ لا يتعدى أثرها الدول التى أبرمتها.

        أما الاتفاقيات الشارعة Law-Making Treaties فهى على النقيض من ذلك تبرم بين عدد غير محدود من الدول بغرض وضع قواعد عامة لتحكم العلاقات الدولية ، ولا يقتصر تطبيقها على عدد محدود من الدول ، ومن ثم تضع الاتفاقيات الشارعة قواعداً عامة التطبيق وتعد  مصدرا رئيسيا من مصادر القانون الدولى العام . ومن أمثلة هذا النوع من الاتفاقيات الدولية ميثاق الأمم المتحدة ، واتفاقية فيينا بشأن العلاقات الدبلوماسية 1961، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1980 ([26]) .

20-  وتدخل اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائـع (فيينا 1980) فى عداد الاتفاقيات الشارعة لأنها وضعت قواعداً موحدة للتطبيق على عقود البيع الدولى للبضائع لتحل محل القوانين الوطنية فى كل الدول المتعاقدة ، بما يسهم فى إزالة الحواجز القانونية  بين الدول ويعزز تنمية التجارة الدولية . وقد عرضت الاتفاقية للتوقيع عليها فى الجلسة الختامية للمؤتمر الدبلوماسى التى عقدت فى فيينا فى 11 أبريل 1980 بعد إقرارها وظلت معروضة للتوقيع عليها من جانب الدول فى مقر الأمم المتحدة بنيويورك حتى 30 سبتمبر 1981 ([27]) ، كما أن باب الانضمام إليها مفتوح أمام جميع الدول. وقد بلغ عدد الدول التى انضمت إلى الاتفاقية حتى الآن 58 دولة يمثل حجم تجارتها ثلثى حجم التجارة العالمية ، وهذا العدد فى تزايد مستمر.

المطلب الثالث

اتفاقية فيينا 1980 اتفاقية ذاتية التنفيذ

21-  ويميز فقهاء القانون الدولى بين نوعين من الاتفاقيات الشارعة : الاتفاقيات ذاتية التنفيذ Self-Executing Treaties والاتفاقيات غير ذاتية التنفيذ Non-Self-Executing Treaties  ([28])

والمقصود بالاتفاقيات الدولية ذاتية التنفيذ تلك الاتفاقيات التى لا يحتـاج إنفاذها كجزء من القانون الداخلى فى الدول التى تنضم إليها الى إصدار تشريع أو مرسوم خاص يردد أحكامها أو يعيد صياغة نصوصها، إذ تسرى أحكام الاتفاقيات ذاتية التنفيذ فى الدول التى تنضم إليها وتطبقها المحاكم كجزء من القانون الداخلى دون حاجة إلى إصدار تشريع أو مرسوم خاص أو أى إجراء آخر طالما اتخذت الإجراءات الدستورية اللازمة من السلطة المختصة بحسب النظام القانونى لكل دولة، ويستمد الكافة حقوقا من نصوص الاتفاقية مباشرة ، كما يجوز لهم التمسك بأحكامها أمام القضاء الوطنى فى كل دولة من الدول التى تنضم إليها .

        ومن أمثلة هذه الاتفاقيات اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية المبرمة سنة 1883 وتعديلاتها ، فهى تتضمن نصوصا ذاتية التنفيذ وتعتبر جزءا من القانون الوطنى الداخلى بمجرد التصديق عليها ونشرها ، ويجوز لكل شخص من رعايا الدول الأعضاء فى اتحاد باريس التمسك بأحكامها فى مختلف الدول الأعضاء الأخرى ([29]) . وكذلك شأن اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية المبرمة 1886وتعديلاتها.

ولا ينال من ذلك أنه وفقا لبعض الأنظمة القانونية فإن الاتفاقيات الدولية لا يصبح لها قوة القانون ولا يطبقها القضاء ، ويتعين لانفاذ نصوصها كجزء من القانون الوطنى أن يصدر قانون وطنى national statutory law من السلطة المختصة يتضمن نصوص الاتفاقية سواء كانت ذاتية أو غير ذاتية التنفيذ وهذا هو المعمول به فى بريطانيا وفى الدول الاسكندنافية ([30]) ، إذ لا يطبق القضاء الوطنى فى هذه الدول نصوص الاتفاقيات الدولية مباشرة ، بل يطبق نصوص القانون الوطنى الصادر لإنفاذها فى القانون الداخلى .

        أما الاتفاقيات غير ذاتية التنفيذ فهى على النقيض من ذلك -  لا تنشئ حقوقا ولا تفرض التزامات إلا قبل الدول المتعاقدة ، لأنها لا تخاطب سواها ، فلا يجوز للأفراد التمسك بأحكامها أمام المحاكم الوطنية، ولا تنشئ نصوص الاتفاقية ذاتها حقوقا مباشرة لهم. ويتعين لإنفاذ أحكام الاتفاقية فى الدول المتعاقدة إصدار تشريعات خاصة لوضع أحكامها موضع التنفيذ فى القانون الداخلى . وبدون إصدار التشريعات التى تردد أحكام الاتفاقية أو تعيد صياغة نصوصها تظل أحكام الاتفاقية جامدة وغير قابلة للتطبيق فى الدول المتعاقدة .

        ومن الأمثلة على الاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ الاتفاقيات الدولية التى وضعت بغرض التنسيق بين الدول فى مجال قوانين العمل المختلفة لرعاية حقوق العمال فى مختلف الدول والتى أعدتها وتشرف عليها منظمة العمل الدولية ، والاتفاقيات الدولية المبرمة فى مجال التأمينات الاجتماعية ([31]) . واتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (اتفاقية التربس) إحدى نتائج مفاوضات جولة أورجواى التى تشرف عليها منظمة التجارة العالمية .

22-  ومن الجدير بالذكر أن التفرقة بين الاتفاقيات الدولية ذاتية التنفيذ والاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ لها أهمية خاصة فيما يتعلق بمسألة التفسير . فالاتفاقيات الدولية ذاتية التنفيذ ([32]) لا تحتاج لإصدار تشريع خاص يردد أحكامها ومن ثم فهى تخضع ، كقاعدة عامة ، فى تفسيرها لقواعد تفسير المعاهدات الدولية ، وقد تختلف هذه القواعد من بعض الوجوه عن قواعد تفسير القوانين الداخلية . أما الاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ فإن سريان أحكامها فى الدول المتعاقدة يتطلب إصدار تشريع أو مرسوم خاص يردد أحكامها، ولذلك فإن القضاء الوطنى لا يطبق نصوص الاتفاقية ذاتها ، بل يطبق نصوص القانون الصادر لإنفاذ أحكامها فى الدولة المتعاقدة، ويفسر نصوص هذا التشريع وفقا للقواعد المقررة لتفسير القوانين الداخلية ما لم يوجد نص خاص فى القانون الصادر بإنفاذ الاتفاقية يقضى بغير ذلك .

الاختلاف بين اتفاقيتى لاهاى 1964 واتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع (فيينا 1980) :

23-  ذكرنا فيما تقدم أنه فى سنة 1964 عقد مؤتمر دبلوماسى فى مدينة لاهاى وأقر اتفاقيتين دوليتين هما :

(1) اتفاقية لاهاى بشأن القانون الموحد لتكوين عقد للبيع الدولى للبضائع 1964 . وهى تتكون من ديباجة وثلاثة عشر مادة وملحقين، تضمن الملحق الأول منها قانونا موحدا بشأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع يحتوى على 13 مادة .

(2)  اتفاقية لاهاى بشأن القانون الموحد للبيع الدولى للبضائع 1964 . وهى تتكون من ديباجة وخمسة عشر مادة وتضم ملحقاً تضمن قانوناً موحدا بشأن البيع الدولى للبضائع يحتوى على 101 مادة .

        وقد اتبع واضعو الاتفاقيتين منهجا واحدا لإنفاذ أحكامهما فى الدول الأطراف ، إذ ألزمت الاتفاقيتان الدول المتعاقدة بإدخال القانون الموحد فى قوانينها الداخلية طبقا للإجراءات الدستورية المتبعة فى كل دولة (المادة 1 من الاتفاقيتين).

        ومن ثم فإن انضمام أى دولة لأى اتفاقية من اتفاقيتى لاهاى 1964 لا يكفى لوضع أحكام القانون الموحد موضع التنفيذ فى القانون الداخلى ، بل يتعين لكى يعتبر القانون الموحد جزءا من القانون الداخلى فى أى دولة متعاقدة إصدار تشريع خاص يتضمن أحكام القانون الموحد ، وبدون إصدار هذا التشريع تظل نصوص القانون الموحد نصوصا جامدة فى الدولة رغم انضمامها لأحكام أى اتفاقية منهما . ولذلك فإن اتفاقيتى لاهاى 1964 تدخلان فى عداد الاتفاقيات غير ذاتية التنفيذ .

        ومن الغنى عن البيان أن عدم إصدار الدول التى تنضم الى اتفاقيتى لاهاى 1964 للتشريعات اللازمة لانفاذ أحكام القانون الموحد فى القانون الداخلى يعرضها للمسئولية الدولية .

24-  ولم تتبع اتفاقية فيينا 1980 نهج اتفاقيتى لاهاى 1964، فاتفاقية فيينا 1980 اتفاقية ذاتية التنفيذ لا يحتاج إنفاذها فى الدول التى تنضم إليها الى إصدار تشريع (أو مرسوم أو قرار أو إجراء آخر بحسب نظامها ) يتضمن أحكام الاتفاقية. فنصوص الاتفاقية ذاتها تعتبر جزءا من القانون الداخلى فى الدول التى تنضم إليها بمجرد اتخاذ إجراءات الانضمام المقررة فى نظامها القانونى  الداخلى . وتلتزم الدول التى تنضم الى الاتفاقية بإيداع وثائق التصديق أو القبول أو الإقرار أو الانضمام بحسب الأحوال وفقا لما يقرره نظام كل دولة لدى الأمين العام للأمم المتحدة .

25-  ومن الجدير بالذكر أنه وفقا لحكم المادة 151 من دستور جمهورية مصر العربية الصادر 1971 فإن المعاهدات الدولية تكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقا للأوضاع المقررة. ومن ثم يتعين لكى تصبح المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية نافذة اتباع هذه الإجراءات سواء أكانت ذاتية التنفيذ أو غير ذاتية التنفيذ .

ولا ينال ذلك من أهمية التفرقة بين المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية ذاتية وغير ذاتية التنفيذ ، وذلك لأن اتباع الإجراءات التى تنص عليها المادة 151 من الدستور وإن كان يجعل المعاهدات أو الاتفاقيات فى قوة القانون ، إلا أن نصوص الاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ لا تخاطب سوى الدول المتعاقدة دون رعاياها وتلزمها بتعديل قوانينها الداخلية بما يتوافق مع أحكام الاتفاقية ([33]) ، ومن ثم فان التصديق على الاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ ونشرها لا يغنى عن إصدار التشريعات اللازمة لإنفاذ أحكام الاتفاقية فى القانون الداخلى . وبدون إصدار هذه التشريعات تظل نصوص الاتفاقية نصوصا جامدة ، ومن ثم فإن إنفاذ الاتفاقيات الدولية غير ذاتية التنفيذ يقتضى إصدار تشريع أو مرسوم أو قرار يصدر من السلطة المختصة بحسب النظام القانونى الذى يحدده دستور كل دولة ، وبدون إصدار هذا التشريع أو المرسوم أو القرار فإن نصوص الاتفاقية تظل مجمدة وغير مطبقة .

26-  ونخلص مما تقدم أن اتفاقية فيينا هى اتفاقية ذاتية التنفيذ ، فنصوص الاتفاقية ذاتها تعتبر جزءاً من القانون الداخلى فى مصر بعد أن تم التصديق عليها ونشرها فى الجريدة الرسمية . ومن ثم فإن أطراف عقد البيع الدولى يستمدون حقوقا مباشرة من نصوص الاتفاقية ذاتها ويجوز لهم التمسك بأحكامها أمام القضاء الوطنى كما يطبقها القضاء باعتبارها جزءاً من النظام القانونى الداخلى فى كل الدول المتعاقدة .

المبحث الثانـى

اتفاقية فيينا 1980 والقواعد

المقررة لتفسير المعاهدات الدولية فى القانون الدولى العام

تقســـيم :

27-  أوضحنا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا 1980 تتميز بعدة خصائص، فهى اتفاقية ذات طبيعة مزدوجة ، كما أنها اتفاقية شارعة ، وذاتية التنفيذ . ولكن هل يعنى ذلك خضوع الاتفاقية للقواعد المقررة فى القانون الدولى العام لتفسير الاتفاقيات الدولية ؟

        لكى نوضح مدى خضوع اتفاقية فيينا 1980 للقواعد المقررة فى القانون الدولى العام لتفسير الاتفاقيات الدولية فإن الأمر يقتضى بادئ ذى بدء استعراض قواعد تفسير المعاهدات الدولية فى القانون الدولى العام ، ولذلك سوف نقسم هذا المبحث الى مطلبين كآلاتى :

المطلب الأول  :  القواعد المقررة لتفسير المعاهدات الدولية فى القانون الدولى العام

المطلب الثانى  :  مدى خضوع اتفاقية فيينا لقواعد التفسير المقررة فى القانون الدولى العام .

 

المطلب الأول

القواعد المقررة لتفسير المعاهدات الدولية

فى القانون الدولى العام

28-  احتلت مسألة تفسير المعاهدات الدولية مكاناً بارزاً فى كتابات الفقه، وحظيت باهتمام الهيئات الدولية والمعاهد العلمية المتخصصة منذ نشأة القانون الدولى العام بمفهومه الحديث ، إدراكا منها بأن اختلاف طرق التفسير وتباينها يمكن أن يؤدى الى نتائج متناقضة، فيؤثر بذلك على استقرار العلاقات الدولية ويزعزعها .

المذاهب الفقهية فى التفسير :

29-  وعلى الرغم من تعدد الآراء الفقهية فى تفسير المعاهدات الدولية إلا انها تقوم فى أساسها على مذاهب ثلاثة ([34]) هى : المذهب الموضوعى ، وهو يعتمد فى التفسير على الألفاظ والعبارات وعلى تحليل الكلمات والجمل المستخدمة فى الصياغة للوصول الى المعنى الصحيح . والمذهب الشخصى،  وهو لا يتقيد بالمعنى الحرفى للألفاظ والعبارات وانما يستند الى نوايا الأطراف لاستجلاء معنى النصوص . والمذهب الوظيفى ، وهو يستند فى حالة غموض النص أو عدم وضوحه إلى مضمون الاتفاقية والغرض الذى تسعى الى تحقيقه ([35]) .

محاولات وضع قواعد موحدة لتفسير المعاهدات الدولية:

30-  ولقد بذلت محاولات متعددة على المستوى الدولى لوضع قواعد موحدة لتفسير المعاهدات الدولية تجنبا لنشوب الخلافات بين الدول بسبب تضارب التفسيرات . وكان من الطبيعى أن تعتمد هذه المحاولات على تقنين الأعراف الدولية المستقرة منذ زمن بعيد فى تفسير المعاهدات . ومن أهم المحاولات التى بذلت لتقنين قواعد التفسير : مشروع جامعة هارفارد لوضع قانون للمعاهدات الدولية سنة 1935 ( المادة 19 من المشروع )، والقرار الصادر من معهد القانون الدولى العام سنة 1956 ، ومشروع معهد القانون الدولى الأمريكى سنة 1965 .

اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات 1969:                 Vienna Convention on the Law of Treaties 1969

31-  على أن أهم المحاولات التى كللت بالنجاح فى هذا الخصوص ما قامت به لجنة القانون الدولى التابعة لهيئة الأمم المتحدة، إذ قامت بإعداد مشروع اتفاقية قانون المعاهدات، واستعانت فى ذلك بنتائج المجهودات السابقة بالإضافة الى أحكام المحاكم الدولية وآراء الفقهاء . وقد أبرمت هذه الاتفاقية سنة 1969 وقننت فى المواد 31، 32، 33 مبادئ تفسير المعاهدات.

        ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات 1969 ووفق وفتح باب التوقيع عليها فى 23 مايو 1969 بمعرفة مؤتمر الأمم المتحدة بشأن قانون المعاهدات . وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ فى 27 يناير  1980، وبلغ عدد الدول الأطراف فى الاتفاقية حتى الآن 90 دولة . وقد انضمت مصر إلى الاتفاقية فى 11 أبريل سنة 1982.

قواعد تفسير المعاهدات فى اتفاقية فيينا 1969:

32-  وتشمل قواعد التفسير الواردة فى المواد من 31-33 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 مذاهب التفسير الثلاثة المتقدمة ، فهى تجمع بين المذهب الموضوعى الذى يعتمد فى التفسير على الألفاظ والعبارات ، والمذهب الشخصى الذى يعول على نوايا أطراف الاتفاقية ، والمذهب الوظيفى الذى يستند الى موضوع الاتفاقية والغرض الذى تسعى الى تحقيقه.([36])

        وقد قننت المادة 31 من الاتفاقية الأعراف السائدة فى مجال تفسير المعاهدات ، فوضعت القاعدة العامة فى التفسير التى استمدتها من القواعد العرفية للقانون الدولى العام customary international law.

        ووفقا للمادة 31 فقرة أولى تفسر المعاهدة بحسن نية طبقا للمعنى العادى للألفاظ فى الإطار الخاص بالاتفاقية فى ضوء موضوعها وغرضها . ولا يقتصر الإطار الخاص للمعاهدة فى مجال التفسير على نص الاتفاقية والديباجة والملحقات ، وإنما يشمل بالإضافة الى ذلك أى اتفاقات أو وثائق تتصل بإبرام الاتفاقية ومن صنع أطرافها ، كما يشمل أى اتفاق لاحق أو أى مسلك ينشأ بين الأطراف يتعلق بالتفسير. (المادة 31 الفقرتين 2 ، 3 ). ومن ثم يجب أن يؤخذ كل ذلك فى الاعتبار عند تفسير الاتفاقية . وإذا ثبت أن نية الأطراف قد اتجهت إلى إعطاء معنى خاص للفظ أو مصطلح وجب الأخذ بهذا المعنى الخاص (المادة 31 فقرة 4).

        وحيثما لا تسعف قواعد التفسير المنصوص عليها فى المادة 31 من الاتفاقية ويحتاج الأمر إلى تأكيد المعنى ، أو لا يزيل تطبيق هذه القواعد الغموض أو عدم الوضوح الذى يكتنف النص ، أو يؤدى تطبيقها الى نتيجة غير منطقية أو غير معقولة ، يجوز اللجوء إلى وسائل مكملة للتفسير بما فى ذلك الأعمال التحضيرية للمعاهدة والظروف الملابسة لعقدها ( المادة 32).

        وتناولت المادة 33 من الاتفاقية قواعد تفسير المعاهدات الدولية الصادرة بلغتين رسميتين أو أكثر ، وقررت أن كل نص من نصوص المعاهدات المحررة بلغتين أو أكثر يكون له نفس الحجية ما لم تنص المعاهدة أو يتفق الأطراف على خلاف ذلك ، كما تناولت حلولا لمشكلة اختلاف معان النصوص المحررة بأكثر من لغة . إذ تقضى الفقرة (4) من المادة 33 بأنه " عندما تكشف المقارنة بين النصوص عن اختلاف فى المعنى لم يزله تطبيق المادتين 31 ، 32 يؤخذ بالمعنى الذى يتفق مع موضوع المعاهدة أو الغرض منها ، ويوفق بقدر الإمكان بين النصوص المختلفة ، فيما عدا حالة ما يكون لأحد النصوص الغلبة وفقا للفقرة الأولى ".

33-  ومن الجدير بالذكر أن قواعد التفسير التى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 قد وضعت فى الأصل لتفسير المعاهدات الثنائية bilateral treaties ، ولذلك فهى تعتمد إلى حد كبير على نوايا الدول الأطراف فى المعاهدة ([37]) . وهذه القواعد قد لا تكون ملائمة لتفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع 1980 لأنها اتفاقية متعددة الأطراف جاءت نصوصها وليدة للتوفيق بين اتجاهات الدول ومواقفها المتباينة رعاية لمصالح كافة الدول التى اشتركت فى إعدادها وهذا ما سنوضحه فى المطلب التالى .

المطلب الثانى

مدى خضوع اتفاقية فيينا لقواعد التفسير

المقررة فى القانون الدولى العام

34-  أوضحنا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 وضعت فى المواد 31 ، 32 ، 33 قواعدا لتفسير المعاهدات الدولية . وهذه القواعد تتلاءم مع الطبيعة الخاصة للالتزامات الدولية والإجراءات الشكلية التى تمر بها المعاهدة لتنشئ التزامات تنشغل بها ذمة الدول المتعاقدة .

35- والسؤال الذى يثار الآن هو : هل تصلح قواعد تفسير المعاهدات الدولية الواردة فى اتفاقية فيينا 1969 للتطبيق على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع؟

36- هذا الموضوع له أهمية كبيرة لأن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 حظيت بقبول عدد كبير من الدول، وقد انضمت إليها معظم الدول الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع .

        ولقد ذكرنا فيما تقدم أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ذات طبيعة مزدوجة فهى تضم نوعين من القواعد ، النوع الأول منها ينظم علاقة من علاقات القانون الخاص تتعلق بتكوين عقد البيع والتزامات كل من البائع والمشترى . وهذه القواعد وردت فى الأجزاء الثلاثة الأولى من الاتفاقية ( المواد من 1-88 )، أما النوع الثانى من القواعد فقد وردت فى الجزء الرابع من الاتفاقية الذى تضمن الأحكام الختامية ( المواد من 89 الى 101 ). وهذه القواعد تفرض التزامات على الدول المتعاقدة تتعلق بإجراءات الانضمام والتحفظات والانسحاب من الاتفاقية .

        ويتعين التفرقة بين هذين النوعين من القواعد عند تفسير نصوص الاتفاقية ، فبينما يخضع الجزء الرابع من الاتفاقية ( المواد من 89 الى 101) لقواعد التفسير المقررة فى القانون الدولى العام التى قننتها اتفاقية فيينا للمعاهدات 1969، فإن الأجزاء الثلاثة الأولى من الاتفاقية ( المواد من 1 الى 88 ) تنظم علاقة من علاقات القانون الخاص تتعلق بتكوين عقد البيع والتزامات كل من البائع والمشترى ، وهذه القواعد وثيقة الصلة بنظرية العقد فى القانون المدنى وليس من الملائم خضوع النصوص التى وردت فى الأجزاء الثلاثة المتقدمة لقواعد تفسير المعاهدات الدولية التى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 ، لأن قواعد التفسير المقررة فى القانون الدولى العام ترتبط ارتباطا وثيقا بالتزامات الدول وهى غير ملائمة لتفسير قواعد القانون الخاص ([38]) .

37-  ومن الجدير بالذكر أن تكوين عقد البيع الدولى لا يخضع لأى إجراءات شكلية . فالمادة 11 من الاتفاقية لا تشترط توافر شكل معين لإبرام العقد أو إثباته ، ومن ثم يجوز إبرام العقد شفاهه ويجوز إثباته بكل طرق الإثبات بما فى ذلك البينة. ووفقا للمادة 8 فقرة 3 من الاتفاقية يجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند تفسير العقد جميع ظروف التعاقد لاسيما المفاوضات السابقة على إبرامه والعادات والأعراف التى استقر عليها التعامل بين طرفيه وأى تصرف لاحق صادر عنهما . وعلى النقيض من ذلك فإن قواعد القانون الدولى العام توجب اتباع إجراءات شكلية ومعقدة يمر بها تكوين المعاهدات الدولية ، ومن ثم فإن التزامات الدول الأطراف فى المعاهدات الدولية تتقيد فى نشوئها بهذه الجوانب الشكلية . فوفقا للمادة 2 (1) أ من اتفاقية قانون المعاهدات 1969 لا تبرم الاتفاقية إلا بالكتابة ، وقد ذكرت المادتان 7 ، 8 من الاتفاقية قواعد تتعلق بالتفويض ، وتناولت المواد من 11 الى 17 وسائل تعبير الدول عن ارادتها فى شأن الالتزام بأحكام المعاهدة الدولية. وقد وضعت قواعد تفسير المعاهدات الدولية بما يتلاءم مع الجوانب الشكلية التى ترتبط بنشوء التزامات الدول الأطراف فى المعاهدة . ولذلك فإن قواعد تفسير المعاهدات التى قننتها اتفاقية قانون المعاهدات 1969 غير ملائمة لتفسير اتفاقية فيينا بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ، وهى تختلف فى كثير من الوجوه عن قواعد التفسير التى أوجبت المادة 7 من اتفاقية فيينا 1980 مراعاتها عند تفسير نصوصها ([39]) .

38-  أما عن الجزء الرابع من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع فقد تناول الأحكام الختامية فى المواد من 89 الى 101 ، وقد فرضت نصوص هذه المواد التزامات على الدول المتعاقدة تتعلق بإجراءات الانضمام والتحفظات والانسحاب من الاتفاقية ، ومن ثم فهى تخضع لقواعد التفسير المقررة فى القانون الدولى العام التى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 .

39-  ويتضح مما تقدم أن الأجزاء الثلاثة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( المواد من 1 88) لا تخضع لقواعد تفسير المعاهدات الدولية المقررة فى القانون الدولى العام والتى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969، فالأحكام التى تضمنتها الأجزاء الثلاثة الأولى تنظم علاقة من علاقات القانون الخاص وهى وثيقة الصلة بنظرية العقد فى القانون المدنى ، ويجب تفسيرها بمراعاة قواعد التفسير الذاتية التى أوردتها المادة 7 من الاتفاقية ([40]) . أما الجزء الرابع من الاتفاقية ( المواد من 89 إلى 101) فقد تضمن أحكاما تنشئ التزامات على الدول المتعاقدة ومن ثم فإن نصوص المواد الواردة فى الجزء الرابع من الاتفاقية تخضع لقواعد تفسير المعاهدات الدولية المقررة فى القانون الدولى العام والتى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 .

40-  على أن التفرقة بين الأجزاء الثلاثة الأولى من الاتفاقية من جانب والجزء الرابع منها من جانب آخر لا تحول دون تطبيق بعض قواعد التفسير المقررة فى القانون الدولى العام على المسائل التى لا تتصل بعلاقات القانون الخاص أيا كان موضعها فى الاتفاقية ، مثل القواعد المتعلقة بتفسير المعاهدات الدولية المحررة بلغتين أو أكثر التى قننتها المادة 33 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 ([41]) ، وكذلك لا تستبعد القواعد المقررة فى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 فى المادة 79 المتعلقة بتصحيح الأخطاء فى نص المعاهدة أو فى النسخ المعتمدة من التطبيق على اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع أيا كان موضع هذه الأخطاء .

مشكلة الأخطاء الواردة فى النسخة الرسمية العربية للاتفاقية :

41-  صدرت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع (اتفاقية فيينا 1980) باللغات الرسمية الست لهيئة الأمم المتحدة وهى : الأسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية . وقد ذيلت الاتفاقية بفقرة ختامية نصها الآتى :

        "  حررت فى فيينا، فى اليوم الحادى عشر من نيسان / أبريل 1980 من أصل واحد ، تتساوى نصوصه الأسبانية والانكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية فى الحجية " . وهذا يعنى أن النسخ الرسمية للاتفاقية المحررة باللغات الست متساوية فى الحجية ([42]) .

                وقد انضمت إلى الاتفاقية حتى الآن أربع دول عربية هى سوريا ومصر والعراق وموريتانيا([43]) اعتماداً على النسخة الرسمية العربية للاتفاقية (الوثيقة رقم A/CONF,97/1 ). ففى جمهورية مصر العربية على سبيل المثال صدر قرار  رئيس الجمهورية رقم 471 بتاريخ 22 سبتمبر 1982 بشأن الموافقة على الاتفاقية ، ووافق عليها مجلس الشعب فى 19 أكتوبر 1982 ، ونشرت النسخة العربية الرسمية للاتفاقية فى الجريدة الرسمية فى 30 يناير  1997 ([44]) .                         

42- وبمراجعة النسخة العربية للاتفاقية ومقارنتها بالنسختين الإنجليزية والفرنسية تبين لنا وجود اختلافات بين بعض نصوص مواد النسخة العربية وما يقابلها من نصوص النسختين الإنجليزية والفرنسية. ويرجع وجود هذه الاختلافات إلى عدم دقة صياغة النسخة العربية للاتفاقية بالإضافة إلى وجود أخطاء فى الترجمة بعضها أخطاء جسيمه تؤدى إلى المعنى العكسى ([45]) وللأسف الشديد فإن النسخة العربية للاتفاقية نشرت فى الجريدة الرسمية فى جمهورية مصر العربية بعد التصديق على الاتفاقية بدون تدقيق فأصبحت جزءا من القانون الوطنى بما تحتويه من اختلافات وأخطاء . ولا شك أن هذا الوضع يثير مشكلات متعددة فى التطبيق ، ويعرقل التوحيد وهو الهدف الأسمى الذى تبتغى الاتفاقية تحقيقه.

                ويجب على الدول العربية أطراف الاتفاقية أن تتنبه لهذه المشكلة وتطالب لجنة اليونسترال بصفة رسمية بتصويب الاختلافات والأخطاء الواردة فى النسخة الرسمية العربية للاتفاقية .

43- ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 وضعت حلولا لعلاج مشكلة تفسير المعاهدات الصادرة بلغتين أو أكثر . وعلى الرغم من عدم خضوع الأجزاء الثلاثة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( فيينا 1980) لقواعد تفسير المعاهدات الدولية المقررة فى القانون الدولى العام والتى قننتها اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 إلا أن قواعد تفسير المعاهدات الدولية الصادرة بلغتين أو أكثر التى تتضمنها اتفاقية فيينا 1969 لقانون المعاهدات فى المادة 33  يتعيين تطبيقها لعلاج مشكلة الاختلافات والأخطاء التى تتضمنها النسخة الرسمية العربية لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع (فيينا 1980) ([46]) . وقد ذكرت الفقرة (4) من المادة 33 القاعدة الرئيسية فى هذا الصدد فقررت انه عندما تكشف المقارنة بين النصوص المحررة بلغتين أو أكثر عن اختلاف فى المعنى لم يزله تطبيق المادتين 31، 32 يؤخذ بالمعنى الذى يتفق مع موضوع المعاهدة والغرض منها، ويوفق بقدر الإمكان بين النصوص المختلفة .

 

 

المبحث الثالث

الأعمال التحضيرية للمادة 7 من الاتفاقية

44-  ذكرنا فيما تقدم أن لجنة اليونسترال قررت تشكيل مجموعة عمل تتكون من ممثلى 14 دولة تمثل مختلف الاتجاهات والمذاهب القانونية والسياسية والاقتصادية يرأسها الأستاذ Jorge Barrera Graf (من المكسيك) لإعداد نصوص جديدة تحل محل اتفاقيتى لاهاى 1964 ( اتفاقية لاهاى بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ULIS ، واتفاقية لاهاى بشأن تكوين عقد البيع الدولى ULF ) ([47]) .

الوضع فى اتفاقية لاهاى 1964 (ULIS):

45-  وكان القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 (ULIS) يتضمن مادتين تتصلان بالتفسير، هما المادتين 2 ، 17 . وكانت المادة 2 تقضى باستبعاد قواعد القانون الدولى الخاص من التطبيق على القانون الموحد، ما لم يوجد نص فى القانون الموحد يقضى بغير ذلك ([48]) . أما المادة 17 فكانت تقضى بأن المسائل المتعلقة بالموضوعات التى شملها هذا القانون ولا يوجد فيه بشأنها نص صريح يقضى فيها على ضوء المبادئ العامة التى يقوم عليها([49]).

ومن الجدير بالذكر أن المادة 2 من القانون الموحد لم تضع قاعدة موضوعية تتعلق بتفسيره، بل وضعت قاعدة سلبية تتضمن استبعاد قواعد القانون الدولى الخاص من التطبيق على القانون الموحد . وهذا يعنى أنها تستبعد قواعد تنازع القوانين التى تضعها التشريعات الوطنية من التطبيق على المسائل التى يتناولها القانون الموحد المحلق باتفاقية لاهاى 1964 . أما المادة 17 من القانون الموحد فهى تمنع اللجوء الى القوانين الوطنية لاستكمال النقص فى نصوص القانون الموحد وتوجب سد النقص فى نصوصه وتفسير غموضه بما يتفق مع المبادئ العامة التى يقوم عليها ([50])

ويتضح من ذلك بجلاء رغبة واضعى اتفاقية لاهاى 1964 فى وضع قانون موحد للبيع الدولى للبضائع يتضمن قواعد ذاتية تحكم تفسير نصوصه وسد نقائصه على نحو مستقل ومنفصل عن القواعد التى تضعها التشريعات الوطنية .

موقف اليونسترال من المادتين 2 ، 17 من القانون الموحد المحلق باتفاقية لاهاى 1964:

46- وجد الاتجاه الذى اتبعه القانون الموحد المحلق باتفاقية لاهاى 1964 بصدد التفسير تأييدا فى لجنة الأمم المتحدة للقانون التجارى الدولى (اليونسترال) من جانب البعض ، بينما لقى معارضه من جانب البعض الآخر. وذهب المؤيدون لبقاء حكم المادة 17 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى الى أن بقاء النص فيه فائدة، فهو يؤكد أن القانون الموحد هو أداة دولية international instrument يجب أن تفسر وتطبق فى كل الدول المتعاقدة بطريقة موحدة ، ومن الغنى عن البيان أن السماح للمحاكم الوطنية باللجوء فى تطبيقها لنصوص القانون الموحد الى طرق ومناهج التفسير الموجودة فى القوانين الوطنية من شأنه إعاقة تطبيقه بطريقة موحدة([51]) . بينما قوبل هذا الاتجاه بالاعتراض من جانب البعض الآخر نظرا لغموض معنى المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية فى ظل عدم وجود تعريف واضح أو معنى محدد متفق عليه لتلك المبادئ العامة التى تقوم عليها. كما أن النظر إلى القانون الموحد كقانون منفصل بالكامل عن القوانين الوطنية بحيث يتضمن قواعد ذاتية تحكم تفسير نصوصه وتسد نقائصه بعيدا عن التشريعات الوطنية أمر مرفوض لأن هناك مسائل هامة تتعلق بعقود البيع الدولى للبضائع لم يعالجها القانون الموحد ولا مفر من الرجوع للتشريعات الوطنية فيها ، كما أن كثير من المصطلحات التى وردت فى القانون الموحد دون ذكر تعريف لها ، يوجد ما يقابلها فى التشريعات الوطنية، ومن ثم فمن الصعب من الناحية العملية الاهتداء الى معانيها بدون الرجوع الى القوانين الوطنية ([52]) .

47-  وقد قدمت عدة اقتراحات لتنقيح المادة 17 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 فى أول جلسة لمجموعة العمل عقدت فى سنة  1970، من بينها اقتراح يتضمن إعادة صياغة المادة 17 كالآتى :

        " يجب تفسير وتطبيق القانون الحالى بما يحقق المبادئ والأغراض التى يقوم عليها ، ويشمل ذلك تحقيق التوحيد فى قانون البيوع الدولية ".

        بينما قدم اقتراح آخر يتضمن حذف المادة 17 بكاملها، أو تعديلها لتنص صراحة على أنه : " تطبق قواعد القانون الدولى الخاص على المسائل المتعلقة بالموضوعات التى شملتها اتفاقية البيع الدولى للبضائع ولم تحسمها نصوصها".

        كما قدم اقتراح آخر يتضمن نوعا من التوفيق بين الاقتراحين المتقدمين . غير أن جميع الاقتراحات التى قدمت لم تحظى بقبول أغلبية أعضاء مجموعة العمل .

        ونوقش الموضوع فى لجنة اليونسترال فى دورتها الثالثة سنة 1970 فلم يتم التوصل الى حل ، وتقرر اعادة طرح الموضوع على مجموعة العمل.

48-  وبناء على ذلك فقد أعيدت مناقشة الموضوع فى الجلسة الثانية لمجموعة العمل التى عقدت سنة 1971 ، واسفرت المناقشات عن التوصل الى صياغة تم اعتمادها ، وهى كالآتى :

" يراعى فى تفسير وتطبيق الاتفاقية طبيعتها الدولية والحاجة الى تحقيق التوحيد [ فى تفسيرها وتطبيقها] "

        وأوصت مجموعة العمل أن يتضمن مشروع الاتفاقية نصا بهذه الصياغة .  وذكرت مجموعة العمل فى تقريرها أن الصياغة المقترحة المتقدمة لم تتضمن تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد “the general principles on which the present law is based” على المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى شملها القانون الموحد ولا يوجد فيه نص صريح يحسمها. وتضمن التقرير أن مجموعة العمل اغفلت تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد على خلاف ما تقضى به المادة 17 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 بسبب الغموض الشديد الذى يحيط بمعنى " المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد " . ومن ناحية أخرى فقد تضمن النص المقترح مسألتين لا مقابل لهما فى القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 وهما : الطبيعة الدولية للاتفاقية ، والحاجة الى تحقيق التوحيد فى تفسيرها وتطبيقها . وقد اعتمدت لجنة اليونسترال فى دورة الانعقاد الرابعة 1971 النص المتقدم الذى اقترحته مجموعة العمل .

49-  وقدم اقتراح فى الاجتماع يتضمن اضافة فقرة جديدة الى النص تعالج مسألة استكمال نقص نصوص القانون الموحد. ولكن لجنة اليونسترال لم تتخذ قرارا فى هذا الشأن وأحالت الاقتراح الى مجموعة العمل لمناقشته فى الوقت الذى تراه مناسبا. غير أن مجموعة العمل لم تناقش الاقتراح واعتمدت مشروع اتفاقية عقود البيع الدولى فى سنة 1976 ، وتضمن فى مادته رقم 13 ما يلى :

        " يراعى فى تفسير وتطبيق الاتفاقية طبيعتها الدولية والحاجة الى تحقيق التوحيد "

        وهو ذات النص الذى سبق أن أقرته لجنة اليونسترال فى دورة الانعقاد الرابعة 1971، فيما عدا العبارة التى كانت قد وردت فى نهاية النص بين قوسين ([53]) .

حسن النية فى مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع :

50-  ومن ناحية أخرى طرحت مسألة حسن النية على مجموعة العمل مقترنة بتكوين عقد البيع الدولى ( لا بتفسيره ) أثناء إعداد مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع التى كان من المقرر أنها ستحل محل اتفاقية لاهاى 1964 بشأن تكوين عقد البيع (ULF).

        وفى الدورة التاسعة لمجموعة العمل التى عقدت فى الفترة من 19-30 سبتمبر 1977 نوقش الاقتراح الذى سبق أن قدمته حكومة المجر فى الدورة الثامنة ([54]) ، وكان يتضمن إضافة نص جديد الى المشروع يتكون من فقرتين تتعلق الفقرة الأولى بمراعاة قواعد العدالة وحسن النية فى مرحلة تكوين العقد ، بينما تقضى الفقرة الثانية بعدم جواز الإعفاء من المسئولية فى حالة الخطأ العمدى أو الاهمال الجسيم ([55]) .

        غير أن المناقشات لم تسفر عن موافقة مجموعة العمل على الاقتراح المقدم من حكومة المجر فيما عدا الجملة الأولى الواردة فى الفقرة الأولى من الاقتراح ونصها :

" يجب على الأطراف فى مرحلة تكوين العقد مراعاة مبادئ الاستقامة فى التعامل وأن يتفق سلوكهم مع حسن النية"

 in the course of the formation of the contract the parties must observe the principles of fair dealing and act in good faith”.

        وقد أقرت مجموعة العمل هذه الجملة دون سواها لأنها وجدت أنه من المرغوب فيه أن يتضمن المشروع معيارا لضبط سلوك الأطراف فى مرحلة تكوين العقد . كما أن مراعاة الاستقامة فى التعامل وحسن النية مبدأ معمول به فى كثير من النظم القانونية ومقنن فى التشريعات الوطنية ومن ثم لا مانع من إقراره فى مجال التجارة الدولية ([56]) .

51-  ومن الجدير بالذكر أن النص المتقدم لم يكن له مقابل فى القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 ، وقد ضمه مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع الدولى للبضائع فى مادته رقم 5 .

52- وعرض مشروع اتفاقية تكوين عقود البيع الدولى للبضائع الذى أعدته مجموعة العمل على لجنة اليونسترال لمناقشته والنظر في اعتماده فى دورة انعقاد اللجنة الحادية عشرة التى عقدت فى الفترة من 30 مايو 16 يونيو 1978 فى نيويورك ([57]). ودارت مناقشات مستفيضة حول المادة 5 من المشروع كشفت عن اختلاف وجهات نظر الدول التى اشتركت فى حضور الدورة حول الاستقامة فى التعامل وحسن النية التى تضمنها المشروع فى مرحلة تكوين العقد. وتباينت مواقف الدول بين مؤيد لبقاء النص ومعارض([58]).

53-  ونادى المعارضون بحذف المادة 5 من المشروع استنادا الى أن الحكم الذى يقرره يتضمن مبدأً اخلاقياً، إذ يجب على نصوص الاتفاقية أن تقتصر على وضع مبادئ والتزامات قانونية ، فلا تضع مبادئ اخلاقية . فإذا كان من الضرورى رفع هذا المبدأ الأخلاقى الى منزلة الالتزام القانونى والنص عليه فى الاتفاقية فمن الواجب أن تحدد نصوص الاتفاقية مضمون هذا المبدأ وكيفية تطبيقه على المعاملات التى تنظمها ، وإلا فإن محاكم كل دولة سوف تطبق حكم المادة 5 من المشروع بطريقة مختلفة عن غيرها، كما أن المحاكم فى تطبيقها للمبدأ سوف تتأثر بالنظام القانونى الداخلى فى كل دولة ، فإذا أضفنا الى ذلك تباين النظم القانونية واختلافها ، فإن وجود النص الذى يقضى بمراعاة الاستقامة فى التعامل وحسن النية فى مرحلة تكوين العقد سوف يؤدى الى نتائج متباينة ومتعارضه فى التطبيق وهو أمر ليس فى صالح التجارة الدولية . وقيل أيضا فى الاعتراض على نص المادة 5 من المشروع أن مبدأ حسن النية فى المعاملات مقرر صراحة أو ضمنا فى كافة النظم القانونية فى مجال المعاملات ، وبالتالى فليس هناك ما يدعو الى النص عليه فى الاتفاقية ([59]) . كما انتقد نص المادة 5 لأنه لم يضع جزاء على عدم احترام حسن النية مما سيؤدى الى تباين الجزاءات التى تقضى بها المحاكم الوطنية فى الدول المختلفة وتنوعها ([60]) .

54- وعلى النقيض من ذلك أيد عدد كبير من الدول بقاء نص المادة 5 . وقيل فى تبرير ذلك أن مبدأ حسن النية معترف به فى النظم القانونية الداخلية وقد تضمنت كثير من التشريعات الوطنية نصوصا شبيهه بالمادة 5 من مشروع الاتفاقية، ومن ثم فليس ثمة ما يمنع من الأخذ به فى الاتفاقية،  وخصوصا أن مبدأ حسن النية لعب دوراً هاماً فى تطوير قواعد القانون الداخلى التى تنظم المعاملات ، كما أن اقرار الاتفاقية لمبدأ حسن النية سوف يكون له وزن فى إرساء معيار سلوك معترف به على نطاق واسع فى مجال التجارة الدولية وهو أمر محمود . وقيل أيضا دفاعا عن بقاء النص أن الغاء النص قد يدعو الى الاعتقاد على خلاف الحقيقة أن لجنة اليونسترال تعارض اقرار مبادئ الاستقامة فى التعامل وحسن النية فى مجال التجارة الدولية على الرغم من الحاجة نحو تدعيم هذه المبادئ وخصوصا فى العلاقات التجارية التى تتصل بالدول النامية . كما قيل بأن فكرة حسن النية معترف بها فى القانون الدولى العام وقد أشار إليها ميثاق هيئة الأمم المتحدة.

        أما فيما يتعلق بعدم تحديد المادة 5 من مشروع الاتفاقية لجزاء على عدم احترام حسن النية فقد قيل دفاعا عن بقاء النص أن من الأفضل ترك جزاء عدم احترام حسن النية لتقدير القضاء ليقرره بالكيفية التى تتناسب مع ظروف كل قضية على حده بما يحقق قدرا من المرونة . ويجب ألا يغيب عن البال أن النص على الاستقامة فى التعامل وحسن النية ينبه أطراف المعاملات الى وجوب اتباع درجة عالية من حسن السلوك فى تعاملهم ، كما يوجه نظر المحاكم وهيئات التحكيم الى مراعاة مبدأ حسن النية ، حتى مع خلو النص من فرض جزاء على عدم احترام حسن النية ([61]) .

55-  وكان لابد ازاء هذا الاختلاف الشاسع فى وجهات النظر وتشبث كل فريق بموقفه من بذل محاولات للتوصل الى حل توفيقى للخلاف بين الفريقين. وقد طرحت عدة حلول توفيقية . منها : نقل مضمون المادة 5 من مشروع الاتفاقية الى ديباجة الاتفاقية . غير أن هذا الاقتراح لم يلق تأييداً يذكر لشعور أغلبية الدول بأن نقل حكم المادة 5 من المشروع الى ديباجة الاتفاقية سوف يجعله عديم الأثر ويفرغه من مضمونه . وقدم اقتراح آخر يتضمن تغيير موضع مبدأ حسن النية فى المشروع والنص على المبدأ كقاعدة من قواعد تفسير وتصرفات أطراف العقد لا بصدد تكوينه . وقد اعترض على ذلك أيضا على أساس أن المادة 5 من المشروع لا تتعلق بنوايا الأطراف ولكنها تفرض سلوكا يلتزم الأطراف باتباعه . وقد قدم اقتراح توفيق آخر هو الذى حظى بالقبول يتضمن تغيير موضع مبدأ حسن النية فى المشروع وجعله مقترنا بتفسير وتطبيق نصوص الاتفاقية ذاتها لا بتكوين عقد البيع  ([62]) .

56-  وبناء على ذلك شكلت لجنة اليونسترال مجموعة عمل لاعداد صياغة للاقتراح على أن تأخذ فى الاعتبار كل وجهات النظر التى طرحت أثناء مناقشة المادة 5 من المشروع .

        وقد اقترحت مجموعة العمل الصياغة التالية  ([63]) ، وأوصـت باقرارها  : " يراعى فى تفسير وتطبيق الاتفاقية طابعها الدولى والحاجة الى تحقيق التوحيد واحترام حسن النية فى التجارة الدولية "

In the interpretation and application of the provision of this convention, regard is to be had to its international character and to the need to promote uniformity and observe good faith in international trade”.

        وهذا النص مأخوذ فيما تضمنه من وجوب أن يراعى فى التفسير الطابع الدولى للاتفاقية والحاجة الى تحقيق التوحيد من المادة 13 من مشروع اتفاقية عقد البيع الدولى للبضائع ، غير أنه أضاف حكما جديدا هو ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية .

        وقد حظى النص المتقدم الذى اقترحته مجموعة العمل كحل توفيقى بموافقة لجنة اليونسترال رغم عدم رضاء عدد من الدول عن الصياغة المقترحة ، إذ كان بعضها يفضل بقاء نص المادة 5 من المشروع على حاله، وبعضها الآخر كان يفضل حذف عبارة " احترام حسن النية فى التجارة الدولية" من النص .

ادماج مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع الدولى ، ومشروع اتفاقية عقد البيع الدولى فى مشروع واحد :

57- قررت لجنة اليونسترال فى الدورة الحادية عشرة التى عقدت 1978 ادماج مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع الدولى للبضائع مع مشروع اتفاقية عقد البيع الدولى للبضائع فى مشروع اتفاقية واحد اطلق عليه مشروع اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع 1978 . ونتيجة لذلك فقد ادمجت المادة 5 من مشروع اتفاقية تكوين عقد البيع الدولى للبضائع مع المادة 13 من مشروع اتفاقية عقد البيع الدولى للبضائع وعدل رقم المادة فى مشروع الاتفاقية 1978 فأصبحت تحمل رقم 6 وكانت تنص على الآتى : " يراعى فى تفسير وتطبيق أحكام هذه الاتفاقية طابعها الدولى وضرورة العمل على التوحيد والتزام حسن النية فى التجارة الدولية " ([64])

إضافة  فقرة جديدة الى النص فى المؤتمر الدبلوماسى تتعلق بسد النقص فى النصوص وتعديل رقم المادة الى 7 :

58- وعرض مشروع الاتفاقية بعد اعتماده من لجنة اليونسترال على المؤتمر الدبلوماسى الذى عقد فى فيينا 1980 فأدخل بعض التعديلات على صياغة المادة 6 من المشروع بناء على اقتراح الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ([65]) . كما قدمت عدة اقتراحات أخرى من بلغاريا ([66]) وتشيكوسلوفاكيا وإيطاليا تتضمن اضافة مادة جديدة تحمل رقم 6 مكرر تتعلق بالقانون الواجب التطبيق على المسائل التى تتناولها الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها غير أن هذه الاقتراحات كان مصيرها الرفض. وقدمت جمهورية ألمانيا الديمقراطية اقتراحا يجمع بين الاقتراحين التشيكى والإيطالى تضمن اضافة فقرة جديدة الى المادة 6 لعلاج هذه المشكلة نصها الآتى :

        " المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها هذه الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها ، يتم تنظيمها وفقا للمبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية، وفى حالة عدم وجود هذه المبادئ تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص "

        وقد تم الموافقة على هذا الاقتراح بأغلبية 17 صوتا مقابل 14 صوتا وامتناع 11 عن التصويت ([67]) .

        كما تم تعديل ترقيم المواد فى المؤتمر الدبلوماسى فتغير رقم المادة 6 من المشروع وأصبح موضعها فى النص النهائى للاتفاقية المادة 7 ونصها الآتى :

" (1)  يراعى فى تفسير هذه الاتفاقية صفتها الدولية وضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها كما يراعى ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية .

(2) المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها هذه الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها، يتم تنظيمها وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية ، وفى حالة عدم وجود هذه المبادئ تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص" .

59-  وهكذا اسفر الاختلاف فى وجهات نظر الدول التى اشتركت فى إعداد الاتفاقية عن اقتران مبدأ حسن النية بتفسير نصوص الاتفاقية لا بسلوك وتصرفات طرفى العقد من أجل التوفيق بين وجهات النظر المتعارضة .

كما أضيفت فقرة جديدة الى النص فى المؤتمر الدبلوماسى لعلاج مشكلة نقص النصوص .


الفصل الأول

مبادئ تفسـير الاتفاقية

تمهيـــد :

60- لا شك أن خير وسيلة لضمان وحدة تفسير الاتفاقيات الدولية هى انشاء محكمة دولية عليا تتولى تفسير النصوص وتلزم الدول المتعاقدة باحترام المبادئ التى ترسيها ([68]) . غير أن واضعو اتفاقية فيينا 1980 أدركوا أن هذا الحل الصارم فيه مساس بسيادة الدول مما ينفرها من الانضمام إلى الاتفاقية ، ولذلك اتبعت اتفاقية فيينا منهجا آخر أخف صرامة حتى لا تحجم الدول عن الانضمام إليها، فوضعت عددا من المبادئ العامة  يسترشد بها المفسر قاضيا كان أو محكما أو فقيها عند تفسيره لنصوصها حتى لا تلجأ المحاكم الوطنية إلى تفسير نصوص الاتفاقية باتباع طرق التفسير المختلفة فى التشريعات الوطنية فتتصدع الأسس التى تقوم عليها الاتفاقية ولا يتحقق التوحيد المنشود فى تطبيقها فى مختلف الدول. وقد وردت هذه المبادئ فى المادة 7 فقرة    (1) من الاتفاقية التى تنص على أنه :

    " يراعى فى تفسير هذه الاتفاقية صفتها الدولية وضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها كما يراعى ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية ".

وهذا النص لا يتناول طرق التفسير methods of interpretation([69]) ، بل يضع مبادئ استرشادية يجب مراعاتها عند تفسير نصوص الاتفاقية أيا كانت الطريقة المتبعة فى التفسير ، وهى مبادئ تتفق مع الأهداف التى تسعى الاتفاقية إلى تحقيقها ([70]) .

وقد وضع النص المتقدم ثلاثة مبادئ تتعلق بتفسير الاتفاقية، إذ أوجب أن يراعى فى تفسير الاتفاقية : ( أ ) صفتها الدولية ، (ب) ضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها ، (جـ) ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية .

تقسـيم:

61-  وسوف نتناول كل مبدأ من هذه المبادئ فى مبحث مستقل ، ولذلك نقسم هذا الفصل إلى مباحث ثلاثة كالآتى :

المبحث الأول : الصفة الدولية للاتفاقية .

المبحث الثانى : تحقيق التوحيد فى التطبيق .

المبحث الثالث : احترام حسن النية .

 

المبحث الأول

الصفة الدولية للاتفاقية

62-  وفقاً لنص المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية ، يجب أن يراعى فى تفسيرها صفتها الدولية . وهذا المبدأ وهو أول مبادئ التفسير الثلاثة التى ذكرتها المادة 7 يفرض على كل من يفسر نصوص الاتفاقية ، قاضياً كان أو محكماً أو فقيهاً ، أن يضع فى ذهنه أنه لا يفسر قانوناً وطنيا أصدرته هيئة تشريعية فى دولة ما ، بل يفسر اتفاقية دولية اشتركت فى صياغة نصوصها دول كثيرة ، وأعدتها لكى تطبق فى كل بلدان العالم بغض النظر عن اختلاف النظم القانونية أو السياسية أو الاقتصادية أو العقائدية السائدة فيها .

تعدد معان الاصطلاحات رغم وحدة المسميات :

63- ويجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند التفسير أن الاصطلاحات القانونية التى استخدمتها الاتفاقية قد لا تتطابق فى معانيها مع معان ذات الاصطلاحات فى القانون الداخلى . فلا يغيب عن البال أن القوانين التى توضع لتنظم العلاقات الداخلية فى دولة ما يتم صياغتها بلغة قومية تتضمن اصطلاحات قانونية معروفة ومستقرة من حيث معانيها فى النظام القانونى الداخلى ، وتعبر  فى ذات الوقت عن نوايا المشرع الوطنى ومقاصده فى تنظيم العلاقات القانونية الداخلية ، والأمر ليس كذلك بالنسبة لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ، حيث اشتركت فى إعدادها دول متفرقة لها اتجاهات قانونية وسياسية واقتصادية وعقائدية متنوعة ، وجاءت صياغة نصوصها وليدة للتوفيق بين وجهات النظر والمصالح المتباينة لهذه الدول.([71])

ومن ثم يجب ألا تنسب الاصطلاحات القانونية التى استخدمتها الاتفاقية إلى نظام قانونى معين لأن معانيها فى الاتفاقية قد لا تتطابق مع معان ذات الاصطلاحات فى القانون الداخلى . كما أن الاتفاقية صدرت بست لغات رسمية هى الأسبانية والإنجليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية ، وهى جميعاً متساوية فى الحجية . ([72]) وهذا يقتضى ألا يتشبث المفسر بمعنى الاصطلاح فى القانون الداخلى لأن الاصطلاحات القانونية قد تستعمل فى الاتفاقية لتدل على معان مختلفة عن معانيها فى القانون الداخلى([73]) ، بالإضافة إلى وجود اصطلاحات قانونية يصعب نقلها من لغة إلى لغة أخرى  دون أن تتغير معانيها . وهذا يعنى أن الأفكار والاصطلاحات التى وردت فى الاتفاقية لها مدلول ذاتى يختلف عن مدلولها فى القوانين الوطنية ، ومن ثم يتعين تفسير نصوص الاتفاقية تفسيراً ذاتياً autonomous interpretation  لا يرتبط بما يقابلها من معان التعبيرات والاصطلاحات التى تستخدم فى القانون الوطنى ([74]) .

64- وقد أكد القضاء السويسرى هذا المبدأ فى الحكم الصادر فى 29/6/1994 من محكمة ولاية Valais . وهذه القضية تتعلق بعقد بيع  أثاث أبرم بين بائع إيطالى ومشتر سويسرى، غير أن المشترى لم يقم بالوفاء بالثمن ، فرفع البائع دعوى أمام القضاء السويسرى لمطالبة المشترى بالوفاء بالتزامه . وما يعنينا فى هذه القضية أن المحكمة بعد أن قررت خضوع العقد لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع تطبيقاً للمادة الأولى فقرة (1) ( أ ) من الاتفاقية أكدت الطبيعة الذاتية للاتفاقية وذكرت أنه على الرغم من أن الاتفاقية تعتبر جزءاً من قوانين الدول المتعاقدة إلا أن نصوص الاتفاقية لها طبيعة ذاتية autonomous لا ترتبط فى معانيها بقوانين الدول المتعاقدة . ([75])

65- ومن ثم يجب ألا يغيب عن البال أن الأفكار والاصطلاحات التى وردت فى الاتفاقية قد تحمل معان غير مطابقة لمعانيها فى القانون الوطنى . رغم وحدة مسمياتها ، وهو ما يطلق عليه des faux-amis ([76]) .

عدم التقيد بالأنظمة القانونية الداخلية فى الاستدلال على معان الاصطلاحات:

66- ويجب على المفسر عند البحث عن معان الاصطلاحات ألا يتقيد بمعناها فى القانون الوطنى ، بل يتعين عليه استخلاص المعنى من نصوص الاتفاقية ذاتها ، وبما ينسجم على المبادئ التى تقوم عليها والغرض الذى تسعى إلى تحقيقه . فإذا لم تسعفه نصوص الاتفاقية لاستجلاء الغموض الذى يكتنف النص وكان من الضرورى الاستعانة بمصادر خارجية فخير مصادر يمكنه الرجوع إليها هى المصادر الدولية الوثيقة الصلة بالاتفاقية وأهمها الأعمال التحضيرية للاتفاقية والاتفاقيات الدولية الأخرى وثيقة الصلة بها ، مثل اتفاقية فترة التقادم فى البيع الدولى للبضائع 1974 والبرتوكول المعدل لها الموقع فى فيينا 1980 ([77]).

67- وقد استعانت المحاكم بالمناقشات التى دارت خلال مراحل إعداد الاتفاقية لتفسير نصوصها . وهذا ما فعله القضاء الألمانى فى القضية التى نظرتها محكمة استئناف Oberlandesgericht Frankfurt am Main الألمانية ([78]) . وهى  تتعلق بعقد بيع مأكولات بحرية mussels نيوزيلندية المنشأ أبرم بين بائع سويسرى ومشترى ألمانى . وقد نشب النزاع بين طرفى العقد فى أعقاب فحص البضاعة وبعد وصولها إلى المشترى، إذ أسفرت نتيجة الفحص عن وجود نسبة من عنصر الكادميوم cadmium فى البضاعة تتجاوز النسبة المسموح بها فى  الأسماك والمأكولات البحرية وفقاً للنسب التى حددتها هيئة الصحة الفيدرالية الألمانية ، مما شكك فى سلامة الأغذية من الناحية الصحية، وجعل المشترى يمتنع عن الوفاء بالثمن وأخطر البائع بعدم مطابقة البضاعة وطلب إعادتها إليه . ولما كان عقد البيع لم يتضمن تحديداً لنسبة الكادميوم cadmium المتفق عليها بين الطرفين فقد أثارت القضية مسألة نطاق التزام البائع بمطابقة البضاعة ومدى تقيده بالمقاييس التى تحددها دولة المشترى فى البضاعة لضمان السلامة الصحية، وخصوصاً أن هذه المقاييس تختلف اختلافاً بينا من دولة إلى أخرى، كما تختلف بحسب الغرض الذى تستعمل البضاعة من أجله . وقد قضت محكمة أول درجة فى مصلحة البائع فاستأنف المشترى الحكم ، غير أن محكمة الاستئناف انتهت إلى تأييد الحكم الصادر من محكمة أول درجة .

68- وما يعنينا فى القضية أن محكمة الاستئناف قد استعانت بالأعمال التحضيرية فى تفسير المادة 35/2 ( أ ) من الاتفاقية ([79]) وذكرت فى حيثيات حكمها أنها فى غنى عن الفصل فى مسألة مدى صلاحية البضاعة للاستعمال فى الأغراض التى تستعمل من أجلها عادة بضائع  من  نفس النوع عن طريق بحث ما إذا كانت البضاعة متوسطة من حيث درجة جودتها من عدمه (وهو المعيار السائد فى القارة الأوروبية) لأن الاقتراح الذى قدمته كندا خلال المناقشات التى دارت فى مرحلة إعداد الاتفاقية والذى تضمن اتخاذ هذا المعيار كأساس لتحديد مدى صلاحية البضاعة للاستعمال قد تم سحبه . ولذلك لم تبحث المحكمة ما إذا كانت درجة جودة البضاعة متوسطة من عدمه ، وإنما طبقت المعيار السائد فى دول قانون العموم cammon law وهو صلاحية البضاعة - بالنظر إلى درجة الجودة للتداول التجارى "merchantable quality" . ([80])

69- وبالإضافة إلى الأعمال التحضيرية للاتفاقية ، والاتفاقيات الدولية وثيقة الصلة بها ، تلعب أعراف التجارة الدولية المعروفة على نطاق واسع دوراً هاماً فى تحديد مدلول الاصطلاحات. ولا يغيب عن البال الجهود التى تبذلها المنظمات الدولية المعنية بالتجارة الدولية فى تقنين هذه الأعراف، ومن أهم أعمال هذه المنظمات : مجموعة مصطلحات التجارة الدولية incoterms  التى أعدتها غرفة التجارة الدولية وبدأ العمل بآخر إصدار منها فى أول يناير 2000 . كما قننت غرفة التجارة الدولية القواعد والأعراف الموحدة للاعتمادات المستندية . وتعد مبادئ العقود التجارية الدولية 1994 من أهم الأعمال التى أعدها المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص بروما Unidroit ([81]) .

70- على أن هذا لا يعنى الاستغناء كلية عن معان الاصطلاحات المعروفة فى القوانين الداخلية عند تفسير الاتفاقية ، فقد تتطابق معان الاصطلاحات والعبارات التى تستخدمها الاتفاقية مع ما يقابلها فى القوانين الوطنية ، وذلك إذا تبين أن الاصطلاح القانونى الذى تستخدمه الاتفاقية وضع بقصد الدلالة على معنى مطابق للمعنى الذى يدل عليه فى القانون الوطنى ، أو إذا كان موضعه فى سياق الجملة لا يدل على أن له معنى خاص يختلف عن معناه المعروف فى القانون الداخلى . ([82])

71- ولم يكن من اليسير أن يستبعد واضعو الاتفاقية جميع الاصطلاحات القانونية التى تختلف فى معناها رغم وحدة مسمياتها ، فاستبعاد جميع هذه الاصطلاحات أمر عسير المنال لا يمكن أن يتحقق إلا جزئياً . ولذلك نجد فى الاتفاقية اصطلاحات كثيرة تحمل ذات المسميات فى النظم القانونية المقارنة ومع ذلك فإن مضمونها ليس واحداً . ولما كان تفسير هذه الاصطلاحات بالرجوع إلى معانيها فى النظم القانونية الداخلية من شأنه تشعب التفسير وعدم توحيد تطبيق الاتفاقية فقد أوجبت المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية أن يراعى فى تفسير نصوصها طبيعتها الدولية ، وتحقيق التوحيد فى تطبيقها. مما يقتضى تفسير نصوص الاتفاقية تفسيراً ذاتياً autonomous interpretation يبتعد عن طرائق التفسير ومعان الاصطلاحات المعروفة فى النظم القانونية الداخلية ، ويعتمد على الأسس والمبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية ([83]) .

72- ومن التطبيقات القضائية التى توضح كيفية الأخذ فى الاعتبار الصفة الدولية للاتفاقية وتحقيق التوحيد فى تطبيقها الحكم الصادر من القضاء السويسرى فى 7 مايو 1993 من محكمة Gerichtspräsident von Laufen . ([84])

وتتعلق القضية بعقد بيع معدات  صناعية أبرم بين بائع فنلندى ومشترى سويسرى . وقد أقام البائع دعواه أمام القضاء السويسرى لمطالبة المشترى بالوفاء بما تبقى لديه من ثمن البضاعة . وعلى الرغم من إبرام العقد قبل دخول اتفاقية فيينا 1980 حيز التنفيذ فى سويسرا، إلا أن المحكمة قدرت خضوع عقد البيع لأحكام الاتفاقية على اعتبار أن فنلندا دولة متعاقدة وأن قواعد القانون الدولى الخاص السويسرى تقضى بأن القانون الواجب التطبيق هو القانون الفنلندى (المادة 1 ( أ ) (ب) من اتفاقية فيينا 1980) .

73- وما يعنينا فى هذه القضية هو الدفع الذى أثاره المشترى وتضمن عدم اختصاص المحكمة بنظر النزاع . فلكى تفصل المحكمة فى هذا الدفع كان يجب عليها تحديد ما إذا كانت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع سوف يتم تطبيقها كقانون فيدرالى أم أنها تعد بمثابة قانون أجنبى . وقالت المحكمة أن الاتفاقية واجبة التطبيق على العقد باعتبارها قانوناً أجنبياً ، من ثم فإن الاختصاص فى المنازعات المتعلقة بتطبيقها لا ينعقد فى الأصل للقضاء الفيدرالى . بالرغم من ذلك أخذت المحكمة فى اعتبارها أن الاتفاقية تتضمن أحكاماً موضوعية تطبق فى كافة الدول المتعاقدة ، كما أنها أصبحت سارية فى سويسرا كجزء من القانون السويسرى وقت صدور الحكم . وقد أخذت المحكمة فى الاعتبار هذه الطبيعة الدولية للاتفاقية وقررت جواز استئناف الحكم الصادر فى القضية أمام  القضاء الفيدرالى السويسرى لضمان التوحيد فى التطبيق ومراعاة لطبيعتها الذاتية .

استبعاد طرق التفسير الداخلية :

74- أن الأخذ فى الاعتبار الطبيعة الدولية للاتفاقية يعنى أن المفسر يجب ألا يعالج المشكلات المتعلقة بتفسير الاتفاقية بتطبيق الحلول ونظريات التفسير السائدة فى القانون الوطنى ، بل يتعين النظر إلى الاتفاقية نظرة مختلفة عن نظرته إلى القانون الوطنى ، وهذا يقتضى أن يضع نصب عينيه الطبيعة الخاصة للاتفاقية عند تفسير نصوصها . ([85])

75-  ومن ثم لا يجوز للمفسر الرجوع إلى أساليب التفسير الفنية interpretation techniques المعروفة فى نظام قانونى معين لتفسير ما غمض من نصوص الاتفاقية ([86]) ، إذ قد يؤدى ذلك إلى نتائج مغايرة للغرض الذى تسعى الاتفاقية إلى تحقيقه .

ولنضرب مثالاً لتوضيح ذلك : فى دول القانون العام common law تفسر نصوص التشريعات statutes التى لا تستقيم مع المبادئ التى أرساها القضاء ( السوابق القضائية ) تفسيراً ضيقاً حتى يتاح للقضاء مجالاً أوسع لتطبيق السوابق القضائية على حساب نصوص التشريع ([87]) . هذه الطريقة التى تتبعها الدول ذات النزعة الأنجلوسكسونية فى تفسير نصوص التشريعات  statutes يجب تجنبها عند تفسير نصوص الاتفاقية . فمراعاة الطبيعة الدولية للاتفاقية توجب على المفسر أن يأخذ فى الاعتبار أن الاتفاقية وضعت لتحل محل القواعد القانونية التى تنظم عقود البيع  الدولى للبضائع فى كل الدول المتعاقدة سواء كان مصدر هذه القواعد التشريعات الوطنية أو السوابق القضائية . ومن ثم يجب استبعاد طريقة التفسير الضيق التى تتبعها الدول ذات النزعة الأنجلو سكسونية لتفسير التشريعات من التطبيق عند تفسير نصوص الاتفاقية . ([88])

تجنب الاتفاقية استعمال اصطلاحات قانونية تثير اللبس:

76- ومن الجدير بالذكر أن واضعو الاتفاقية حاولوا تجنب استخدام الاصطلاحات التى ترتبط فى وجودها ومعناها بنظام قانونى معين حتى لا يرتبط معنى المصطلح الوارد فى الاتفاقية بمعناه فى النظام القانونى الذى نشأ فى ظله ، كما حاولوا الابتعاد عن استخدام الاصطلاحات التى تختلف معانيها فى النظم القانونية رغم وحدة مسمياتها حتى لا تتسرب الاختلافات بين الدول فى تفسير نصوص الاتفاقية بسبب تعدد معان المصطلحات . ولنأخذ مثلاً يوضح ذلك أحكام تبعة الهلاك . لم تشأ الاتفاقية أن تربط بين  انتقال تبعة الهلاك وانتقال ملكية البضاعة إلى المشترى لأن الوقت الذى تنتقل فيه  الملكية إلى المشترى فى عقد البيع مسألة محل اختلاف بين النظم القانونية ، وأقامت انتقال تبعة الهلاك على أساس آخر غير انتقال الملكية وهو التسليم ، فربطت بين انتقال تبعة الهلاك وتسليم البضاعة ([89]) . وبذلك تجنبت الاختلافات التى قد تنشأ فى التفسير بسبب اختلاف النظم القانونية فى تحديد وقت انتقال الملكية ، وأقامت انتقال التبعه على أساس التسليم لأن التسليم فكرة مادية تعرفها كل النظم القانونية ولا يختلف مفهومها فيما بينها .

77- وحاول واضعو الاتفاقية بقدر الإمكان استخدام مصطلحات يسهل ترجمتها إلى اللغات الأخرى دون أن تؤثر الترجمة على معناها، وذلك عن طريق اختيار مصطلحات لا ترتبط فى دلالتها بلغة معينة. كما حاول واضعو الاتفاقية استخدام مصطلحات غير فنية من حيث معناها القانونى، وإعطاء هذه المصطلحات مدلول قانونى معين فى الاتفاقية بحيث تكون للمصطلحات الواردة فى الاتفاقية معان ذاتية لا ترتبط بمعانيها فى النظم القانونية المتعددة أو اللغات المختلفة .

ولنأخذ مثلاً يوضح ذلك مصطلح nachfrist وهو اصطلاح معروف فى القانون الألمانى ، معناه أن يمنح أحد طرفى العقد الطرف الآخر المتخلف عن تنفيذ التزامه مهلة معقولة للتنفيذ بحيث لا يقبل منه أى تنفيذ متأخر بعد انقضاء تلك المهلة ، ويحق للطرف الأول بمجرد انقضاء المهلة دون تنفيذ الالتزام إعلان الفسخ، فضلاً عن الجزاءات الأخرى التى يتعرض لها الطرف المخالف لإخلاله بتنفيذ التزامه . وقد اقتبست الاتفاقية هذه الفكرة من النظام الألمانى ولكنها تجنبت استخدام اصطلاح nachfrist واستعملت اصطلاحاً آخر هو المهلة الإضافية additional period  of time ، لكى يكون لهذا الاصطلاح ذاتيته فلا يرتبط فى تفسيره بمعنى الاصطلاح المقابل له فى القانون الألمانى . ([90]) ومن أمثلة هذه المصطلحات أيضاً المخالفة الجوهرية fundamental breach ( المادة 25 من الاتفاقية ) ومطابقة البضائع conformity of goods ( المادة  35 من الاتفاقية ) والإخلال المبتسر anticipatory breach ( المواد من 71-73 من الاتفاقية ) .

78- لقد أدرك واضعوا الاتفاقية أن استخدام اصطلاحات غير مألوفة فى  النظم القانونية الداخلية مثل الاصطلاحات المتقدمة من شأنه عدم الاعتماد فى تفسير نصوص الاتفاقية على النظم القانونية الداخلية، مما يؤدى إلى تغليب منهج التفسير الذاتى autonomous interpretation لنصوصها. بيد أن تعدد اللغات الرسمية التى صيغت بها نصوص الاتفاقية ، وصعوبة العثور على مصطلحات جديدة أو غير مألوفة فى النظم القانونية الداخلية لاستخدامها فى الصياغة ، فضلاً عن تغير معان المصطلحات عند ترجمتها ، كل ذلك أدى إلى صياغة نصوص الاتفاقية باستخدام كثير من المصطلحات المعروفة فى النظم القانونية الداخلية. على أنه يجب على المفسر مراعاة للطبيعة الدولية للاتفاقية الابتعاد عن معان المصطلحات فى القوانين الوطنية ، لأن المصطلحات الواردة فى الاتفاقية قد لا تتطابق من حيث معانيها مع المصطلحات المستخدمة فى النظم القانونية الوطنية على الرغم من وحدة المسميات ، فقد تحمل معان جديدة فى الاتفاقية . و هذا الأمر ليس غريباً ففى مجال القانون الداخلى كثيراً ما نجد مصطلح قانونى يستخدم للدلالة على معنى معين فى تشريع أو فرع من فروع القانون بينما يستخدم بمعنى آخر فى تشريع أو فرع آخر . ([91])

التشابه بين تفسير الاتفاقية تفسيراً ذاتياً وطريقة تفسير محكمة العدل الأوروبية للاتفاقيات الأوروبية :

79-  ولعل النموذج الذى تتبعه محكمة العدل الأوروبية فى تفسير الاتفاقيات الأوربية يوضح لنا كيف يمكن تفسير اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع تفسيراً ذاتياً autonomous interpretation . ولنعرض فيما يلى كيف فسرت محكمة العدل الأوروبية ما غمض من نصوص اتفاقية بروكسل فى شأن الاعتراف وتنفيذ الأحكام التى تصدر فى الدول المتعاقدة فى المسائل المدنية والتجارية ، إذ أعطت المحكمة كثيراً من المصطلحات الواردة فيها مدلولات خاصة تتفق مع المبادئ التى تقوم عليها دون الاعتماد على معان هذه المصطلحات فى قانون أى دولة من الدول الأطراف فى الاتفاقية .

80-  فى سنة 1971 قضت المحكمة بأنه يجب أن يؤخذ فى الاعتبار عند تفسير اتفاقية بروكسل المبادئ التى تقوم عليها والأغراض التى تهدف إلى تحقيقها . وهذه الأغراض هى التبسيط simplification  والتوحيد uniformity والعدالة fairness  فى الاعتراف وتنفيذ الأحكام فى كل الدول المتعاقدة . وتطبيقاً لذلك قررت المحكمة فى قضية Lufttransportunternehmen Gmbh & Co. KG v. Eurocontrol  فيما يتعلق بتفسير عبارة " المسائل المدنية والتجارية " بأن التفسير الذى تراه المحكمة التى أصدرت الحكم المطلوب تنفيذه لهذه العبارة يجب الالتفات عنه، كما يتعين عدم الأخذ بالتفسير الذى تراه محكمة الدولة التى يراد تنفيذ الحكم فيها لعبارة " المسائل المدنية والتجارية " ولم ترجح المحكمة أى تفسير منهما، بل قضت بأنه يتعين تعريف عبارة " المسائل المدنية والتجارية " تعريفاً لا يرتبط بمعنى هذه العبارة فى قانون أى دولة منهما ، بل يعتمد فى المقام الأول على أغراض  الاتفاقية ومنهجها ثم المبادئ العامة التى تقوم عليها والتى تستمد أًصلها من النظم القانونية فى مجموعها.([92])

المبحث الثانى

التوحيد فى تطبيق الاتفاقية

81- أما المبدأ الثانى من مبادئ التفسير التى ذكرتها المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية فهو " ضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها " . وهذا المبدأ يرتبط بالمبدأ الأول من مبادئ التفسير ولا ينفصل عنه لأن ضرورة تحقيق التوحيد فى التطبيق هو نتيجة منطقية للصفة الدولية للاتفاقية ([93]) ، فمراعاة الصفة الدولية للاتفاقية كمبدأ من مبادئ التفسير تقتضى ألا تفسر نصوص الاتفاقية بذات الطريقة والأسلوب الذى تفسر به نصوص التشريعات الداخلية، وتوجب أن يراعى فى تفسيرها تحقيق التوحيد فى التطبيق .

ولاشك أن وضع قواعد موحدة لتنظيم عقود البيع الدولى للبضائع من شأنه تنمية التجارة الدولية وتنشيطها ، وهذا ما أشارت إليه ديباجة الاتفاقية بقولها " ان الدول الأطراف فى هذه الاتفاقية ترى أن اعتماد قواعد موحدة تنظم عقود البيع الدولى للبضائع وتأخذ فى الاعتبار مختلف النظم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية من شأنه أن يسهم فى إزالة الحواجز القانونية فى مجال التجارة الدولية وأن يعزز تنمية التجارة الدولية " . على أن التوحيد الذى تنشده الاتفاقية لا يتحقق بمجرد وضع قواعد موحدة تخضع لها عقود البيع الدولى للبضائع ، وإنما يتحقق التوحيد المنشود بتطبيق هذه القواعد تطبيقاً موحداً .

استبعاد فكرة إنشاء محكمة عليا تراقب التفسير :

82-  ومن الجدير بالذكر أن الوسيلة المثلى لتحقيق هذه الغاية هى  إنشاء محكمة دولية عليا تتولى تفسير نصوص الاتفاقية كلما تشعبت الاختلافات فى شأنها ([94]) ، فتلعب دوراً يماثل الدور الذى تلعبه محكمة العدل الأوروبية  The European Court of Justice لتحقيق التوحيد المنشود فى التطبيق([95]) . غير أن هذا الحل عسير المنال ، وقد أدرك واضعو الاتفاقية أن إنشاء محكمة عليا تتولى التفسير سوف ينفر الدول من الانضمام إلى الاتفاقية ، فلجأوا إلى حل بديل أقل صرامة ، عن طريق وضع مبادئ إرشادية لتفسير أحكام الاتفاقية فى المادة 7 فقرة (1) ، لتقليل احتمالات تشعب التفسير وتبعثره .

اقتراح إعداد تعليق رسمى على نصوص الاتفاقية :

83-  ولقد أثيرت خلال مراحل إعداد الاتفاقية ، وكذلك أثناء انعقاد المؤتمر الدبلوماسى الذى عقد فى فيينا 1980 ، فكرة إعداد تعليق رسمى على نصوص الاتفاقية . ولاشك أن هذا التعليق كان سيعين القضاة والمحكمين على تطبيق الاتفاقية بطريقة موحدة فى مختلف الدول . غير أن المناقشات التى دارت فى اليونسترال وفى المؤتمر الدبلوماسى أظهرت بوضوح أن إصدار اليونسترال لتعليق رسمى على الاتفاقية أمر عسير المنال، لأن  إعداد هذا التعليق واعتماده سوف يستغرق وقتاً طويلاً لا يقل عن الوقت  الذى مضى فى إعداد الاتفاقية ذاتها ، ولذلك استبعدت فكرة إعداد تعليق  رسمى على نصوص الاتفاقية . ([96])

84- ويجدر التنويه بالتعليق الذى أعدته الأمانة العامة للجنة اليونسترال على مشروع الاتفاقية 1978 وعنوانه : " التعليق على مشروع اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع" ([97]) . وقد صدر أصل هذا التعليق بالإنكليزية فى 14 مارس 1979 وهو منشور ضمن الوثائق  الرسمية Official Records لمؤتمر الأمم المتحدة المعنى بعقود البيع الدولى للبضائع ([98]) وتتضمن هذه الوثيقة التعليق على كل مواد المشروع وعددها 82 مادة ([99]) . ولا يعد هذا التعليق تعليقاً رسمياً على الاتفاقية لأنه يعبر عن وجهة نظر الأمانة العامة لليونسترال فى شرح مشروع 1978 ، ولا يعبر عن وجهات نظر الدول أعضاء لجنة اليونسترال ، كما أن هذا التعليق لم يقره المؤتمر الدبلوماسى . غير أن هذا لا يعنى التقليل من أهمية التعليق الذى أعدته الأمانة العامة للجنة اليونسترال على مشروع الاتفاقية ، فعلى الرغم أن ما تضمنه التعليق لا يلزم الدول الأطراف فى الاتفاقية ، إلا أنه يعد من الأعمال التحضيرية الهامة التى يمكن الاستعانة بها فى تفسير نصوص الاتفاقية، وخاصة أن التعديلات التى أدخلت على مواد المشروع فى المؤتمر الدبلوماسى تعديلات قليلة فى مجموعها .

أهمية متابعة أحكام القضاء والقرارات التحكيمية لتحقيق التوحيد :

85- ولما كان تحقيق التوحيد المنشود فى التطبيق يقتضى أن تأخذ محاكم كل دولة من الدول الأطراف فى الاتفاقية فى الاعتبار المبادئ القضائية التى قررتها المحاكم التى طبقت الاتفاقية فى الدول الأخرى فإن الأمر يتطلب أن يتابع القضاة و المحكمون فى كل دولة من الدول الأطراف فى الاتفاقية هذه الأحكام . ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بنشر هذه الأحكام وتوفيرها فى مختلف الدول الأطراف فى الاتفاقية ليستعين القضاة والمحكمون بالمبادئ التى قررتها بما يساهم فى تحقيق التوحيد فى التطبيق .

86- ولعل فى الحكم الصادر فى 8 يناير 1997 من محكمة Obergericht Kanton Luzern ([100]) فى سويسرا ما يوضح كيفية تفسير معنى " خلال فترة معقولة " التى ذكرتها المادة 39 من الاتفاقية ، بمراعاة التوحيد فى التطبيق. وتتعلق هذه القضية بنزاع نشب بين مورد أدوات طبية إيطالى ومشترى سويسرى بعد اكتشاف عيوب فى البضاعة . وفى أعقاب ذلك امتنع المشترى عن الوفاء بالثمن وأخطر البائع بعيوب المطابقة بعد مضى حوالى ثلاثة أِشهر ونصف من تاريخ استلامه للأدوات الطبية . غير أن البائع لم يعتد بما تضمنه الإخطار، ولم يقر بالعيوب التى يدعيها المشترى فى البضاعة، وأقام دعوى ضد المشترى أمام المحكمة المختصة للمطالبة بالوفاء بالثمن . وقد قضت المحكمة فى هذه القضية بأن المشترى فقد حقه فى التمسك بعيوب المطابقة لأنه لم يقم بفحص البضاعة فى الموعد الذى تحدده المادة 38/1 من الاتفاقية ، كما لم يقم بإخطار البائع بعيوب المطابقة خلال فترة معقولة .

وقالت المحكمة فى حيثيات حكمها أنه وفقاً لحكم المادة 39 من الاتفاقية يجب على المشترى إخطار البائع بعيوب المطابقة خلال فترة  معقولة من اللحظة التى يكتشف فيها العيب . وحيث أن الفترة التى يجب على المشترى خلالها إخطار البائع بعيوب المطابقة تختلف باختلاف النظم القانونية فهى فى القانون الألمانى ثمانية أيام من تاريخ اكتشاف العيب بينما تتجاوز ذلك فى النظامين الأنجلو أمريكى والهولندى، إذ قد تصل المدة فيهما إلى عدة شهور أحياناً ، فإن المحكمة مراعاة لوحدة التفسير حاولت أن تقيم توازناً وتوفق بين تلك النظم القانونية . ومن ثم رأت المحكمة أن الفترة المعقولة التى يجب فيها على المشترى إخطار البائع بعيوب المطابقة وفقاً للمادة 39/1 من الاتفاقية هى مدة شهر من تاريخ استلامه للبضاعة .

وقد أشار هذا الحكم صراحة إلى أن المحكمة قد راعت فى تحديد "المدة المعقولة " التى ذكرتها المادة 39 من الاتفاقية ما يحقق وحدة التفسير .

اهتمام لجنة اليونسترال بنشر الأحكام القضائية :

87- لقد أدركت لجنة اليونسترال أهمية نشر وتوفير الأحكام القضائية التى تطبق اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع للمساهمة فى تحقيق التوحيد  فى التطبيق . وناقشت اللجنة فى دورة انعقادها الحادية والعشرين سنة 1988 اقتراحاً بإنشاء مجلس تحرير  editorial board  يضم ممثلين من الدول الأطراف فى الاتفاقية تسند إليه مهمة تجميع الأحكام القضائية المنشورة فى مختلف الدول وإصدار توصيات غير ملزمة تتضمن تفسير نصوص الاتفاقية. غير أن فكرة إنشاء هذا المجلس لم تلق تأييد اللجنة لأنها أدركت أن إصداره لتوصيات غير ملزمة لن يكون له قيمة تزيد على قيمة الأعمال الفقهية ، كما أن عدم اتباع محاكم الدول الأطراف لهذه التوصيات قد يؤدى إلى تشعب التفسيرات وتباينها مما يؤدى إلى نتائج سلبية . ([101]) وقد استبعدت اللجنة من ناحية أخرى فكرة منح مجلس التحرير المقترح صلاحية إصدار توصيات ملزمة تتعلق بتفسير نصوص الاتفاقية، لأن منحه هذه الصلاحية يجعله فى منزلة محكمة عليا فوق مستوى الدول supranational court ، وهو أمر غير مرغوب فيه لأنه يقيد القضاء الوطنى ويسلب سلطاته التقديرية فى تفسير نصوص الاتفاقية  مما ينفر الدول من الانضمام إليها ، كما أنه لا يوجد ما يضمن استقلال أعضاء هذا المجلس وحيدتهم . ([102])

88-  وقد ناقشت اللجنة فى هذه الدورة تعليقاً أعدته الأمانة العامة يتضمن التوصية بتجميع الأحكام القضائية ، والقرارات التحكيمية التى طبقت النصوص القانونية التى تنظمها أعمال اليونسترال ( الاتفاقيات الدولية ، والقوانين النموذجية ) ([103]) . وقد أبرز هذا التقرير الحاجة نحو تجميع ونشر هذه الأحكام والقرارات التحكيمية، وكيفية تجميعها ، وأثر توفيرها على تحقيق التوحيد فى التفسير . وأسفرت المناقشة عن اتخاذ قرار يتضمن موافقة اللجنة على وضع نظام لنشر الأحكام القضائية والقرارات التحكيمية التى طبقت أعمال اليونسترال ([104]) ، أطلق عليه : ( Case Law on Uncitral Texts (CLOUT) . وسمى باللغة العربية : " قانون السوابق القضائية التى تستند إلى نصوص لجنة الأمم المتحدة للقانون التجارى الدولى " .

89- وقد صدرت أول نشرة من الـ CLOUT فى 14مايو 1993 ثم توالى إصدار النشرات بصفة دورية كل عدة أِشهر. وتتضمن كل نشرة من النشرات ملخصاً للأحكام الصادرة بشأن تطبيق الاتفاقيات الدولية والقوانين النموذجية التى أعدتها اليونسترال من كافة أنحاء العالم . وقد تم تعيين مراسلين فى الدول المتعاقدة للقيام بتجميع الأحكام وإرسالها إلى سكرتارية اللجنة فى فيينا ، ويقوم المراسلون بإرسال الحكم الصادر فى القضية وموجز عنها إلى الأمانة العامة للجنة اليونسترال يتضمن وقائع القضية والحيثيات ومنطوق الحكم بإحدى اللغات  الرسمية لهيئة الأمم المتحدة وهى : الأسبانية ، الإنكليزية ، الروسية ، الصينية ، العربية ، الفرنسية ، ثم تتولى الأمانة العامة للجنة اليونسترال ترجمة موجز الحكم إلى جميع اللغات الرسمية الأخرى ونشره . ([105])

اهتمام فقهاء القانون التجارى الدولى والمراكز البحثية بتجميع وتصنيف الأحكام القضائية ونشرها :

90-  ولقد أدرك فقهاء القانون التجارى الدولى أن تجميع ونشر الأحكام القضائية التى طبقت الاتفاقية وتوفيرها فى مختلف دول العالم سوف يسهم فى تحقيق التوحيد المنشود فى التطبيق .

91-  ومن أوائل الفقهاء الذين اهتموا بحصر الأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم التى طبقت الاتفاقية أولاً بأول مع الإشارة إلى التعليقات عليها Michael R. Will الأستاذ بكلية الحقوق جامعة جنيف . وقد أصدر الأستاذ Will الطبعة الأولى من مرجعه الببليوجرافى “International Sales Law Under the CISG. The First Hundred Decisions” سنة 1994 ، ثم صدرت الطبعة الثانية فى سنة 1995 تتضمن حصراً لـ 150 حكماً وقراراً تحكيمياً ، وتوالى إصدار طبعات هذا المرجع بصفة دورية حتى بلغ عدد الأحكام التى تم حصرها فى الطبعة الثامنة سنة 1999 555 حكماً . كما أصدر الأستاذ Will فى سنة 2000 مرجعه الببليوجرافى

Twenty Years of International Sales Law Under the CISG, (The UN Convention on Contracts for the International Sale of Goods), International Bibliography and Case Law Digest (1980-2000), 2000 Kluwer Law International.

وقد تضمن هذا المرجع حصراً لعدد يقترب من 700 حكم وقرار تحكيمى بالإضافة إلى المراجع الفقهية التى تناولت شرحاً وافياً لأحكام الاتفاقية بكافة اللغات العالمية .

92- ولعل أهم الأعمال التى تعنى بنشر الأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم التى تطبق الاتفاقية هى مجموعة الـUnilex  وهى تنشر أيضاً قائمة بالمراجع الفقهية وتصنفها . وهذه المجموعة يصدرها مركز دراسات القانون الأجنبى والمقارن بإيطاليا Center for Comparative and   Foreign Law Studies  وتحمل اسم  “Unilex, International Case Law & Bibliography on the UN Convention on Contracts for the International Sale of Goods”  ويشــرف Michael Joachim Bonell  الأستاذ بكلية الحقوق جامعة روما وهو من كبار فقهاء القانون التجارى الدولى ومدير معهد روما لتوحيد القانون الخاص Unidroit على إخراج هذه المجموعة بمعاونة مجموعة من الأساتذة والخبراء المتخصصين ([106]) ، وقد صدر منها حتى الآن ثلاثة مجلدات، والناشر : Transnational Publishers, Inc. Irvington – on – Hudson, New York. وتضاف الأحكام الجديدة إلى هذه المجموعة بصفة دورية لأنها تصدر فى شكل Loose Leaf، كما تنشر أيضاً فى شكل إلكترونى.

النشر الإلكترونى للأحكام :

93- بالإضافة إلى ذلك فقد حظيت الأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم التى تطبق الاتفاقية باهتمام مراكز الأبحاث المتخصصة فى القانون التجارى الدولى ، إذ تقوم المراكز العالمية المتخصصة المنتشرة فى عدد كبير من بلدان العالم بنشر هذه الأحكام إلكترونياً على شبكة الإنترنت بمختلف اللغات العالمية ([107]) ويقوم بعضها بنشر تعليقات على هذه الأحكام بالإضافة إلى عدد هائل من المؤلفات والدراسات الفقهية ورسائل الدكتوراه والماجستير . وأهم المواقع التى تنشر النصوص الكاملة للأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية هى :

أ- باللغة الإنجليزية : pace cisgw 3 website وهذا الموقع أنشأه معهد القانون التجارى الدولى التابع لمدرسة الحقوق جامعة Pace بنيويورك ويتولى إدارته Albert H. Kritzer وعنوانه :                          http://www.cisg.law.pace.edu

ب- باللغة الألمانية : CISG online website وقد أسسه معهد Institute für ausländishes und internationales privatrecht   بكلية الحقوق جامعة فرايبورج ويشرف عليه الأستاذان : Prof. Dr. Dr. h.c, Peter Schlechtriem, Albert-Ludwigs  وعنوانه :                               title.htmhttp://www.jura.uni-freiburg.de/ipr1/cisg/ جـ- باللغة الفرنسية : CISG-France. Centre Juridique Franco-Allemand- Université de la Sarre  وقد أسسه ويديره الأستاذ : Prof. Clande Witz وعنوانه :                           http://www.jura.uni-sb.de/fb/ls/witz/cisg                                                                                 

الأعمال الفقهية ودورها فى تحقيق التوحيد :

94- لاشك أن كتابات الفقه تلعب دوراً هاماً فى شرح نصوص  الاتفاقية واستجلاء ما غمض منها ، ولا يمكن إنكار الدور الذى يقوم به الفقه فى تفسير نصوص الاتفاقية فالكتابات والآراء الفقهية قد تسعف القاضى فى كثير من الأحوال بحلول لما يعرض أمامه من منازعات لا يجد لها حلاً واضحاً فى الاتفاقية . ورغم أن كتابات وآراء الفقهاء لا تعد مصدراً رسمياً من مصادر القانون إلا أن الفقه يلعب دوراً هاماً فى تحقيق التوحيد المنشود فى تطبيق أحكام الاتفاقية وكثيراً ما يتأثر القضاء بكتابات وآراء كبار الفقهاء.

ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع حظيت باهتمام من جانب الفقه لم تحظ به أى اتفاقية دولية أبرمت فى مجال التجارة الدولية من قبل، لدرجة أن الكتب والمؤلفات والدراسات والرسائل العلمية والأبحاث والمقالات والتعليقات والكتابات الأخرى  بمختلف صورها التى أعدها الفقهاء من شتى أنحاء العالم تجاوز عددها ثلاثة آلاف عمل علمى كتبت بمختلف اللغات العالمية . ويكفى لتأكيد هذه الحقيقة مراجعة قائمة مراجع الاتفاقية التى أعدهاMichael Will الأستاذ بجامعة جنيف وهى تقع فى 463 صفحة . ([108])

95- ويمكن الحصول على قائمة شاملة بمراجع الاتفاقية بكافة اللغات العالمية أيضاً من الموقع الخاص بمعهد التجارة الدولية بكلية الحقوق جامعة Pace على شبكة الإنترنت وعنوانه : http://www.cisg.law.pace.edu/ ويوفر هذا الموقع بالإضافة إلى ذلك النص  الكامل لعدد غير قليل من المؤلفات والأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه الواردة بقائمة المراجع وبالتالى يمكن الحصول على مستخرج كامل منها من العنوان التالى :   http://www.cigs.law.pace.edu/cisg/biblio/bib2.html

96- وقد احتلت اللغة الإنجليزية مكان الصدارة فى قائمة اللغات التى كتبت بها مراجع الاتفاقية ، وتأتى اللغة الألمانية فى المرتبة الثانية . وتتضمن قائمة المراجع مؤلفات ودراسات وأبحاث بمختلف اللغات العالمية الأخرى أهمها الفرنسية والأسبانية والروسية، بينما لا تتضمن قائمة  المراجع سوى عدد ضئيل من المراجع التى أعدت باللغة العربية لقلة المؤلفات والدراسات العربية التى تناولت هذا الموضوع، لم يتناول سوى مؤلف واحد منها شرح نصوص الاتفاقية بالكامل هو مؤلف أستاذنا الكبير الدكتور محسن شفيق.

ويمكن الحصول على قائمة المراجع العربية وهى قليلة من موقع مركز الشرق الأوسط للقانون التجارى الدولى على شبكة الانترنت ([109])

97- ونكتفى هنا بالإشارة إلى أهم المؤلفات الأجنبية التى عنى واضعوها بدراسة أحكام الاتفاقية وهى تعد من أمهات الكتب فى هذا الموضوع :

1- هناك أولاً كتاب الأستاذ John Honnold وعنوانه: Uniform Law for International Sales Under The 1980 United Nations Convention  الناشر Kluwer Law International الطبعة الثالثة 1999 ، مؤلفه هو الأمين العام للجنة البونسترال سابقا وهو من كبار  أساتذة القانون التجارى الدولى فى الولايات المتحدة .

2- ويأتى بعد ذلك كتاب الأستاذ Peter Schlechtriem باللغة الألمانية “Kommentar Zum Einheitlichen Un-Kaufrecht-CISG” الطبعة الثانية 1995 ، وصاحب هذا المؤلف أستاذ بجامعة Freiburg بألمانيا ، وهو من كبار الفقهاء الألمان واشترك فى مناقشات إعداد الاتفاقية ممثلاً للحكومة الألمانية فى اجتماعات اليونسترال ، وقد اشترك معه فى إعداد هذا المؤلف نخبة من كبار الفقهاء، وقد ترجم الطبعة الثانية من الكتاب إلى اللغة الإنجليزية الأستاذ Geoffrey Thomas ونشر بعنوان : Commentary on the UN Convention on the International Sale of Goods (CISG), 1998 الناشر Clarendon Press, Oxford.  

3- وهناك مجموعة هامة من الدراسات نشرت فى مجلد واحد يتضمن شرحاً مفصلاً لكافة نصوص الاتفاقية أعدها الفقيهان C.M.Bianca & M.J.Bonell بالاشتراك مع ستة عشر فقيهاً من كبار الفقهاء من مختلف دول العالم ([110]) وعنوانه : “ Commentary on The International Sales Law, The 1980 Vienna Sales Convention”  . وقد طبع هذا المؤلف فى ميلانو بإيطاليا سنة 1987 ، الناشر : Giuffré .

4- ويأتى بعد ذلك كتاب الأستاذان : Fritz Enderlein & Dietrich Maskow ، وهما من أشهر أساتذة القانون التجارى الدولى الألمان وعنوانه : International Sales Law: United Nations Convention on Contracts for the International Sale of Goods, Conventions on the Limitation Period in the International Sale of Goods ، وقد تناول الكتاب شرحاً وافياً لنصوص الاتفاقية وطبع فى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1992 ، والناشر Oceana Publications .

5- ومن المراجع الأمريكية الهامة مؤلف الأستاذ Albert H. Kritzer السكرتير التنفيذى لمعهد  قانون التجارة الدولية، والأستاذ بكلية الحقوق جامعة Pace بنيويورك وعنوانه :

Guide to Practical Applications of the United Nations Convention on Contracts for the International Sale of Goods (1994).

المبحث الثالث

مراعاة حسن النية

98- أما المبدأ الثالث من مبادئ التفسير التى ذكرتها المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية فهو " ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية " . وقد حذت المادة 7 فقرة (1) من اتفاقية فيينا 1980 حذو المادة 7 من اتفاقية فترة التقادم فى البيع الدولى للبضائع 1974 ، والمادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن النقل البحرى للبضائع (هامبورج) 1978 ، فيما يتعلق بالنص على مراعاة الصفة الدولية للاتفاقية وتحقيق التوحيد فى تطبيقها بصدد التفسير ، غير أن اتفاقية فيينا 1980 أضافت إلى هذين المبدأين مبدأ ثالثاً من مبادئ التفسير لم يسبق النص عليه من قبل فى الاتفاقيات التى أبرمت لتوحيد قواعد قانون التجارة الدولية وهو " ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية " .

ومن الجدير بالذكر أن الاتفاقيات التى أشرفت على إعدادها لجنة اليونسترال والتى أعقبت اتفاقية فيينا 1980 قد سارت فى ذات الطريق، فنصت على مراعاة مبادئ التفسير الثلاثة نقلاً عن المادة 7 فقرة (1) من اتفاقية  فيينا 1980 .

حسن النية فى القانون المقارن :

99- وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من التشريعات المقارنة قد قننت  حسن النية كمبدأ يحكم سلوك أطراف العقد ويفرض عليهم اتباع قواعد سلوكية معينة فى تعاملهم وتصرفاتهم . غير أن الدور الذى يلعبه حسن النية فى القانون المقارن يختلف اختلافاً بينا باختلاف النظم القانونية . فمعظم التشريعات ذات النزعة اللاتينية توجب على أطراف المعاملات مراعاة حسن النية سواء فى مرحلة تكوين العقد أو تفسيره أو تنفيذه . وهذا ما يقرره القانون المدنى الألمانى ([111]) وتقنين الالتزامات الإيطالى ، والقانون المدنى الهولندى ([112]) .

100- بينما تقصر قوانين دول أخرى تطبيق مبدأ حسن النية على  مرحلة تنفيذ العقد ، فلا يمتد تطبيق المبدأ إلى تكوينه . وهذا ما فعله التقنين التجارى الموحد للولايات المتحدة الأمريكية فى القسم الأول مادة 203 ([113]). وهذا ما أخذ به القانون المصرى إذ تنص المادة 148/1 من القانون المدنى([114]) على أنه:

" 1- يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية " .

101- وهناك قلة من الدول لا تتضمن تشريعاتها الوطنية مبدأ حسن النية. ومن أمثلة النظم القانونية التى لا تعرف حسن النية كقاعدة عامة تفرض التزاماً على أطراف المعاملات فى سلوكهم النظام القانونى الإنجليزى. ([115]) وهذا ما يفسر اعتراض المملكة المتحدة أثناء مرحلة إعداد الاتفاقية على الأخذ بمبدأ حسن النية وإقراره فى الاتفاقية .

102- أما فى الدول التى يستمد نظامها القانونى من الشريعة الإسلامية فإن مضمون حسن النية له طابع مميز ومختلف عن كافة الشرائع الوضعية . فعلى الرغم من عدم استعمال الفقه الإسلامى لهذا الاصطلاح إلا أن مضمون حسن النية ودورها فى المعاملات فى الشريعة الإسلامية أكثر عمقاً وأوسع نطاقاً من كل الأنظمة القانونية .  فمفهوم حسن النية فى الفقه الإسلامى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقواعد الأخلاق التى تعتبر جزءاً لا يتجزأ من قواعد التشريع الإسلامى ، ولهذا كان مفهوم حسن النية فى الشريعة الإسلامية واسعاً شاملاً يجعل النظرية فسيحة المدى واسعة النطاق ، بخلاف الحال فى القوانين الوضعية التى تفصل بين القواعد القانونية والقواعد الأخلاقية ([116]) . فمن أهم خصائص الشريعة الإسلامية التى تميزها عن غيرها من الشرائع أنها مقيدة بالمقاصد الشرعية ، فهى شريعة إيمانية ، والغرض المهيمن عليها هو تنفيذ ما أمر الله سبحانه وتعالى به  ومنع ما نهى عنه . ومن أجل ذلك فإن الهدف من التعامل فى الشريعة الإسلامية لا يقتصر على تحقيق المصالح الخاصة لأطراف المعاملات ، وإنما الهدف الأعم والأشمل هو إقامة المصالح الشرعية ودرء المفاسد التى تنهى عنها الشريعة . فإذا قام شخص بالاتجار مثلاًُ فإن مقصده ، يجب ألا يقتصر على تحقيق الربح ، بل يجب أن يكون مقصده أولاً جلب المنافع بتوفير السلع لطالبيها حفاظاً لضروراتهم ورفع المشقة عنهم وتيسيراً لحياتهم. ومن ضمن هذه المصالح التى يتغياها أن يسعى لرزقه صيانة له وحفظاً لأسرته ، فالقصد العام مقدم على القصد الخاص فى الشريعة ، ومقصده نفع نفسه فرع من مقصده العام ، وذلك من شأنه أن يرتب كثيراً من النتائج إذا تعارضت مصلحتة الخاصة مع المصالح العامة ، ومن شأنه أن يبرز العنصر الأدبى فى المعاملات ويضعه فى المقام الأول ، فى نحو التزام الصدق فى المعاملات وحسن المطالبة وحسن الوفاء وما يسودها من التزامات أدبية ([117]) ، مما يفرض على أطراف كافة أنواع المعاملات التزاماً عاماً بمراعاة حسن النية ليس فقط فى تنفيذ العقد ، بل وفى المفاوضات السابقة على إبرام العقد وفى تفسيره .

103- ولا يغيب عن البال أن مبدأ حسن النية يعتبر من المبادئ التى  تقوم عليها عقود التجارة الدولية ، ولذلك لم تغفل مبادئ عقود التجارة الدولية التى قننها معهد روما لتوحيد القانون الخاص Unidriot Principles النص على هذا المبدأ فى المادة 1/7 من تلك المبادئ ([118]) . كما تضمنت مبادئ قانون العقد الأوروبى The Priniciples Of European Contract Law مبدأ حسن النية فى المادة 1/106 ([119])

اقتران حسن النية بالتفسير فى اتفاقية فيينا 1980 :

104- عرضنا فيما تقدم لمراحل إعداد المادة 7 من اتفاقية فيينا 1980 ، واتضح لنا من استعراض مراحل إعداد الاتفاقية وتاريخها legislative history الخلاف الذى نشب بين الدول حول مبدأ حسن النية ودوره فى الاتفاقية . وقد أسفر الأمر فى نهاية المطاف عن اقتران  حسن النية بتفسير نصوص الاتفاقية لا بسلوك طرفى العقد كحل توفيقى تذليلاً للخلافات الحادة بين الدول التى اشتركت فى مراحل إعداد الاتفاقية . وقد نصت المادة 7/1 من الاتفاقية على ذلك بقولها : " يراعى تفسير هذه الاتفاقية، ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية " .

ولاشك أن هذه الصياغة التوفيقية للنص قد قللت من شأن حسن النية وأضعفت فاعليته ([120]) ، وفتحت باب الخلاف فى الرأى حول الدور الذى يمكن أن يلعبه فى الاتفاقية .

الخلاف حول دور حسن النية فى الاتفاقية :

105- لقد اختلفت وجهات نظر الفقه فى تحديد الدور الذى يلعبه حسن النية فى ضوء نص المادة 7 من الاتفاقية ، كما ظهر هذا الخلاف جلياً فى أحكام القضاء وقرارات هيئات التحكيم الدولية فى تطبيقها لمبدأ حسن النية .

106- فذهب فريق من الفقهاء تمسكاً بالمعنى الحرفى لنص المادة 7/1 من الاتفاقية إلى قصر تطبيق حسن النية على تفسير نصوصها . ([121]) وما يؤيد هذا الاتجاه أن استعراض مراحل إعداد الاتفاقية وتاريخها يكشف بجلاء أن الصياغة التوفيقية للنص كانت وليدة اعتراض الدول التى اشتركت فى إعداد الاتفاقية على التوسع فى تطبيق مبدأ حسن النية ، إذ قصدت هذه الدول استبعاد حسن النية من التطبيق فى مرحلة تكوين العقد وتنفيذه ، ورفضت التوسع فى تطبيقه خارج نطاق تفسير الاتفاقية .

ويرى أنصار هذا الرأى أن الاتفاقية لم تنص على حسن النية إلا بوصفه قاعدة من قواعد التفسير . وهذه القاعدة موجهة إلى القضاة والمحكمين وحدهم بصدد التفسير ، فهى لا تفرض التزاماً عاماً على أطراف عقود البيع الدولى بمراعاة حسن النية فى مرحلة تكوين العقد أو أثناء تنفيذه ، ومن ثم فهى لا تلزمهم باتباع معايير سلوك معينة فى التعامل . وينبنى على ذلك أن حسن النية لا يلعب فى الاتفاقية سوى دور محدود للغاية ، وصف بأنه دور ثانوى ([122]) أو عديم القيمة ([123]) .

107- وقد سارت بعض أحكام القضاء فى هذا الاتجاه وفسرت المادة 7 من الاتفاقية تفسيراً ضيقاً استناداً إلى معناها الحرفى . وهذا ما أخذت  به هيئة التحكيم التى شكلت وفقاً لقواعد غرفة التجارة الدولية فى قضية  يدور النزاع فيها حول عقد توزيع معدات صناعية ألمانية الصنع، أبرم بين شركة ألمانية (البائع) وشركة أسبانية (المشترى). وتضمن العقد تعيين  الشركة الأسبانية كموزع للمعدات مع احتفاظها بالحق الاستئثارى  فى توزيع المعدات فى أسبانيا . وتنفيذاً لعقد التوزيع أبرمت عدة عقود بيع تالية بين الطرفين محلها المعدات الصناعية المتفق عليها لتقوم الشركة الأسبانية بتسويقها فى أسبانيا . واستمرت العلاقة بين الشركتين حوالى أربع سنوات ثم تلقت الشركة الأسبانية إخطاراً من الشركة الألمانية يتضمن إنهاء عقد التوزيع، وأن الشركة الألمانية سوف تقوم بتسويق المعدات الصناعية فى أسبانيا عن طريق شركة أخرى بسبب انخفاض قدرة الشركة الأسبانية على تسويق المعدات وانخفاض حجم المبيعات فى أسبانيا . وعقب هذا الإخطار امتنعت الشركة الأسبانية عن سداد ما تبقى فى ذمتها من ثمن معدات سبق لها استلامها . وبعد أن فشلت محاولات التسوية الودية للنزاع لجأت الشركة الألمانية إلى التحكيم طالبة الوفاء بما تبقى لها فى ذمة الشركة الأسبانية من  ثمن المعدات التى استلمتها . ودفعت الشركة المدعى عليها (الشركة الأسبانية) مسئوليتها كما طالبت بالتعويض بزعم مخالفة المدعية (الشركة الألمانية) لشروط عقد التوزيع، بالإضافة إلى عدم مطابقة بعض المعدات للمواصفات والشروط المتفق عليها ، فضلاً عن إخلال المدعية بواجبها لعدم قيامها بتوريد قطع غيار للمعدات الصناعية، وهو واجب يقتضيه تنفيذ العقد بحسن نية .

ونظرت هيئة التحكيم التى شكلت من محكم واحد النزاع فقضت بخضوع عقود البيع التى أبرمت بين الطرفين تنفيذا لعقد التوزيع لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع . وما يعنينا فى هذه القضية أنه فيما يتعلق بالدفع الذى أثارته الشركة الأسبانية المدعى عليها (المشترى) والذى تضمن عدم قيام الشركة المدعية (البائع) بتوريد قطع غيار المعدات بالمخالفة لما يقتضيه حسن النية فى التعامل ، فقد قضت هيئة التحكيم بأنه وفقاً للمادة 7/1 من اتفاقية عقود البيع الدولى للبضائع فإن حسن النية لا يطبق إلا مقترناً بالتفسير ، ومن ثم لا يجوز التمسك بحسن النية فى مرحلة تنفيذ العقد لالزام الشركة المدعية بتوريد قطع الغيار على خلاف القانون الألمانى الذى يفرض التزاماً عاماً على بائع المعدات الفنية وهذا ما يتوقعه المشترى بصفة عامة بمراعاة حسن النية فى التعامل .

108-  ويتضح من هذا القرار التحكيمى أن هيئة التحكيم فسرت نص المادة 7/1 تفسيراً ضيقاً، فقصرت تطبيق مبدأ حسن النية على تفسير نصوص الاتفاقية، ولم تجعل له أى أثر على سلوك أو تصرفات المتعاقدين خلال مرحلة تنفيذ العقد . ([124])

109- بينما يتوسع فريق آخر من الفقهاء فى تطبيق حسن النية بحيث لا يقصره على تفسير نصوص الاتفاقية ، فحسن النية له دور  أعم وأشمل من ذلك . ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى تحليل نصوص  الاتفاقية واستخلاص المبادئ الأساسية فى الاتفاقية . ويقول الفقيه الفرنسى Audit وهو من أنصار هذا الاتجاه أن العديد من القواعد الرئيسية التى تنص عليها الاتفاقية تقوم على حسن النية ، ومن ثم يجب أن تفسر نصوص الاتفاقية جميعها فى ضوء مبدأ حسن النية الذى يعتبر من القواعد الأصولية التى ترتكز عليها الاتفاقية . ولقد وضعت الاتفاقية أحكاماً مجردة لتنظيم العلاقة بين البائع والمشترى، ومع ذلك فإن مبدأ حسن النية يقتضى  أن يؤخذ فى الاعتبار أن أطراف المعاملات ليسوا دائماً على درجة واحدة من حيث مستوى الخبرة ومستوى التقدم ، ومن ثم لا يطلب منهم أن يبذلوا درجة واحدة من العناية فى تنفيذ الالتزامات ، بل يجب أن تختلف درجة العناية المطلوبة منهم باختلاف خبراتهم وكفاءاتهم ومدى تقدم الدولة التى يزاولون عملهم فيها ، كما يجب أن يؤخذ فى الاعتبار توقعات الأطراف المشروعة . ولا يغيب عن البال أنه لا عبرة فى تطبيق الاتفاقية بالصفة المدنية أو التجارية لطرفى العقد ، فقد يكون أحد طرفى البيع تاجراً محترفاً لديه مهارات وخبرات غير متوافرة لدى الطرف الآخر ([125]) .

110- ولعل استعراض التعليق على مشروع الاتفاقية لسنة 1978 الذى أعدته الأمانة العامة للجنة اليونسترال يكون مفيداً فى توضيح الاتجاه نحو تطبيق مبدأ حسن النية بشكل واسع على جميع جوانب تفسير الاتفاقية([126]). وينص التعليق على المادة 6 من مشروع الاتفاقية 1978 (ويقابلها المادة 7 من الاتفاقية ) على الآتى :

" توجد تطبيقات كثيرة لمبدأ حسن النية فى نصوص الاتفاقية . وينعكس مطلب الالتزام بحسن النية فى عدة صور من بينها القواعد الواردة فى المواد التالية :

- الفقرة 2 (ب) من المادة 14 ([127]) الخاصة بعدم إمكان الرجوع فى الإيجاب إذا كان من المعقول للموجب له أن يعتمد على الإيجاب باعتباره لا رجوع فيه وتصرف اعتماداً على الإيجاب ؛

- الفقرة (2) من المادة 19 ([128]) الخاصة بحالة القبول المتأخر الذى أرسل فى ظروف كانت تكفل وصولها إلى الموجب فى الوقت المناسب لو كانت عملية الإرسال عادية ؛

- الفقرة (2) من المادة 27 ([129]) الخاصة بحرمان أحد الطرفين من االاحتجاج بحكم فى العقد ينص على وجوب أن يكون أى تعديل أو إلغاء للعقد كتابياً ؛

- المادتان 35 ، 44 ([130]) اللتان تتناولان حق البائع فى إصلاح أى نقص فى مطابقة البضائع للمواصفات ؛

- المادة 38 ([131]) التى تحرم البائع من الاحتجاج بأن المشترى لم يرسل إشعار عدم المطابقة للمواصفات وفقاً للمادتين 36 ، 37 ([132]) إذا كان عدم المطابقة يتعلق بحقائق كان يعرفها البائع أو أنه لا يمكن أن يكون جاهلاً بها ولو لم يكشف عنها للمشترى؛

- المواد 45(2) ، 60(2) ، 67 ([133]) الخاصة بفقدان الحق فى إعلان فسخ العقد ؛

- المواد من 74 إلى 77 ([134]) التى تفرض على الطرفين التزامات باتخاذ ما يلزم من تدابير لحفظ البضائع .

- غير أن مبدأ حسن النية أوسع نطاقاً من هذه الأمثلة ، وينطبق على جميع جوانب تفسير وتطبيق أحكام هذه الاتفاقية " .

111- ورغم أن هذا التعليق لا يعد تعليقاً رسمياً ، إذ يعبر عن وجهة نظر الأمانة العامة للجنة اليونسترال فى تفسير نصوص مشروع الاتفاقية لسنة 1978 ، إلا أنه لا يمكن إغفال أهميتة فى توضيح دور حسن النية ، لأن تعدد تطبيقات حسن النية فى الاتفاقية كما يبين التعليق يؤكد أن مبدأ حسن النية يعد بمثابة قاعدة أصولية تقوم عليها فلسفة الاتفاقية ، وتفرض على أطراف المعاملات مراعاة حسن المعاملة .

112- ولعل فى القرار التحكيمى الصادر من محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة والصناعة المجرية فى 5 ديسمبر 1995 ما يوضح الاتجاه نحو التوسع فى تطبيق حسن النية وعدم قصره على التفسير . ([135])

وتتلخص وقائع هذه القضية فى نزاع دار حول عقد بيع دولى للبضائع خاضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع 1980  بين بائع مجرى ومشترى نمساوى بشأن توريد أغذية (مشروم) على عدة دفعات ، وتضمن تعهد المشترى بتقديم خطاب ضمان بنكى لصالح البائع ضماناً للوفاء بالثمن . بيد أن البائع بدأ فى تنفيذ العقد وقام بتوريد عدة  دفعات من البضاعة إلى المشترى دون أن يطالبه بتقديم خطاب الضمان . ونظراً لتوقف المشترى عن الوفاء بدفعات الثمن فقد امتنع البائع عن الاستمرار فى التوريد وأعلن فسخ العقد . غير أن الخلاف لم يستمر طويلاً بين الطرفين إذ      اتفقا من جديد على استئناف تنفيذ العقد شريطة تقديم المشترى لخطاب الضمان الذى التزم بموجب العقد بتقديمه إلى البائع لضمان الوفاء بالثمن . غير أن المشترى ماطل فى تنفيذ هذا الالتزام ولم يقدم خطاب الضمان إلى البائع إلا فى تاريخ انتهاء صلاحية الخطاب ، وبالتالى أضاع على البائع حقه فى الاستفادة من خطاب الضمان، إذ لم يعد فى إمكانه المطالبة بتسييل قيمة الخطاب بعد انتهاء صلاحيته ، مما جعل البائع يتوقف عن التوريد  ويلجأ إلى التحكيم لتسوية النزاع طالباً إلزام المشترى بالوفاء بالثمن وفوائده .

113- وما يعنينا فى هذه القضية أن هيئة التحكيم قضت لصالح البائع (المدعى) وقررت أن تقديم المشترى لخطاب ضمان منتهى الصلاحية  يخالف حكم المادة 7/1 من الاتفاقية التى توجب مراعاة حسن النية ،  فضلاً على أنه لا يتفق مع سلوك الشخص سوى الإدراك من نفس صفة المشتري إذا وضع فى نفس الظروف (المادة 8/3 من الاتفاقية).

وقالت هيئة التحكيم فى تبريرها لتطبيق حكم المادة 7/1 من الاتفاقية أن مبدأ احترام حسن النية لا يقتصر من وجهة نظرها على تفسير نصوص الاتفاقية ، ولكنه يعتبر ضابطاً للسلوك يجب على طرفى العقد مراعاته فى مرحلة تنفيذ العقد .

114- وبناء على الاتجاه الفقهى المتقدم وهو الراجح الذى تؤيده بعض أحكام القضاء وقرارات هيئات التحكيم يمكن القول بأن حسن النية يلعب فى الاتفاقية دوراً مزدوجاً . فحسن النية لا يتعلق بتفسير نصوص الاتفاقية فحسب ، بل يعد قاعدة عامة من القواعد الرئيسية التى ترتكز عليها الاتفاقية. وهى ليست موجهة للقضاة والمحكمين وحدهم بصدد التفسير ، بل هى موجهة أيضاً لأطراف المعاملات وتوجب عليهم اتباع حسن السلوك فى التعامل . ([136])

ومن الغنى عن البيان أنه لتحديد قواعد السلوك التى يفرضها حسن النية على الأطراف يجب أن نتجنب اللجوء للأنظمة القانونية الداخلية ، ونلجأ لاستخلاص هذه القواعد من الأسس التى تقوم عليها المعاملات الشريفة  والتى تتبع على نطاق واسع فى مجال التجارة الدولية بين الدول المتعاقدة . ولاشك أن الأعراف التجارية الدولية المستقرة تلعب دوراً هاماً فى التعرف على قواعد السلوك التى تتفق مع حسن النية . ([137])

التمييز بين دور حسن النية وتطبيقاته فى مجال التفسير وخارج نطاق التفسير :

115- ولعله من المفيد إزاء اختلاف الفقه والقضاء حول الدور الذى يلعبه حسن النية فى الاتفاقية أن نميز بين الدور الذى يلعبه مبدأ حسن النية فى مجال التفسير ، ودوره خارج نطاق التفسير مع ذكر بعض الأمثلة التى توضح كيفية تطبيق هذا المبدأ .

( أ ) دور حسن النية فى مجال التفسير :

116- أوضحنا فيما تقدم أن المادة 7/1 من الاتفاقية قد ذكرت مبدأ حسن النية مقترناً بالتفسير ، ومن ثم فإن الدور الذى يلعبه حسن النية بصدد التفسير لا مجال لإنكاره .

117- غير أن الأمر يحتاج إلى إيضاح لبيان كيفية مراعاة حسن النية بصدد التفسير . ولنأخذ مثالاً عرضته الأمانة العامة للجنة اليونسترال فى تعليقها على المادة 48 من مشروع الاتفاقية سنة 1978 ( ويقابلها المادة 52 من الاتفاقية ) ، وهى تعالج تسليم البائع للبضاعة قبل حلول الموعد المتفق عليه، فتعطى للمشترى الحق فى استلام البضاعة أو رفض استلامها. ويلاحظ أن النص لم يجعل حق المشترى فى رفض استلام البضاعة قبل حلول موعد التسليم مشروطاً بوقوع ضرر عليه ، فهو لا يضع أى قيد أو شرط على مزاولة المشترى لحقه فى رفضها . فهل معنى ذلك أن من حق المشترى أن يرفض استلام البضاعة رغم عدم وجود مصلحة له فى رفض الاستلام قبل حلول الموعد المتفق عليه ؟

تقول الأمانة العامة فى تعليقها على المادة 48 من مشروع الاتفاقية 1978 ، أن حق المشترى فى رفض استلام البضاعة غير مرهون بتكبده نفقات إضافية أو حدوث مضايقات له من جراء استلامه للبضاعة مبكراً . وعلى الرغم من ذلك يجب أن يكون لدى المشترى مبرر معقول من الناحية التجارية لرفض استلام البضاعة لأن المادة (6) من مشروع الاتفاقية ( تقابلها المادة 7 من الاتفاقية) تقضى بالتزام حسن النية فى التجارة الدولية([138]).

118- ويذكر الأستاذ Honnold بعض الأمثلة التى توضح كيفية تفسير نصوص الاتفاقية بما يضمن احترام حسن النية ، ويقول أن مراعاة حسن النية فى التفسير تعنى التوسع فى تطبيق نصوص الاتفاقية التى توجب على كل طرف فى الظروف التى يحتمل فيها إساءة فهم البيان أو التصرف الصادر منه ، أن يبادر إلى إخطار الطرف الآخر بمقاصده التى لا يعلمها غيره . ومن أمثلة هذه النصوص المادة 19(2) التى توجب على الطرف الذى يتلقى القبول (وهو الموجب) أن يبادر إلى إخطار الطرف الآخر باعتراضه على الإضافات أو القيود أو التعديلات غير الجوهرية التى أدخلها القابل على الإيجاب الصادر منه وإلا اعتبر قابلاً لهذه الإضافات أو القيود أو التعديلات . والمادة 21(2) وهى تتطلب من الموجب الذى يتلقى القبول متأخراً إذا تبين من الرسالة أو الوثيقة المتضمنة القبول المتأخر أنها أرسلت فى ظروف ظهر معها أنه لو كان إيصالها قد جرى بشكل اعتيادى لوصلت إلى الموجب فى الوقت المناسب ، أن يبلغ الطرف الآخر بأن الإيجاب قد اعتبر ملغياً وإلا فإن القبول المتأخر بما تضمنه من تعديلات يحدث آثاره . وكذلك فإن الطرف الذى يمنح الطرف الآخر مهلة إضافية مدتها معقولة لتنفيذ التزاماته ( المادتين 47 ، 63 من الاتفاقية ) لا يجوز له ، مراعاة لحسن النية فى التفسير، أن يرفض وفاء الطرف الآخر بالتزاماته خلال هذه المهلة . كما أن تأخير طرف تنفيذ التزامه تنفيذاً عينياً أو فسخ العقد فى أعقاب  حدوث ارتفاع أو انخفاض حاد فى الأسعار، وغير ذلك من الأعمال التى يقصد بها أحد الطرفين المضاربة على حساب الطرف الآخر قد تعتبر أعمالاً مخالفة لنصوص الاتفاقية إذا ما فسرت هذه النصوص  بما يتفق مع حسن النية . ([139])

(ب) دور حسن النية خارج نطاق التفسير :

119- أوضحنا فيما يتقدم أن أغلبية الفقه وبعض أحكام القضاء وقرارات هيئات التحكيم تنادى بالتوسع فى تطبيق مبدأ حسن النية بحيث لا يقتصر على تفسير نصوص الاتفاقية ، بل يمتد إلى استكمال نقص النصوص، ويفرض على الأطراف حسن السلوك فى التعامل .

120- ووفقاً لهذا الاتجاه وهو ما نرجحه فإن حسن النية يعد من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية التى يتعين تطبيقها وفقاً لحكم المادة 7(2) التى تنص على أنه " المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها هذه الاتفاقية والتى لم تحسمها نصوصها ، يتم تنظيمها وفقاً للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية" .

ومن ثم فإن حسن النية يلعب دوراً هاماً فى سد النقص فى نصوص الاتفاقية .  ويضرب الأستاذ winship المثال التالى لتوضيح الدور الذى  يقوم به حسن النية فى سد النقص فى النصوص .

ولنفرض أن عقد البيع أوجب على البائع تسليم المستندات التى تمثل البضاعة المبيعة دون أن يحدد مكان تسليم هذه المستندات ، فى هذه الحالة يتعين الرجوع إلى الاتفاقية لمعرفة مكان التسليم . ولما كانت المادة 34 من الاتفاقية توجب على البائع تسليم المستندات فى الزمان والمكان المعينين فى العقد ، فإننا نكون بصدد حالة تبدو فيها نصوص الاتفاقية قاصرة عن تحديد مكان التسليم. وهنا يلعب حسن النية دورا فى سد النقص فى النصوص تطبيقاً لحكم المادة 7/2 من الاتفاقية باعتباره من المبادئ العامة التى تقوم عليها . ويفرض حسن النية فى هذه الحالة التزاماً على البائع بأن يسلم مستندات البضاعة فى مكان يكون مناسباً للمشترى ، كما يفرض حسن النية على المشترى ألا يرفض بدون مبرر معقول استلام المستندات فى المكان المناسب الذى يعرض البائع عليه استلامها فيه ([140]) .

121- ولا يقف الدور الذى يلعبه حسن النية خارج نطاق التفسير عند سد النقص فى النصوص، بل يعد حسن النية من المبادئ العامة التى ترتكز عليها فلسفة الاتفاقية ، وهو بهذا الوصف موجه إلى الأطراف ويفرض عليهم التزاماً عاماً بحسن السلوك فى المعاملات . ويؤكد أستاذنا الدكتور محسن شفيق فى شرحه للمادة 7 من الاتفاقية ذلك بقوله " وعندنا أن النص ، وإن ورد مقترناً بالتفسير  ، فإنه يطرح مبدأ عاماً يلزم كل ذى شأن فى عقد البيع . يلتزم به القضاة وهم يفسرون شروط العقد ، ويلتزم به المتعاقدون وهم يبرمونه وينفذونه ، بل إن الاتفاقية نفسها التزمت به ، إذ تتضمن أحكاماً لا يفسرها إلا حسن النية الذى ينبغى أن يسود فى المعاملات. ومن ذلك مثلاً أحكام المواد 85 إلى 88 التى تلزم كلاً من الطرفين بالمحافظة على البضاعة محل البيع إذا ظلت فى حيازته لحساب الطرف الآخر . فهل من تفسير لهذا الالتزام إلا حسن النية الذى يفرض على كل طرف المحافظة على مال لم تعد له فيه مصلحة ؟ " ([141]) .

122- ولنعرض مثالاً آخر  لقضية عرض النزاع فيها على التحكيم وتوسعت فيها هيئة التحكيم فى تطبيق مبدأ حسن النية ، فلم تقصره على التفسير ، بل ألزمت به المتعاقدين وهم ينفذون العقد . ([142])

 وموضوع هذه القضية يتعلق بنزاع حول عقد بيع دولى عرض على هيئة التحكيم لتسويته بناء على طلب شركة ألمانية (المدعى) ضد  شركة نمساوية (المدعى عليه) لإخلالها بالالتزام بمطابقة البضاعة . وقد طلبت الشركة المدعية من هيئة التحكيم القضاء بمسئولية الشركة المدعى عليها وإلزامها بكافة التعويضات . ويدور النزاع فى هذه القضية حول عقد بيع فوب أبرم فى 11 ديسمبر 1990 بين شركة نمساوية (البائع) وشركة ألمانية (المشترى) خاضع لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ، ومحله خامات صناعية عبارة عن لفائف معدنية . وتضمن العقد إلزام الشركة البائعة بتسليم البضاعة وتبلغ فى مجموعها 6800طناً على دفعات ميناء Rostock وفقاً للمواصفات المتفق عليها وضمانها لعيوب البضاعة ، على أن يلتزم المشترى بفحص البضاعة فور استلامها وإرسال إخطار كتابى إلى البائع بالعيوب التى يكتشفها معززاً بشهادة من مكتب خبرة صادرة من إحدى شركات الفحص العالمية تتضمن بياناً بالعيوب ، فى موعد أقصاه شهرين من تاريخ استلام المشترى للبضاعة .

وبناء على العقد أرسلت الشركة البائعة شحنتين من البضاعة إلى الشركة المشترية ، الشحنة الأولى 1800طن سلمت فى 21فبراير 1991 ، والشحنة الثانية 1200طن سلمت فى 17 إبريل 1991 . وقد  أعيد شحن البضاعة فى ذات يوم استلامها عن طريق شركة بلجيكية وسيطة إلى مصنع كائن فى البرتغال لاستخدامها فى التصنيع . وبسبب اكتشاف عيوب فى مطابقة البضاعة للمواصفات فى أول شحنتين لم يستمر تنفيذ العقد ، ولم ترسل أى شحنات أخرى إلى الشركة المشترية . على أن الشركة المشترية  لم تراع فيما يتعلق بالشحنتين التى سلما إليها مواعيد الإخطار المنصوص عليها فى العقد ، إذ أرسلت إخطارها الأول إلى الشركة البائعة (المدعى عليها) بصدد الشحنتين فى 15 مايو 1991 ، بينما كان آخر موعد لتقديم  هذا الإخطار فى 21 ابريل 1991، وأرسلت اخطارها الثانى إلى المدعى عليها مشفوعاً بشهادة الخبرة المطلوبة صادرة من شركة فحص عالمية تتضمن عيوب فى البضاعة فى 10 أكتوبر 1991 ، أى بعد مضى حوالى 6 شهور من آخر ميعاد للإخطار وفقاً لما نص عليه العقد .

        وما يعنينا فى هذه القضية هو ما يتصل بحسن النية وهو يتعلق  بالدفع الذى أثارته الشركة النمساوية المدعى عليها أمام هيئة التحكيم والذى تضمن أن الشركة المدعية فقدت حقها فى التمسك بعيوب المطابقة لتخلفها عن الإخطار بعيوب البضاعة فى المواعيد التى ينص عليها العقد ، إذ لم تستجب هيئة التحكيم لهذا الدفع تطبيقاً لمبدأ حسن النية .

وقالت هيئة التحكيم أن المدعى عليها سقط حقها فى التمسك بهذا الدفع لأنها ظلت بعد وصول إخطار عدم المطابقة إليها على اتصال بالشركة المدعية لمتابعة الشكاوى التى يقدمها المصنع البرتغالى أو الوسيط البلجيكى المتعلقة بالعيوب التى تظهر فى البضاعة ، كما أنها أقدمت على التفاوض مع الشركة المدعية للتوصل إلى تسوية للخلاف ، مما أعطى الشركة المدعية انطباعاً له ما يبرره بأن الشركة المدعى عليها لن تتمسك بهذا الدفع ، فلم تقدم لذلك على اتخاذ أى إجراء قانونى حفاظاً على حقوقها فى مواجهة الشركة الوسيطة البلجيكية أو المصنع البرتغالى .

وقالت هيئة التحكيم فى تبريرها لذلك أن الدفع لا ينقضى فقط بنزول صاحبه عن التمسك به ، بل ينقضى أيضاً بالسقوط ، وما ذلك إلا تطبيق لمبدأ حسن النية أو للمبدأ الوثيق الصلة به وهو : ألا يقبل من أحد دفاع يتنافى مع سلوكه estoppel.

وهذا يعنى سقوط الحق فى التمسك بالدفع فى مواجهة الغير كلما أمكن تفسير سلوك أو تصرف صدر ممن له حق التمسك بالدفع على نحو يفهم الغير منه أنه لا يرغب فى التمسك به ، بما يجعل الغير يتصرف اعتماداً على هذا الوضع الجديد.

واستطردت هيئة التحكيم قائلة أن المادة 7/1 أشارت إلى ضمان احترام حسن النية فى التجارة الدولية ، ورغم الخلاف الذى يدور حول مضمون مبدأ حسن النية فى الاتفاقية ومدى أهميته ، إلا أن مبدأ ألا يقبل من أحد دفاع يتنافى مع سلوكه estoppel  - وهو مبدأ يتفرع من مبدأ حسن النية ويعد تطبيقاً من تطبيقاته يعتبر على أقل تقدير من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية . وحيث أن الاتفاقية  لم تعالج مسألة سقوط حق البائع فى التمسك بالدفع بتخلف المشترى  عن الإخطار فى المواعيد إذا ما صدر من البائع تصرف يفسر على أنه لا يرغب فى التمسك بالدفع  فإنه يتعين تطبيقاً لحكم المادة 7/2 من الاتفاقية تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها.

وبناء على ذلك قضت هيئة التحكيم بسقوط حق الشركة المدعى عليها فى التمسك بالدفع بتخلف الشركة المدعية عن الإخطار فى المواعيد تطبيقاً لمبدأ ألا يقبل من أحد دفاع يتنافى مع سلوكه estoppel الذى يتفرع من مبدأ حسن النية ، ويعد كما قالت هيئة التحكيم تطبيقاً من تطبيقاته .

123- ويتضح مما تقدم أن الخلاف الذي نشب بين الدول أثناء إعداد الاتفاقية حول مبدأ حسن النية والدور الذي يلعبه قد اسفر في نهاية المطاف عن اقتران حسن النية بالتفسير لا بسلوك طرفي العقد للتوفيق بين وجهات النظر المتعارضة ، مما فتح باب الخلاف في الرأي حول دور حسن النية في الاتفاقية . وقد انقسم الفقه والقضاء إلى اتجاهين ، حيث ذهب فريق من الفقهاء تؤيده بعض أحكام القضاء إلى أن الاتفاقية لم تنص على حسن النية إلا بوصفه قاعدة من قواعد التفسير . وهذه القاعدة موجهة إلى القضاء والمحكمين وحدهم بصدد التفسير ، ولا تفرض أي التزام على أطراف العقد في مرحلة تكوينه أو تنفيذه . وينبني على ذلك أن حسن النية لا يلعب في الاتفاقية سوى دور محدود للغاية وصف بأنه دور ثانوي أو عديم القيمة .

يينما ذهب فريق آخر من الفقهاء تؤيده بعض أحكام القضاء إلى أن حسن النية لا يقتصر على تفسير نصوص الاتفاقية ، بل يعد – وهذا ما نرجحه – قاعدة أصولية تقوم عليها فلسفة الاتفاقية وتفرض على أطراف المعاملات حسن السلوك في التعامل ، سواء في مرحلة تكوين العقد أو اثناء تنفيذه .

وقد أخذت مبادء عقود التجارة الدولية Unidroit Principles التي أعدها معهد روما لتوحيد القانون الخاص بالاتجاه الثاني في المادة 1/7 ([143]) من تلك المبادئ التي لم تقرن حسن النية بالتفسير ، بل اتخذته كضابط سلوك يفرض على الأطراف واجب التحلي بالأمانة في المعاملات وحسن السلوك سواء في مرحلة تكوين العقد أو أثناء تنفيذه ، ولا يجوز الاتفاق على خلاف ذلك .

 

الفصل الثاني

سد النقص فى نصوص الاتفاقية

تمهيد وتقسيم :

124-  أوضحنا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا 1980 لم تترك مسألة التفسير للقوانين الوطنية ، بل وضعت مجموعة من مبادئ التفسير ليسترشد بها المفسر قاضيا كان أو محكما أو فقيها - عندما يفسر النصوص . وهذه المبادئ تتفق مع الغرض الاسمى الذى تسعى الاتفاقية إلى تحقيقه و هو التوحيد فى التطبيق .

بيد أن الاتفاقية لم تقف عند هذا الحد ، إذ تصدت المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية لعلاج مشكلة النقص فى نصوص الاتفاقية ، فوضعت قواعدا لسد  النقص تتلاءم  مع الغرض الذى تسعى إلى تحقيقه ، ونصت على أنـــه :  " المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها هذه الاتفاقية والتى لم تحسمها نصوصها ، يتم تنظيمها وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية، وفى حالة عدم وجود هذه المبادئ تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص " .

وقد أضيفت هذه الفقرة إلى المادة المشار اليها فى المؤتمر الدبلوماسى الذى عقد فى مارس 1980 ، إذ لم يكن لها مقابل فى مشروع الاتفاقية لسنة 1978 ([144]) .

وسوف نستعرض فى هذا الفصل مشكلة النقص فى نصوص الاتفاقية وكيفيه علاجها كما يلى :

المبحث الأول : مشكلة نقص النصوص وموقف اتفاقية فيينا

المبحث الثانى : قواعد سد النقص فى النصوص

المبحث الثالث : أهم المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية

المبحث الرابع : تطبيقات قضائية

 

المبحث الأول

مشكلة نقص النصوص وموقف اتفاقية فيينا

تقســيم :

125-  ونقسم هذا المبحث الى مطالب ثلاثة كالآتى :

المطلب الأول : مشكلة نقص النصوص وعلاقتها بالتفسير

المطلب الثانى : التطور التاريخى لقواعد سد النقص فى النصوص من

                 لاهاى 1964 إلى فيينا 1980

المطلب الثالث : شروط تطبيق قواعد سد النقص فى النصوص

 

المطلب الأول

مشكلة نقص النصوص وعلاقتها بالتفسير

الاتفاقية لم تنظم كافة جوانب عقد بيع البضائع :

126-  يتضح لنا مما تقدم أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( فيينا 1980 ) لا تحقق التوحيد الكامل لأحكام عقد البيع ، بل تؤدى إلى التوحيد الجزئى . فالاتفاقية لا تسرى إلا على عقود البيع التى تنطبق عليها صفة الدولية ، ومن ثم تظل البيوع التى لا تنطبق عليها هذه الصفة خاضعة لاحكام القانون الوطنى الواجب التطبيق . وهكذا نجد أمامنا فى كل دولة من الدول الأطراف فى الاتفاقية قانونين : القانون الموحد ويتمثل فى نصوص الاتفاقية ، ويطبق على البيوع الدولية ، و القانون الوطنى الداخلى الذى تختلف أحكامه من دولة إلى أخرى ، ويحكم البيوع التى لا تتوافر فيها صفة الدولية ، أى البيوع الداخلية البحتة .

ومن جانب آخر فإن الاتفاقية لا تضع حلولا لجميع الموضوعات المتصلة بعقد البيع الدولى من أركان وشروط وآثار ، وإنما يقتصر تطبيق الاتفاقية على تكوين عقد البيع الدولى ، والحقوق والالتزامات التى ينشئها العقد لكل من البائع والمشترى ([145]) .

ورغم أن الاتفاقية يقتصر نطاق تطبيقها على تكوين العقد وحقوق والتزامات كل من البائع والمشترى ، إلا أنها لا تضع حلولا لكل ما يمكن أن يعرض من منازعات بشأن الموضوعات التى شملتها، مما يثير مشكلة تتعلق بالقواعد الواجبة التطبيق على المسائل التى أغفلت الاتفاقية علاجها على الرغم من دخولها فى إطار الموضوعات التى تشملها .

 فالاتفاقية مثلا تناولت مكان الوفاء بالثمن فى المادة 57 فقرة 1 ( أ ) وأوجبت على المشترى أن يفى بالثمن فى مكان عمل البائع ، ما لم يكن ملزما بدفع الثمن فى مكان آخر ، ولكنها لم تتحدث عن المكان الذى يجب على البائع فى حالة فسخ العقد أن يرد فيه الثمن إلى المشترى ([146]) . فكيف يمكن للقاضى أو المحكم أن يحدد المكان الذى يجب على البائع أن يرد الثمن فيه إلى المشترى فى حالة فسخ العقد ؟ بمعنى آخر : كيف يمكن سد النقص فى نصوص الاتفاقية ؟

طرق سد النقص فى النصوص :

127-  من المعلوم أن هناك طرقا ثلاثة لسد النقص فى نصوص الاتفاقيات الدولية ([147]) . أولها سد النقص فى النصوص عن طريق المبادئ العامة التى تقررها الاتفاقية وهو ما يعرف باصطلاح true code approach ([148]). وهذا يعنى أن القاضى او المحكم عندما يجد نقصا فى النصوص يسد هذا النقص عن طريق تطبيق المبادئ التى يستخلصها من نصوص الاتفاقية ذاتها فلا يبحث عن مصادر خارجية لاستكمال النقص فى النصوص ([149]) . ويمكن للقاضى أو المحكم أن يسترشد بالغرض الذى تسعى الاتفاقية إلى تحقيقه والسياسة أو الفلسفة التى تتبعها لاستخلاص المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية ولكن لا يجوز له الاستعانة بأى مصادر خارجية .

أما الطريقة الثانية لسد النقص فى النصوص فهى لا تعتمد على تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ذاتها بل تعتمد على مصادر خارجية هى المبادئ العامة للنظام القانونى فى مجموعه meta-code approach وهذه الطريقة تتيح للقاضى أو المحكم على النقيض من الطريقة الأولى تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص على المسائل التى أغفلت الاتفاقية الدولية تنظيمها .

أما الطريقة الثالثة لسد النقص فى النصوص فهى مزيج من الطريقتين المتقدمتين وتعتمد على تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية أولا، فإذا لم يجد القاضى او المحكم ما يسعفه فى المبادئ العامة وجب عليه تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص لسد النقص فى نصوص الاتفاقية .

128-  وقد أخذت اتفاقية فيينا 1980 بهذه الطريقة الثالثة لاستكمال النقص فى نصوص الاتفاقية ، إذ أوجبت المادة 7 فقرة (2) من الاتفاقية على القاضى او المحكم أن يقضى فى المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها الاتفاقية والتى لم تحسمها نصوصها ، وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية ، وفى حالة عدم وجود هذه المبادئ تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص ([150]) .

ويوجب حكم المادة 7/2 المتقدم على القاضى أو المحكم الذى ينظر النزاع أن يسد النقص الموجود فى الاتفاقية بما يتفق مع المبادئ العامة التى تقوم عليها. وهذه المبادئ يمكن استخلاصها من نصوص الاتفاقية ذاتها ومن الأعمال التحضيرية والمناقشات التى دارت خلال مراحل إعدادها ، ومنها مراعاة التوازن بين التزامات البائع والمشترى ، وترجيح دور الإرادة على نصوص الاتفاقية ، والاقتصاد فى فسخ العقد ، ومراعاة حسن النية ([151]) .

ومن ثم يجب على القاضى أو المحكم فى الحالات التى تكون فيها الاتفاقية واجبة التطبيق على النزاع إذا استعصى عليه نص فى الاتفاقية بسبب غموض أو نقص ، أن يستجلى الغموض ويسد النقص بالرجوع إلى الاتفاقية ذاتها ، فيهتدى إلى الحل فى إطار المبادئ العامة التى تقوم عليها مما يؤدى إلى استقلال الاتفاقية عن التشريعات الوطنية واحتفاظها بذاتيتها.

الارتباط الوثيق بين مبادئ التفسير وقواعد سد النقص فى النصوص :                                                         

129-  ذكرنا فيما تقدم أن المادة 7 فقرة أولى من الاتفاقية وضعت مجموعة من المبادئ لتفسير نصوص الاتفاقية تجنبا للجوء المفسر قاضياً كان أو محكماً أو فقيهاً لطرق التفسير التى تنص عليها القوانين الوطنية . ووفقا لهذه المبادئ يجب أن يراعى فى تفسير الاتفاقية صفتها الدولية وضرورة تحقيق التوحيد فى تطبيقها بالإضافة إلى احترام حسن النية فى التجارة الدولية.

كما ذكرنا أن الفقرة الثانية من المادة 7 التى تتحدث عن سد النقص فى نصوص الاتفاقية لم يكن لها مقابل فى مشروع الاتفاقية لسنة 1978،وأنها أضيفت فى المؤتمر الدبلوماسى الذى عقد فيينا فى إبريل 1980الذى أقر الاتفاقية .

130-  ولا شك أن هناك ارتباط وثيق بين الفقرتين ، وهذا الارتباط لا يرجع إلى موضع الفقرتين ووجودهما فى مادة واحدة فحسب وهى المادة 7 من الاتفاقية ، بل يرجع فى المقام الأول إلى الصلة الوثيقة بين مبادئ التفسير وقواعد سد النقص فى النصوص ، لأن مبادئ التفسير التى ذكرتها المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية لا تطبق فى حالة غموض أو عدم وضوح نص من نصوص الاتفاقية فحسب، بل تطبق أيضا لسد النقص فى النصوص ([152]) .

ومن الجدير بالذكر أن الفقرة الثانية من المادة 7 تهدف شأنها فى ذلك شأن الفقرة الأولى من المادة 7 إلى تجنب تطبيق القوانين الوطنية تحقيقا للتوحيد ، وهو الهدف الأسمى الذى تسعى الاتفاقية إلى بلوغه، إذ أوجبت المادة 7 فقرة (2) على المحاكم الابتعاد عن القوانين الوطنية وتطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية سداً للنقص فى النصوص . فإذا لم تسعف هذه المبادئ القاضى او المحكم فى سد النقص فى النصوص ، فلا مفر والحال كذلك من سد النقص عن طريق الرجوع إلى القانون الوطنى الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص .

فلا يكفى إذن لتحقيق التوحيد المنشود أن يراعى فى تفسير نصوص الاتفاقية المبادئ التى نصت عليها المادة السابعة فى فقرتها الأولى ، بل يجب أيضا على القاضى أو المحكم أن يسد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية لتحقيق التوحيد .

وبالإضافة إلى ذلك يجب أن يراعى عند تفسير المادة 7 فقرة (2) مبادئ التفسير التى ذكرتها الفقرة الأولى من المادة 7 . وهذا يعنى ضرورة أن يراعى فى تحديد مضمون المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية صفتها الدولية والتوحيد فى تطبيقها ([153]) .

131- ويتضح مما تقدم أن الفلسفة التى تقوم عليها الاتفاقية ترتكز على إقصاء القوانين الوطنية من التطبيق على عقود البيع الدولى إلى أقصى درجة ممكنة . فقد أوجبت الاتفاقية على القاضى أو المحكم أن يبحث عن الحل فى نصوص الاتفاقية ذاتها فى حالة غموض النصوص أو عدم وضوحها عن طريق مراعاة مبادئ التفسير التى ذكرتها الفقرة الأولى من المادة السابعة ، كما أوجبت سد النقص فى نصوص الاتفاقية عن طريق البحث عن الحل فى الاتفاقية ذاتها و تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها كما جاء فى الفقرة الثانية من المادة السابعة .

132-  على أن هذا لا يعنى أن الاتفاقية تستبعد القانون الوطنى من التطبيق كلية  كوسيلة لسد النقص فى نصوص الاتفاقية ، لأن المادة السابعة فقرة 2 من الاتفاقية سمحت بتطبيق القانون الوطنى، ولكنها جعلت اللجوء إليه فى أضيق الحدود ، فلم تسمح للقاضى أو المحكم بتطبيقه إلا إذا لم يجد فى المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ما يغنيه .

ومن ثم فان الطبيعة الذاتية للاتفاقية لا تعنى انفصال أحكامها بالكامل عن القوانين الوطنية ، إذ يتعين على القاضى إذا لم تسعفه المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية أن يستكمل النقص فى نصوصها عن طريق تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .


المطلب الثانى

التطور التاريخى لقواعد سد النقص فى النصوص

من لاهاى 1964 إلى فيينا 1980

مراحل إعداد قانون موحد للبيع الدولى للبضائع :

133-  بدأ المعهد الدولى لتوحيد القانون الخاص بروما العمل فى إعداد قانون موحد للبيع الدولى للبضائع فى سنة 1930 عن طريق إنشاء لجنة خاصة كلفت بإنجاز هذا العمل .

ووضع أول مشروع لاتفاقية دولية يتضمن قانونا موحدا للبيع الدولى للبضائع سنة 1935 وقد تضمن هذا المشروع نصا يماثل من بعض الوجوه نص المادة 7/2 من اتفاقية فيينا 1980 ، وهو نص المادة 11 من المشروع التى كانت تقضى بأن المسائل التى لا ينص القانون الموحد على حكمها ولا يحيل فيها إلى القانون الوطنى ، يفصل فيها وفقا للمبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد .

ويقول أحد الأساتذة أعضاء اللجنة التى شكلت سنة 1930 لاعداد مشروع القانون الموحد وهو الفقيه الألمانىRabel  فى تبريره لحكم المادة 11 من المشروع ان لجوء المحاكم إلى تطبيق التشريعات الوطنية لسد النقص فى النقص فى نصوص القانون الموحد يؤدى إلى اختلاف الحلول وعدم تحقيق التوحيد الذى يبتغيه القانون الموحد ، وعلاجا لهذا الوضع فقد أوجبت المادة 11 من مشروع القانون الموحد لسنة 1935 أن يقضى فى المسائل التى لم تحسمها نصوص القانون الموحد صراحة وفقا للمبادئ العامة التى يقوم عليها. ومع ذلك فقد أجازت المادة 11من المشروع تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص ، إذا وجد نص فى القانون الموحد يقضى بذلك ([154]) .

وقد تم استطلاع رأى الدول المختلفة فى مشروع القانون الموحد، وتقرر تشكيل لجنة مصغرة لتعديله بما يتوافق مع نتائج استطلاع الرأى . وأنجزت اللجنة مهمتها وأعدت صياغة جديدة للمشروع سنة 1938 ، غير أن العمل توقف فى المشروع بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية ([155]) .

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها تبين أن المشروع لم يعد صالحا لمواجهة التغيرات الاقتصادية التى أحدثتها الحرب العالمية ، وتقرر إعداد مشروع جديد . وقد استغرق إعداد هذا المشروع عدة سنوات . وفى ذات الوقت كان معهد روما يعد مشروعا آخر لاتفاقية دولية لتوحيد قواعد تكوين عقد البيع تم الانتهاء من إعداده سنة 1958، ثم تقرر عقد مؤتمر دبلوماسى لإقرار المشروعين . وقد عقد هذا المؤتمر فى سنة 1964 فى مدينة لاهـاى

وأسفر عن الموافقة على اتفاقيتين دوليتين الحق بكل منهما قانونا موحدا بشأن البيع الدولى للبضائع، أولهما اتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع ( ULIS )، والثانية هى اتفاقية لاهاى 1964 بشأن تكوين عقد البيع الدولى للبضائع ( ULF ).

موقف اتفاقية لاهاى 1964 من سد النقص فى النصوص:

134-  وقد عالج القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع مشكلة النقص فى النصوص فى المادتين 2 ، 17 . وقد استبعدت المادة 2 صراحة قواعد القانون الدولى الخاص من التطبيق على المسائل التى لم يحسمها القانون الموحد ([156]) . وهذا يعنى أنه لا يجوز للقاضى أو المحكم الذى ينظر نزاعا يتعلق بعقد بيع يخضع لأحكام القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 أن يسد النقص فى نصوص القانون الموحـد عن طريق تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .

 أما المادة 17 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 فقد أوجبت سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها ، فهى تقضى بأن المسائل المتعلقة بالموضوعات التى شملها القانون الموحد ولا يوجد فيه نص صريح يحسمها يقضى فيها على ضوء المبادئ العامة التى يقوم عليها ([157]) .

135-  ومن الغنى عن البيان أن الغرض من المادتين 2 ، 17 من القانون الموحد هو إقصاء القوانين الوطنية من التطبيق على المسائل التى أغفل القانون الموحد تنظيمها ، والبحث عن الحل فى نصوص القانون الموحد ذاته عن طريق استخلاص المبادئ العامة التى يقوم عليها، ومن ثم فلا مجال فى القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 لتطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص لسد النقص  فى النصوص.

ويتضح من ذلك أن القانون الموحد يوجب سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها دون الرجوع للقوانين الوطنية، وهو ما يعرف باصطلاح true code approach . وهذا يعنى أن المحكمة عندما تجد نقصا فى نصوص القانون الموحد تسد هذا النقص عن طريق نصوص القانون الموحد ذاته فتبحث عن المبادئ العامة التى يقوم عليها . وتستهدى المحكمة بالغرض من القانون الموحد لاستخلاص المبادئ العامة التى يقوم عليها، ولكن لا يجوز لها الرجوع إلى أى مصادر خارجية .

136-  وقد انتقد موقف القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 فى أسلوب علاجه لمشكلة سد النقص فى النصوص لأن المادة 2 منه استبعدت قواعد القانون الدولى الخاص من التطبيق على المسائل التى يشملها القانون الموحد، ومعنى ذلك أنه لا يجوز للقاضى أن يسد النقص فى نصوص القانون الموحد عن طريق تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص. وما يؤكد ذلك أن المادة 17 من القانون الموحد اقتصرت فى علاجها لمشكلة سد النقص فى النصوص على تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد . وهذا يعنى أن القاضى أو المحكم إذا لم يجد ما يسعفه فى المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية لا يمكنه سد النقص عن طريق تطبيق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص ، لأن المادة 2 من الاتفاقية سدت هذا الطريق ، كما أن القانون الموحد لم يضع تصورا لعلاج مشكلة سد النقص إذا لم يجد القاضى أو المحكم فى المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد ما يغنيه .وقد ذهب الاتجاه الغالب فى الفقه إلى استكمال النقص فى نصوص القانون الموحد فى هذه الحالة الأخيرة عن طريق تطبيق القواعد والمبادئ القانونية السائدة فى أكثر الدول الأطراف فى الاتفاقية ([158]) .

 موقف اتفاقية فيينا من سد النقص فى النصوص :

137-  إذا استعرضنا موقف اتفاقية فيينا 1980 من مسألة سد النقص فى النصوص ، نجد أن حكم المادة 7/2 من الاتفاقية يتفق مع القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 من حيث تطبيق المبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية على المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها ولم تحسمها نصوصها . وهذا الحكم يوجب على القاضى أو المحكم أن يتجنب تطبيق القانون الوطنى على المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى أغفلت الاتفاقية علاجها ، وأن يبحث عن الحل فى الاتفاقية ذاتها عن طريق استخلاص المبادئ العامة التى تقوم عليها و يطبقها سدا للنقص فى النصوص .وهذا الحكم يماثل من بعض الوجوه حكم المادة 17من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 .

138- غير أن اتفاقية فيينا 1980 لم تقف عند حد تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها لسد النقص فى نصوصها ، بل أدركت أن هذه المبادئ قد تكون غير كافية ، فمن المتصور ألا يجد القاضى أو المحكم ما يغنيه فى المبادئ العامة . ولذلك أضافت اتفاقية فيينا فى المادة 7 فقرة 2 حكما جديدا لم يكن له مقابل فى القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 فقررت أنه: " وفى حالة عدم  وجود هذه المبادئ تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص" ([159]) .

139-  ويتضح من ذلك وجه الاختلاف بين القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 ، واتفاقية فيينا 1980 ، فبينما يسد النقص فى النصوص فى القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها دون الرجوع للقوانين الوطنية ، فإن اتفاقية فيينا 1980 على النقيض من ذلك- تجيز الرجوع للقانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص لسد النقص فى نصوص الاتفاقية ، وذلك إذا لم يجد القاضى او المحكم فى المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ما يسعفه لاستكمال النقص فى النصوص .

وقد أصلحت اتفاقية فيينا 1980 بذلك عيوب القانون الموحد التى كانت من أسباب عدم قبول الدول لاتفاقية لاهاى 1964 ، إذ أدرك واضعو اتفاقية فيينا 1980 أنه لا غناء عن الرجوع للقانون الوطنى إذا لم تسعف المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية القاضى أو المحكم فى سد النقص.


المطلب الثالث

شروط تطبيق قواعد سد النقص فى النصوص

140-  ذكرنا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا 1980 لم تعالج كافة الموضوعات المتصلة بعقد البيع الدولى للبضائع ، و إنما تناولت بصفة أساسية موضوعين من هذه الموضوعات هما: تكوين عقد البيع ، والتزامات كل من البائع والمشترى. ويتبين من ذلك أن نطاق تطبيق الاتفاقية يقتصر على المسائل المتعلقة بتكوين عقد البيع ، والتزامات كل من البائع والمشترى ، فلا يمتد مجال تطبيقها إلى المسائل المتعلقة بالموضوعات الأخرى التى لم تتناولها الاتفاقية.

ومن الغنى عن البيان أن مشكلة النقص فى نصوص الاتفاقية لا تظهر إلا بصدد المسائل المتعلقة بالموضوعات التى تدخل فى نطاق تطبيق الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها . وقد ذكرت المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية ذلك صراحة بقولها : " المسائل التى تتعلق بالموضوعات التى تتناولها الاتفاقية والتى لم تحسمها نصوصها ، يتم تنظيمها وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية ، وفى حالة عدم وجود هذه المبادئ ، تسرى أحكام القانون الواجب التطبيق وفقا لقواعد القانون الدولى الخاص " . من ثم يشترط لتطبيق قواعد سد النقص فى النصوص التى نصت عليها المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية ما يلى :

أولا : أن يتصل النقص بمسألة متعلقة بالموضوعات التى تتناولها الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها . ثانيا : ألا يتعلق النقص بمسألة من المسائل المستبعدة من مجال تطبيق الاتفاقية .

ونفصل ذلك كما يلى :

أولا : أن يتصل النقص بمسألة متعلقة بالموضوعات التى تتناولها الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها :

141-  أوجبت المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية على القاضى أو المحكم أن يقضى فى النزاع عند غيبة النص وفقا للمبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية ، فإن لم يجد ما يسعفه فى تلك المبادئ فعليه أن يبحث عن الحل فى القانون الواجب التطبيق الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .

ويشترط لتطبيق القواعد المتقدمة لسد النقص فى النصوص أن يتصل الأمر بمسألة من المسائل المتعلقة بالموضوعات التى تتناولها الاتفاقية ، ولم تحسمها نصوصها .

ولما كانت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع 1980 لا تنظم كافة جوانب عقد البيع الدولى للبضائع ، و إنما يقتصر تنظيمها على تكوين عقد البيع والتزامات كل من البائع والمشترى ([160]) ، فلا مجال لتطبيق قواعد سد النقص فى النصوص إلا إذا كان النقص متصلا بمسألة تتعلق بتكوين عقد البيع والتزامات كل من البائع  والمشترى . فالمسائل التى لا تتعلق بتكوين عقد البيع أو حقوق والتزامات البائع والمشترى لا تنطبق عليها قواعد سد النقص التى ذكرتها المادة 7/2 من الاتفاقية . وقد خصت المادة 4 من الاتفاقية بعض المسائل التى لا تتعلق بتكوين عقد البيع ولا بالتزامات كل من البائع والمشترى بالذكر وهى:

(‌أ)    صحة العقد أو شروطه أو الأعراف المتبعة فى شأنه؛

  (ب) الآثار التى قد يحدثها العقد فيما يتعلق بنقل ملكية البضائع المبيعة.

ومن ثم فلا مجال لتطبيق قواعد سد النقص فى النصوص على أهلية المتعاقدين، والمسائل المتعلقة بعيوب الإرادة من غلط وتدليس وإكراه وغبن . وكذلك لا تطبق قواعد سد النقص لتحديد وقت انتقال الملكية ، والآثار التى تترتب على هذا الانتقال ([161]) .

142-  ومن الغنى عن البيان انه يشترط لوجود نقص فى مسألة من المسائل وتطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية لسد هذا النقص ألا تكون نصوص الاتفاقية قد حسمت هذه المسألة ، إذ لا مجال لتطبيق قواعد سد النقص فى النصوص على المسائل التى حسمتها الاتفاقية بنص صريح . أما المسائل التى لم يرد فيها نص صريح ، ولكن يمكن أن يستمد الحكم فيها عن طريق التوسع فى تطبيق نص آخر من نصوص الاتفاقية بطريق القياس، فقد أثير التساؤل حول مدى اعتبارها من المسائل التى حسمتها نصوص الاتفاقية .

ويقول الأستاذ Bonell  إن الأمر يتوقف على تفسير عبارة " وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية ، " الواردة فى المادة 7/2 ، ومدى إمكانية تفسير هذه العبارة تفسيرا واسعا بحيث تستوعب القياس . ويرى Bonell وجوب تفسير عبارة " وفقا للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية" تفسيرا واسعا يشمل تطبيق نصوص الاتفاقية بطريق القياس ، وأنه لا يوجد تعارض بين تطبيق المبادئ العامة تقوم عليها الاتفاقية وإعمال القياس لأن كل منهما يكمل الأخر ([162]) .

ثانيا : ألا يتعلق النقص بمسألة من المسائل المستبعدة من مجال تطبيق الاتفاقية:

143-  ويدخل فى عداد المسائل المستبعدة من مجال تطبيق الاتفاقية - ومن ثم لا تسرى عليها قواعد سد النقص فى النصوص المنصوص عليها فى المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية - ما يلى :

(1) البيوع المستبعدة من الخضوع لأحكام الاتفاقية. وهذه البيوع تخرج من نطاق تطبيق الاتفاقية ([163]) وتخضع للقانون الوطنى الواجب التطبيق الذى تحدده قواعـد القانـون الدولى الخاص . وقد استبعدت المادة 2 من الاتفاقية صراحة طائفة من البيوع من الخضوع لأحكامها وهى :

(‌أ)     بيوع البضائع التى تشترى للاستعمال الشخصى أو العائلى أو المنزلى، إلا إذا كان البائع لا يعلم قبل انعقاد العقد أو وقت انعقاده ، ولا يفترض فيه أن يعلم ، بأن البضائع قد اشتريت لاستعمالها فى أى وجه من الوجوه المذكورة ؛

(‌ب)         بيوع المزاد ؛

(ج) البيوع التى تعقب الحجز أو غيرها من البيوع التى تتم بموجب أمر من السلطة القضائية؛

(د) الأوراق المالية والأوراق التجارية والنقود ؛

(هـ) بيوع السفن و المراكب والعوامات والطائرات ؛

(و) بيوع الكهرباء .

ومن ثم لا تسرى قواعد سد النقص فى النصوص التى تنص عليها المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية على البيوع المتقدمة لأن هذه البيوع لا تخضع أصلا لأحكام الاتفاقية .

ويدخل فى عداد البيوع المستبعدة من الخضوع لأحكام الاتفاقية البيوع التى ترد على المنقولات المعنوية ([164]) ، مثل البيوع التى ترد على حقوق المخترع، أو مالك العلامة التجارية .

(2) العقود المستبعدة من نطاق تطبيق الاتفاقية لعدم انطباق وصف البيوع عليها ( المادة 3 من الاتفاقية ) : وهى على نوعين :الأول،  العقود التى تتضمن التزام الطرف الذى يطلب البضائع بتوريد جزء هام من المواد اللازمة لصنعها أو إنتاجها . وهذه العقود مستبعدة من الخضوع لأحكام الاتفاقية وفقا للفقـرة الأولى من المادة 3 . والثانى، العقود التى يتضمن الجزء الأساسى فيها التزام الطرف الذى يقوم بتوريد البضائع بتقديم اليد العاملة أو غير ذلك من الخدمات . وهى مستبعدة وفقا للفقرة الثانية مـن المادة 3.

ومن ثم فلا مجال لسريان قواعد سد النقص فى النصوص التى ذكرتها المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية على العقود المتقدمة بنوعيها لأنها مستبعدة أصلا من نطاق تطبيق الاتفاقية لعدم انطباق وصف البيع عليها .

(3) مسئولية البائع الناتجة عن الوفاة أو الإصابات التى تسببها البضائع المبيعة لأى شخص، فقد استبعدت المادة 5 من الاتفاقية مسئولية البائع عن الوفاة او الإصابات التى تسببها البضائع للغير من الخضوع لأحكام الاتفاقية. ومن ثم لا مجال لتطبيق قواعد سد النقص في النصوص على المسائل المتعلقة بمسئولية البائع عن الوفاة أو الإصابات التى تسببها البضائع للغير.

(4) المسائل التى يتفق على استبعادها من نطاق تطبيق الاتفاقية ، إذ يجوز وفقا للمادة 6  من الاتفاقية ([165]) لطرفى العقد استبعاد الاتفاقية من التطبيق على العقد او مخالفة أى نص من نصوصها او تعديل آثاره . ومن ثم يجوز لطرفى العقد استبعاد بعض المسائل من نطاق تطبيق الاتفاقية . وينبنى على ذلك أنه لا مجال لتطبيق قواعد سد النقص فى النصوص على تلك المسائل المستبعدة باتفاق طرفى العقد من الخضوع لأحكام الاتفاقية .

 

المبحث الثانى

قواعد سد النقص فى النصوص

الاتفاقية اتبعت منهج الدول اللاتينية فى سد النقص فى النصوص:

144-  من المعلوم أن القانون أيا كانت دقه إعداده وحسن صياغته لا يمكن أن يضع حلولا لكافة المنازعات المتعلقة بالمسائل التى يشملها ، فما من تشريع يستطيع أن يلم بكافة جوانب الموضوعات التى يعالجها من جميع الوجـوه فيعد لكل أمر نصا يغطيه ([166]) .

ويختلف المنهج الذى تتبعه التشريعات المقارنة فى علاجها لهذه المشكلة اختلافا واضحا . ففى معظم الدول التى تتبع المنهج اللاتينى تضع التشريعات أحكاما لاستكمال النقص فى النصوص تتضمن الرجوع إلى المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون . ومن أمثلة هذه التقنينات : تقنين الالتزامات الإيطالى ( المادة 12) ، والتقنين المدنى الأسبانى (المادة 6) . وقد اتبع التقنين المدنى المصرى منهجا يقترب من ذلك إذ أوجبت المادة الأولى فقرة 2 منه على القاضى أن يسد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق مبادئ القانون الطبيعى وقواعد العدالة إذا لم يجد فى نصوص التشريع ولا فى العرف ولا فى مبادئ الشريعة الإسلامية ما يمكن تطبيقه . وعلى الرغم من أن تشريعات بعض الدول ذات النزعة اللاتينية لا تنص صراحة على سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع ، إلا أن هذا الوضع لا يقلل من أهمية الدور الذى تلعبه المبادئ العامة للقانون فى سد النقص فى نصوص التشريع فى تلك الدول ([167]).

أما فى الدول ذات النزعة الأنجلوأمريكية فإن الأمر جد مختلف ، إذ لا تلعب المبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع هذا الدور الهام فى سد النقص فى النصوص ، وإنما تفسر نصوص التشريع تفسيرا ضيقا ، ويسد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق مبادئ الأحكام القضائية التى يرسيها القضاء، لا عن طريق تطبيق المبادئ التى يقوم عليها التشريع. وقد أكد التقنين التجارى الموحد للولايات المتحدة الأمريكية United States Uniform Commercial Code هذا المبدأ فى المادة 103 من القسم الأول منه وهو مطبق أيضا فى معظم الدول ذات النزعة الأنجلوأمريكية ([168])، ومن ثم فإن السوابق القضائية تلعب فى الدول ذات النزعة الأنجلو أمريكية دوراً رئيسياً فى سد النقص فى النصوص ، وهذا الدور يماثل الدور الذى تلعبه المبادئ العامة التى يقوم عليها التشريع لسد النقص فى النصوص فى الدول ذات النزعة اللاتينية .

وقد حذت اتفاقية فيينا 1980 فى علاجها لمشكلة نقص النصوص حذو التشريعات ذات النزعة اللاتينية ([169]) ، إذ أوجبت المادة 7 فقرة 2 من الاتفاقية أن يسد النقص فى نصوصها عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، فإذا لم يجد القاضى فى هذه المبادئ العامة ما يسعفه يطبق القانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .

مضمون المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية:

145-  أوجبت المادة 7/2 من الاتفاقية سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، ولكنها لم توضح المقصود بتلك المبادئ ، وتركت بذلك للفقه والقضاء استخلاصها .

وقد خصت الاتفاقية بعض هذه المبادئ بالذكر مثل مبدأ حسن النية (المادة 7/1 من الاتفاقية) ، ومبدأ احترام إرادة المتعاقدين ( المادة 6 ) ، ومبدأ الرضائية ( المادة 11، المادة 29/1)، ومبدأ الاعتداد بوقت إرسال الاخطار أو البلاغ الذى يتم بعد إبرام العقد لا بوقت وصوله (المادة 27) . غير أن غالبية المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية لم تفصح عنها نصوص الاتفاقية صراحة ، وتركت استظهارها للفقه والقضاء . ويتعين للتعرف على هذه المبادئ تحليل نصوص الاتفاقية لاستخلاص الأسس التى ترتكز عليها ، مع الأخذ فى الاعتبار عند تفسير الفقرة الثانية من المادة 7 الطبيعة الدولية للاتفاقية والحاجة نحو تحقيق التوحيد فى تطبيقها ، ومراعاة حسن النية فى التجارة الدولية .

ومن ثم يجب تفسير عبارة  " المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية " تفسيرا واسعا يستوعب القياس . وهذا ما يرجحه الفقه والقضاء تحقيقا للتوحيد . وهذا يعنى أن القاضى أو المحكم الذى ينظر النزاع عليه أن يتوسع فى تفسير نصوص الاتفاقية عن طريق إعمال القياس . ويرى جانب من الفقه تؤيده بعض أحكام القضاء أن التفسير الواسع لنصوص الاتفاقية يقتضى ألا يسد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تستمد من نصوص الاتفاقية ذاتها فحسب ، بل يسد أيضاً عن طريق تطبيق المبادئ العامة لعقود التجارة الدولية . وسوف نوضح ذلك بالتفصيل كالآتى :

(أ) التوسع فى تطبيق نصوص الاتفاقية عن طريق القياس:

146-  من الغنى عن البيان أن القياس يعنى إلحاق حكم مسألة ورد فيها نص فى الاتفاقية بمسألة لم يرد فيها نص لاتحاد العلة بينهما .

ولا خلاف فى الفقه والقضاء حول جواز سد النقص فى نصوص الاتفاقية عن طريق القياس ([170]) . ويستند الفقه فى تبريره لذلك إلى تفسير عبارة " المبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية " التى جاءت فى المادة 7 فقرة 2 تفسيراً واسعاً يستوعب القياس ([171]) . كما أن الاتفاقية أوجبت سد النقص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى أخذت بها وهذه المبادئ يمكن استخلاصها من نصوص الاتفاقية ، ومن ثم فمن باب أولى أن يسد النقص عن طريق التوسع فى تطبيق النصوص ذاتها عن طريق القياس ([172]) .

ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد تعارض بين سد النقص عن طريق القياس وسده عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية لأن كل منهما يكمل الأخر ، مع مراعاة أن الأولوية فى سد النقص تكون للقياس قبل الرجوع للمبادئ العامة التى أخذت بها الاتفاقية على اعتبار أن القياس يعد تطبيقا للنصوص ذاتها .

147-  ومن الغنى عن البيان أنه يشترط لإعمال القياس ألا يتضمن النص الذى يراد التوسع فى تطبيقه عن طريق القياس حكماً استثنائيا، بمعنى أنه لا يجوز التوسع فى تطبيق النصوص التى لم توضع إلا بقصد علاج مسألة معينة تتضمن حكما خاصاً ، إذ لا يجوز التوسع فى تفسير مثل هذه النصوص ، ولا يجوز القياس عليها ([173]) . فعلى سبيل المثال تقضى المادة 49 (1) (ب) من الاتفاقية بأن يجوز للمشترى فسخ العقد إذا لم يسلم البائع البضائع خلال الفترة الإضافية التى حددها المشترى وفقا للفقرة (1) من المادة 47 ، أو إذا أعلن أنه سوف لا يسلمها خلال تلك الفترة ، ولو كانت مخالفة البائع للعقد لا تشكل مخالفة جوهرية . فمن الجلى أن نص المادة 49 (1) (ب) يتضمن حكما استثنائيا إذ يقرر للمشترى الحق فى فسخ العقد إذا ما أخل البائع بالالتزام بالتسليم ، ولو كانت مخالفة البائع لا تشكل مخالفه جوهرية . ومن ثم لا يجوز التوسع فى تطبيق النص المذكور بطريق القياس فى حالة إخلال البائع بالتزامه بمطابقة البضاعة ، او إخلاله بالالتزام بأن تكون البضاعة   خاليه من حقوق الغير وادعاءاته ، بمعنى أنه لا يجوز للمشترى فى حالة إخلال البائع بمثل هذه الالتزامات أن يفسخ العقد ما لم يقع من البائع مخالفه جوهرية .

أما إذا كان النص الذى يراد التوسع فى تطبيقه لا يحمل هذا الطابع الاستثنائى فمن الجائز تطبيقه بطرق القياس على المسائل التى أغفلت الاتفاقية علاجها . فعلى سبيل المثال تحدد المادة 57 (1) (أ) المكان الذى يجب فيه على المشترى الوفاء بالثمن ، إذ تقرر التزام المشترى بالوفاء بالثمن فى مكان عمل البائع ([174]) إذا لم يتضمن العقد تحديدا لمكان الوفاء بالثمن . غير أن الاتفاقية أغفلت تحديد المكان الذى يلتزم فيه البائع برد الثمن إلى المشترى فى حالة فسخ العقد . وحيث أن المادة 57 (1) (أ)  من الاتفاقية تلزم المشترى بالوفاء بالثمن فى مكان عمل البائع ، وهى بذلك تقضى بإلزام المدين ( وهو المشترى ) بالوفاء بالثمن فى مكان عمل الدائن (وهو البائع )، وحيث ان هذا الحكم لا يحمل  أى طابع استثنائى ، فمن ثم وجب تطبيقه بطريق القياس لتحديد المكان الذى يلتزم فيه البائع برد الثمن إلى المشترى فى حالة فسخ العقد . وبناء عليه يتعين على البائع ( وهو المدين بالثمن) إذا فسخ العقد ، أن يرد الثمن إلى المشترى ( وهو الدائن ) فى مكان عمل المشترى ([175]) .

وإذا لم يجد القاضى نصاً فى الاتفاقية يمكن تطبيقه بطريق القياس على المسألة المعروضة عليه ، يجب عليه أن يبحث عن الحل فى ضوء المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ([176]) .

(ب) المبادئ العامة المستمدة من نصوص الاتفاقية:

148-  هناك كثير من المبادئ يمكن أن تستمد من نصوص الاتفاقية ذاتها ومن أمثله هذه المبادئ : حسن النية ( المادة 7 فقرة 1 ) ، وتغليب دور الإرادة ( المادة 6) ، ومبدأ الرضائية ( المادة 11 ، 29/1) ، والمحافظة على بقاء العقد والاقتصاد فى الفسخ  (المواد 19 (2)، 25 ، 26 ، 34 ، 37 ، 48 ، 49، 51 (1)، 64، 71 ، 72). والتزام كل طرف بالتعاون مع الطرف الآخر إذا كان التعاون ضروريا لتنفيذ التزاماته العقدية (المواد 32(3)، 48(2) ، 60(أ) ، 65 ) ، والتزام الطرف الذى يتمسك بوقوع مخالفة للعقد من الطرف الآخر باتخاذ تدابير للتخفيف من الخسائر (المواد 77 ، 85 – 88).

         ومن الغنى عن البيان أن مضمون هذه المبادئ وكيفيه تطبيقها يحدده القضاء فى ضوء قواعد التفسير التى تنص عليها المادة 7 فقرة (1) من الاتفاقية .

149-  ومن الجدير بالذكر أن المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ذاتها تنقسم إلى نوعين : النوع الأول منها هى المبادئ التى يمكن للقاضى أو المحكم تطبيقها تطبيقا مباشرا ، مثل مبدأ الرضائية ، أما النوع الثانى من المبادئ فهى تلك المبادئ التى لا يمكن تطبيقها إلا بعد تحديد مضمونها من خلال ضابط تقاس به ، مما يقتضى البحث عن هذا الضابط ([177]) . ولنأخذ على سيبل المثال مبدأ حسن النية ، وهو من النوع الثانى من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية . لا شك أن تطبيق مبدأ حسن النية يتطلب تحديد مضمون حسن النية من خلال ضابط يقاس به سلوك أو تصرفات أطراف العقود . ويثير تطبيق هذا النوع من المبادئ العامة لسد النقص فى نصوص الاتفاقية التساؤل عن الضابط أو المعيار الذى يتخذه القاضى أو المحكم لتحديده مضمون هذه المبادئ . فهل يطبق الضوابط والمعايير السائدة فى قانونه الوطنى ؟

150-  ولنأخذ أحد المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية وهو مبدأ المعقولية principle of reasonableness  كمثال آخر لتوضيح ذلك . هذا المبدأ يستمد من نصوص الاتفاقية التى اتخذت المعقولية كأساس عام لتقدير مدى الملائمة. وقد أشارت الاتفاقية إلى " المعقولية " فى مواضع متفرقة فاستخدمت اصطلاحات " خلال مدة معقولة " ([178]) ، " نفقات غير معقولة " ([179])، "عبئا غير معقول" ([180]) ، " شروط معقولة " ([181]) وهكذا. فكيف يحدد القاضى أو المحكم المقصود بالمعقولية ، وما هو الضابط أو المعيار الذى يتخذه للتعرف على مضمونها. لاشك أنه إذا أجيز للقاضى أو المحكم أن يطبق المعايير السائدة فى قانونه الوطنى لتحديد المقصود " بالمعقولية " فسوف يؤثر ذلك على الغرض الذى تسعى الاتفاقية إلى تحقيقه وهو التوحيد ، لأن المواعيد أو الشروط أو النفقات التى تعتبر معقولة وفقا للمعايير السائدة فى نظام قانونى معين ، قد لا تعد معقولة فى نظام قانونى آخر . يقول الفقيه Bonell  أن المحاكم يجب عليها أن تراعى عندما تستخلص هذه المبادئ من نصوص الاتفاقية أن تتجنب اتباع المعايير السائدة فى القانون الوطنى ، وأن تحاول استخلاص هذه المبادئ من نصوص الاتفاقية ذاتها ، دون اللجوء للتشريعات الوطنية ، مثلما تفعل عندما تفسر نصوص الاتفاقية . فإذا استعصى عليـها ذلك فيمكنها أن تسترشد بالمعايير المطبقة فى أكثر عدد من الدول الأطراف فى الاتفاقية ([182]) .

(جـ) المبادئ العامة لعقود التجارة الدولية :

151-  من المعلوم أن لجنة اليونسترال اعتمدت فى عملها عند إعداد اتفاقية فيينا 1980 بشأن عقود البيع الدولى للبضائع على الجهود السابقة التى بذلها معهد روما لتوحيد القانون الخاص Unidroit  من أجل وضع قواعد موحدة لعقود البيع الدولى للبضائع والتى أسفرت عن إبرام اتفاقيتى لاهاى 1964 .

152-  ومن أبرز الأعمال التى أنجزها معهد روما لتوحيد القانون الخاص حديثا أنه أعد " مبادئ العقود التجارية الدولية " Unidroit Principles of International Commercial Contracts”. وقد أشترك فى إعداد هذا العمل كبار فقهاء القانون التجارى الدولى على مستوى العالم ، منهم عدد كبير من الفقهاء ورجال القانون الذين شاركوا فى إعداد وصياغة اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( اتفاقية فيينا 1980 ).

        وقد أعدت هذه المبادئ تلبية للحاجة نحو إعداد تقنين للمبادئ العامة التى تحكم عقود التجارة الدولية يمكن قبوله على مستوى جميع دول العالم بغض النظر عن اختلاف ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهى تعبر عن المفاهيم القانونية السائدة عى معظم الأنظمة القانونية.

153-  وقد تأثرت " المبادئ العامة لعقود التجارة الدولية " باتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع واتبعت الحلول التى أخذت بها فى كثير من المسائل مع ادخال بعض التعديلات الملائمة التى تعكس الطبيعة الخاصة لهذه المبادئ . غير أن مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles  لم تأخذ شكل اتفاقية دولية تلزم الدول التى تصدق عليها بتطبيقها كجزء من قانونها الوطنى ، بل هى تطبق عندما يتفق الأطراف على سريانها على العقد، كما يجوز تطبيقها عندما يتفق الأطراف على أن يحكم العقد " المبادئ العامة للقانون " أو " قانون التجارة " أو ما شابه ذلك . كما يجوز الاستعانة بها فى المسائل التى لم يضع القانون الواجب التطبيق على العقد حلولا لها. وفضلا عن ذلك يمكن الاستعانة بمبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles  لتفسير أو تكملة القوانين والاتفاقيات الدولية المتعلقة بقانون التجارة الدولية ([183]) .

154-  ونظرا للصلة الوثيقة بين اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع ( اتفاقية فيينا 1980 ) ، ومبادئ عقود التجارة الدولية Unidroit Principles ، فمن الجائز الاستعانه بها لسد النقص فى نصوص الاتفاقية خاصة فى المسائل التى عالجتها مبادئ عقود التجارة الدولية بما يتفق مع ما ورد فى اتفاقية فيينا 1980، ولكن على نحو أكثر تفصيلا ([184]) .

        وقد استكملت بعض الأحكام القضائية النقص فى نصوص اتفاقية فيينا 1980 عن طريق تطبيق مبادئ عقود التجارة الدولية Unidroit Principles باعتبارها أحد المصادر الهامة التى يمكن اللجوء إليها لتفسير واستكمال النقص فى اتفاقية فيينا 1980 . والهدف من رواء هذا التوسع فى تفسير المادة 7/2 من الاتفاقية هو الإقلال من اللجوء للقانون الدولى الخاص لتحديد القانون الواجب التطبيق لسد النقص فى نصوص الاتفاقية تجنبا للاختلافات الناتجة عن تطبيق التشريعات الوطنية المتباينة.

155-  وهذا ما أخذت به فى فرنسا محكمة استئناف جرينوبل فى حكمها الصادر فى 23/10/1996 فى قضية تتعلق بعقد بيع دولى خاضع لأحكام اتفاقية فيينا 1980 تضمن بيع شركة ألمانية آله صناعية إلى شركة فرنسية . وقالت المحكمة فى حيثيات حكمها أن المادة 57 من الاتفاقية التى توجب على المشترى أن يدفع الثمن فى مكان عمل البائع إنما تعبر عن مبدأ  عام من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية . وهذا المبدأ يوجب على المدين أن يفى بما عليه من دين نقدى فى مكان عمل الدائن . وهذا المبدأ ليس مجرد مبدأ قررته الاتفاقية ، بل هو مبدأ عام من مبادئ العقود التجارية الدولية قننته المادة 6/1/6 من مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles . ومن ثم فإن مكان رد المبلغ غير المستحق هو مكان عمل المشترى ([185]) .

        كما قررت عديد من هيئات التحكيم أن حساب سعر الفائدة بالكيفية التى حددتها المادة 7/4/9 من مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles يعد من المبادئ العامة التى تقوم عليها اتفاقية فيينا 1980 ، وقضت بحساب سعر الفائدة على أساس ذلك سدا للنقص فى نصوص الاتفاقية ([186]) .

156- ومن الأعمال الهامة التى تأثرت فى كثير من الوجوه باتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع " مبادئ قانون العقد الأوروبى" Principles of European Contract Law وقد وضعت هذه المبادئ (وفقا لآخر تعديل لها) سنة 1998 عن طريق لجنة غير حكومية شكلت من كبار فقهاء القانون الخاص فى الدول الأوروبية بمساندة الاتحاد الأوروبى ومؤسسات القطاع الخاص لتقنين المبادئ القانونية المشتركة التى تقوم عليها نظرية العقد فى النظم القانونية الأوروبية المختلفة . وهى تتفق فى كثير من الوجوه مع مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles ، وقد استعانت بعض الأحكام القضائية وقرارات التحكيم بمبادئ قانون العقد الأوروبى لاستكمال النقص فى نصوص اتفاقية فيينا 1980 واعتبرت تلك المبادئ من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية شأنها فى ذلك شأن مبادئ العقود التجارية الدولية ([187]) .

 

المبحث الثالث

أهم المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية

157-  ذكرنا فيما تقدم أن اتفاقية فيينا 1980 لم تفصح عن كل المبادئ العامة التى تقوم عليها ، وإنما خصت بعضها بالذكر ، وتركت للفقه والقضاء استخلاص أغلب المبادئ من نصوصها.

وسوف نتناول فيما يلى عددا من أهم المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية بشيء من التفصيل . ومن الغنى عن البيان أن المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية لا تقف عند هذا الحد ، فالاتفاقية غنية بالمبادئ العامة الأخرى التى يمكن استخلاصها بسهولة من النصوص. وقد عرضنا فيما تقدم لبعض هذه المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية ، مثل مبدأ حسن النية ، وسوف نخص بالذكر الآن بعض المبادئ الرئيسية الأخرى نظرا لأهميتها وهى :

1- مبدأ احترام إرادة المتعاقدين . 2- مبدأ اتخاذ الرجل سوى الإدراك كضابط لقياس الإدراك والسلوك. 3- ضابط المعقولية . 4- مبدأ التعاون بين المتعاقدين . 5- واجب الإخطار عند اللزوم.

(1) احترام إرادة المتعاقدين

158-  وهو مبدأ جوهرى ، لا يعد من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية فحسب ، بل هو أهم المبادئ التى ترتكز عليها الاتفاقية على وجه الإطلاق ، وذلك لأن الاتفاقية جعلت لإرادة المتعاقدين الغلبة فى التطبيق على نصوص الاتفاقية ذاتها . وفى المادة 6 من الاتفاقية إشارة صريحة إلى هذا المبدأ ، كما أن المبدأ أفصحت عنه الاتفاقية فى عديد من نصوصها .

159-  وقد أتاحت المادة 6 من الاتفاقية الحرية للمتعاقدين فى اختيار القواعد القانونية التى تحكم الرابطة العقدية ، واستبعاد أحكام الاتفاقية من التطبيق على العقد حتى ولو كانت الاتفاقية واجبة التطبيق وفقا للمعايير التى وضعتها. ومعنى ذلك أن نصوص الاتفاقية ليست نصوصاً آمره ، بل هى نصوص مكمله لإرادة المتعاقدين ، ويجوز لهم الاتفاق على استبعاد أحكامها من التطبيق على الرابطة العقدية أو تعديل بعض آثارها ، أو الاتفاق على ما يخالفها كليا ، باستثناء حكم المادة 12 من الاتفاقية  ([188]) .

وهكذا تحترم الاتفاقية حرية الإرادة إلى أبعد مدى ، وتنحاز إليها انحيازا كاملا  إذا ما وقع تعارض بين الإرادة ونصوص الاتفاقية ( باستثناء المادة 12 من الاتفاقية ) . كما أن مبدأ احترام إرادة المتعاقدين يسمو على كل المبادئ الأخرى التى تقوم عليها الاتفاقية  فيكون له الغلبة فى التطبيق إذا ما وقع تعارض بينه وبين تلك المبادئ .

160-  على أن إطلاق حرية إرادة المتعاقدين قد يثير صعوبات إذا ما تعارض تطبيق هذا المبدأ مع مبدأ حسن النية. ولقد أوضحنا فيما تقدم أن الاتفاقية لم تذكر صراحة حسن النية إلا كمبدأ من مبادئ التفسير فى المادة 7 فقرة (1) . ومع ذلك فوفقا للرأى الراجح فى الفقه الذى تؤيده بعض أحكام القضاء فإن حسن النية لا يقف دوره فى الاتفاقية عند هذا الحد ، بل يعتبر مبدأ عاما من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية يفرض على طرفى العقد الالتزام بالأصول الحميدة فى التعامل ([189]) .

161-  والسؤال الذى يثار هو : هل تكون لإرادة المتعاقدين الغلبة فى التطبيق إذا تعارضت مع حسن النية ، أم يجب أن تتقيد الإرادة باحترام حسن النية فى التعامل ؟

162-  يذهب غالبية الفقهاء إلى ترجيح مبدأ احترام إرادة المتعاقدين لأن نصوص الاتفاقية لم تتضمن أى قيد على حرية الإرادة باستثناء المادة 12من الاتفاقية . وهذا يعنى أن الاتفاقية تحترم حرية الإرادة إلى أقصى درجة ، وبما يتجاوز حدود حسن النية. فنصوص الاتفاقية لم تضع أى قيد على حرية الإرادة باستثناء حكم المادة 12 ، ومن ثم فقد سارت خطوة أبعد من القوانين الوطنية فى تطبيق مبدأ سلطان الإرادة . ففى الولايات المتحدة الأمريكية مثلا يجيز التقنين التجارى الموحد Uniform Commercial Code  فى المادة 102(3) من القسم الأول الاتفاق على ما يخالف أحكامه فيما عدا ما يفرضه التقنين من التزامات تتعلق باحترام حسن النية ودرجة الحيطة والمعقولية والعناية الواجبة ([190]).

ويقول أنصار الاتجاه المتقدم أن الاتفاقية تدعم مبدأ احترام الإرادة إلى درجة تتجاوز ما ينص عليه التقنين التجارى الموحد ، لأنها لم تضع قيودا على حرية المتعاقدين فى الاتفاق على ما يخالف أحكامها تماثل القيود التى ذكرتها المادة 102(3) من القسم الأول من التقنين التجارى الموحد ([191]).

163-  ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الكندية قدمت اقتراحا فى المؤتمر الدبلوماسى الذى عقد فى فيينا 1980 لإقرار مشروع الاتفاقية بتعديل المادة 5 من مشروع الاتفاقية (ويقابلها المادة 6 من الاتفاقية ) التى تجيز لطرفى العقد استبعاد تطبيق الاتفاقية أو تعديل أثر أى حكم من أحكامها. وتضمنت الصياغة المقترحة تقييد حرية المتعاقدين فى مخالفة أحكام الاتفاقية بحيث لا يجوز لهم الاتفاق على ما تفرضه الاتفاقية من التزامات تتعلق باحترام حسن النية ودرجة الحيطة والعناية المقبولة ، غير أن المناقشات لم تسفر عن الأخذ بهذا الاقتراح وانتهى الأمر برفضه ([192]) .

164-  وعلى الرغم من الاتجاه الفقهى المتقدم وما يستند إليه من حجج فإننا نرى أنه لا يجوز للمتعاقدين الاتفاق على ما يخالف حسن النية. ولعل فيما تضمنه تعليق الأمانة العامة للجنة اليونسترال على المادة 6 من مشروع الاتفاقية  (ويقابلها المادة 7/1 من الاتفاقية ) ما يعضد رأينا، فقد تناول التعليق أمثلة متعددة لتطبيقات حسن النية فى الاتفاقية، ثم أكد  فى نهاية التعليق على المادة 6 من المشروع أن" حسن النية أوسع نطاقا من هذه الأمثلة وينطبق على جميع جوانب تفسير وتطبيق هذه الاتفاقية " 

165-  وقد أخذت أحكام القضاء بهذا الاتجاه فى ظل العمل بالقانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع فى تفسيرها للمادة 3 من القانون الموحد التى كانت تجيز لطرفى العقد استبعاد القانون الموحد كليا أو جزئيا من التطبيق ([193]) .

166-  ومن القضايا التى عرضت على القضاء الألمانى فى ظل العمل بالقانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى سنة 1964 وأخذت بهذا التفسير قضية نظرتها محكمة استئناف Hamm الألمانية ، وتدور وقائعها حول عقد بيع منسوجات أبرم بين بائع إيطـإلى وصاحب مصنـع ملابـس ألمانـى. وتضمنت الشروط العامة للبائع الملحقة بعقد البيع أن المشترى ليس من حقه بعد أن يستلم البضاعة الإدعاء بوجود عيوب فيها. وبعد أن استلم المشترى البضاعة قام بفحصها فلم يكتشف وجود أى عيب فيها ، غير أنه بعد تصنيع الملابس وكيها ظهرت عيوب فى البضاعة وتبين عدم صلاحيتها. وعندما رجع المشترى على البائع تمسك بالشرط الذى يتضمن الإعفاء من المسئولية عن العيوب بعد استلام المشترى للبضاعة . وما يعنينا فى هذه القضية أن محكمة استئناف Hamm رفضت هذا الدفع وقضت فى 29 إبريل 1982 بعدم الاعتداد بالشرط لمخالفته لمبدأ من المبادئ الجوهرية التى يقوم عليها القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 ، وهو مبدأ حسن النية ([194])  .

167-  وهذا الحكم يوضح كيفيه تطبيق القضاء الألمانى للمادة 3 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964         ( ويقابلها المادة 6 من اتفاقية فيينا 1980 ) التى تجيز للمتعاقدين استبعاد حكم القانون الموحد من التطبيق على العقد كليا أو جزئيا . فقد أكد الحكم أن الشروط العامة للبائع الملحقة بالعقد لا يعتد بها إذا كانت تخالف مبدأً من المبادئ الجوهرية التى يقوم عليها القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى  1964 . ومن ثم فقد قيدت المحكمة إراده المتعاقدين فى الاتفاق على ما يخالف القانون الموحد ، وأكدت مبدأ عدم جواز الاتفاق على ما يخالف حسن النية على اعتبار أن هذا المبدأ يعد من المبادئ الجوهرية التى تقوم عليها الاتفاقية، ومن ثم  لا يجوز الاتفاق على مخالفته ([195]) .

(2) مبدأ اتخاذ الشخص سوى الإدراك كضابط لقياس سلوك أو تصرفات المتعاقدين :

168-  لقد استخدمت الاتفاقية ضابط الشخص العاقل reasonable person  كضابط سلوك وترجمته النسخة العربية بعبارة شخص سوى الإدراك، وهو شخص عادى متوسط الذكاء والحيطة والخبرة ويمارس ذات النشاط او العمل الذى يزاوله المتعاقد . وأشارت الاتفاقية فى عدة مواضع إلى هذا الضابط.

ولنأخذ مثالا يوضح ما نقول : وفقا للمادة 8 فقرة 2 من الاتفاقية تفسر البيانات والتصرفات الصادرة عن أحد الطرفين إذا لم يكن الطرف الآخر عالما بما يقصده أولا يمكن أن يجهله " وفقا لما يفهمه شخص سوى الإدراك وفى نفس صفه الطرف الآخر إذا وضع فى نفس الظروف " وهذا يعنى أنه لتفسير تصرفات أو أفعال المتعاقد إذا لم يكن الطرف الآخر عالما بما  يقصده او لا يمكن أن يجهله نضع هذا الشخص الوهمى سوى الإدراك فى مكان المتعاقد الآخر ثم نتساءل ما الذى كان سيفهمه هذا الشخص سوى الإدراك من السلوك أو التصرف .

169-  وقد أشارت الاتفاقية فى مواضع متفرقة لضابط الشخص سوى الإدراك، واتخذته ضابطا لقياس سلوك وإدراك المتعاقدين . فوفقا لحكم المادة 25 من الاتفاقية يشترط لاعتبار المخالفة التى تقع من أحد طرفى العقد " مخالفه جوهرية " توقع الطرف المخالف لنتيجة المخالفة ، ويتخذ الشخص سوى الإدراك من نفس صفه الطرف المخالف كضابط لتحديد مدى توقع المخالفة .ولذلك فإن قياس سلوك او تصرفات أطراف العقد بمقياس الشخص سوى الإدراك يعد من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ([196]) .

 

(3) ضابط المعقولية :

170-  كما أشارت الاتفاقية فى مواضع متفرقة إلى المعقولية كضابط يسترشد به القاضى كلما تركت له الاتفاقية سلطة التقدير . وقد اقتبست الاتفاقية ضابط المعقولية ، من قوانين الدول ذات النزعة الأنجلوأمريكية التى تستخدم اصطلاحات تعتمد على المعقولية مثل " خلال مدة معقولة " ، و " إذا وجد مبرر معقول " وهكذا .

171- ومن الجدير بالذكر أن القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 بشأن البيع الدولى للبضائع سبق اتفاقية فيينا فى ذلك ، وأشار إلى المعقولية reasonableness فى أكثر من موضع ، كما أن أحكام القضاء التى طبقت القانون الموحد اعتبرت " المعقولية " من المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد . واستخدمت مبدأ " المعقولية " فى سد النقص فى نصوصه طبقا للمادة 17 منه . ففى قضية Amran V . Tesa   ([197]) التى عرضت على القضاء الهولندى قالت المحكمة أن القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 ULIS  استخدم اصطلاحات استمدها من المعقولية ، إذ استخدمت المواد 10 ، 11 ، 22 ، 26(1) ، 26(4) ، 37 ، 42(2) ، 61(2)، 74 ، 88 ، 91  عبارات reasonable, unreasonable, reasonably ، ومن ثم فإن المعقولية تعد من المبادئ العامة التى يقوم عليها القانون الموحد وتستخدم لسد النقص فى النصوص فى المسائل التى أغفلتها الاتفاقية.

172-  وقد أخذت اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع (فيينا 1980) بفكرة المعقولية شأنها فى ذلك شأن القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى سنة 1964 . واستعملت اتفاقية فيينا 1980 فكرة المعقولية فى كثير من المواضع، فعلى سبيل المثال استعملت المواد 18(2)، 33(جـ) ، 39(1)  اصطلاح " خلال فترة معقولة " ، واستعملت المواد 34، 37 اصطلاح " نفقات غير معقولة " ، واستعملت المـادة 38 (3) اصــطلاح  " فرصة معقولة "، واستعملت المواد 43 ، 46(1)  اصطلاح " فى ميعاد معقول " ، واستعملت المادة 46(3) اصطـلاح " عبئا غير معقول " . واستعملت المواد 47(1) ، 63(1) اصطلاح " فترة إضافية تكون مدتها معقولة " . واستعملت المادة 72(2) اصطلاح " بشروط معقولة " ، واستعملت المادة 75 اصطلاح "على نحو معقول وخلال فترة معقولة " ، واستخدمت المادة 77 اصطلاح " التدابير المعقولة " ، واستعملت المادة 79 اصطلاح " من المتوقع بصوره معقولة " واستعملت المادة 85 اصطلاح " اتخاذ الإجراءات المعقولة " وهكذا .

ومما تقدم يتضح بجلاء أن الاتفاقية اتخذت المعقولية كضابط سلوك أحيانا ، وكمعيار يسترشد به القاضى كلما تركت له الاتفاقية سلطة التقدير أحيانا أخرى . ومن ثم يعد مبدأ المعقولية من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية .

(4) واجب التعاون بين المتعاقدين :

173-  أشارت نصوص الاتفاقية فى عدة مواضع إلى ضرورة التعاون بين طرفى العقد من أجل تذليل العقبات التى تحول دون تنفيذه . وهذا ما نستخلصه من المواد 32(3) ، 60(أ) ، 65 من الاتفاقية . إذ أوجبت المادة 32(3) على البائع إذا لم يكن ملزما بإجراء التأمين على نقل البضائع أن يزود المشترى، عندما يطلب ذلك ، بجميع المعلومات المتوفرة اللازمة ليتمكن من إجراء ذلك التأمين  وفرضت الاتفاقية على المشترى الالتزام باستلام البضاعة، وذكرت المادة 60(أ) أن الالتزام بالاستلام يتضمن قيام المشترى بجميع الأعمال التى يمكن توقعها منه بصورة معقولة لتمكين البائع من القيام بالتسليم . أما المادة 65 فقد أجازت للبائع أن يحدد شكل البضائع أو مقاييسها او الصفات الأخرى المميزة لها بنفسه وفقا لحاجات المشترى التى يمكن له معرفتها  ، إذا لم يقدم المشترى للبائع هذه المواصفات فى الميعاد المتفق عليه فى العقد أو خلال مدة معقولة بعد استلام  طلب بذلك من البائع .

ونستخلص من كل ذلك أن من واجب كل طرف من طرفى العقد أن يتعاون مع الطرف الأخر عند اللزوم لتنفيذ العقد ، ويعد هذا الواجب من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ([198]) .

(5) واجب الإخطار:

174-  أوجبت الاتفاقية على كل من طرفى العقد أن يخطر الطرف الآخر خلال مدة معقولة فى الحالات التى ذكرتها المواد 26، 39، 48، 79، 88 .

فقد ذكرت المادة 26 أن فسخ العقد لا يتم إلا إذا أعلن الطرف الذى يتمسك به وقوعه ، ولا يحدث هذا الإعلان أثره إلا إذا أخطر به الطرف الآخر . وقد أوجبت المادة 39(1) على المشترى أن يخطر البائع بالعيب الذى اكتشفه فى البضاعة خلال مدة معقولة من لحظة اكتشافه أو من اللحظة التى كان من واجبه اكتشافه وإلا فقد حقه فى التمسك بالعيب فى مطابقة البضاعة ([199]) . وتحدثت المادة 48 عن حق البائع فى إصلاح كل خلل فى تنفيذ التزاماته ولو بعد تاريخ التسليم، وتقضى الفقرة (2) منها بأنه إذا طلب البائع من المشترى أن يعلمه بما إذا كان يقبل التنفيذ ولم يرد المشترى فى ميعاد معقول جاز للبائع تنفيذ التزاماته فى الميعاد الذى حدده فى طلبه . أما المادة 79 فهى تتحدث عن عدم تنفيذ أحد طرفى العقد لالتزاماته بسبب عائق يعود إلى ظروف خارجه عن إرادته . وقد أوجبت الفقرة (4) منها على الطرف الذى لم ينفذ التزاماته أن يوجه إخطارا إلى الطرف الآخر بالعائق وأثره فى قدرته على التنفيذ . وطبقا للمادة 88 من الاتفاقية يجوز للطرف الملزم بحفظ البضائع وفقا لأحكام المادة 85 أو المادة 86 أن يبيعها بجميع الطرق المناسبة إذا تأخر الطرف الآخر بصورة غير معقولة عن حيازة البضائع أو عن استردادها أو عن دفع الثمن أو مصاريف حفظها بشرط أن يوجه إلى الطرف الآخر إخطارا بشروط معقولة بعزمه على إجراء البيع (الفقرة الأولى من المادة 88) . فإذا كانت البضائع عرضه للتلف السريع أو كان حفظها ينطوى على مصاريف غير معقولة ، وجب على الطرف الملزم بحفظ البضائع وفقا لأحكام المادة 85 أو المادة 86 أن يتخذ الإجراءات المعقولة لبيعها . ويجب عليه ، قدر الإمكان ، أن يوجه إلى الطرف الآخر إخطارا بعزمه على إجراء البيع ( الفقرة الثانية من المادة 88 ) .

وقياسا على الحالات المتقدمة التى أشارت إليها نصوص الاتفاقية وأوجبت على كل من طرفى العقد إخطار الطرف الآخر ، فقد استخلص الفقه أن من واجب المتعاقد إخطار الطرف الآخر خلال مدة معقولة كلما كانت الظروف تقتضى ذلك ولو فى غير الحالات المتقدمة ، وأن هذا الواجب يعد من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ([200]) . 

175-  ومن الغنى عن البيان أن المبادئ التى عرضناها فيما تقدم هى مجرد أمثلة للمبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية . فالاتفاقية غنية بكثير من المبادئ العامة الأخرى التى يمكن استخلاصها بسهولة من النصوص .

 

المبحث الرابــع

تطبيقات القضاء وهيئات التحكيم للمادة

7 (2) من الاتفاقية

تقســيم :

176-  ذكرنا فيما تقدم أن المادة 7 فقرة (2) من الاتفاقية أوجبت سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية، فإذا لم يجد القاضى ما يسعفه فى هذه المبادئ لسد النقص فى النصوص، وجب عليه الرجوع للقانون الواجب التطبيق الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص.

وقد عرضنا فيما سبق لبعض الأحكام القضائية وقرارات هيئات التحكيم التى طبقت المادة 7 (2) من الاتفاقية . وسوف نتناول المزيد من هذه الأحكام بشئ من التفصيل لبيان كيفية استخلاص القضاء وهيئات التحكيم للمبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، وكيفية سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق القانون الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص وذلك فى مطلبين كالآتى :

المطلب الأول :  أمثلة للمبادئ العامة التى استخلصتها المحاكم وهيئات التحكيم .

المطلب الثانى : سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق القانون الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .

 

المطلب الأول

أمثلة للمبادئ العامة التى استخلصتها المحاكم

وهيئات التحكيم

177-  استخلصت المحاكم وهيئات التحكيم بعض المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، نخص بالذكر منها المبادئ التالية :

المبـدأ (1) : 

178-   مكان دفع التعويضات التى تقدرها المحكمة للمشترى طبقا للمادة 45 والمادة 74 من الاتفاقية هو المكان الذى يوجد فيه مقر عمل الدائن بقيمة التعويضات ([201]).

القضيـــة :

179-  اشترى ألمانى يقع مركز أعماله الرئيسى فى مدينة Krefeld بألمانيا ماكينة تقطيع أخشاب من بائع مركز أعماله كائن فى ولاية أنديانا الأمريكية بغرض تركيبها فى خط إنتاج أثاث فى مجمع صناعى كائن فى روسيا. وبعد عمل الماكينة بفترة وجيزة وقع حادث أثناء تشغيلها بسبب وجود عيب فيها مما أدى إلى وفاة أحد العمال وإصابة عامل آخر فى مجمع تصنيع الأثاث الروسى . أقام المشترى الألمانى دعوى ضد بائع الماكينة الأمريكى أمام محكمة Krefeld Regional Court الألمانية ( محكمة أول درجة ) طالبا التعويض لتغطية كافة نفقات إصلاح الماكينة ، كما طلب من المحكمة إصدار حكم تقريرى declaratory judgment يثبت حقه فــى التعويض عن المبالغ والمصروفات التى قد يتكبدها بسبب الدعاوى التى عسى أن تقام عليه من مجمع تصنيع الأثاث الروسى، والتعويضات التى قد يقضى بها ضده . دفع المدعى عليه (البائع الأمريكى ) بعدم اختصاص القضاء الألمانى بنظر الدعوى ، غير أن المحكمة رفضت الدفع وقضت للمدعى بالتعويضات ، فاستأنف المدعى عليه الحكم ، غير أن محكمة الاستئناف لم تأخذ بما طلبه المستأنف وقضت ضده بالتعويضات .

        وما يعنينا فى هذه القضية أن المحكمة وجدت  أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع نافذة فى الولايات المتحدة اعتبارا من أول يناير 1988 لأنها طرف فى الاتفاقية ، وأنها واجبة التطبيق على العقد تطبيقا لحكم المادة 1 (1) (ب) ، الاتفاقية ، ومن ثم فقد قضت المحكمة بالتعويضات طبقا للمادتين 45 ، 74 من الاتفاقية . أما فيما يتعلق بمكان دفع التعويضات ، فقد قالت محكمة الاستئناف أن الاتفاقية لم تحدد مكان دفع التعويضات التى تقدرها المحكمة تطبيقا للمادتين 45 ، 74 من الاتفاقية ، ومن ثم يتعين الرجوع للمبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية لتحديد مكان دفع التعويضات تطبيقا لحكم المادة 7 فقرة (2) . ولما كانت المادة 57 فقرة 1 (أ) من الاتفاقية توجب على المشترى الوفاء بالثمن فى مكان عمل البائع، فقد استخلصت المحكمة من ذلك مبدأ عاما من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية، وهو مبدأ إلزام المدين  بدفع ما عليه من دين نقدى فى مكان عمل الدائن ، وبناء عليه فقد أوجبت على البائع الأمريكى ( المدين بقيمة التعويضات ) دفع التعويضات فى مكان عمل المشترى الألمانى (الدائن بقيمة التعويضات ) .

180-  ويقول الأستاذ Schlechtriem فى تعليقه على هذا الحكم ان الاتفاقية لم تحدد المكان الذى تدفع فيه التعويضات . غير أن المادة 57 (1) أ من الاتفاقية توجب على المشترى ( المدين ) أن يفى بالثمن فى مكان عمل البائع (الدائن) . وهذا المبدأ يعتبر من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ويلزم الرجوع اليه لسد النقص فى النصوص تطبيقا لحكم المادة 7 فقرة (2) من الاتفاقية . وبناء على ذلك فإن تحديد المحكمة مكان عمل المشترى (الدائن بقيمة التعويضات ) محلا لدفع التعويضات يقوم على أساس سليم ([202]).

181-  ويقول الفقيهان Enderlein & Maskow إن المادة 57 (1) أ من الاتفاقية تتحدث فقط عن المكان الذى يلتزم فيه المشترى بسداد الثمن ، فهى توجب عليه الوفاء بالثمن فى مكان عمل البائع، ومع ذلك فإن هذا المبدأ يمتد تطبيقه إلى أى مبالغ مالية تدفع فى إطار العقد مثل التعويضات ، والشروط الجزائية ، والمصروفات، والفوائد ، والنفقات ([203]) .

المبــدأ (2) : 

182-  المادة 57 من الاتفاقية التى توجب على المشترى أن يدفع الثمن فى مكان عمل البائع تعبر عن مبدأ من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية مضمونه إلزام المدين بأن يدفع ما عليه من دين نقدى فى مكان عمل الدائن . وهذا المبدأ مقنن فى المادة 6/1/6 من مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles ومن ثم فإن المبلغ غير المستحق يجب رده فى مكان عمل الدائن[204]))

القضيـــة :

183-  باعت شركة ألمانية آلة صناعية إلى شركة فرنسية ، وبعد أن استلم المشترى الآلة إدعى أن المبلغ الذى دفعة يفوق ثمن الآلة فرفع دعوى أمام القضاء الفرنسى لإلزام البائع برد المبلغ الذى يتجاوز ثمن الآلة .

وقد نظرت محكمة استئناف جرينوبل القضية - بعد استئناف الحكم الصادر من أول درجة فوجدت أن اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع واجبة التطبيق على النزاع لأن قواعد القانون الدولى الخاص تؤدى إلى تطبيق القانون الفرنسى ، وأن الاتفاقية تعتبر جزءا من القانون الفرنسى على اعتبار أن فرنسا دولة متعاقدة .

وما يعنينا فى هذه القضية أن الشركة البائعة دفعت بعدم اختصاص المحكمة ، وقد تصدت محكمة الاستئناف للرد على هذا الدفع فقالت أن الفصل فى مسألة الاختصاص يرتبط بتحديد المكان الذى يلتزم فيه البائع برد المبلغ الذى يطالب به المشترى تطبيقا للمادة 5/1 من الاتفاقية الأوروبية بشأن الاختصاص وتنفيذ الأحكام فى المسائل المدنية والتجارية ( اتفاقية بروكسل 1968 ) . وقالت المحكمة أن مكان رد المبلغ غير المستحق على المشترى من المسائل التى أغفلت الاتفاقية تنظيمها ،  ومن ثم يتعين سد هذا النقص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها وفقا للمادة 7/2. واستطردت المحكمة قائلة أن المادة 57 من الاتفاقية التى توجب على المشترى أن يدفع الثمن فى مكان عمل البائع تعبر عن مبدأ من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية بموجبه يجب على المدين أن يفى بما عليه من التزام نقدى فى مكان عمل الدائن . وهذا المبدأ ليس مجرد مبدأ من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية فحسب ، بل هو مبدأ عام من مبادئ عقود  التجارة الدولية ، وهو مقنن فى المادة 6/1/6 من مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles  ومن ثم فقد وجدت المحكمة ان مكان رد المبلغ غير المستحق هو مكان عمل المشترى وبناء عليه فقد قررت محكمة الاستئناف اختصاصها .

 

المبــدأ (3) :

184-  عبء إثبات وجود عيب فى البضاعة يقع على عاتق المشترى، وما ذلك إلا تطبيق لمبدأ عام من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية وفقا للمادة 7/2 . ([205])

القضيــة :       

185-  أبرم بائع إيطالى عقدا مع مشترى سويسرى محله تصنيع أثاث وتوريده . وسلمت البضاعة المبيعه إلى المشترى ، غير أنه أمتنع عن الوفاء بالثمن مدعيا بأنها غير مطابقة للعقد ، كما رفض العرض الذى قدمه البائع بإصلاح أى عيب فى المطابقة يدعى المشترى وجوده فى البضاعة .

وما يعنينا فى الأمر أن النزاع نظرته محكمة  استئناف زيورخ فوجدت أن مركزى أعمال كل من البائع والمشترى يقعا فى دولتين متعاقدتين ، وأن عقد تصنيع وتوريد الأثاث يعد بيعا ، ومن ثم يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع وفقا للمادة 1 (1) أ ،  3 (1) من الاتفاقية . وقالت محكمة الاستئناف أن المشترى فقد حقه فى التمسك بعدم مطابقة البضاعة لأنه لم يقدم دليلا على وجود أى عيب فى المطابقة، كما أنه تخلف عن واجب إخطار البائع بعدم المطابقة خلال مدة معقولة من لحظة اكتشافه للعيب الذى يدعى وجوده . واستخلصت المحكمة من نصوص الاتفاقية أن عبء اثبات وجود العيب فى البضاعة يقع على عاتق المشترى ، وأن هذا المبدأ الذى يفهم ضمنا من المادتين 38 ، 39 من الاتفاقية ما هو إلا تطبيق لمبدأ عام من المبادئ التى تقوم عليها الاتفاقية التى أشارت إليها المادة 7 فقرة (2) منها .

وبناء عليه ألزمت المحكمة المشترى بالوفاء بكامل الثمن والفائدة وفقا لسعر الفائدة المقرر فى القانون الإيطالى .

 

المبــدأ (4) :

186-  التعويض الكامل هو أحد المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، وينبنى على ذلك أن سعر الفائدة يحسب على أساس متوسط سعر الفائدة البنكية السائد فى بلد الدائن، وبعملة بلده، أو العملة التى يتم الاتفاق عليها . وهذا المبدأ يتفق مع ما قررته المادة 7/4/9 من مبادئ العقود التجارية الدولية ([206])  

القضيــة :

187-  فى عامى 1990 ، 1991 أبرمت عدة عقود بيع ألواح معدنيـة ( فوب، ميناء هامبورج ) بين بائع نمساوى ومشترى ألمانى ، واتفق على تسليم البضاعة فى موعد أقصاه مارس 1991 . ونظرا لعدم قدرة المشترى على الوفاء بكامل قيمة البضاعة وفقا لمواعيد التسليم المتفق عليها فقد وافق البائع على تجزئة البضاعة وتسليمها على دفعات ليتمكن المشترى من الوفاء بقيمة كل دفعة عقب استلامها بما يتناسب مع قدرته المالية . واستلم المشترى جزءا من البضاعة ولكنه رفض استلام الجزء  الباقى منها ، كما رفض الوفاء بثمن الكمية التى استلمها رغم مطالبته بالسداد . ونظرا لوجود شرط تحكيم فى العقد فقد اتخذ البائع إجراءات التحكيم طالباً إلزام المشترى بالوفاء بثمن كمية البضاعة التى استلمها ، بالإضافة إلى المطالبة بالتعويض عما لحقه من خسارة بسبب إعادة بيع كمية البضاعة التى رفض المشترى استلامها بسعر يقل عن السعر المتفق عليه فى العقد ، فضلا عن الفوائد .

ونظرت هيئة التحكيم التى شكلت من محكم واحد النزاع فوجدت أن الطرفين قد اختارا القانون النمساوى ليحكم العقد ، ومن ثم تكون اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع واجبة التطبيق لأنها جزء من القانون النمساوى على اعتبار أن النمسا طرف فى الاتفاقية .

وقررت هيئة التحكيم إلزام البائع بالوفاء بثمن كمية البضاعة التى استلمها تطبيقا للمادة 53 ، 61 من الاتفاقية . أما فيما يتعلق بالبضاعة التى رفض المشترى استلامها فأعاد البائع بيعها بسعر أقل من السعر المتفق عليه فى العقد فقد قررت هيئة التحكيم أن من حق البائع إعادة بيع البضاعة ، بل إن من واجبه إعادة بيعها لتقليل الخسائرthe duty to mitigate  طبقا للمادة 77 من الاتفاقية ، ومن ثم فقد ألزمت هيئة التحكيم المشترى بأن يدفع للبائع الفرق بين الثمن المتفق عليه فى العقد والثمن الأقل الذى بيعت به البضاعة.

أما فيما يتعلق بسعر الفائدة فقد قررت هيئة التحكيم أحقية البائع فى الحصول على فائدة عن المبلغ غير المدفوع من الثمن تحسب اعتبارا من تاريخ الاستحقاق تطبيقا لحكم المادتين 58 ، 78 من الاتفاقية . وحيث أن الاتفاقية أغفلت تحديد سعر الفائدة ، وأن المادة 7/2 من الاتفاقية أوجبت سد النقص فى النصوص فى المسائل التى تخضع لأحكام الاتفاقية ولم تحسمها نصوصها عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها فإن سعر الفائدة يجب تحديده وفقا للمبادئ العامة التى أشارت إليها المادة 7/2 من الاتفاقية .

وقد استخلصت هيئة التحكيم من المادتين 74 ، 78 من الاتفاقية أن مبدأ التعويض الكامل full compensation هو أحد المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ، وطبقت هذا المبدأ لتحديد سعر الفائدة الذى أغفلت الاتفاقية تحديده . وفى بيان ذلك قالت هيئة التحكيم أنه إذا تأخر المدين عن الوفاء بما فى ذمته للدائن فمن المتوقع أن يلجأ الدائن للاقتراض من أحد البنوك بسعر الفائدة البنكية السائد فى دولته بعمله تلك الدولة أو بالعملة التى يتفق عليها ، وبناء عليه يحق للبائع الحصول على فائدة عن المبلغ غير المدفوع من الثمن طبقا لسعر الفائدة البنكية السائد فى دولته . وأضافت هيئة التحكيم أن هذا الحل يتفق أيضا مع ما قررته المادة 7/4/9 من مبادئ العقود التجارية الدولية Unidroit Principles. ومن ثم ألزمت المشترى بدفع الفائدة محسوبة على أساس متوسط سعر الفائدة البنكية السائد فى النمسا (دولة البائع ) ، بالدولار الأمريكى و المارك الألمانى .

 

المبــدأ (5) :

188-  يحسب سعر الفائدة عن المبالغ التى تقدرها هيئة التحكيم للمشترى على سبيل التعويض على أساس متوسط سعر الفائدة البنكية على القروض قصيرة الأجل ، وهو السعر الذى تحدده المادة 7/2/9 من مبادئ العقود التجارية الدولية ، والمادة 4/57 من مبادئ قانون العقد الأوروبى . ويعتبر تحديد سعر الفائدة على هذا الأساس بمثابة مبدأ من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية يتعين تطبيقه لسد النقص فى نصوصها ([207]) .

القضيــة :

189-  نظرا لارتباط تاجر سويسرى بعقد توريد أسمدة كيميائية ، والتزامه بتسليم الكمية المتفق عليها على دفعات فى مواعيد محدده وإلا تعرض لتوقيع غرامات تأخير عليه ، فقد تعاقد على شراء كمية من الأسمدة الكيميائية من تاجر أسمدة نمساوى آخر. غير أن البائع النمساوى لم يكن لديه كمية الأسمدة المطلوبة بالكامل ، ولذلك فقد تعاقد بدوره مع تاجر أسمدة أوكرانى لتوريد كمية من الأسمدة لاستكمال النقص فى الكمية المطلوبة منه وفقا لعقد البيع المبرم مع المشترى السويسرى . وتم الاتفاق على قيام المشترى السويسرى بتصنيع العبوات وفقا للمواصفات التى زوده بها البائع النمساوى، وأرسلت العبوات بعد تصنيعها إلى المورد الأوكرانى ليستخدمها فى تعبئة البضاعة المطلوبة، غير أن المورد الأوكرانى تعذر عليه استخدامها فى تعبئة البضاعة لأنها غير مطابقة للمواصفات الفنية للعبوات المستخدمة فى الصناعات الكيميائية الأوكرانية ، مما تسبب فى عدم توريد كامل البضاعة فى المواعيد المتفق عليها . واستعلم المشترى السويسرى من البائع عن ميعاد تسليم باقى كمية البضاعة المطلوبة ، وأنذره بأنه فى حالة عدم تلقيه ردا يتضمن تحديد مواعيد للتسليم فسوف يفسخ العقد جزئيا فى حدود كمية البضاعة التى لم تسلم إليه . ورد البائع على المشترى ولكنه لم يحدد فى رده مواعيد معينة لتسليم البضاعة مما أضطر المشترى إلى شراء بضاعة بديلة بسعر أعلى من السعر المتفق عليه فى العقد لكى يفى بالتزاماته المنصوص عليها فى عقد التوريد المبرم مع الغير .

ثم أقام المشترى دعوى تحكيمية طالبا القضاء له بالتعويضات عن الخسائر التى لحقته بسبب شراء بضاعة بديلة عن البضاعة المتفق عليها بسعر مرتفع ، بالإضافة إلى المبالغ التى أنفقها لتصنيع العبوات التى أرسلها إلى المورد الأوكرانى ، وفوائد المبالغ المستحقة وفقا لسعر الفائدة المعلن من بنك لندن  Libor + 2%.

ونظرت هيئة التحكيم الدعوى فوجدت أن العقد المبرم بين البائع النمساوى والمشترى السويسرى خاضع لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولى للبضائع . وقالت هيئة التحكيم فى حيثيات الحكم الصادر منها فى القضية أن البائع النمساوى (المدعى عليه) خالف العقد مخالفة جوهرية لأنه لم يزود المشترى بالمعلومات الضرورية اللازمة لتمكينه من تصنيع عبوات تتفق مع المواصفات الفنية المطلوبة فى أوكرانيا . وذكرت هيئة التحكيم أنه على الرغم من أن التأخير فى التسليم لا يعتبر عادة من قبيل المخالفة الجوهرية ولا يبرر فسخ العقد إلا بعد انقضاء المهلة الإضافية التى قد يمنحها المشترى للبائع دون تنفيذ التزامه بالتسليم وفقا للمادة 47/1 من الاتفاقية ، إلا أن التسليم المتأخر يعتبر مخالفة جوهرية إذا كان ميعاد التسليم له أهمية بالغة بالنسبة للمشترى مع علم البائع بذلك . والحال كذلك فى القضية المعروضة لأن البائع كان على علم بأن التأخير فى تسليم البضاعة إلى المشترى سوف يمنع المشترى من تنفيذ التزامه بالتوريد ويحمله بغرامات التأخير المنصوص عليها فى عقد التوريد الذى أبرمه مع الغير ، بالإضافة إلى ما قد يتكبده من فروق أسعار بسبب اضطراره لشراء بضائع بديله ، ومن ثم فمن حق المشترى فسخ العقد جزئيا تطبيقا للمادة 51/1 ، والمادة 73 من الاتفاقية . و اعتبرت هيئة التحكيم أن العقد قد تم فسخه جزئيا لأن المشترى أخطر البائع بأنه إذا لم يتلق ردا منه يتضمن تحديد مواعيد للتسليم فسوف يفسخ العقد جزئيا فى حدود كمية البضاعة التى لم تسلم إليه .

وبناء على ذلك ألزمت هيئة التحكيم البائع بدفع تعويضات للمشترى مقابل ما تكبده من خسائر بسبب تصنيع العبوات وفروق أسعار شراء البضاعة البديلة تطبيقا للمواد 49/1 (أ) ، 74 ، 75 من الاتفاقية . وذكرت هيئة التحكيم أن المشترى يستحق فائدة عن مبلغ التعويض تطبيقا للمادة 78 من الاتفاقية. أما فيما يتعلق بسعر الفائدة وهو ما يعنينا فى القضيـة قالت هيئة التحكيم ان الاتفاقية لم تحدد سعر الفائدة ، ومن ثم يجب سد هذا النقص عن طريق تطبيق المبادئ العامة التى تقوم عليها إعمالا للمادة 7 فقرة (2) من الاتفاقية .

وفى استخلاصها لسعر الفائدة من المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية قالت هيئة التحكيم ان الفائدة التى يستحقها المشترى تحسب على أساس متوسط سعر الفائدة  البنكية على الإقراض قصير الأجل وهو السعر الذى تحدده المادة 4/7/9 من مبادئ العقود التجارية الدولية   Unidroit Principles  والمادة 4/57 من مبادئ قانون العقد الأوروبى Principles of European Contract Law ، إذ تعتبر قواعد تحديد السعر بهذه الطريقة بمثابة مبادئ عامة تقوم عليها الاتفاقية ويتعين تطبيقها لسد النقص فى النصوص . ولما كان سعر الفائدة السائد فى بنك لندنLibor  + 2% وهو الذى يطلب المشترى احتسابه على المبلغ يتوافق مع متوسط سعر الفائدة البنكية على الإقراض قصير الأجل ، فقد قضت هيئة التحكيم بإلزام البائع بالفائدة محسوبة على أساس هذا السعر .

المطلب الثانى

سد النقص فى النصوص عن طريق تطبيق القانون الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص

190- وفقا للمادة 7 فقرة (2) من الاتفاقية يجب على القاضى ، إذا لم يجد فى المبادئ العامة التى تقوم عليها الاتفاقية ما يسعفه لسد النقص فى النصوص ، أن يستكمل النقص عن طريق تطبيق القانون الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص .

191- وقد أوضحنا فيما تقدم وجوه الاختلاف بين اتفاقية فيينا 1980 والقانون الموحد المحلق باتفاقية لاهاى 1964 فيما يتعلق بمدى جواز اللجوء للقانون الوطنى الذى تحدده قواعد القانون الدولى الخاص كوسيلة لتكملة النقص فى نصوص الاتفاقية، إذ بينما استبعدت المادة 2 من القانون الموحد الملحق باتفاقية لاهاى 1964 تطبيق القانون الو